الفصل الثالث -3

1266 Words
قطعت عربة النقانق الطرق المبتلة و الرياح العاتية لتتوقف أمام إمراة خمسينية مشرده, فيهبط منها الطاهي و يُقدم لها شطيرة النقانق و على وجهه إبتسامة عريضة مريحه وهو يقول بلطف: لا ترؤف الحياة بالجميع أليس كذلك, لما لا تقضين هذه الليلة الباردة في سيارتي لنتناول مشروباً ساخناً ياسيدتي؟ تهللت أسارير الإمراة و مدت يدها إليه ليعينها على النهوض و هي تحتضن صندوق أموالها صغير الحجم و تصعد برفقته إلى العربة و هي تتسائل عن ماهيته, فقدم لها مشروباً ساخناً وهو يجيبها: يمكنك أن تقولي أنني رسام غير ربحي, لكنني اُجيد تقليد اللوحات العالمية بدقة, واحدة من لوحاتي فقط و سينظر إليكِ العالم كموهبة صاعدة.......                    ثم عرض عليها أربعة لوحات وهو يقول: إختاري ما شئت. تفحصت الامراة الأربع لوحات ثم اشارت بإصبعها قائلة: هذه تبدو قيمة. نظر الطاهي إلى حيث تشير ثم قال بإعجاب: لوحة الصرخة!!, ذوقك الفني عالٍ ياسيدتي. دمعت عينا المراة و هي تقول بصوتٍ باكٍ: أشكرك حقاً, لا أعلم لما تفعل هذا معي لكنك رجلٌ جيد, لقد كدت أموت من البرد على هذا الرصيف, أنت كملاكٍ اُرسل إلي من السماء. إزدادت إبتسامة الطاهي إتساعاً وهو يقول: لست كذلك ياسيدتي, أنا رجلٌ هائم بين الطُرقات, إن إستطعتِ شراء احدى شطائر كان بها و إن لم تقدري فلكِ إثنتان, فأنا لا أسعى سوى لشيئين فقط, الفن و الحب. جففت المراة دموعها و هي تقول: أرجو أن اقابل من تحب لأخبرها كم هي محظوظة بك. ضحك الطاهي بقوة ثم قال: سُحقاً, هل تتنبأين بالمستقبل؟ ثم تبدلت ملامحه تماماً إلى ملامح شيطانية قادمة من أعماق الجحيم وهو يقترب منها قائلاً: لكنك أخطأتي في شيئٍ واحدٍ فقط؛ لن تموتي على أحد الارصفة الليل, بل سيارتي هي ملاذك الاخير, فلا تقاومي و لتغلقي عينيكِ ببطئ حتى لا تشعري بشيئ. كانت كلماته ثقيله متضاربة لها, فقد ثقلت عينيها و بدأ وعيها في المغيب رويداً رويداً, و بمجرد أن غاطت في النوم إتجه بسعادة غامرة إلى أحد أدراج سيارته و أخرج منه قبعة فنية تخص رسام, ثم حرك طاولة تحضير الطعام ووضع جسد السيدة عليها وقام بتقيدها بإحكام وحشو فمها بعلبه صغيرة الحجم تتسع لفمها بأكمله و أنتظر إستيقاظها بلهفة و نفاد صبر كطفلٍ ينتظر هديته, لكن الشيطان تلبسه و نفس بوسوسته في أذنه فتحرك سريعاً و أحضر سكين مطبخ حاده و شرع بنحر عنقها ببطئ و إستمتاع منقطعي النظير ووضع إناء أسفل الطاوله ليجتمع سيل الدماء به, ففتحت عينيها بفزع ورعب ليتراجع إلى الخلف وهو يقول بسخرية: تباً لك لقد أرعبتني. ثم عاد ليكمل ما بدأه و يُتم نحر عنقها وسط صرخاتها المكتومة, إلى أن فارقت الحياة, ففك و ثاقها و قام بتعليقها من قدميها كما تُعلق الماشية لتخرج الدماء بغزارة من عنقها و تملئ الإناء على أخره, و بمجرد أن إمتلئ الاناء أكمل نحرها حتى فصل الراس كاملاًو قام بتعريتها من ملابسها البالية و بدء في رسم اللوحة الصارخة على جسدها بالدماء وهو يستمتع ببعض الموسيقى الكلاسيكية الجميلة التي تسحر الروح. *** لندن 4/12/2021 هل يمكن أن يُبعث رجل من الموت مرة أخرى؟ هذا السؤال الذي كان يلح بشدة لدرجة الجنون براس المحققة ليانا و هي تتفحص جثة المراة الخمسينية الع***ة التي تم سلخ جسدها بالكامل ليتبقى بعض العظام و اللحم النيئ و لوحة الصرخة مرسومة على جلدها بالدماء التي تُركت حتى تتجلط لكي لا تمحوها الامطار, وضع الجلد على الجسد كغطاءٍ من البرد و ترك القاتل توقيعه على لوحته بإسم الرسام. تلقى المحقق مالكوم نتائج التحليل و عاد إلى ليانا ليخبرها بما وجد فأستوقفته الاخيرة متسائلة: لقد أطلقت عليه النار بنفسي أليس كذلك؟ رمق مالكوم وجهها الفاتن المليئ بالحيرة و الدهشة و أجابها بهز راسه موافقاً قبل أن يقول: و أنا أشرفت على تشريح جسده بنفسي, بالتأكيد ليس هو, ربما شخص أخر مولع بجرائمه و رسوماته. أرادت ليانا تصديق كلماته لكن توقيعه الشهير تُرك على لوحته فكيف لا يكون هو؟ -ماذا لد*ك؟ أجابها مالكوم بنتائج البحث الجنائي قائلاً: الضحية هي ميني سافيون إمراة مشردة تسكن هذه الارصفة منذ أن تم طردها من قبل ورثة زوجها منذ شعرين تقريباً. ليانا و هي تتفحص الراس كما كانت تفعل عادة في جرائم الرسام قديماً: كيف قتلها؟ عاود مالكوم النظر إلى الملاحظات المدونة في مفكرته قائلاً: إحتوى جسد الضحية على مادة م**رة شديدة المفعول, بالاضافة إلى توثيق أطرافها ثم بدأ بالنحر و إنتهى بتعليق جسدها لإفراغ الدماء, و كما هو واضح من الجثة فقد قام بسلخ جلدها. لاحظت ليانا العلبة صغيرة الحجم في فم الراس المبتورة للضحية فأنتشلتها و قامت بفضها لتجد خاتماً مرصعاً بالالماظ و الاحجار الكريمة, فأمتقع وجهها و أنتابها الخوف مرة أخرى و هي تقول: سُحقاً إنها هداياه ذاتها, كيف لا يكون هو؟! تناول مالكوم الخاتم من بين أصابعها قائلاً: لا يوجد حمض نووي له لنتأكد أنه هو أم لا لكن الرجل فقد حياته ضابطة ليانا, و لم نسمع من قبل عن جثة تعود للحياة مرة أخرى. **تت ليانا برهة ثم تسائلت: كاميرات المراقبة, هل أفرغتم كاميرات المراقبة؟ هز مالكوم راسه نفياً وهو يقول: لقد إنقطع التيار عن المنطقة بفعل العاصفة التي ض*بت لندن منذ ثلاثة أيام. أعادت ليانا النظر إلى لوحته الفاتنة التي أ**بتها حُمرة الدماء لوناً طبيعياً سامياً و هي تقول: بالطبع لم يوجد شهود بسبب الامطار. أومأ مالكوم براسه مصدقاً فأردفت: حسناً, فلتذهب بالخاتم إلى البحث الجنائي لفحصه و لتطلعني بالنتائج سريعاً, فقد وضع على لوحته الرقم واحد و هذا يعني أنه لازال الكثيرين على قائمته. *** يومٌ أخر من العمل الشاق المليئ بألم الراس و تحليلات السوق و العملاء و غيرهم من المهام اللعينة التي