الفصل الأول
المرسل
الريّاض.. 16شوال 1418ه
بطلي العزيز..
لك منّي أسمى آيات التقدير والاحترام..
وبعد..
أثمن – بمزيد من المحبة – تواضعك الجمَّ وقدرك الكبير في إنكار ذاتك، وعينك الثاقبة في اختيار النموذج الذي عرضته لي وكان عن سيرة الكريم/ يس عبد البديع العطّار، عطّار السيدة..
وأود الاعتراف أنّي التمست في طيّاتها الناصعة خامة أدبيّة طيبة، تصلح للسرد والعرض، وأنها في رأيي أولى من غيرِها بالطرح والمعالجة، في المقدّم أمامي من الأعمال..
واعلمْ يا – حماك الله – أني على قدر تردادي ما بين الشقيقة مصر والمملكة، لمْ يفسح لي القدرُ أن أشخّص مصريًّا واحدًا يصلحُ أن يكون مدادًا في سطور، ذلك لعدم خلطتي وتوغلي في أعماق هذا الشعب بما يسمح بتكوين تصور عنه، كما أنّ آخر نموذج أعلمه عن المصري هو رئيس تحرير الجريدة التي أنشر فيها، وكل ما يربطنا من علاقات هي علاقاتٌ مهنيّة محضة، لم تتوجْ بود كافٍ لهذه العملية، ولظنّي أن القراء لا يحبذون أن يكتبَ الواحد رواية عن مديره في العمل..
وأقول إن كلّ ما أعرف عن المصريين عمومًا يعرفه الناس قاطبةً في أي بقاع عربية، إنتاجات فنيّة، قراءات تاريخية، أدوار سياسية سالفة؛ لذلك كنت أتوق إلى هذه التجربة الجديدة، لأتغلغل بنفسي في أعماق الطينة النيلية، والتي أتوّسم أن تكون فاتحة خير بيني وبين هذا الشعب الطيب..
وبعدُ.. أطمئنك أن الخطاطة السردية للرواية ستكون جاهزة في ظرف أسبوعين على أقل تقدير، وأرجو منك التماس العذر لي في استعمال نسبة لا بأس بها من الخيال الأدبي، كي تصلحَ السيرة النقية للدخول إلى الورق، وأطمئنك أيضًا أنني ما زدت أو أنقصت واحدًا من شخصيات الحكاية، كل واحد شارك فيها لهُ عندي ملف جامع خاص به، غير أن المعلومات التي أرسلتها عن بعضهم لم تكن كافية إلى الحد الذي يرسم صورةً أتكئ عليها في السّرد، ستجد أسماءهم مرفقة بالأدوار التي حددتها أنتَ بالضبط – إن شاء الله تعالى – مع الخطاطة التي ستعطيني رأيك فيها في مظروف واحدٍ يصلك خلال أسبوعين من تاريخ اليوم..
محبتي وتقديري: ص. س..
القاهرة.. 30 من شوال 1418 هـ
أخي العزيز: ص. س
تحيّة طيبة وبعد..
لا تعلم كمْ آنس حديثك نفسي بالسرور..
أتوجه إليك بخالص الشكر والامتنان على هذا التعاون المشترك، أدام الله بيننا كل خير..
أما بخصوص معاشرة المصريين، فإني أدعوك في أقرب زيارة لك للقاهرة إلى جولة لا تندمُ عليها ما عشت، ستذكر فيها مصرَ وأهلها بكل خير، وأعدُك أن تطالع نموذجًا صادقًا عن هذا الشعب كما لم تسمع من قبل، فمنذ متى كانت الإنتاجات الفنية أو القراءات التاريخية أو حتى النشرات السياسية وثيقة صادقة لنقل صورة كاملة عن الشعوب!!
لن أضيع عليك متعة الاكتشاف بسرد خبايا المصريين، وعندنا قصة متداولٌة بكثرة تقول إن حجا سأل يومًا حلّاقه عن لون شعره، هل هو أبيض أم أ**د؟، فقال له سيقع في حجرك وتعرفه..
