إنهم يرونك من حيث ال تراهم، يجوبون األر َض، يتخذون من الليل ستا ًرا لهم، يتَّشحون
بالظالم؛ ليبحثوا عن تلك األرواح الظالمية التي تُشبههم، يُص*رون هثيثًا كاألفعى حين تنقض
على فريستها، احذرهم فهم في كل مكان
حولك.أرسلت الشمس خيوطها الذهبية لتتسلل عبر ُسحب الليل فتُضيء الكون لتتجلى لوحة من
إحدى لوحات الطبيعة التي خلقها هللا بصورتها الجميلة حيث الخضرة الزاهية المنتشرة في
الحقول، وأصوات خرير المياه من السو**ي ُمختلطة بأصوات زقزقة العصافير وكأنَّها تعز ُف
سيمفونيةً تُر ِّحب
بقدوم يوٍم جديد فيه النسيم العليل المحمل بروائحِّ زهور أشجار البرتقال
والمانجو والليمون، وين ُشرها في أنحاء القرية لتفوح رائحة عطرية تزكم الأنوف
وتشر ُح
الصدور، هنا حيث جمال الطبيعة البكر الذي لم يُشوة التلوث، وعلى الرغم من تلك الطبيعة
الساحرة فإن مناخها كان قاسيًا؛ فشمسها الحارقة التي طبعت على وجوه ساكني القرية ُسمرةً
ميَّزتهم بها دون غيرهم وكأنَّها أرادت أ ْن
تمنحهم تميزا يليق بهم، فسعد أهل القرية بهذا
التميُّز وأصبحت سمةً من سماتهم الأساسية وعالمة من عالمات الجمال عند النساء وكأ َّن
الطبيعة المحيطه بهم طبعت على أرواحهم الرضا ً السعادة بما تفيض به عليهم
من رزق وخيرات، أُنا ٌس طيبون ودودون يُرحبون بالغريب ويعاملونه كأنَّه واحٌد منهم وهذا
ما شجع حسان على العيش بينهم، حيث أتى هو وأسرته بعد أن انتقل بين المدن إلى أن استقر
في هذه القرية في محافظة المنيا بصعيد مصر وبنى منزًال ريفيًا بالقرب من مجرى مائي
وسط الزراعات تُحيط به ،أشجار النخيل العالية وكأنَّها تقف حارسة عليه، وأمامه توجد شجرة
الكروم تتدلى منها عناقيد العنب وبعض
أغصانها تسلقت المنزل حتى ارتمت عليه وكأنها تريد
أن تحتضنه من وهج الشمس الشديد.
بعد أن استقر حسان في المنزل رزق هللا ابنه عادل مولو ًدا سماه أحمَد، وكأنه كان ينتظر
قدومهم إلى هذا المنزل حتى يُولد وسط أحضان الطبيعة الساحرة، شاء القدر أن يُولد وليس
له عائلة سوى والده عادل وأمه وجده الذي كان سعيدا جيدا بقدومه؛ فهو حفيده
الوحيد الذي تمنى من الدنيا أن يراه لكي يحمله بين راحتي يديه كما حمل أبوه في السابق لقد كان يحلم بقدومه كثيرا أراد أن يُعِّوض به أحالمه التي فقدها في ابنه الذي رفض عمله
**احر، لقد قسى عليه كثي ًرا لكى يعود إلى رشده ويقبل العمل معه ولكنه لم يرضخ لكل
الضغوط التي مارسها عليه أبوه، لم يبغض في حياته سوى ذلك العمل الذي يُتاجر بأحلام
البسطاء ويبيع لهم الوهم ويُضللهم، عادل أن يعمل في الحقل وي**ب القليل من النقود
ويعيش في راحة بال بل وكان دائ ًما يتحاشى الكالم مع أبيه في موضوع عمله، ولكن حسان
لم ييأس وراح ينتظر قدوم حفيده الذي كان يعول عليه كثيرا كي يُعِّلمه ويستطيع
أن يُكمل مسيرته، لذلك عندما أتى أحمد كانت سعادة جده ال توصف فهو من سيأخذ العهد
ويحمل أرث أجداده بعد وفاة حسان.
