ضاق ص*ره منذ طالبته أمه بالمغادرة ورغم ذلك سار بجوارها محاولا إرضائها بينما يتقدم أخيها عنهم عدة خطوات غير مبالى بأى من الأحداث الجارية وتتبع الجميع الفتاتان وقد أسلمت ريم كل حواسها لروعة الطبيعة الخلابة التى تحيط بها لتعبر عن شعورها بالروعة قائلة: الجو هنا ساحر.. تحفة.
إلتفتت لها عبير رغم أنها لم توجه لها حديثا ولم ترفع صوتها للتحاور معها لكنها فرصة لعبير للتهرب من محاولات حسين اكتشاف ما يحدث بإسلوبه الودود الذى أصبح يشعرها بالاختناق: انت ع**طة يا ماما ولا إيه!!؟
اتسعت عينا ريم للإهانة المتعمدة بينما تحدثت زينب: عبير إلزمى حدودك
حولت عبير هجومها نحو زينب ففرصتها معها لإثارة غضب حسين اقوى: حدود إيه اللى ألزمها يا ست زينب!! أنت جايبة العاهة دى منين؟؟
عادت تنظر نحو ريم: عاوزة افهم إيه عاجبك هنا!! الريحة المعفنة دى؟؟ ولا الحشرات؟؟ ولا البهايم؟؟ ولا الناس دى؟؟
كاد حسين أن يتدخل لكن رؤيته ريم تعقد ذراعيها بثقة دفعه للتريث بينما قالت: الريحة دى ريحة الأرض اللى بتاكلى منها والحشرات والبهايم دى مخلوقات ربنا ليها دور في الحياة والناس دى احسن وانضف من ناس كتير نضافتهم من برة بس، الدور والباقي على الناس اللى عايشة من غير فايدة تتمتظر بس على خلق الله
احتقن وجه عبير غضبا وانتوت شجارا تضع فيه هذه الو**ة بحجمها الطبيعي لولا أن علا رنين هاتفها فأسرعت تجيب: ايوه يا بابا
وصلها صوت أبيها المرتجف لتعلم أن أمها قد أدت دورها كاملا وهو يطلب منها سرعة العودة هى وشقيقها لشعور أمها بتوعك جديد
أنهت الاتصال ليقترب منها حسين: فى إيه يا عبير؟
دارت تنظر له بحدة: اظن حاجة ماتهمكش كتير خليك مع الهانم الضيفة وانا ماشية انا واخويا
تحركت ليمسك كفها بحدة: استنى هنا ماشية يعنى إيه؟ وايه التخريف اللى عم تجوليه؟؟
جذبت كفها منه بحدة وهى تشير لأخيها والذى تبعها دون أن يتحدث بكلمة واحدة رافضة بشكل مهين لرجولته صحبته.. نظر فى إثرها بألم فمهما حاول إخفاء حقيقتها المظلمة تباهت هى بظلام قلبها وسوء نيتها، لقد قدم الكثير ليتم هذا الإرتباط لكن يبدو أنه مهما قدم لن يكون كافيا بنظرها وأمها كذلك .
نظرت ريم فى أثرها أيضا بلمحة حزن لكن انقذت زينب الموقف بطبيعتها الطفولية وهى تتعلق بذراع حسين: يلا يا حسين نتمشى شوية.
ابتسم لها حسين وسار يجر قدميه بإحباط واضح رابتا فوق كفها المتعلق بذراعه وريم تسير بجوارهما وعينيها أرضاً تلوم نفسها ربما شعرت عبير بالضيق لتواجدها معهم .. ما كان عليها صحبتهم .
دقائق من الصمت حتى ارتفع صوتاً غليظا لاهثا: يا دكتور حسين.. يا دكتور حسين.. استنى يا دكتور.
التفوا جميعاً لصاحب الصوت والذى كان رجلاً يناهز الستين من عمره يرتدى جلبابا عليه من غبار الزمن ما ينبأ بحال صاحبه.
وقف حسين باحترام واضح: خير يا أبا الحج عوض؟
وقف عوض يلتقط أنفاسه اللاهثة: الچاموسة يا بنى تعبانة على أخرها.. انى خايف تروح فيها ودى شجى العمر كله.