أما بخصوص الشخصيات النّاقصة، فلا أخفيك سرًّا، لقد انتقلوا جميعُهم إلى رحمة العلي القدير، ولم أكن قد بلغت وقتها أن أكون حتى نطفة في قرار مكين، وما أرسلته إليك هو جل ما استطعت جمعهُ من معلومات عنهم من المص*ر الخاص بي، لكنّي أترك لك حريّة التصرفِ فيهم طالمَا لم يؤثر ذلك على أدوارهم في الحبكة..
وبخصوص اطلاعي على الخطاطة، فلا تكن في ضيق مما سأقول، لكنّي بعد السّمعة الطيبة التي يحظى بها قلم حضرتكم، فإني أراه من العيب أن أراجع وراءكم ما كتبتم، وذلك على ثقة مني بقدرتكم على إدراج السيرة الطيب للحج يس في أحسن إطار.. فتوكّل على العلي القدير..
وختاماً.. أعدك باستقصاء قدر أكثر عمقًا عن الشخصيات المطلوبة، ستصلك في خلال أسبوعين من تاريخ اليوم..
وكل عام وأهل المملكة بكلّ خير، أعاد الله علينا المولد النبوي وهذه الأمة سليمة الأوصال..
والسّلام..
محبتي وتقديري..
أخوك: ...
الحاج يٰــــــس
منذ مدة ليست بالقليلة لم يستمع إلى سورة بمقام النهاوند، هكذا افتكر، حين قطع درب الجماميز عابرًا المقهى على مهل، هلّل عباد الله في المذياع، عطفات المكان كانت ما تزال تلد ظلالها، الصبح في المهد، والسبحة الحسينية في راحة اليد، والنسمة الخريفية تهز أوراق الزينة الباقية من ختام رمضان..
كانت المقامات والقراءة من الأحلام التي ربّاها قديمًا ثم أجهضتها اعتبارات القدر، هي وأحلام أخر، الله يشهد، وذاك القميص الناصع، وهذه القبّة البيضاء في آخر الشارع في منتهى النظر..
جاز عتبة الدّكان نحو الدّاخل، لم تفاجئه رائحة التوابل المختلطة، فطالما ذكر نفسه أن يتعود عليها، أن يسلخها من دلالات الكراهة في نفسه، قا**ه عمّ "شحات" الدّرويش كان يتفسّح في المكان بالمبخرة ويدندن بانبساط: "فاكر أما كنا لمةّ ... جوا طشت بنستحمّى"، يضع في جيبه مبلغًا فينصرف..
العمّال في حلقة حول صنية الفول قبل الزّحمة الصباحية، يلقي التحيّة، يجد رضوان الحلبيّ ينتظره أمام المكتب، علم أن أحدًا لم يشترِ منه چوال الزعتر الذي عرضهُ عليه الأسبوع الماضي، رضوان لا يمكث في السيدة كثيرًا هكذا..
"صباح الخير يا حاج"..
"صباح الخير يا رضوان.. زعتر تاني؟"
قال رضوان مستنجدًا..
"بالثمن الذي ترتضيه يا حاج"..
"نفسك طويل يا رضوان.. قلت لك المرة السابقة، عندي حملان منه في المخزن بنصف الثمن الذي تريده، كيف أنت الآن وقد طفت محالّ السيدة زينب كلها وعدت لي؟"
ثم قال بدعابة:
"طماعون أنتم يا بتوع الشام"..
"ذكي أنت يا حاج ياسين.. تطمعُ الناس بهذه اللحية الأنيقة.. فإذا وقع التاجر منهم تحت يد*ك عصرته وحصلت على ما تريد.. عطار وابن عطار بصحيح"
اكتفى بالضحك ثم فقال:
"لكنك مستعجلٌ على هذا الچوال تحديدًا، كنت أياماً تجيء وتعود لا تهتم إذا لم يشترِ أحد.."
"ابني يا حاج ياسين، العام الدراسي هلّ وكل عام وأنتم بخير.. كتب ومصاريف إقامة وغيره"
"أين يدرُس؟"
"جامعة الأزهر.. كلية اللغة العربية"..
رق قلبه على الشاب، فنهض من على المكتب مرة واحدة..
"تعالَ معي.."
"أين يا حاج؟"
نادى في ركن الدكان البعيد..
"يا سليمان.."