مَّرت الأسابيع الأولي من عمر الحفيد في تلك
الأسر البسيطة في هنا ٍء وفرحة لقدومه، كانت
أمه تستيقظ ُمبكًرا في الصباح وتحمله معها إلى الحقل تُهننه حتى ينام ثم تُغطيه جيدا وتطبع
قبلة على خده وتتركه ينام تحت شجرة التوت بأغصانها المتشابكة التي كَّونت مظلةً خضرا َء
من ورق الشجر وكأنها أرادت أن تحميه من
أشعة الشمس، وتذهب هي لمساعدة زوجها في
الحقل، وفي أثناء قيامها بعملها تتردد بين الفينة واألخرى إلى ابنها تُلقى عليه نظرة ثم تعود
أدراجها إلى عملها مرة أخرى، وأحيانًا يكون العمل كثيرا فتتركه و تعود إليه بعد مرور
ساعات، وعند عودتها إليه تجده يلعب وأحيانًا
أخرى تجده ال زال يغط في نوم عميق، مرت
الأيام والشهور على هذا المنوال ولم يتغير شي ٌسوى أ َّن أحمد كان يكبر، ولكنه دائم النظر
إلى جدار المنزل؛ كلما بكى ينظر إلى الجدار ثم ي**ت ويتغير حاله من بكاء إلى ضحك
حتى ينام، كانت الأم سعيدة بذلك أنها ا تُنهي عملها دون أن تحمل عبء الصغير طالما هو
بخير فا لا يُهم شىء آخر هذا ما كانت تردده على مسامعها مرت األيام على في سعادةٍ وهناء حتى ذلك اليوم الذي تزيَّنت فيه القرية واستعد
القريب والغريب لزفاف )ابن سعيد( أحد أعيان
ووجهاء القرية، الكل ينتظر ذلك اليوم الذي
ستُذ*ح فيه الذبائح وسيأكل هؤلاء المساكين الذين ال يتذوقون طعم اللحم في المناسبات
الخاصة، سواء كانت أعيا ًدا يفيض عليهم األغنياء بكرمهم وجودهم فيُرسلون لهم بعض اللحم
فيصبح ذلك هو عيدهم الذي يتذوقون فيه طعام األغنياء، أو زواج أحد أبناء وجهاء القرية
حينها يُدعون إلى موائد كبيرة ُخصصت لهم تكون عامرة بتلك المأكولات أما عادل فكانت
سعادته كبيرة ألنها أول مرة سيذهب فيها إلى ُعر ٍس منذ وطأت قدماه القرية لذلك استعد له
منذ الصباح، كان يحلم بطعم اللحم في فمه
وهو يلوكه بين أسنانه؛ لقد مضى وقت طويل منذ
آخر مرة تذوقه فيها هو وزوجته التي كادت أن تنسى طعمه، وما أن أتى المساء حتى كانت
سهرة امتدت إلى ساعات الصباح الأولي، أرتدى فيها عادل ِّجلبابًا لونه بُني يُشبه لون عينيه
وأزاح شعره إلى الوراء ووضع حول عنقه شا ًال ناصع البياض لا يرتدية سوي في المناسبات
ونظر إلى نفسه في المرآة وهو ُمتأنق ودقق النظر وكأنه شخص آخر يقف أمامه ال يعرفه؛
فهو ال يعرف سوى عادل الذي يعمل في الحقل من الصباح الباكر حتى المساء فِّمثْلُه لم يُخلق
لكى يتأنق بل ُخلق من أجل أن تطحنه الحياة بين رحيها دون رحمة من أجل أن يوفر ألسرته
ما يسُّد به رمقهم، ابتسم وهو ينظر إلى نفسه في المرآة فبرزت أسنانه الصفراء وتوجه
أستكمال السهرة مع من أتوا لكى يجاملوا العريس وأباه، وسرعان ما أتى ال ُمهنئون من
ا
