الفصل الاول
"أبي ....أتصدق هذا الأمر؟، هل تصدقه حقاً" قالت أميرة لوالدها والدموع تملأ عيونها أثناء ركوبهما الكارتة (الحنطور) وهي تسير بسرعة فرد والدها
"إهدئي يا إبنتي بالطبع لا أصدق، هذا غير معقول من الأساس، أنا أثق بك"
ثم نظر إليها وإذ بالدموع بدأت تنهمر من عيونها فأمسك بيدها وقال لها
"إهدئي الآن ياصغيرتي وسنلاقي العمدة أمين وعماد ونرى مايجب علينا فعله" ثم أمسك بالسياط وض*ب مرة أخرى على الفرس ليسرع أكثر...... وأخيراً وصلا إلى وجهتهم إلى منزل العمدة...أمين العمدة...
"أبي أبي عمي عزيز هنا قد رأيت الكارتة الخاصة به متجهة نحونا أتظن أنه سمع عن الأمر؟" قال عماد لوالده وهو في قلق شديد فرد أمين "من المؤكد أنه قد سمع، الأمر يملأ البلدة كلها والجميع لا يتحدث سوى عنه" فقال عماد "وماذا سنفعل يا أبي ما الذي علينا فعله" فأجاب العمدة وهو يربت على كتف إبنه عماد "إهدأ الآن سنرى...سنرى" ثم إتجها الإثنان إلى باب المنزل ليستقبلا عزيز وإبنته أميرة وما أن ترجلا عزيز وإبنته من الكارتة حتى أسرعا نحوهما إلا أنه فجأة سقط عزيز وإبنته غارقان في دمائهما أمامهم.
*********
"ياسيييييدي وحيد ، ياسيدي ، يا سيدي إهىء اهىء ، ياسيدي" صاح أحد العمال وهو يجري بسرعة ويبكي فوقف وحيد من على كرسيه وسأله "ما الأمر؟ لماذا تبكي؟" فرد الرجل "سيدي عزيز ...اهىء ..... سيدي عزيز وابنته....اهىء اهىء" فصاح به وحيد وقد أمسك بذراع الرجل ليجعله يتوقف عن البكاء ويتكلم فقال ولا يزال يبكي "العمدة أمين، العمدة أمين قتلهما الآن في منزله اهىء اهىء... قتلهما أمام عيني" فصاح وحيد وقد بدا الآلم على وجهه وهو لا يصدق مايسمع "ماذا تقول؟ هل أنت متأكد؟ لا ..لا يمكن ، كيف حدث هذا؟" فرد الرجل "سيدي عزيز وابنته ذهبا إليه" فقال وحيد "لماذا.. لماذا يا عزيز ألم أقل لك لا تذهب ما الذي كنت تتوقعه" ثم تن*د وبدأت الدموع تملأ عينيه وحوّل نظره بعيداً ليجد نادر ابن أخيه يقف من بعيد وهو ينظر له.
عقد نادر حاجباه وهو يستمع لما يقوله الرجل لعمه وحيد وهو لا يصدق مايسمع وقد بدأت الدموع تملأ عينيه هو الأخر ويتحدث إلى نفسه قائلاً "ماذا؟! العمدة قتل والدي وأختي لماذا....لماذا؟!" وهنا انتبه له عمه وناداه "تعال يا نادر تعال يا ابني" فأتى إليه نادر وهو على نفس الحالة والدموع حبيسة بعينيه وقلبه يكاد يتوقف ولا يصدق مايسمع فأمسك به عمه وحيد وانخفض قليلاً ليقترب منه وقال له "إبني" وضمه إليه قليلاً ثم عاد ونظر له وقال"أمين العمدة قتل والدك وأختك بعد أن إعتدى إبنه على أختك وبدلاً من أن يصلح خطئه راح وقتلهما" ثم قال وقد وضع يده على كتفي نادر "آآه ياصغيري قد وضع عليك حمل ثقيل وأنت لايزال عودك طري ولكن ماذا نفعل هذه حكمة ربنا" وهنا دخل هشام وهو يصيح ويبكي "أبي أبي لايمكن أن يكون مايقال صحيح.. لايمكن، هل هذا صحيح، هل قتل العمدة أمين أميرة وعمي؟..... لماذا لماذا قتلهما وإن كان عمي فعل شىء له فماذا فعلت أميرة له...لماذا قتلهما يا أبي لماذا؟" فرد وحيد "أميرة قُتلت لأنها هي السبب ياهشام ...أميرة هي السبب!" ثم راح يبكي وبعد قليل توقف عن البكاء ونظر إلى نادر وقال في صرامة "نادر أنت الآن رجل وعليك أن تأخذ بثأر والدك وأختك وكما إعتدى ابنه على أختك وقتلهما عليك أن تفعل بالمثل تماماً له ولأولاده" فنظر نادر له دون أن ينطق ببنت كلمة.
كانت الدموع قد بدأت تتسلل إلى عيون نادر عندما سمع خبر قتل والده وأخته على يد العمدة وإبنه لكن سرعان ماتجمدت بعيونه وبدأت تختفي وهو ينظر بعيداً عن عمه وعن الجميع وخاصة عندما كان يستمع من عمه وحيد عما يجب عليه فعله وماذا ينتظره بمستقبله.