انتبه سليمان من الرؤوس المنكبة فوق الصنية، فقال الحاج ملغزًا..
"كما تعرف.."
"أمرَك يا حاج.."
****
هبطا معا إلى قبوٍ مظلم بابه جانب المكتب..
"تعال يا رضوان.. لن أختطفك لا تخف"
أغلق الحاج الباب وراءه، أضاء مصباحًا كهربيًّا معلّقا في السقف، كشف المكان كأنه الظهر، كانت غرفة واسعة، تتوسطها طاولة وأدوات معملية، أجولة صوفية ملأى ببضائع تبدو نادرة مرصوصة في الأركان، مخاطة بإحكام، آخر الغرفة من الداخل مكتبة عريضة من خشب سميك، تنتأ المجلدات المقوّاة منها..
"لا تخف.. هناك مروحة لن تموت خنقًا".
أخرج الحاج مروحة صغيرة من تحت المكتب، ثم وصلها في المقبس فاشتغلت مص*رة أزيزًا خافتًا من تروسها..
"ما شاء الله.. هذا هو مختبر الأسرار إذن؟"..
"طبعًا.. التجّار يا سيدي لم يعودوا كزمن عمك عبد البديع" ثم أشار إلى صورة أبيه فوق المكتب الصغير في الركن..
تابع..
"تطلب الآن الوصفة من الواحد منهم، كأنك تطلب روحه، ومعهم حق في ذلك.. تعلّم ألا تموت يا رضوان"..
تابعه رضوان ب**ت، فكلمه الحاج: "الآن.. كلّ الكتب الأزهرية في هذه المخروبة البعيدة" ثم أشار إلى مكتبته.. "اسأل ابنك ماذا يحتاج من الكتب، أثق أنه سيجدها هنا"..
اتسعت حدقتا رضوان: "هنا"..
"تستهين بها.. إن باعة الأزبكية أنفسهم إذا تعسرّوا في مجلد نسخوه من هذه"..
"سبحان الله.."
"لا تضيع وقتك في الرغي الكثير، ابعث ابنك في أي وقت يختار ما شاء، والان امرر على سليمان وأنت خارج زمانه قد وزن الحمولة وهو سيحاسبك.. وقل له نزّل كوبًا من الزنجبيل الساخن للحج".
انصرف رضوان يض*ب كفًا بكف، بقي الحاج في القبو وحده، اقترب من الكتب، تناول واحدًا من أعلى الرفوف الخشبية لم يطله كثير من الغبار، تحسس عنوانه البارز المذهّب "دلائل الإعجاز"..
يستعجل في قضاء هذه الخلوة يومياً ساعة أو ساعتين قبل أن تكثر الأقدام على عتبة الدكّان، إذ لا بدّ له كلّ صباح أن يخلع عنه ثوب التملّك والسّلطة، أن يخرج قليلًا خارج لقب "الحاج"، حتى عهد قريب كان يكره ذلك اللفظ المقيت، لا يبلعه، لكن آمن في النهاية أن للزبائن قاموسًا يقضي بأن أي صاحب دكّان نمت في مفرقه بضع شعريات بيضاء هو "حاج"، حتى وإن كان في الثالثة والأربعين من العمر..
يُعيد قراءة الصفحة من الأوّل، ربما مرتين أو ثلاث، في يده القلم الرصاص، ذلك أن الأخ عبد القاهر (كما يدعو علماء اللغة) كان حجاجيًّا مفوهًا، تحتاج الكلمة منه إلى فهم الظاهر والباطن، تقليبها وجهًا وظهرًا كما تفعل النساء في فحص القطعة من القماش..
قلب الصفحة بعدَها فسقطت بطاقة صغيرة، تناولها، وجدها بطاقة المكتبة التي كانت تبيع الكتاب..
اسم المستلم: آسر عبد البديع.
التاريخ: الخامس من أغسطس سنة ١٩٧٩.
السعرُ: خمسة وثمانون قرشًا فقط لا غير.
