ألـوان الـحـب " الـفـصـل 4 "
أخذتْ تجوب غرفتها ذهابًا وإيابًا وهي تشعر بالقلق الشديد؛ فبعد ذهاب زوجها ليلة أمس وهو لم يعد بعد، رغم وعده بعدم التأخر إلا أنه تأخر حتى شروق الشمس وكلما حاولتْ الاتصال به تجد رسالة صوتية تخبرها بأن هاتفه مغلق، زفرت بضيق وهي تجلس فوق الفراش بتعب ورأس يكاد تنفجر من كثرة التفكير حتى توقف تفكيرها للحظات فور أن استمعت لدقاتٍ فوق الباب، لتتجه بخطوات متعثرة نحو الباب لتفتحه وهي تظن أن الطارق هو الشخص الذي تنتظره ليخيب ظنها فور أن رأتْ شقيقها هو من يقف أمامها.
زفرت بإحباط وهي تعود للداخل مجددًا ليتبعها شقيقها وهو يغلق الباب خلفه تقدم ليجلس بجانبها فوق الفراش وهو يحدثها بمرح محاولًا إخراجها من حالة القلق التي تستولي عليها:
_ نفسي أعرف إنتِ قلقانة ليه؟ هو بقاله شهر غايب! اهدي.
رمقته لين بنظرات غاضبة قبل أن تقول:
= ما هو اللي إيده في المية مش زي اللي إيده في النار.
ضحك أمير بخفة وهو يحاوط كتفها بيده ليقول بنبرة هادئة:
_صدقيني إنتِ قلقانة على الفاضي وأنا متأكد إنه كويس وهتلاقيه داخل عليكِ دلوقتي.
نظرت إليه بضيق وهي تحدثه بتهكم:
= طيب لو عدى اليوم من غير ما ييجي يا فالح؟
أجابها أمير بثقة:
_ هقلب الدنيا عليه لحد ما جيبهولك من قفاه.
ضحكت لين رغمًا عنها فابتسم امير وهو يحدثها بنبرة مطمئنة:
_ متقلقيش عليه، هو مش عيل صغير.
تن*دت لين بتعب وهي تعود لتنظر أمامها مجددًا قائلة برجاء:
= ربنا يرجعه بالسلامة.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
فتح عيونه بتثاقل سرعان ما أغلقها فور أن اصطدم الضوء بعينيه ليعود ويفتحهم مجددًا وهو يرفرف برموشه عدة مرات؛ حتى يعتاد على الضوء لترتفع يده يسند بها رأسه التي تكاد تنفجر من ألمها وهو يجلس على الفراش يتفحص المكان حوله بتعجب، لتقع عينيه على قميصه الملقي فوق الأرضية بإهمال لينظر إلى نفسه سريعًا وعينيه تتسع بصدمة فور أن رأى ص*ره العاري، ليرفع عينيها مرة أخرى فور أن وصل إليه صوت تلك الشهقات الخافتة؛ ليبحث عن صاحب الصوت حتى توقفت عينيه فوق تلك الجالسة على الأرض بجانب الفراش تضع ركبتيها إلى ص*رها تبكي ب**ت، ليقف على قدميه متجاهلًا ألم رأسه الذي ازداد أكثر وهو يتجه نحوها ليجثو علي قدميه بجانبها وهو يمد يده ليضعها فوق كتفها قائلا بتساؤل:
_كارمن إنتِ كويسة؟!
انتفضت مبتعدة عنه فور أن شعرت بلمسة يده وهي تحدثه برجاء ودموعها تغرق وجهها:
= ابعد عني، متلمسنيش.
عقد حاجبيه بتعجب وهو يتسائل مجددًا بحيرة:
_ خلاص اهدي بس وقوليلي إيه اللي حصل؟
نظرت إليه كارمن:
= ليه؟! إنتَ مش فاكر إنتَ عملت إيه؟!
زفر سليم بنفاذ صبر وهو يقول:
_ لا مش فاكر إيه اللي حصل؟
عادت كارمن للبكاء مجددًا واضعة يدها فوق وجهها وهي تقول:
= إنتَ خُنتْ ثقتي فيك يا سليم، أنا دخلتك بيتي وإنتَ...