القرية والقرى المجاورة، لقد سمعوا بأ َّن سعيد كبير العائلة جلب من البندر راقصةً ومطربًا
وسوف تمتد السهرة حتى الصباح، جلس الجميع في انتظار أن تصعد الراقصة على المسرح
المتواضع الذي قام ببنائه أصدقاء العريس؛ لكي تؤدي عليه الراقصة فقرتها، وفور أن اعتلت
خشبة المسرح أخذت تتلوى كالحية على صوت المطرب وهو يُغني: ماسك الهوى يا حبيبي ماسك الهوى بأيديا ويردد الحضور وراءه ا
لأغنية في سعادة و
***ة كبيرة ، كانت أبصارهم شاخصة عليها ، مع كل حركة من حركاتها وكلما أتى وفد يحي العريس بوابل من الرصاص _فهي عادة عند أهل الصعيد في الأعراس_ لقد كان الجميع في سعادة فقلما أتتهم الفرصة
لحضور زفاف هكذا ، بدأ يتجمع أصدقاء العريس في حلقة ويرقصون حوله ، وتعالت أصوات طلقات الرصاص في الهواء تحية له ولعائلته وتعبيرا عن فرحتهم به ، وانضم عادل إلى تلك الحلقة التي كانت حول العريس يرقص
مع المحيطين به في سعادة وهو يمسك طرف شاله بإحدى يديه ويحرك العصا في الهواء يمينا ويسارا في
***ة شديدة وكأن العصا التي في يديه قد تحولت إلى سيف في يد محارب مغوار لدرجة أن الحاضرين وضعوه داخل الحلقة . مع
العريس وأخذ هو يرفع قدمه ويطيح بعصاه
بحركات بهلوانية كأنه راقص ماهر ، ولكن ما لبث أن تحول العرس إلى صراخ وحزن عندما خرجت رصاصة من بندقية أحد المهنئين استقرت في ص*ر عادل وسقط على أثرها وهو يسبح في بركة من الدماء الغزيرة وكأن الدنيا لا
تريد له أن يسعد ولو لليلة واحدة ، كم هي قاسية الحياة على هؤلاء المساكين تعساء الحظ ! ولكن ربما كان هناك بعض الحظ الذي أصابه ؛ لقد رأى مولوده الأول وها هو يسقط في عرس أحد الأعيان ، فيحمل سريعا إلى ا
الوحدة الصحية التي في القرية ، ويستيقظ الطبيب من نومه لكي يحاول أن ينقذ حياته التعيسة تلك من الموت المحقق ، كان يعلم عادل بأنه سوف يأتيه الموت في ميعاد محدد له قبل أن يولد في هذا العالم التعس ويستنشق
نسيمه أليس هذا الموت أكرم له من أن يموت في الحقل على أثر لدغة ثعبان ! فحينها لن يهتم أحد بإنقاذه ، سيتركونه لدقائق هناك حتى يهبوا لنجدته ، وهل كان حينها سيهرع الطبيب من أجل ، إنقاذه كما فعل هذه المرة ؟ ربما كان
سيتركه لدقائق أخرى حتى يتسرب السم إلى شرايينه ويتوقف قلبه ، أما الآن فيحيط به الطبيب الذي أتى سريعا من أجله ولم يتباطأ كما يفعل مع الجميع ، وكل من في العرس أتى لكي يطمئن عليه ومن بينهم أعيان البلد الذين يقفون في الخارج لكي يطمئنوا عليه وأتى
معهم العمدة ، ولكن كان حينها عادل يصارع في حرب خاسرة من أجل البقاء فقط ولو لدقائق حتى يرى زوجته وأباه ويلقي عليهم نظرة الوداع الأخيرة ويوصيهم على ابنه الذي لا زال رضيعا أشار عادل بيده إلى الطبيب لكي يقترب