كانت هديّة آسر في عيد ميلاده الرابع والعشرين، "الدكتور آسر" كما أحب أن يناديه، وأمر عمّال الدكان وأهل البيت كذلك أن ينادوه.. كان عيّلًا صغيرًا يومَ أعطاه هذه النسخة، قال له أنا لا أفهم في هذه الأشياء، لكنّ شكله أعجبني فحسب، ذلك الزمن الذي كان كل من حوله يؤمنون أنه سيصير أستاذًا جامعيًّا، أبوه يجذل العطاء لشراء الكتب، وأمه توزّع الأرز باللبن بعد كل نتيجة في الكلية، تلفُّ الأيام، وتدول الدنيا، والآن آسر يصعد السلّم الجامعي، وهو "الحاج ياسين العطّار"..
لم يكد يكمل الصفحة، حتى سمع جلبة في الخارج، نهض وقطع الطريق بصبر نافد، في الأول قلق على رضوان، ثم برز من باب القبو فوجد أحد الزبائن كان يتشاجر بالكلام مع سليمان..
"ماذا هناك؟"..
صاح فهبط الصّمت على الموجودين، خاطبه سليمان بضيق مشيرًا إلى الزبون:
"يا حاج هذا الأخ اشترى البارحة ثُمنًا من القرنفل، والآن يرجع لي يقول بكل استخفاف لا أريده..".
كان لا يقف كثيرًا على ترهات الزبائن، يريح قلبه من مشاوير الجدال، رمق الزبون الماثل ب**ت، ببدلته السوداء تلك التي لا تناسب شراء قرنفل من عطّار، بهذا اكتفى ثم أشار إلى سليمان وقال باقتضاب: "تعال أعطك ثمن القرنفل ورده إليه"..
كاد سليمان يعترض "يا حاج.."
قاطعه: "قضي الأمر يا حبيبي".
انسحب إلى المكتب فأخرج له المال، أغلق الدرج بالمفتاح فامتد ظلٌّ أمامه، لم يرحل الزبون بعدُ..
"أمرك..".
"لا أعلمُ.. لكنك لم تتكلّف عناء حتى لتبحث عن المحق فينا".
"الزبون دائما على حق.. أليس هكذا تقولون دومًا".
انقطع الرجل فلم يرد، تبدو لهجته الشعبية مصطنعة إلى حد كبير، قاطعه الحاج قائلا:
"لكني أتمنى من كل قلبي أن تكون أنت الذي على حق".
قال الحاج، فابتسم الرجلُ ثم انصرف..
جاء سليمان في يده جريدة..
"يا حاج.."
"ما خطبك اليوم يا سليمان؟"
"هناك واحدة ست سألت عليك وأنت مع رضوان..".
فتح دفترًا وأمسك القلم يدوّن حمولة رضوان من الزعتر، لم يكن مباليًا بورود النساء المتكرر على الدُّكان، اعتاد عليهم، هكذا يقول لأي أحد من الأصحاب، العطّار حبيب النسوان الأول، العطار يعالج المفاصل، يجلب الحبيب، يرد المطلقة، العطار سفارة الله في أرض الحريم، امتنع عن الرد ثوانٍ، ثم قال بتناس تام ورقبة منكفئة على الدفتر:
"الهانم.. ماذا تريد؟"
"كانت تريدك في أمر خاص.. قلت لها الحاج لم يأت بعد، فقالت إنها ستعودُ بعد الظهر لأن سترسل ابنتها إلى الحضانة وستعود وهي تحضرها، وتركت لك هذا"..
رفع رأسه فوجده يمسك جريدة اليوم..
حدق في سليمان وقال بتأنيب خفي: "يعني امرأة بحالها قطعت الطريق إلى هنا كي تترك لي جرنال اليوم!! تهزر يا سليمان".
"أقسم لك يا حاج هذا كل ما حدث".
تناول الجريدة منه وراح يقلبها طولا وعرضًا ليفهم أي شيء..
"كيف كانت هذه الست؟!"
"كانت منتقبة لا تبين إلا عينيها"..
تنفس ثم أمره بالانصراف..
غريبة.. امرأة تقصد الحاج ياسين لتترك له جريدة!!
نهض يتأهب للرحيل..
"حسنًا، ربّما تعود على الظهر".
"وأنت أين ذاهب يا حاج؟".
"اليوم الأربعاء يا سليمان..".
