أعدت جيلين مشروب الشوكولاتة الساخنة و جلست على مقعدها الاسفنجي الطويل الذي تقضي عليه كل أحد إلى أن تعود إلى العمل في اليوم التالي, و أشعلت المدفئة لإكتساب بعضاً من الدفئ و هي تشاهد أحد البرامج الكوميدية على التلفاز, إلى أن الدفئ غلبها فوضعت ملائه عليها و نامت بالهدوء و السكينة التي تمتاز به الاجازة الاسبوعية, فلا عمل في اليوم التالي, أيوجد نعيم أفضل من ذلك.
عدة طرقات متسارعة أيقظتها من غفوتها, فأنتفضت بتوجس من على مقعدها؛ فمن الذي سيقرع بابها في هذا الطقس السيئ؟
إرتدت سترة ثقيلة حتى لا تصاب بالبرد و نظرت من العين الخفية لتطلع على من في الخارج فلم تجد أحداً, فحكت راسها بحيرة ثم مطت حاجبيها و عادت إلى مقعدها مرة أخرى, و جذبت الملائة لتعود إلى نومها, لولا هذه الطرقات الغاضبة نافدة الصبر التي تستعجلها على باب منزلها, فهمت واقفة و الغيظ يعتريها و أتجهت إلى باب الشقة و جذبته بلا مقدمات.......
الامطار و الرعد فقط من إستقبلاها فقد كان المكان خاوياً من أيٍ من علامات الحياة, فأطلقت بعض السباب الساخط ثم أغلقت الباب و عادت إلى مقعدها, لكن النعاس إنفض عنها تماماً و حل محله ألم الراس, فأتجهت إلى المطبخ للحصول على بعض المياة و أحد الحبيبات المسكنة لتستطيع العودة إلى النوم مرة أخرى.
وسط إنهماكها في ملئ الكوب تنامى إلى مسامعها هذا الصوت الخافت الناشئ من صرير جذب أحد الابواب, فأنتصبت شعيراتها و أجتاحت القشعريرة جسدها, و أطرقت أذنها لسماع صوت الصرير مرة أخرى لكن ال**ت كان جوابها الوحيد.
ف*نهدت بإرتياحٍ يشوبه بعض القلق و أغلقت الصنبور الذي فاضت مياهه من الكوب و تناولت المسكن ثم عادت إلى مقعدها مرة أخرى, لكنها شعرت بالوحدة الشديدة في هذا البيت الفسيح المكون من دورين, فأنتابتها فكرة ما أرادت قتلها في مهدها لكن سرعان ما تقبلتها و همت لإخراج هاتفها لدعوة هذا المهاجر الساخر لقضاء العطلة معها لكنها لم تجده على مقربة منها, فعقدت حاجبيها في دهشة و هي تحاول تذكير نفسها بمكان الهاتف, لتخطر على بالها هذه اللحظة التي أعطت هاتفها إلى يوسف لإلتقاط صورة لهما, فزفرت بحنق ثم هتفت بصوتٍ عالٍ: سُحقاً لك يا يوسف.
ف*نامى إلى أذنها فجأة هذه الخطوات الخافتة في الطابق العلوي, فأيقنت أنها لن تكمل دقيقة أخرى في هذا المنزل, فأرتدت سترتها و جذبت مظلتها على عجل و رَملت خارج المنزل و أغلقت الباب خلفها.
إلى أين يافتاة؟
إلتفتت لتجد الطاهي يقف بعربته أمامها و على وجهه هذه الملامح الباسمة و الاعين الواثقة, فشعرت ببعض الاترياح و قالت: لا شيئ, فقط سأقضي الليلة في منزل صديق.
هز الطاهي راسه بفهم ثم قال بطريقة إستعراضية: أتريدين شطيرة سجق؟
إستدعى الأمر دهشتها, فما هذا الرجل المتفاني الذي يستمر في عمله حتى في هذا الطقس السيئ, لكنها لم تجدها فكرة سيئة على الاطلاق, فإصطحاب شطيرة سجق إلى يوسف حتماً سينسيه أي ضيقٍ يشعر به اتجاهها, فقالت: حسناً, فلتجعلهم إثنتين.