ربت حسين فوق كتف عوض مؤازرا ومعلنا شعوره بالتعاطف وهو يتحدث بثقة: ماتخافش يا أبا عوض ما أنا جايل لك جدامها للعشا وأنى هروح البنات واجى وراك
جذبت ريم ذراع زينب هامسة بتساؤل: هو اخوكى ماله ومال الجموسة ؟
تأففت زينب: يا بنتى شغله مش طبيب بيطرى! بطلى زن بقا
لم تهتم ريم لتذمر صديقتها وهى تنظر نحو عوض هامسة مجدداً: طيب فى إيه فى الجاموسة بتاعته؟؟ عيانه؟؟
هزت زينب رأسها نفيا: لا شكلها بتولد
اتسعت عينا ريم بحماس وسعادة غريبة وهى ترجوها بلهفة: الله بجد!! طب ممكن نروح نتف*ج؟؟
نهرتها زينب بنظرة غاضبة حادة: تصدقى انك هبلة بجد؟ تتف*جى على إيه!! يلا خلينا نروح
امسكت كفها رغم الإحباط الذى سيطر على ملامحها ونظرت نحو شقيقها: حسين إحنا هنروح وانت شوف شغلك
اتجه لهما حسين لتصطدم نظراته بنظرات ريم فيسرع كل منهما يسحب عينيه هاربا ثم تحدث بحزم: تروحوا فين لوحدكم؟ الليل دخل علينا ومش هأمن عليكم وحد*كم.. تعالوا معايا أشوفها الاول وبعدين اروحكم ولا اشوف حد يروح وياكم
تملك منها الحماس مجددا وشعرت نحوه بإمتنان داخلى، توجهوا جميعا لمنزل فلاحى بسيط وريم تتدفق من نظراتها السعادة والانبهار وتشعر بالفخر لتواجدها بهذا المكان الدافئ بينما توجه حسين فور وصولهم إلى الحظيرة ليغيب بالداخل.. جلست صاحبة المنزل وزوجة الحاج عوض بعد أن وضعت صينية تحمل أكواب الشاى.. جلست زينب وقدميها لا تصلان للأرض وهى تأرجحهما بشكل طفولى مضحك، تساءلت ريم وهى تتلفت بإتجاه الحظيرة: هو اخوكى أتأخر اوى ليه يا زوزو؟
أشارت زينب برأسها إلى الصينية المستقرة أمامهم وهى تقول بهدوء: لا هو مادام أتأخر كده يبقى مش هنمشى دلوقتى.. اشربى يا ريم الشاى اشربى
تن*دت ريم وتناولت كوبا ترتشف منه ببطء ثم تقول: الشاى حلو اوي يا طنط تسلم ايدك
نظرت لها المرأة بدهشة: شكلك مش من حدانا النواحى دى!! انت ضيفة ولا إيه؟؟
ابتسمت ريم لفطنة المرأة: ايوه انا صاحبة زوزو
نظرت المرأة نحو زينب التى قالت: ايوه انا زوزو .. انا زينب اخت حسين
اشاحت المرأة بكفها وقالت بجدية: لاهو انى اتوه عنك بردك؟؟ انت زينب بنت الست دهب .
اومأت زينب تؤيد حديثها بينما عادت بفضولها نحو ريم: وانت منين يا حلوة على كده؟
ارتشفت ريم من كوبها وأجابت: من اسكندرية يا طنط
استحسنت المرأة: احسن ناس يا اما
ثم رفعت كفيها: أجبر خاطرنا يا كريم
عادت تنظر نحو ريم متسائلة: وانت يا شابة اسمك ايه؟
نظرت لها زينب وأجابت قبل ريم: جرى ایه يا ام سيد؟؟ ما أنا من الصبح عمالة اقول يا ريم يا ريم
لامتها نظرات أم سيد ولم تحصل على وقت للعتاب فقد خرج عوض نحوهم مهرولا وهو يصيح: سيد .. واد يا سيد.. انت يا ولا
انتفضت أم سيد وهى تتساءل بلهفة: خير يا عوض؟
تقفز السعادة بعينى عوض وتكاد تحمله عن الأرض وهو يقول: ربنا چبرنا يا ام سيد الچاموسة جابت راسين
تهلل وجه أم سيد وبدأت تعلن عن سعادتها بإطلاق الزغاريد ثم توجهت نحو ريم تقبلها بمودة قبلات متتالية بسعادة غامرة وهى تقول: يا وش السعد.. يا جدم الخير.. والله لاسجيكم شربات
وصل سيد مهرولا وهو فتى يصارع الطفولة نحو مراهقة مترقبة فيأمره أبيه: طيران يا واد على دار الدكتور هات له غيار نضيف
انطلقت ساقى سيد تستبقان الريح مثيرا خلفه غبارا بشكل مضحك بينما لازالت ريم تشعر بالانبهار وهى تتمعن فى رؤية تفاصيل الموقف بدقة وتحفره داخل عقلها كذكرى عزيزة تسعد للاحتفاظ بها .
مر القليل من الوقت وكان سيد يدخل للمنزل مجددا بين يديه حقيبة صغيرة انطلق بها نحو الحظيرة أثناء تناول الفتاتان للمشروب الذى أعدته ام سيد وأصرت أن تتناولاه معبرة عن سعادتها .