****
جاز أحشاء الحارات حتّى وجد نفسه في المستراح، مسجد سيدي أبو البركات أحمد الدردير، أوّل مرّة جاءه كانت مع أبيه، وقتَها تهجّى الكتابة الخضراء على باب الجامع، اسم الإمام، رفع رأسه الموازي لمرفق أبيه وسأله، فقال له إنه حفيدُ عمر بن الخطاب..
عند عتبة المسجد الظليلة، تراءى له من بعيد وهو يصافح طالبين آسيويين، بان ذلك من ملبسهما الإسلامي المعروف، تبين وجهه المليح ذاته من البسمة التي لا تفارقه، طالما استحضر جسده القليل صورة والده، كان واقفًا تلفح النسَمات العدوية جلبابه الأخضر القصير وسرواله الأبيض، تلمع فوق رأسه طاقية الصوف الخضراء.. كان الشيخ محمد بن محمد المغربي..
تفاجأ باقترابه منه مبتسمًا كعادته..
"الحاج ياسين"..
تعانقا مرة واحدة دون سلام..
كان يحس برودة محببة تسكن قماش جلبابه المعطّر أثناء العناق، فكان يطيله وهو يطوق ظهره بذراعيه..
انفصلا فرطن محمد للطالبين بلغتهما فيما يوحي بالتقديم..
تقدم واحد أشقر ينسدل شعره فوق جبهته وسلّم بعربية متعرّجة: أهلاً وسهلاً حاج ياسين..
"هذا الأخ شوانغ من الصين"..
قدّمه محمد..
سلم واحد آخر أقصر من الأول قليلًا..
"وهذا نيانغ أخوه الأصغر.. شوانغ ونيانغ يا حاج سينضمان إليك في الحلقة..".
"لا مانع، أهلاً وسهلاً بهما"..
...
كانت له حلقةٌ صغيرة تحت أحد عواميد المسجد كلَّ أربعاء، لم يكن يعلمها سوى سليمان حتى يستنجد به إذا لزم الأمر..
كلما دخل ساحة الدردير، أكبر هدوءها المريح، كانت تدخله كله قبل أن يطأ بخطوة فيها، حيّا طلبته المرصوصين عند العمود وقطع الطريق إلى غرفة الشيخ، وقف على الباب، وجده يخلع حقيبة الكتف على طاولة رخامية صغيرة..
"كأنك خا**ت الدّكان..".
التفت محمد، ثم قال وهو يفرغ الكتب على الطاولة..
"البركة فيك يا حاج، النّاس هنا يحتاجونني أكثر..".
جلس على المقعدِ الوحيد في الغرفة..
"ومن قال إن الشوق في الحاجات، كنتَ تأتي مرة مرتين في الأسبوع بعد عمي محمد، والآن..".
"على عيني يا حاج.. لكنّك تعلم، كيف تصيرُ الأماكن بعد غياب ظلال معينة.. وها أنت ذا تجيء المرة وراء الأخرى، فلا حاجة لنوقظ ما راح من جديد".
هز رأسه بتفهم..
"كما شئت.."
ثم أخرج من جيبه مظروفًا ينطوي على مبلغ..
"تفضل، نحن آخر الشهر..".
تناوله منه ثم ناوله الكتاب الذي يشرحه.
...
. عاد إلى محلّه، أول ما رفع الشيخ محمد الظهر في مئذنة الدردير افتكر المرأة المنتقبة، سأل سليمان عنها مرة أخرى فقال له ستمر بعد الظهر وهي تحضر ابنتها من الحضانة، انتهى من كوب زنجبيل كامل ثم أتعبه انتظار الساعة كاملة، فقال في نفسه: "دعنا نرى لقمة عيشنا".
قام ليتفقد فتارين العمال وأدراجهم، فجاءه صوت سليمان "تفضلي يا هانم الحاج توه عائد من الخارج"..
كانت المرأة المنتقبة تقبض على ذراع ابنتها الجميلة، تقدّمت نحو مكتبه مباشرة ولغة عينيها تنم عن معرفة تامة بأبعاد المكان..
قبل أن تصل إليه حتى، كان قد فطن بلا ريب من تكون..