منه وقال له : - عاوز أشوف أبويا ومراتي بس بسرعة علشان خلاص مفیش وقت یا دکتور ... ربت الدكتور على كتفيه وقال : - ما تقولش كدا كلها دقايق وأوضة العمليات هتكون جاهزة ، أنا
ياما عملت عمليات أصعب من دي وأصحابها قاموا زي الحصان ومتخفش مراتك وأبوك ... لم ينه الطبيب جملته حتى دخل أبوه حسان ومعه زوجة عادل التي كانت تبكي وتتألم مما أصاب
زوجها ، أشار عادل لهما فاقتربا منه كثيرا وقال وهو يلفظ أنفاسه : - أبويا وصيتك ولدي ومرتي خلي بالك منهم ... ربي ولدي وسيبه
يتعلم في المدارس علشان ما يطلعش غلبان زي أبوه . ونظر إلى زوجته وأمسك يدها وهو يقول : - وصيتك الواد . وفور أن أنهى جملته فارقت روحه جسده وصعدت إلى بارئها . روحه
التي ستفارقه معها ، نظر إليها وهي ملقاة أمامه لا تتحرك ، كان يحاول إفاقتها بيديه الصغيرة ، يرتمي في حضنها علها ترق لحاله وتستيقظ ولكنها لم تتحرك ، نظر إلى جده الذي كان ينتحب بجوارها ثم نظر إليها وقد تجمدت ا
الدموع في مقلتيه ول**ن حاله يقول ( ألا يكفيك رحيله هو حتى تهمين أنت الأخرى وترحلين سريعا لماذا تتركينني ... أرجوك عودي مرة أخرى ؛ فأنا لا أقو على فقدانك ، لماذا كتب على قلبي أن يتمزق ويتذوق كأس الفراق الذي
لا يستطيع الكبار تحمل مذاقه ، فكيف لطفل مثلي أن يتجرع ذلك الألم ) . ظل عقله يردد هذه الكلمات التي لم يقو ل**نه على نطقها ، ظلت صورة أمه وهي ملقاة على الأرض محفورة في ذاكرته لا تفارقه أبدا ، كل تلك
الآلام التي مر بها جعلت قلبه مثل الحجر قاس ، ولماذا لا يكون قاسيا وقد قست عليه الدنيا وهو لا يزال صغيرا فحولته إلى ذلك الطفل الذي لا يهتم لأحد ولا يرحم أحدا ، وحتى تلك القطرات التي كانت تتساقط من عيونه في الماضي
كالشلال جفت وأصبحت نادرة الوجود بالنسبة له من شدة السنين العجاف ، التي مرت عليه رحلت تلك القطرات وكأنه زرفها في أحزان الماضي جميعا ولم يعد له في الدنيا سوى جده الذي تكفل برعايته وأصبح العائل له الذي لم
يجد بدا من العودة لعمله **احر فلابد من وجود المال من أجل ذلك الصغير المسكين ، كما أنه لا يعرف عملا غيره يجلب لهم المال الذي أصبح ضرورة ملحة ، وبالفعل أطلق لحيته وأمسك مسبحة في يديه من أجل أن يتقمص الدور أمام هؤلاء المساكين الذين أتوا إليه من أ
أجل أن يتخلصوا من تعاستهم ومن تلك الهموم التي أحاطت بهم حتى أوشكت أن ثهلكهم فهرعوا إليه ؛ فبعضهم قد تأخرت ابنته على الزواج والأخرى كلما أتاها عريس نظر إليها
والأخر أطفالها أش*ياء وتشك بأن وراء ذلك سحرا قد قامت به جارة لها ، والأخرى زوجها كثير الشجار معها وتشك بأنه يريد أن يتزوج عليها ، استغل هؤلاء المساكين جيدا وأخذ منهم أموالا كثيرة ، لقد خدمه الحظ