كان محدّقا في أدراج الأعشاب البعيدة بقلة حيلة، يفرد ظهره إلى الوراء، يسترخي على ظهر الكرسي القطني ولا تهدأ رأسه، ماذا يأتيه الآن بها وبالنُّسخ القديمة؟ نادى سليمان وأمره أن يسأل كشك الجرائد الذي أمام المسجد عن أي نسخة قديمة ما تزال عنده، ذهب ثم عاد خالي الوفاض..
بدت الحلول كحلم مبدد، نعم قالت له ستعود له بها إلا أنه ما زال يعتبرها وعيدًا للارتجاع لا أكثر، لم يكن يملك تلك البراءة الشرعية التي كانت في صباه ليتمنى من عفريت المصباح هذه الأمنية، ساعة من اليأس، ثم ظهر له المرسال القديم، كأن الماضي يفترض وجهة نظر، يدور بمبخرته التاريخية في الدّكان: "فاكر أما كنا لمةّ... جوا طشت بنستحمّى".
كان نوعًا من الجسارة يعلم أنه ليس بالهين..
لكن ماذا سيُقال مثلًا..
درويشٌ يلف بالمبخرة في الجماليّة!!
كأنك تقنع غيمة أن السماء ممشاها..
نادى: "عمّ شحات".
...
كان شحّات طيعًا مع الحاج، لم يستغرب الطلب، لهما لغة قديمة يتقنانها أيام ظروف الفقد، أشبه بتحميل النظرة إلى السحابة المتنقلة، أو إيداع الأنفاس في طوايا الريح الطوّافة، صحيح طال الزمن ولم يعودا إلى هذه الحيل منذ فترة بعيدة، لكنه كان مؤمنًا بحكمة أبيه: "إذا غاب القمر.. أضئ أنت".
انصرف شحّات وقد دسّ في جيبه صدقة الحاج، لا يعلم هل هي صدقة أم أجر، لكنه مالٌ في الجيب..
راقبه وهو ينصرف، محمّلًا آماله على دخان مبخرته، لم يكن يلحظ أن القبو مفتوح، لا بدّ أن آسر في الأسفل، لم يره منذ أيام، كان الأخير كعادته قابعًا عند رفوف المكتبة الكبيرة، منكفئًا على الطاولة ب*عره الأشعث الفاحم المتهدل ولحيته الشعثاء، كان ينقل شيئاً من مجلد في رزمة من الأوراق، أحس بخطواته خلفه فالتفت..
"صباح الخير"..
"أصبحت تأتي متأخرًا يا حاج ياسين، عجّزت بهذه السرعة"..
ارتسمت بسمة على شفته..
"منذ متى وأنت هنا؟"
"ليس كثيرًا، فقط جاء العمّال فوجدوا الدّكان مفتوحًا.. أساتذة التاريخ لا يصبرون".
"وهل وجدت ما تريد؟"
"أعتقد ذلك، ليس البحث عن مذ*حة المماليك وسط هذه البوابة الزمنية أمرًا معجزًا، تخيّل يا ياسين، تكون معزومًا على العشاء عند حميك مثلًا، ثم تجد الأنوار تنطفئ فجأة، والأبواب تغلّق، وتسمع عقر الرؤوس بالسياف، أمر مريع يا أخي!! منذ دخلت ذلك القسم اللعين وأنا أستفهم، لماذا لا تقوم الدول إلا بالممحاة يا ياسين.. ".
"لأنهم هم الذين شاءوا أن تكون هناك خطوط على ورق، فيسهل محوها في أي وقت".
"حلوة هذه الجملة، سأدونها.."
"هل حدد لك القسم موعدَ المناقشة؟"
"ليس بعد..".
" محمود أخوك أرسل ابنه بالأمس إلى أم ياسين يطالب بالشهرية.."
"لم تقل لي.."
"لم تشأ أن تزعجك، قالت إنك لم تتناول عشاءك، فأعطته من معها.."
أخذه ال**ت ثم ترجم ضيقه «ربنا يهديه»
.. ابن رضوان السوري ربما يأتي في أي وقت، إذا جاء، أنزله إلى هنا وفرّجه على الكتب الأزهرية ليختار ما يريد".
"وأنت.. أين ستذهب؟"
قال وهو يقترب من باب القبو..