ولم تستطيع أن تكمل باقي جملتها ليرتفع صوت نحيبها أكثر وهي تستمع لصوته الذي تسائل مجددًا بريبة وهو يأمل أن تُكذِّب ما يدور بعقله:
_ كارمن هو حصل حاجة بينا إمبارح؟
أومأت كارمن بمعنى نعم ولم تتوقف على البكاء، بينما انتفض الآخر واقفًا على قدميه وعينيه تتسع بصدمة وهو يهز رأسه بعنف محاولًا عدم تصديقها؛ فهي بالتأكيد تكذب لتتبدل صدمته بغضب وهو يقول:
_ إنتِ كذابة، أكيد محصلش حاجة، أنا مستحيل أعمل كده.
رفعت وجهها شديد الاحمرار من بين يديها وهي تنظر إليه لتستند على الفراش خلفها؛ حتى تستطيع الوقوف لتحدثه بغضب قد سيطر عليها من حديثه:
= مش مصدقني! طيب أنا هثبتلك.
اتجهتْ إلى جانب الفراش؛ لتزيل الغطاء من فوقه لتظهر له دليلها وتشير نحو بقعة الدماء التي بمنتصفه قائلة بحسرة:
= أظن دي تثبتلك كلامي.
ربما كان داخله أملًا واحد في عدم صدقها ولكن بعد رؤيته لهذا الدليل قد تبخر ليصبح رمادًا ليس له قيمة، ليعود إلى الخلف عدة خطوة وهو يهز رأسه بنفي قائلًا بصدمة:
_ مستحيل، مستحيل.
انحنى ليلتقط قميصه الملقى فوق الأرض ثم اتجه سريعًا إلى خارج الغرفة ومنها إلى خارج المنزل بأكمله الذي أصبح ضيقًا جدًّا عليه رغم وسعه الكبير، إلا أنه شعر بضيق أنفاسه بداخله حتى وإن كان انتظر لثوانٍ أخرى؛ لكان اختنق حتمًا.
لتتابعه كارمن بعينيها حتى استمعت لصوت الباب ينغلق لتبتسم بمكر وهي تمسح بإصبعها تلك الدموع الوهمية التي كانت تنزلهم أمامه لتحدث نفسها بسعادة وهي تلقي بجسدها فوق الفراش:
=وأخيرًا جت نهاية الانتظار وقريب أوي هيحصل اللي اتمنيته.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
وقفتْ كارما في المطبخ تعد القهوة لنفسها وهي تأمل بداخلها أن تخفف من ذلك الألم الذي ض*ب رأسها فجأة حتى دخلت سما إلى المطبخ لتتجه نحوها وهي تقول بابتسامة:
- إزيك يا كارما.
بادلتها كارما الابتسام وهي تقول:
= تمام الحمد لله.
نظرت سما إلى ما تفعله وهي تتسائل بفضول:
- بتعملي إيه؟
أجابتها كارما وهي تولي اهتمامها لما تفعله:
= قهوة ؛ أصل دماغي وجعاني أوي.
نظرت إليها سريعًا بعدما كانت تنظر إلى القهوة لتتسائل بقلق:
- لا ألف سلامة عليكِ، تحبي أطلبلك الدكتور؟
أجابتها كارما بابتسامة هادئة:
= لا مش للدرجادي أنا بس هشرب القهوة وهبقى كويسة.
زفرت سما بارتياح و هي تقول:
-طيب براحتك بس لو منفعتش قوليلي وفي ثانية يبقى عندك الدكتور.
ضحكت بخفة وهي تحدثها بمرح:
= حاضر يا أبلة،ها تحبي أعملك معايا؟
اومأت سما بمعنى نعم وهي تقول:
- ماشي.