لم يكن نادر قد أكمل الخمسة عشر عاماً بعد عندما سمع خبر إعتداء إبن العمدة على أخته و قتل العمدة لوالده وأخته وأنه أصبح عليه أن يأخذ بثأرهما لكنه كان لايزال صغيراً لذا فقد خاف عليه عمه من أن يحاول العمدة قتله هو الأخر خوفاً على أولاده منه لذا فقد أرسله إلى الخارج من ناحية ليكمل دراسته ومن ناحية أخرى يبتعد عن البلدة ولا تستطيع يد العمدة أن تطوله.
بعد مرور عشرة أعوام
"نادر، نادر هنا يارجل" قال هشام وهو يرفع يده لأعلى ليلفت إنتباه نادر ليناديه أثناء دخوله إلى صالة الوصول بالمطار فإبتسم نادر ورد عليه بعد أن رآه وهو يقول "آه هشام" ثم آتى نحوه....
"كل هذا الوقت يانادر ألم تشتاق لمصر" قال هشام لنادر أثناء سيرهم للخروج من المطار حيث سيارته وهو يضع ذراعه على كتفه فقال نادر "إشتقت لها بالطبع ولك أنت بالأخص يا ابن عمي" فإبتسم هشام وقال "حقاً أنا فقط وماذا عن ابنة عمك وعمك" فعقد نادر حاجباه وقال وهو يحاول ألا يتضايق "نعم إشتقت لعمي لكن حقيقة...." فنظر له هشام وقد لاحظ التغيير على نادر وقال له "مابك تكلم يانادر أنا لست ابن عمك فقط لكني أخاك الأكبر أيضاً" فرد نادر "في الحقيقة الأمر وانت كما قلت أخي الأكبر وصديقي ياهشام فسأصارحك ، أمر أن عمي يريد أن يزوجني هناء يزعجني للغاية ، أنا أعتبرها مثل أختي الصغيرة ، حقاً أفعل وأتحملها كثيراً لكن أن تكون زوجتي فلا..... أنت لا تعلم ماذا فعلت عندما لحقت بي بأمريكا للدراسة فوجئت بجميع أصدقائي ومعارفي يهنئوني على خطبتي، تصور لو كان لي صديقة هناك ...حقاً لا أتحمل أرجوك ساعدني ولا تغضب مني" فرد هشام "ولماذا سأغضب منك يا أخي فأنا أخوها حقاً وبالكاد أتحملها ولكن لا ذنب لها فأبي من يخبرها بهذا" وهنا توقف نادر ونظر إلى هشام في ضيق فوضع هشام ذراعه على كتف نادر مرة أخرى ليجعله يسير معه وهو يقول "لا عليك سأتصرف هيا فلنركب" ثم وضعا الحقائب بسيارته وركبا السيارة وإنطلقا.
"وماذا تنوي أن تفعل ستبقى هنا أم ستسافر؟" سأل هشام نادر وهو يقود السيارة ف*نهد نادر ثم قال "لا أعلم أفكر في أن أبقى هنا وأنشأ شركة صغيرة ومصنع تابع لها قبل أن أعود إلى البلد....."ثم **ت قليلاً قبل أن يسأله "كيف حال البلدة الآن؟" فرد هشام "لاشىء جديد الجميع كما هو أبي يراعي الأراضي والمحاصيل كالعادة وأهالي البلد كما هم في الصباح يعملون بالأرض ومع الغروب بمنازلهم أما إن كنت تسأل عن العمدة فهو وابنه على حالهم أيضاً ويديرون البلد بنفس الطريقة ويتجاهلون مافعلوه بعد ما أنكروا الأمر تماماً سواء مافعله ابنه أو مافعله هو وقتله إياهم، بالطبع لا أحد يصدقهم لكنهم لايهتمون" فقال نادر "وماذا عن إبنته، هل ظهرت؟" فهز هشام برأسه بالنفي دون أن يلتفت لنادر وعينه على الطريق "لا يا أخي منذ أن أخفاها منذ عشر سنوات ولا أحد يعلم عنها شىء....ربما أرسلها للخارج أيضاً" ثم أكمل وهو ينظر لنادر "أعلم أن النار التي بص*رك لا تهدأ يا أخي لكن لا أحد يعلم،.... ستظهر يوماً ما وسنعرف مكانها وتأخذ بثأرك منهم جميعاً" كان نادر يستمع إلى هشام وهو قاطباً حاجباه والضيق الشديد بادياً على وجهه ثم أغمض عيناه قليلاً وتن*د قبل أن يقول له "فلنوقف الحديث في هذا الأمر الآن ...أنا حقاً متعب" فسأله هشام "حسناً إلى أين تريد أن تذهب" فأجاب نادر "أتذكر شقتي الصغيرة التي إشتريناها أول مرة جئت فيها الى القاهرة" فأومأ هشام برأسه بالإيجاب وقال له "حسناً" وإنطلق إليها أما نادر أسند رأسه على ظهر المقعد وغفى قليلاً.