أومأ الرجل براسه قائلاً: إختيارٌ موفق, فأنا موقن أن أي متاعب يُمكن أن تزول بوجبة لذيذة.
إقتربت جيلين أكثر لتحتمي من الامطار أسفل مظلة عربته و هي ترمق منزلها بتفرس فلم تجد ما هو غريبٌ به, بل يبدو هادئاً و ديعاً كالمعتاد.
لكن الاكثار من الاطعمة السريعة سيفسد قوامك الجميل ياسيدتي.
أعادت جيلين النظر إليه و هي تقول بطريقتها المرحة: أعلم أنني تناولت واحدة من قبل, لكن هاتان الشطيرتان ليستا لي.
ترك الطاهي النقانق لتأخذ وقتها في الطهي ثم دس سيجارة بين شفتيه وهو يقول: لهذا الفتى العربي؟
أومأت جيلين براسها موافقة ثم قالت: أتظنه لازال جائعاً؟
نفس الطاهي أدخنة سيجارته وهو يقول بهدوء من يعلم كل شيئ: لا اظن ذلك, فقد إبتاع إثنتين بعد ذهابك ليطفئ غليله.
رددت جيلين بدهشة: غليله!!
هز الطاهي راسه وهو يقول: نعم, لقد كان غاضباً للغاية و قطم النقانق بعنف, ككلبٍ متوحش منفلت الجماح.
إتسعت حدقتا جيلين و هي تتسائل: أتظنه غاضباً مني؟
تابع الطاهي سؤالها قائلاً: لانكِ رفضته؟, لا, أظنه خطأ النقانق أليس كذلك؟
أدركت جيلين أنه كان يستمع إلى كل كلمة تلفظا بها فقالت ببعض الغضب: لد*ك أذنين جيدتين حقاً.
أومأ الطاهي برأسه ثم قال مازحاً: لكنهما ليستا على القائمة للاسف.
ثم قام بتغليف النقانق جيداً لكي لا تفسدهما الامطار و ناولهم لها قائلاً: بلا خجل, أتريدين أن أصطحبك إلى هناك؟
هزت جيلين راسها نفياً و هي تقول بابتسامة حرج: أشكرك لكن منزله ليس بعيداً عن هنا.
إقترب منها أكثر قائلاً: أخبرتك بلا حرج.
-أشكرك حقا,ً لكنني أفضل المضي حقيقة.
تراجع الطاهي إلى الخلف قائلاً بإرتياحٍ غير مبرر: حسناً, إن كنتِ تصرين, أراكِ قريباً.
شرعت جيلين في خطواتها و هي تقول في ذاتها: ما بال الهالة التي تُحيط بهذا الطاهي, سُحقاً هل أصابني الجنون فصرت أشك بالجميع, إنها الوحدة اللعينة و الحياة البائسة.
***
فتح يوسف باب شقته ليجد جيلين تقف أمامه مبتله و محمرة العينين, تحمل بيدها شطيرتي نقاق, فاجئه الأمر فرمقها ب**تٍ عابر أجابته بابتسامتها المرحة و تلويحه من يديها و هي تقول: مرحباً, هل طلب أحدٌ هنا شطيرة نقانق؟
إستفاق يوسف من شروده و أبتسم بسذاجة كالأبله وهو يشير لها بالدخول قائلاً: لقد تأخر طلبي كثيراً, سأعطيكم تقيماً سيئاً على جوجل.
دلفت جيلين إلى شقته لتتفحصها لأول مرة في حياتها لتجدها كما تخيلتها بالضبط؛ شبه فارغة من الاثاث سوى من بعض الاساسيات لكن بها جو جميل مريح, على الاقل إذا أص*ر أحدهم صوتاً فسيتواجد مبرراً أنه شخصٌ أخر غيرها وليس بشبحيٍ يحمل فأس و يريد إقتلاع راسها.
أنت بائس جداً يا يوسف, ربما تفوقني وحدة بمراحل.