ظهر حسين مجددا لتهرول أم سيد نحوه تقدم له كوبا: اتفضل يا دكتور حلاوة ما ربنا چبرها بالسلامة.
ابتسم حسين وتناول منها الكوب بمودة ليشربه دفعة واحدة ثم يعيده لها: تسلم ايدك يا اما ربنا يبارك لكم فيها .. اتمسوا بالخير يا أبا
أمسك عوض ذراعه: لازم تتعشوا معانا
ربت فوق كفه بود: معلش النوبة الدنيا اتمست ومعانا ضيفة
تحركوا بعد قليل بعد جدال طويل مع الرجل وزوجته وهما يصران عليهم وحسين يرفض بتأدب .. ظلت طيلة الطريق تسترق النظرات الفخورة نحوه رغم أنه يسير مطرق الرأس وتتعجب هى بعد حصوله على إنجاز مماثل أن يطرق رأسه ويصمت فهى إن أطعمت قطة لظلت تثرثر بحماس متباهية ليوم كامل .
وصلوا للمنزل ليتوجهوا لشقة المعيشة وكانت دهب تنتظر عودتهم بصحبة نادر الذى تساءل: اتأخرتوا اوى!!
اسرع حسين يضع الحقيبة التى تحوى ملابسه المتسخة جانبا ثم نظر لأخيه: غصب عني والله يا نادر لو عارف انك صاحى كنت طلبتك تاخد البنات
دخلت ريم مباشرة نحو دهب لتجلس بجوارها بحماس وتبدأ رحلة الثرثرة: مش هتصدقى اللى حصل يا طنط!!
نظرت نحوها باهتمام: خير يا بنتى؟؟
لم يخبت حماس ريم: الجاموسة جابت راسين
ضحكت دهب لهذه الحماسة والسعادة المفرطة لتربت فوق كفيها المتمسكين بها بقوة وتقول: ما شاء الله يا أما ربنا يبارك.. بس انت تعرفى يعنى إيه راسين؟؟
رفعت كفها تحك مؤخرة رأسها بغباء مضحك: صراحة لا بس سمعت عم عوض قال كده وكان فرحان يبقى حاجة حلوة
ضحك جميع ماعدا حسين الذى نظر نحو أمه التى فهمت رغبته فى معرفة ما دار بينها وبين عمه وأسرته فنهضت فورا: عاوزاك يا حسين فى كلمتين چوه
تبعها حسين بصمت مريب بينما نظرت ريم نحو زينب وتساءلت: زوزو يعنى إيه راسين؟
ضحكت زينب بينما تحدث نادر برفق: يعنى توأم يا آنسة ريم
نظرت له بدهشة وانتفضت تضم كفيها لص*رها بحماس شديد وسعادة اشد صارخة: الله توأم!! طب ولاد ولا بنات؟؟؟
أخفى نادر عينيه ضاحكا بينما حدثتها زينب: چاكى خيبة فضحتينا .
جلس حسين صامتا بجوار أمه وهى تقص عليه كل ما حدث منذ مغادرته حتى أنهت حديثها ليقول بألم: كنت حاسس أنهم ناوين على غدر.
تن*دت دهب وربتت فوق كفه بحنان شاعرة بالأسف: والله يا أبا انى بشور عليك وهرد عليهم بردو واللى يريحك يا حبيبي انا هعمله ماليش غير راحتك يا أبا، صلى استخارة وربنا هيختار لك الخير
أومأ بصمت موافقا على حديث أمه التى عادت تربت فوق كفه وهى تنهض: اتمسى بالخير يا أبا
غادرت وأغلقت الباب برفق ثم استعادت ابتسامتها الودودة المرحبة واتجهت نحو الخارج لينهض نادر فور رؤيتها وهو يمسح عينيه التى دمعت من شدة الضحك لتقول دهب: بينا يا ولاد نطلع نرتاح
ساد الهدوء وظل حسين وحيدا في هذه الشقة يواجه صعوبة في النوم بسبب أفعال عبير التى يحاول جاهدا ليغير نظرة الجميع لها بينما هي تبحث عن كل ما يشوه صورتها وتنفذه فورا. تن*د مجددا فور ظهور تلك العيون مجددا أمام عينيه.. تن*د لاصرار هذه النظرات لزيارة مخيلته من حين لآخر فارضة نظرتها على عقله، تلك العيون التى لم ير مثل نظرتها له من قبل، إنها تفخر به رغم أنه لم يرها مسبقا، نظرة فخر تتخلل رجولته المتعطشة لاهتمام انثوى فتثير حواسه رغما عنه ورغم تعطشه لهذا الإهتمام يقصى عينيها بعيدا ويجاهد باحثا عن وسيلة لتنفيذ وصية والده الراحل.