ابتسمت لها قبل أن تعود باهتمامها لقهوتها التي تعدها غافلة عن تلك التي كانت تحدث بها بتدقيق محاولة تذكرها؛ فهي متأكدة أنها رأتها من قبل ولكن أين؟ ومتى؟ هذا ما تحاول تذكره أنهت كارما إعداد القهوة ثم التفت إلى سما وأعطتها خاصتها فابتسمت ثم أخذتها منها وهي تقول:
- شكرا تسلم إيدك.
ابتسمت بخفة وهي تقول بهدوء:
= شكرا، عن إذنك هروح أوضتي.
ابتعدت سما عن طريقها وهي تقول:
- اتفضلي.
ذهبت كارما بينما تبعتها سما حتى اختفت عن أنظارها لتمر ثواني قبل أن تفرقع أصابعها وهي تقول بتذكر:
- أخيرًا افتكرت أنا شوفتها فين.
**تت لبرهة وهي تضع يدها أسفل ذقنها لتقول بتفكير:
- بس ممكن أكون غلطانة؛ يبقى لازم أتأكد.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
عاد سليم إلى منزل عائلة زوجته وهو لا يعرف كيف وصل أساسًا ولكن كل ما كان يفكر به هو زوجته يريد أن يراها، وفي نفس الوقت يشعر بالخجل منها وقد حارب نفسه كثيرًا؛ حتى لا يذهب ولكنه تذكر وعده لها بعدم التأخر وبالتأكيد هي قلقة عليه الآن لذلك استسلم لرغبته وذهب إليها.
ليكون أول من استقبله هو أمير الذي سأله بقلق فور أن رئاه:
= إيه يا ابني كونت فين كل ده؟
نظر إليه سليم بنظرات متوترة كنبرته حين تحدث ليخبره بأي سبب أخر:
- كنت عند واحد صاحبي كان عنده مشكلة.
_ سليم...!!
التفت خلفه فور أن سمع ذلك النداء باسمه ليتفاجئ بها وهي تلقي بنفسها داخل أحضانه معانقة اياه بقوة وهي تحمد الله انه بخير لترتفع يده ببطء مترددًا فيما سيفعله، ولكن رغبته في قربها أنسته تردده ليحاوطها مقربًا إياها اليه وهو يستمع لسؤالها القلق وهي تبتعد لتحاوط وجهه بين يديها تتفحصه:
_ سليم إنتَ كويس؟ حصلك حاجة؟
أمسك سليم بيدها ليطبع قبلة على كلا منهما وهو يقول بحنان:
-متقلقيش أنا كويس.
تنحنح أمير بصوت مسموع لتلتفت نحو لين وهي ترمقه بنظرات غاضبة بعدما قال بمرح:
= على فكرة انا لسة هنا.
زفر لين بضيق قبل أن تعود بنظرها إلى سليم مجددًا قائلة بتساؤل:
_ ممكن أعرف إنتَ قافل تليفونك من إمبارح ليه؟!
- معلش تليفوني كان فاصل شحن.
نظرت إليه لين بتعجب من حالته وهي تتسائل:
_ مالك يا سليم؟ إنتَ كويس؟
أخفض سليم نظره وهو يجيبها بكذب:
- أيوة كويس، متقلقيش.
أومأت لين في **ت قبل أن تستمع لأخيها وهو يقول بهدوء:
= اتطمنتِ عليه يا أختي، أهو زي الفل أهو.
نظرت نحوه لبرهة ثم عادت تنظر إلى شقيقها وهي تقول بابتسامة:
_ أيوة اتطمنت يا غلث.
نظر إليها أمير بغضب طفولي وهو يقول:
= سليم ،خُد مراتك من هنا بدل ما أطردها أنا.
شهقت لين بخفة قبل أن تقول بمرح:
_ تطرد مين يا بابا، ده أنا أطردك إنتَ ومراتك الهبلة دي من هنا.
ارتفع حاجبيه بدهشة مصطنعة قبل أن يقول:
= مراتي الهبلة! فينك يا رغدة تسمعي أعز أصحابك وهي بتشتمك في غيابك؟
أجابه صوت رغدة التي أتت من خلفه وهي تقول بابتسامة صفراء:
- سمعت يا حبيبي، ما هي دايمًا كدة ناكرة للصداقة اللي بينا.