إتجه يوسف إلى ماكينة القهوة ليعد كوبين على عجل وهو يقول: إنها شقة مستأجرة في النهاية.
هزت راسها بتفهم وراقبته ب**ت وهو يُعد القهوة بعجل وتوتر فسألته بإرتياب: هل تتعاطى شيئاً ما في العطلات؟
إلتفت إليها يوسف بعدم فهم فقالت: بعض الحبوب أو إستنشاق بعض الاشياء أو .......
قاطعها يوسف قائلاً: شم الجوارب, أحياناً لا أتأكد من الوهلة الأولى أن الجورب يحتاج إلى الغسيل, فأضطر إلى التأكد بطريقة تؤذي الانف لكنها لا تصل إلى درجة فقدان صوابي.
إزداد إرتيابها أكثر لكنها وجدت الامر مضحكاً فلم تبخل ببعض اللابتسامات و جلست على أحد مقاعد طاولة الطعام حتى أتاها يوسف بفنجاني القهوة وضع الاول أمامها و الثاني أمامه وهو يقول بتلعثم: إذاً ماذا هناك, هل إحترق منزلك و صرتِ مشردة الأن؟!
صُدمت جيلين بسؤاله فتسائلت بدهشة: لا, لماذا تقول ذلك؟!
تململ بحرج وهو يقول: ليس من الطبيعي أن تأتي لزيارتي بعد منتصف الليل إلا لسببٍ واحد.
جيلين: ما هو؟
يوسف ضاحكاً: وجدتي هذه النقانق ترتدعد من البرد فأردتي إنقاذهم من العاصفة.
أجابته جيلين بالضحكات الصاخبة ثم قالت: أجل, لا مأوى لهم فأردت أن يتدفئوا بمعدتك.
إنتهى يوسف من ضحكاته ليسئلها بطريقة مباشرة: لما أنتِ هنا؟
كانت جيلين تعرف هذا الجانب من يوسف جيداً فدائماً ما يصير أ**قاً لا يُفكر فيما يقوله حينما يتوتر فسئلته بتلقائية: لما أنت متوترٌ هكذا, ألم تزرك فتاة من قبل؟!
مط يوسف حاجباه متظاهراً بالتفكير ثم قال: نحن لدينا مجتمع محافظ قليلاً في مصر, وهذه الأمور لا تحدث عادة ربما إن كنتِ والدتي أو ش*يقتي فهذا إستثناء لكن ........
إستغرق عدة ثوان في التفكير ثم أردف: كفتاة عادية لا.
جيلين ساخرة: حسناً سيد يوسف سأنفس النيران بعد ذلك حتى لا أكون فتاة عادية وأتي لزيارتك.
أدرك يوسف أنها لن تفهم كلمة مما يقصده فهذا مجتمعٌ مغاير عما عاش به و تربى عليه, فأحتفظ بتبريراته لنفسه وقال: ماذا الأن, أنشاهد التلفاز أم اُحضر حاسوبي المحمول لنشاهد أحد أفلام الرعب.
إرتعد جسد جيلين بقشعريرة قائلة: أي شيئٍ أخر عدى الرعب, يُمكنك أن تخبرني أكثر عن بلادك, لكن إبتعد عن كل ما يُخيف.
بدء يوسف يستشف سبب زيارتها المفاجئة له وهو يقول: إذاً أنتِ تخافين من الرعد أم لد*كِ فوبيا من الامطار؟
رمقته بنظرة جانبية قائلة: أ**قٌ أنت, أيوجد فوبيا من الامطار؟!, كل ما في الامر أنني أردت الاتصال بك فأكتشفت أني نسيت هاتفي عندك, لكن النتيجة واحدة كنا سنلتقي على اي حال.
إستوعب يوسف الامر و تذكر هاتفها الذي كان على الطاولة أمامهما ولم يلحظ أياً منهما وجوده, ثم قال: حسناً ها هو ذا, لما أردتِ الاتصال بي؟
رمقته جيلين شزراً و ألتقطت هاتفها قائلة بغضب يراه لأول مرة: جيد, أتريدني أن أرحل من شقتك؟, لا بأس سأعود.