جعلت يوسف يعد الدقائق و الثوان التي  تمضي بثقلٍ شديد حتى يخرج من هذا المكان سريعاً, إلى أن جائت اللحظة الموعودة و لملم أشيائه للمغادرة على عجل كما يحدث للاطفال بعد يومٍ دراسي شاق, فقطع طُرقات الشركة وتجاهل كل من يشير بتحية له, لكنه توقف مرغماً عند مدخل الشركة لانتظار جيلين وهو يرمق ساعته بين الفنية و الاخرى, لقد كان يمقت الانتظار و يحتقر من يُجبره عليه لكن ليس جيلين فهي تظل أنثى العنكبوت التي أوقعته في شباكها, ففي كل مرة تتبلور بداخله ثورة عارمه و رغبه في الصياح لكن بمجرد مجيئها يعود إلى واقعه و يرسم الابتسامة البلهاء الساذجة..... أسفه على التأخير, لقد كانت هذه الشمطاء هي السبب. كان يعلم يقيناً أنه لن يتركها و يذهب مهما حدث لكن يجب أن يحتفظ ببعضٍ من كرامته فقال بضيق: الغد ليس بعطله, لا أريد أن أنتظر هكذا للابد. رمقته جيلين بنظرة جانبية تنم عن معرفتها بما يدور براسه ثم قالت بدلال: إذاً فلتذهب و تخبرها أن تنتهي سريعاً حتى لا أتأخر عليك. لم يكن لأيٍ منهما سيارة بعد فأستقلا الحافلة إلى الحي الذي يسكنون به, وكالعادة إتجهوا إلى عربة الشطائر التي تُعد أشهى الشطائر و أرخصها سعراً في لندن. إستقبلهما الطاهي بحفاوة و على وجهه الابتسامة الهادئة التي لا تفارقه مطلقاً و عينيه الحالمتين التي ترمقهما فيوقنوا أن هذا الرجل في المكان الخاطئ لا محال...... تناولت جيلين قطمة من شطيرتها ثم قالت: هل سمعت عن الجريمة التي حدثت اليوم؟ إنتبه لها يوسف بعينيه و الطاهي بأذانه و هي ترتدف: لقد أخبرتني صديقتي في العمل أنها رات عدداً من رجال الشرطة في صباح اليوم يستجوبون السكان عن جريمة ب*عة وقعت في أحد الضواحي. رمقها الطاهي بإستنكار وهو يقول بداخلة: ب*عة!! , إنه فن أيتها الحمقاء. في حين مط يوسف حاجباه قائلاً بسخرية: و من الا**ق الذي سيُرهق نفسه بإرتكاب جريمة قتل في هذا الجو البارد؟ إزدادت إبتسامة الطاهي إتساعاً وهو يجيبه في نفسه: فنانٌ مجتهد يتحدى الظروف و ال*قبات. تناولت جيلين قطعة أخرى و هي تقول بحزن: لقد كانت الضحية إمرأة مشردة طردها الورثة من بيتها, بأي قلبٍ قاسي قتلها هذا المجرم. هل كنتِ ستنتشلينها من البرد إن تركها على قيد الحياة؟ إلتفت الاثنان إلى الطاهل المنهمك في تحضير الشطائر لزبائنه, في حين أردف قائلاً: لم أسمع بهذه المراة إلا بعد أن قتلها هذا المجرم الوحشي, لقد كان مصيرها الموت على أي حال. رمقاه بنظرة إرتياب لبرهة ثم نفضا الامر عن راسيهما, فلا يمكن لهذا الرجل اللطيف بأن يكون هذا القاتل السيكوباتي. أنهى كليهما شطيرته و عاد كلٍ منهم إلى شقته في إنتظار عاصفة أخرى فقد حظرت الارصاد و أنذرت الغيوم بقدومها. ***
Free reading for new users
Scan code to download app
Facebookexpand_more
  • author-avatar
    Writer
  • chap_listContents
  • likeADD