لن تسير الأيام نمطية بعد الآن كما كان يطمح، وإلى وقت بعيد..
"دعنا الآن يا سليمان.."
قال باقتضاب..
نفذ سليمان الأمر ورحل..
لم ينزل عليهما ساعتها أفصح من ال**تِ، كان سكوتها أبين حتى من رفع النقاب..
تفاهمَا إلى حد بعيد في ثوانٍ..
"اتفضلي.."
جلسا..
ملامح البنت الصغيرة منحوتة منها، قلّما وجد نفسه لا يجد معيارًا يقيس عليه تصرفه في المواقف كما الآن، بم ينطق؟
وفّرت عليه الجهد، فقالت له وهو ينظر إلى البنت..
"هذه ابنتي حُسنى..".
"ما شاء الله.. جميلة.. ربي يبارك".
"أتظنه من العدل أن تكبر بنت كهذه، وسيرة أمها متداولة في الجرائد بهذا الشكل؟".
أشكل عليه..
"ماذا تقصدين؟"
"أقصد أن تحقيق أحلام الأيام الوردية لا يجبُ أن يلحق الخراب بي يا حاج".
اتخذ كلامها طابعًا رسميًّا..
"أنا لا أفهم شيئًا.."
شدت الجريدة من أمامه، ثم شرعت تقلّب صفحاتها عشوائياً، وصلت إلى الصفحة المعنونة بـ"ثقافة وفنون".
طوت الصفحة بالطول والعرض، ثم أعطته مقالة طويلة معنونة بـ "سيرة يٰس".
قرأ كلماتِها الأولى بمهل، لم تكن لغتها لغة مقالية تقريرية، فيها شيء من الأدبية الجميلة والسرد المنظم، ربما هي أقرب إلى قصة أو فصل روائي، هذا ما أكدته كلمة عريضة في أعلى القطعة "الفصل الأول"..
"لا أعرف شيئاً عن هذا الموضوع، كما أن صاحب الفصل لم يذكر اسمه، واختصره: ص. س".
بدأ ينفعل بعض الشيء..
"ثم لا أفهم.. قطعتِ هذه السكة الطويلة من باب القاضي حتى تخبريني بهذا..".
قالت بعصبية..
"الأمر تكرر يا حاج أكثر من مرة، سأرسل إليك خمس نسخ قبل هذه النسخة حتى تتأكد أني لا أوزع التهم بالباطل على النّاس.. سواء أنت أو غيرك من ينشر هذا الكلام، أنا الآن امرأة متزوجة..".
وقفت الكلمة الأخيرة في حلقه، أفسدت مزاجه، كانت ملامحه بركة هادئة وقع فيها حجر على فجأة، وجد نفسه يقف فيما معناه أن اللقاء انتهى، ثم نظر إلى البنت الصغيرة وقدماها لم تمسَ الأرض قائلاً: "اعتني بأمك جيداً يا حسنى..".
تركها أمام المكتب وقام في يده ورقة وقلم نحو العمال وهو يتمتم: صبحية بانت من أولها..
***
أغلق العمّال أبواب الدّكان ..
قبل أن يمضي ترك لسليمان المفتاح كعادته ليفتح الصبح..
استقبل طريقه نحو البيت، لم يفقد أحاسيسه بعدُ بتبدّل الدنيا ليلًا، كأنها ليست هي التي يبدأها الفجر ولا تنكشف عليها الشمس.. يراجع اليوم في ذهنه، فلا يجد إلا.. لماذا عادت اليوم!!
آخر مشهد بينهما كان منذ ما لا يقل عن سبع سنوات..
يوم انتهت حياة الحاج عبد البديع أبيه على وجه الدنيا، هو ذاته اليوم الذي انقطع منه عن سماعِ القرآن بمقام الصبا لأنه مقام مُوجِع، قال إن السياق يومها ما كان يحتاج من الشيخ المقرئ أن يتقنه إلى هذا الحد، حملت الحلاوة في طياتها المرارة، يومَها أرسلت صفيَّة آسرَ إليه وسط الصفوف، همس في أذنه "يريدونك في البيت..".
ترك النّاس ساعتها وعاد مسرعًا، كانت أمه مغشيًا عليها صبح ذلك اليوم الأغبر، فعاد يهرول كالمجانين من الصوان وأنظار النَّاس تتخ*فه..