خيم ال**ت عليه فقد إجتاحه الذهول من تغيرها المفاجئ فأكتفى بمراقبتها بعينه لكنها لم تبرح مكانها فمط حاجبه بتسائل فابتسمت بحرج قائلة: ألا يجب أن توقفني أو شيئاً من هذا القبيل؟
رشف يوسف بعضاً من القهوة ثم قال بفظاظة: لم أرد أن أقاطع موهبتك الفذة في التمثيل, لنترك هذا الأمر جانباً و لنتحدث في أي شيئ لا يصيبك بالخوف أيتها القطة الجبانة.
إبتلعت جيلين كلماته ببعضٍ من القهوة ثم قالت: أتعلم أن بائع النقانق كان يستمع إلى كل كلمة قلناها؟
أومأ يوسف براسه قائلاً: هذا الرجل الغريب, لديه هيئة رجل أعمال أو شخصية رسمية لكنه يبيع النقانق, أتظنينه من رجال المخابرات المتخفيين؟
تفكرت جيلين بالامر لكنها قالت: ولما سيكون هناك رجل مخابرات هنا, لا, أظنه رجل أعمال خسر كل أمواله فيحاول أن يبدأ حياته من جديد......
ثم ترقرت عينيها ببريق الاعجاب و هي تقول: كم هو مكافح.
إشتعلت بيوسف نيران الغيرة فقال بفظاظة: أخاف أن يفسد تقويم أسنانك من فرط التأثير.
شعرت جيلين بسخريته من شكلها فهتفت بغضب: إن كان تقويم أسناني لا يعجب لما أردت الزواج مني أيها الا**ق؟
-لقد إتفقنا أن النقانق كانت السبب في كل هذا, فلا تلقي بإتهاماتٍ باطلة.
اشاحت بوجهها بعيداً و هي تقول بغضبٍ طفولي: لا يهم.
تن*د يوسف بعمق و رشف ما تبقى من قهوته وهو يقول: ألا تقبلين الزواج مني لأنني لست بريطانياً؟
همت واقفة بإستنكار و هي تقول: أنت لا تريد أن تدعني و شأني أليس كذلك؟
يوسف بمشا**ة: ماذا ستفعلين أيتها المتهورة, لازال الرعد يطرق بالخارج و الاشباح تقضي الليلة بمنزلك؟
تداركت جيلين الامر فعادت إلى مقعدها مرة أخرى وهي تقول: إنتهازي حقير.
إبتسم أدم قائلاً: هذا ما يفعله الجميع.
**تت جيلين قليلاً قبل أن تقول: لا أنكر أنني إنجذبت إليك في بعض الاحيان, لكن دائماً ما يقولوا أن الحب يقتل أي شيئ جميل, فلن نستطيع أن نجلس هذه الجلسة كصديقين بل سيُفسد الزواج الأمر, دعنا هكذا إلى أن يموت كلينا.
-لما حكمتي علي بالموت دون أن أتزوج, فلتُقري أحكامك على نفسكِ فقط.
رسمت جيلين على وجهها إبتسامة صفراء و هي تقول: لا لن تتزوج, لن توجد من هي بالسذاجة الكافية لتقبل الزواج منك, إن كنت بوسامة بائع النقانق لكانت لد*ك فرصة.....
ثم توردت وجنتيها و هي تقول: ثم إنني لن أرضى بذلك.
يوسف بإقتضاب: و من طلب رضاك, ربما بكِ عماً من نوعٍ ما فلا ترين جاذبيتي و جمالي, لكن العالم أجمع يراها, سأتزوج قريباً و سترين.
أنهت جيلين كوب القهوة الخاص بها و هي تقول بتهكم: الأحلام مجانية كما يقولون, ولا ضريبة عليها فلتزت في أحلامك.
أتريدين تناول هذه النقانك؟
أومأت براسها موافقة و تناولت إحدى الشطيرتين و هي ترمق يوسف بنظراتٍ خفية وهو يلتهم شطيرته بنهم و تقول لنفسها: من أين يستمد ثقته الضارية هذا الشخص؟
***