"مشوار حتّى الجمالية.. لن أتأخر".
......
سيظلان على غير وفاق، حتى يأذن الله للشمس أن تطلع من حيث لم تعتد، محمود لم يحب درب الجماميز قط، لم تستهوه العطارة والعيش في أحضان الماضي، لا يذكر متى بالضبط لم يعودا يلتقيان، يحاول أن يتناسى هذه المرّات القليلة التي أعقبت موت عبد البديع، وجعلته ينتقل للعيش مع أهل زوجته، لكنه لا يقدر أن يتناسى أنه أخوه، عاشر الرحم الذي عاشر، مشتق من ذات النطفة في ذات القرار، لا يختلفان في الشبه، لكنه العيش والسلام بينهما، يوحي أن أحدهم شد من رحم أمه باليمين، والآخر بالشمال، فانطبع عليهما السمت..
لم تظهر خشونة الأخير سوى بموت عبد البديع، إذ حلف عليه بعد زواجه ألا يغادر الدّرب، وأرغم أنفاس ابنة البشوات زوجته على العيش مع أم ياسين، تطبخ وتقش بيتها، مرّ الأربعون الأول له في تربته، كانَت عربة العِزال تقفُ تحت مشربية البيتِ، يركبها والداه، عاد الحاج يومها من الدّكان، نادى آسر وأمره أن يحملا هذه الكراكيب إلى الشقة مرة أخرى، فنزل محمود ودارت معركة حامية بين أولاد عبد البديع الثّلاثة، على صراخِ أم ياسين على السّلم، شجت رأس آسر وقتها وانسالت الدماء على ثوبهِ، لم يفصل بينهم سوى رجالُ المقهى، غضب عليه ساعتها، وحلف أن يغادر البيت فردًا، دون كرسي واحد، وأقسم طريد زوجته إذا لم يحصل على إيراده كل شهر ليشكونه في المحاكم، وبهذا حكم الجمع من الناس.
عبر الشارع من الغورية، عاد الصبي القديم..
كانت الجمالية لأنّها الجمالية.. لا تفرغ مقاهيها من النّاس، ولا ترتحل الظّلال من حاراتها، ضيقها مقصود، يشبه في تفاصيله القلوب الصادقة، تضيق بالكثير، وتتسع للقلائل، بعث من نفسه المستكينة الروح القديمة ثانية، نظر بالعين إياها، فردت عليه النسائم الباردة، تساءل مجدداً في ماهية ذلك الشيء المسمى بـ"الماضي"، أشكل عليه أن يضع هذه القصص المتعاقبة للشيء الواحد في كفة اللذة أم في كفة الشقاء، كان يتمنى أن تشبعه إجابات المآذن التي تحيطه والتي تقتات من ماضيها وتحاول كلّما زارها إقناعه أن الماضي أحيانًا قد يكون سرَّ جمال جوهري..
تمشّى في الطرق التي يكثر فيها الغدو والرواح، غير عابئ أن يضل القبلة، فكل درب هنا مهما كان مختبئًا في أي زقاق يعلم أين يفضي، قد جعله سطرًا في الحكاية من قبل، عيبٌ أن يضيع الكاتب في قصته.. لم تتغير كثيرًا، صحيح مرّ منها بعد النهاية مرات عديدة، لكنه لم يكن بعدُ ذلك العطّار الذي صحا فجأة فوجد مجهولًا يدونه في فصول في الجرائد، فجعله يدقق فيما لا يحبذ أن يدقق فيه ثانية..
من كان يفتح متجره ويرتب التحف في الخارج فتح ورتّب، المقهى الذي يفرش كراسيه في الخارج فرشها، خدم المساجد المهيبة والأسبلة ما يزالون يتمسحون فيها وفي سلالمها..
"حاج ياسين.."..
انتزعه النداء من دوامة الفكر، دقق في جوف المقهى الذي زحف النهار حتى نصفه، لم يتضح الوجه الذي سارع بالتقدم أول ما وقف، شابٌ تبين ملامحه التي لم تكن غريبة حين كشفها النهار..
"أعرفك.. لكن اعذرني"..
"أنا كمال يا حاج".
يبدو من مريلة المقهى أنه القهوجي، لا يقترن اسم كمال والمقهى في ذاكرته إلا في كمال واحد..