ظل طيلة الليل غارقا فى حيرته بين قلبه وعقله، بين ما يتمنى وما هو واقع عليه تحمله.
استيقظ الجميع وما إن شعر بوجود أمه خارجا حتى اسرع ينضم إليها، لقد ظن انه سيحظى بصحبتها بعد صلاة الفجر لكنها لم تهبط سوى بعد ارتفاع الشمس وقد انهكه أرقه.
جلس واجما تحت تأثير تخبطه وإرهاقه وعجزه عن الوصول لقرار يشعره بالارتياح فسألته أمه : مالك يا حسين؟ هو انت ماصلتش استخارة زى ما قولت لك؟؟
شعر بالحرج وزيادة التخبط ليهز رأسه: الليلة يا أما إن شاء الله اصليها.
تجاوزت واتجهت نحو زينب التى تجلس منذ قليل: زينب هى ريم فين؟
رفعت ريم عينيها عن الكتاب الذى تطالعه: سبتها تريح شوية ونزلت اقعد معاكم.
بالكاد أنهت جملتها وكانت ريم تقتحم مجلسهم بوجه حزين وشعر مسترسل وتحمل فرشاة شعرها بكفها وقفت أمامهم تنظر لها بحزن متذمرة: ماليش دعوه انا عاوزة ضفاير زى البنات اللي تحت
ضحكت دهب لهيئتها: كل الحزن ده علشان الضفاير!! تعالى اقعدى جدامى هنا اعملك احلى ضفاير
انمحت علامات الحزن كأن لم تكن وهرولت لتجلس بسعادة متسائلة: بجد يا طنط!؟ بس انا عاوزة اتنين قد بعض تمام زى البنات اللي تحت فى الشارع.
امسكت دهب خصلات شعرها وتناولت منها الفرشاة بود: ما شاء الله شعرك حلو اوي يا ريم.. بس هو انت نزلتى تحت؟؟
تحدثت ريم بعفوية تنم عن الصدق الخالص: لا مانزلتش بس من ساعة ما زوزو خرجت من الاوضة وانا بتف*ج عليهم من البلكونة وكل ما اعمل زيهم يطلع مش مظبوط ومنعكش خالص
ضحكت دهب وباشرت جدل شعرها حتى ألقت الضفيرة الثانية للأمام لتتدلى فوق ص*ر ريم التى قفزت متفاخرة بضفيرتيها: ها شكلى حلو!؟
وجهت سؤالها للحضور لين** حسين رأسه مرغما عينيه على توديع تلك النظرات التى تحثه لها بينما قالت امنية: قمر يا ريم
تابعت تهانى بجدية: بس اوعى تسبيه كده ليتحسد.. ما شاء الله الصفاير جايبة اخر ضهرك
امسكت ريم إحدى الضفيرتين تجدل نهايتها وهى تقول بتلقائية: فالله خير حافظا وهو ارحم الراحمين .. ماما دايما تقولى كده.
تبسمت دهب وهى تجذبها لتجلس بجوارها مجدداً: هى ماما بتشتغل فين يا ريم؟
ابتسمت ريم بفخر: ماما بتشتغل فى الحى.. رئيسة قسم التراخيص أصلها مهندسة وبابا كمان مهندس
نهض حسين معلنا مغادرته أو هروبه فهو لا طاقة له لاحتمال احاديث نسوية: أما أنا رايح أطل على الغنم والبهايم وبعدين هطلع الغيط البحرى وقبل ما ارجع هطل على چنينة الموالح ماتجلجيش عليا .
تحرك خطوة واحدة لتنتفض ريم بحماس: الله والنبى خدنى معاك،
ونظرت نحو دهب برجاء: والنبى يا طنط اروح معاه
هزت دهب رأسها وتمتمت: اللهم صل عليك يا نبى يا بنتى ماتحلفيش غير بالله هتروحى معاه ازاى من غير اكل ؟ مش هيرجع قبل المغرب
تمسكت ريم بذراعها برجاء: بالله عليك يا طنط زى ما هياكل حسين هاكل وبعدين زوزو تيجى معايا مش هروح لوحدى
اسرعت زينب ترفض: لا انا مش ناقصة تيجى لى ضربة شمس ولا انا حمل اللف على الغيطان والزرايب.
شعرت دهب أن صحبة الفتاتين قد تشتت حسين قليلا عن الأفكار التي تثق أنها تتصارع داخله فنهرت ابنتها: جومى يا زينب روحى مع صاحبتكى ولا انت عازماها علشان تحبسيها فى الدار.
ثم نظرت نحو حسين: خدهم معاك يا حسين وخلى بالك عليهم .