أول مرة شاهد فيها إضاءات السكّة بين البيت والدكان، والناس الذين يسعون بينهما، لا تنشر أي نوع من الطمأنينة والأنس، اصطبغ كل شيء بدلالة الفقد، وصل إلى البيت، استقبل الطابق الأرضي فسمع النداء الخافت خلف الباب.. "ياسين".
تردد ساعتها على درجة السلم، ثم استسلم واستدار.. لم تكن هناك صفية ولا يحزنون..
"البقاء لله يا ياسين..".
لم يرد، اكتفى بهزة رأس محتسبة..
"أعرف أنه من المفترض ألا نتحدث الآن.. لكن رأيت من الواجب ألا تكون وحدك في هذه الساعة".
لم يكن يسمع، كان سارحًا في دبلتها التي تع** نور الشارع..
"كتّر خيرك"..
لم تجد ساعتها بداً من الانصراف قبل أن تلمحهما الأعين..
تتابعت الذكريات واحدة وراء أختها.. تعرّف المكان فجأة، فإذا به في الغوريّة، تمشّى من السيدة حتى الغورية، يا ألطاف الله!!
إنها السكّة القديمة.. تساءل، كم يحتاج الواحد من الماضي حتى تتعود قدماه الذهاب والإياب وحدها، في أماكن بعينها..
اخترق ليل الحسين..
تعددت أبعاد القصّة..
توالت على رأسه ألف "هنا"..
فهنا كان وهنا كانت وهنا كنّا..
أحب استكمال الليلة بالمرور على باب القاضي، قابلته في الطريق مقاهٍ عدم الجلوس عليها منذ انطفأت جذوتها في نفسه، حوانيت مضيئة ومكتظة بالنّاس في الخان، حينما انعطف إلى المشهد الحسيني، انتبه إلى المآذن التي محيت قصصها من الذاكرة، مظلومة كل ذكرى تقترن بأحاسيس مؤلمة..
متى ازدحمت الناس هكذا؟
بدأت الأعداد تقلّ وتتخذ طابعًا منظمًا عند أوّل المعز، انعطف إلى اليمين، الليل أبهى ما يكون هنا، كأنه خلق هنا، وأول ما غربت الشمس واستلم وظيفته في السماء هنا..
يطأ باب القاضي فتذوب الحدود حوله، ما السماء؟ وما الأرض؟ ما المقصود بلفظة "مكان"؟
تعرف في مجموعة من الصبية تلعب بعيدًا على ملامح حُسنى فعرف أنه المكان المنشودُ..
ربما من الليالي القلائل التي نسي فيها أنه الحاج ياسين..
لم تسعفه ساقاه في العودة مشيًا، ركب مواصلة حتّى شارع السدّ ومنه استقبل الدرب إلى البيت..
لمّا استقر في الغرفة راجع لقاء الصبحية، لو لم يقرأ بنفسه الجريدة وقتها لما استبعد أن تكون حيلة منها، شغله أمر الجريدة، هل يمكن أن يكون المكتوب صحيحًا؟
أمسكها وفتح الصفحة ثانية، قرأ الفصل المكتوب بعناية..
نعم تشبه إلى حد كبير، بل تكاد تطابق الأصل!! لا يستغرق المرأ كثيراً من الوقت حتى يعرف الكلام المكتوب عنه..
لكن هو!! الحاج ياسين!! وجدَ الأمر طريفًا إلى حد كبير، متى يقوم الواحد الصبح ليجد أحدًا يذكره في جريدة؟ بل يجد فصلًا من حياته منشورًا في صفحة كاملة؟ لا يعرف ممن حوله أحدًا مغمورًا إلى هذا الحد، وإن كان هناك، يكتب رواية عن ياسين عبد البديع العطّار كأنه بطل أدبي مرة واحدة!! تفجرت بئر من الألغاز في باله، ربما ومضة من الاستحقاق، ربما لا، مجهولات كثيرة جعلت الواحدة تظهر بيد الأخرى كقطع الدومينو، ثم استقر أخيرًا على شيء واحد سينتظر الصبح من أجله..