جلس داخل المقهى بشكل يسمح له أن يراقب الشارع، كان كمال قد وضع له كوبًا من الزنجبيل، نصحه كوالده قديمًا: "احذر من الزنجبيل يا حاج، إنه يؤذي الص*ر أحيانًا".
سأل: "أين أبوك يا جمال؟".
قال بضحكة وهو يرتب المكان:
"الله يرحم أيامك يا حاج، الحاج تعيش أنت من خمس سنين".
زم شفتيه بأسى..
"كان يسأل عنك كثيرًا آخر أيامه والله يا حاج".
قال بأسف:
"لماذا لم تخبرني يا كمال؟"
"أعتقد أنك لم تعد تحب المجيء هناك، هو أيضاً كان يقول لي ذلك..". نظر إلى المقهى الجديد، وجد حدوده أضيق من الآخر الذي كان في الغورية قديمًا ويفترش دنيا الشارع ويصخب بالحياة..
بينما هذا لا يتعدى مساحة دكّان صغير، يفترش الكراسي على جانبيه مقابل بعضها مثل صفوف العزاء، ما أبأسك يا كمال..
"ولماذا انتقلت إلى هنا يا كمال؟"
كان يعيد غسل الصواني من الأتربة، فقال:
"الغورية أصبحت فقر يا حاج.. أول ما دفنّا الحاج طمع الطامع، ونهش الناهش في أخيك.. حتى الرجال الذين يُقال لهم أعمام راحوا يقسمون المقهى الكبير، وجدت نفسي في النهاية أمتلك زقاقًا لا يتسع لمرتبة للنوم.. بعته لهم وبعت بعض مستلزمات المنزل، قرش من هنا واخر من هناك، واشتريت هذه الدّكان بسعر مكرم فيه لأن صاحب البناية كان صديق الوالد.. وها هي تعين على الأكل والشرب.."..
لم يعلق، خاطر نفسه دون كلام: الدُّنيا هي الدنيا..
كان مع حديث كمال بنصف سمعه، ونصفه الآخر بعينيه على الطريق، أين يكون هذا الدرويش اللئيم حتى الآن؟
استأذن من كمال وقام يتأهب للرحيل، فاستوقفه:
"ثواني يا حاج..".
ذهب إلى غرفة في آخر المقهى عدة دقائق ثم عاد يمسك كرّاسًا لم يتبينه في يديه، أول ما اقترب وكشفه ضوء النهار ناوله له:
"لقد تركت هذا آخر مرة كنت عندنا في المقهى القديم.. أوصاني الحاج يومها أن أحتفظ به لك إذا عدت..".
فتحه أمامه، كان كرّاسًا أزرق جثم عليه التقادم ومال ورقه إلى الصفّار، أول ما فتحته وجد كلَّ صفحة كانت تنبش قبرًا قديمًا، تهز غصنًا يبس من سنين، حتى وصل إلى الورقة الأخيرة وجد بيتًا مفردًا من الشعر مكتوبًا بالرصاص..
ذهب الذين أحبّهم..
وبقيت مثل السيفِ فردَا.
أغلقه ثم طواه تحت إبطه، ومضى عائدًا في توافد بعض الأفراد على كراسي المقهى..
.....
عاد إلى الدّكان، وأوصاه أن يزوره لو احتاج شيئًا، ساعة أو أكثر في هذا المكان مضت ولم تفده، بل أيقظت ما كان حراماً إيقاظه..
عاد يستغفر الله، مرهقًا من ألاعيب الشيطان الرجيم في يوم وليلة، أول ما اقترب من المكتب كانت هناك لفافة مطوية من الجرائد، أسرع خطاه نحوها، ثم نادى سليمان، فقال إن ذات الستّ قد مرّت منذ ساعة وتركت لك هذه الجرائد..
سأله: "هل قالت لك أنها ستعود؟"
أشكل عليه: "ولماذا تعودُ؟".
شيء ما جعلَ نبرة سليمان عالية في السؤال "لماذا تعود؟" ربما هذا الشيء الذي صرفه إلى الكلمة من بين حديثه معه..
صرفه وأخذ يرتبها بالأقدمية حتّى وصل إلى الجريدة الأولى..
وفتح الصفحة..