ضحك أمير بشدة على تعابير وجه أخته التي تحولتْ للضيق لتبادله رغدة الضحك وهي تتراجع لتقف خلف زوجها؛ حتى تتجنب غضب صديقتها التي على وشك أن تنفجر بها الآن.
ولكنها قررتْ ألّا تبالي بهم وهي تعود لتنظر إلى زوجها الذي يبدو عليه الشرود، لتضع يدها فوق كتفه وهي تهتف باسمه بهدوء لكنه لم يرد لترفع من نبرة صوتها قليلا وهي تعيد ندائه لينتفض بخفة وهو ينظر نحوها قائلًا بتساؤل:
- نعم، في حاجة؟
عقدت حاجبيها بتعجب وهي تتسائل:
_ مالك؟ حساك متغير، في حاجة مضايقاك؟
زفر سليم بهدوء محاولًا بثه بنفسه ليجيبها بثبات ع** ما بداخله:
- لا أبدًا ،بس تعبان شوية.
ابتسمت لين وهي تقول بهدوء:
_ إنتَ اللي بتتعب نفسك كتير في الشغل.
أومأ سليم بهدوء ثم تحدث سريعًا محاولًا الهروب من أي سؤال قد تطرحه مجددًا:
- طيب مش يلا نمشي بقى؛ علشان ألحق أروحك.
رمقته لين بنظرات متعجبة قبل يرتفع الغضب إلى عينيها وهي تقول:
_ليه إنتَ مش هتيجي معايا؟
أجابها سليم بهدوء وهو يعلم جيدًا نتيجة كلامه عليها:
- للأسف مش هقدر عندي اجتماع مهم بكرة ولازم أجهزله من انهاردة، بس أوعدك إني مش هتأخر.
كوَّرت قبضة يدها بقوة وهي تقول بعصبية:
_ آه مش هتتأخر زي إمبارح كده.
قاطع سليم حديثها قبل أن تفرغ ما بداخلها الآن ليقول بثقة:
-إمبارح كانت حالة مفاجئة وأوعدك إنه مش هيتكرر تاني.
التفت نحو رغدة التي تقف بجانب أمير ثم أكمل:
- وبعدين رغدة هتبقى معايا وأكيد لو اضطريتْ أتأخر هي اللي هتقولك.
زفرت لين بضيق وهي تقول:
_طيب يا سليم، يلا علشان ألحق أروح.
أومأ سليم ب**ت ليأخذها ويعود إلى منزله بعد توديعها لأخيها لتمر رحلة العودة في **ت، حتى وصلا لتترجل لين من السيارة دون أن توجه له أي كلمة؛ فهي تشعر بالغضب منه لذا لا تريد أن تتحدث معه وهذا ما كان يزعجه ولكنه أراد أن يشكرها على هذا؛ فهو في حالة تشتت ويشعر أنه إذا تحدثتْ وذكرت كلمة الأمس، وهذا ما ستفعله بالتأكيد كان ليفرغ كل ما بداخله ليفضح نفسه.
زفر بضجر وهو ينطلق بسيارته في طريق شركته بذهن شارد في ما حدث بالأمس وحديث كارمن، لا يعرف كيف فعل هذا من الأساس؟! فحتى وإن شرب زجاجة خمر كاملة لا يتأثر بها! إذًا كيف فعل ما قالته؟! حتى أنه لا يفكر بها؛ فهي آخر أولوياته، إذًا كيف فعل ذلك بالأمس؟ لا، هناك لغزٌ في هذا الأمر.
أخذ يفكر قليلًا حتى توصل لحل وهو أنها كاذبة وبالتأكيد هي تخطط لشيء ما، اشتعل الغضب بعينيه وقبضته تشتد على عجلة القيادة حتى كاد أن يزيلها من مكانها؛ ليزيد من سرعة سيارته، فجأة قبل أن يغير وجهته إلى وِجهةٍ يعرفها جيدًا...
_______________________________________