الفصل الثالث

1851 Words
طريد التلاوات العدد 584 – 3 مارس 1998م. أول ما عرفه من الدنيا ذراع أبيه المشعرة، حين يخترق به درب الجماميز الظليل إلى كتّاب الكردي، كانت هذه حدود الحياة بالنسبة إليه قبل مولد آسر وصفية، في البيت يرى المصاحف مرصوصة على أي منضدة، موضوعة فوق أي مكان عالٍ، كتبٌ يتهيبها النَّاس ويقسمون بهَا، تتلو فيها أم ياسين في الخطوب، كانت بينه وبين المصاحف مساحة شاسعة ملؤها الجلال والرهبة، حتى ذلك اليوم، يؤذن العصرُ، فتوقظ أمه أباه من المندرة التي يحب نومتها لأن ريحها بحري في الصّيف يجلب الطراوة، يصليَان معًا، ثم يصطحبه من ذراعه، ويناوله المصحف إلى الكتّاب.. وقتَها أول شيء تعلّمه عن المصاحف أنها تُمسُّ بحساب.. كان أهل الدّرب وقتَها متبرعين باستجلاب شيخ للصبية يقرّئهم كتاب الله في هذا الكتّاب المهمل، الكتّاب لم يكن وحده، كانت مجموعة معمارية فخمة من زاوية للصلاة، وسبيل وتكيّة لأهل الله من الفقراء، وكتّاب مهجور في الدَّور العلوي.. يحفظون جميعهم تاريخها الضارب في القدم، يعلمون صاحبها، اسمه جمال الدين يوسف الكردي، عابدٌ من أهل الله مدفون في المكانِ وحسب.. كانَ الشيخ الذين استأجروه للصبية رجلًا بدينًا من المغاربة، تخرّج في الأزهر، وجهه عريض مملوء، يفيض بالنور والحمرة، له لحيةٌ خفيفة فاحمة، لا يظهر محيّاه تقدم السنّ الذي تفضحه بعض الشعريات البيض الهاربة من القفطان، في مشيته عرجة خفيفة تميزُه من بعيد.. كان يتردد على دكّان عبد البديع العطار قرب مسجد السيدة، عرفه، ولمّا قال أهل الدّرب يا قرآن ناداه.. اسمه محمد.. مهيب الجلسة، حين يتربع على الأرض أمام الصبية، وتنفذ الأنوار من الشبابيك التي وراءه، ينزل عليهم ال**ت، يبسمل، فيقرأ وترن حنجرته الملائكية في الصالة الفسيحة.. ولج الشيخ قلبه رغم الكراهة التي كانت تستولي عليه، سأله ذات مرة حينما سمّع الفجر كاملة: - ما اسمك يا حبيبي؟ رد بلدغة طفولية تتلعثم بالخوف: - ياسين.. أشرق وجه الشيخ ساعتها سأله: - تحب الكتاب يا ياسين. أحجم عن الرد، كان الشيخ محمد متفهمًا لخوفه فسأله: - ماذا تفعلُ يا ياسين إذا نادى عليك أبوك الآن؟ لم يرد.. فأعانه: - ستذهب إليه، صحيح؟ هز رأسه موافقًا.. - حسنًا وإذا قلت لك أن الله يناد*ك ماذا ستفعل؟ لم يعقل الولد ساعتها فسأل: - هل ربنا ينادي علينا؟ - بلى ونادى عليك أنت شخصياً.. - كيف..؟! سحبَ الشيخ نفسه، ثم تنغّم نغمة رنّت في المكان، تناولت الجدران صداها الحلو "ياسين". هكذا.. أمره أن يردد وراءه كلّما قال.. كرراها عدة مراتٍ، سكنت الكلمةُ جوفه بنفس الرنّة، كلّما تذكّرها راجع حفظه، سأل شيخه مرة أن يدلّه على مكانها في المصحف، فجعل الشيخ يسوّف له حتى جاء ميعاد حفظها، فما زال يحفظها برنّتها المهيبة الخاطفة، التي عرف فيما بعدُ أن اسمها "الحجاز". .... حين أتمّ جزء "عمّ" كاملًا، زفّ الشيخُ البشرى إلى والدهِ الملهوف، أول ولد يتم الجزء في الحارة، يومهَا جاهدت أم ياسين الحبلى حتّى تزغرد في المشربيّة، ووزّعت الأرز باللبن، ودعا الوالد النّاس على مأدبة من الإوز، ووقّف الشيخ محمد المغربي ليحفظ القرآن كاملًا للولد في المندرة، وقال له بلهفة: "نفسي يكون زي مولانا محمد رفعت". عومِل منذ هذه اللحظة على هذا الأساس، توالتْ المرّات التي اصطحبه فيها إلى مسجِد الحسين حتّى يراقب القرّاء، أوّل مرّة كانت في حضرة الشيخ عبد الباسط عبد ال**د، حمل الشيخ محمد له الخبر في الدّكان صبح ذلك اليوم، إن الشيخ عبد الباسط في الحسين اليوم بعد صلاة المغرب، أغلق الدُّكان، واصطحب الولد معهمَا من العصر وظلّا في المسجد يومَها من تلك الساعة قبل أن يهجم الزّحام.. سئم ساعتها من الانتظار، لكنّه لم يص*ر تبرّمه إلى والده، اكتفى بمراقبة القرويين الوافدين من الجنوبِ، والطلبة الزنج والآسيويين الذين يدرسون في الأزهر، كلُّ هذا من أجل الشيخ!! ارتفع أذان المغرب، فتزايد اختراق الجموع الجامع، صلّوا ثم تربّعوا أمام عرش التلاوة وتناسوا الدُّنيا، النّاس فوق النّاس، من وسط أظهرهم العريضة كان يحاول أن يشرئب بعنقه حتّى يطالع ذلك الشيخ الذي يتجمهرون لأجله هكذا، بدأت الأحلام تنسَج في خاطره، لماذا ينتظرون واحدًا بعينه ليقرأ عليهم القرآن؟ ألا يحفظ أحدٌ منهم؟ افتتن بحفظه، سرحَ، تلقفته هيبة الجموع ورأى نفسه فوق العرش مثبت أمامه هذا المكبّر، إنما هي مسألة وقت، طالما أنه يحفظ، وهؤلاء لا.. وصل الشيّخُ، فتعالت همهمات النّاس محتفلة بمجيء فارسهم، كان متوسط الطول، أنيق الطلعة، يلبس جلبابًا سماويّا يليق بقارئ، وعمامة ناصعة البياض، تربّع على العرش أمامه المكبّرُ، طالع فيه شيئا ليس في جميع النّاس، لم يحدّده، لكنه أحس كم هو خادع هذا الدنو الذي بين عرش التلاوة والأرض التي يجلسون عليها، كانَ بُعدًا شاسعًا مختبئًا في لباس من القرب.. حمحم الشيخ، فاستوى عليهم ال**ت، استعاذ بالله وبسملَ، راح يقرأ من سورة "فصلت".. كأنه يسمعُ ما حفظه لأول مرة، لا يعقل أن تكون ذات الكلمات في الجوفين!! نظر إلى أبيه والشيخ محمد بضيعة طارئة فلم يسعفاه، كانَا في حالة غياب تامّ، النّاس سكارى، هائمون، إنه قرآن غير القرآن، الفرق بينهما أن ما يتلوه الشيخ قرآن الله، وأن الذي يحفظه هو المصحف! ران عليهم الصّمت كلّما أخذ الشيخ طرف الآية، يحملُهم إلى السّماء وأول ما ينزل يصيحون منتشين باسم الله.. لمّا انتهت التلاوة وصلّوا العشاء، سأله والده: ما رأيك في الشيخ يا ياسين؟ أجابه بيأس: صوته حلو. اجتمع في داخله وقتها نقيضان: روعة عبد الباسط التي لا يقدرُ عليها، وطموح والدهِ. . . . . . لم يفهم عبد البديع سرّ ذلك الفتور المفاجئ، بعدما كان ياسين دؤوبًا على الحفظ، يعب من القرآن عبًّا واسعًا، فجأة تطايرت الألفاظ الشريفة من رأسه أثناء التّسميع، صار الشيخ محمد يفتح عليه ولم تكن تلك عادته، كان أثناء التسميع يسترسل في سلاسة دون انقطاع، صار يدهمه النُّفور من يومِ الكتّاب، ومن المندرة، كلاهما سوّد قلبه بالإحباط.. شكا عبد البديع للشيخ الذي لم يكن على نقيض منه، كان هو أيضًا يَلحظ ذلك، الولد يتيه مرة أو مرتين بين يديه، جاءه ذات مرة فطلب منه أن يُسمّع سورة يس.. بسمَل وربّع يديه، بدأ يتنغّم بالآية الأولى كما شرحت ص*ره من قبل، فخرجت نشازًا.. صرح له الشيخ: "لا يعجبني حفظك يا ياسين، كنت ممتازًا عن ذلك". حينها وجد مستراحًا ليتكلّم: "هل ذلك القرآن الذي كان يقرؤه الشيخ الذي كان في الحسين؟". فطن محمد.. لم يكن قرار اصطحابه إلى الحسين وسماعه للشيخ عبد الباسط صائبًا وهو بعدُ يتئتئ آياته الأولى، أكّد له ذلك برفق: "طبعًا يا بني.. القرآن واحد لا بتغير". أحسها لم تستقر في نفسه.. "قل لي كيف هو القرآن الذي سمعته من شيخ الحسين".. شرع بمفردات مشتتة يحاول أن يصف له طلاوة القراءة، والهوة التي خلّفتها قراءة الشيخ في نفسه.. تفهّم المغربي ذلك، ثم شرح لعبد البديع مدى الحرج الذي وضعوا الصبي فيه.. سأله عبد البديع على قدر علمه وحيلته: "ما الفرق بين قراءة الشيخ عبد الباسط وقراءة ياسين؟". ظن بذلك أنه يشخص مواطن الهوّة التي جعلت الولد يحجم عن كتاب الله، حاول المغربي أن يفهّمه مقدارَ عبد الباسط من التلاوة، ومدى الدراسات والإجازات، ودرايته بالتجويد والمقامات التي أتقنها حتى يصل إلى هذه المكانة، كان مشوارًا مبدؤه الحفظ، ثم الانصراف إلى التزيين والصنعة.. وقفَا إلى حلٍّ بسيط في النهاية قد يعيدُ الولد إلى نصابه، اقترح محمّد أن يعود إلى الحفظ مع أقرانه في كتّاب الكردي ويترك الخلوة في المندرة تقريباً للمسافة وتضييقًا للهوة التي انفتحت في نفسه، معتمدين في ذلك على تقدّمه في الحفظ.. انصاع عبد البديع لأمر الشّيخ، كلّه في سبيل ألا يُلدغ في ولده ثانية، أول يومٍ عاد إلى كتّاب الكردي، بخّرته أم ياسين قبل أن ينزلَ، وقرأت عليه ستُّه أم عبد البديع - التي جاءت من السيدة نفيسة لاقتراب ولادة أم ياسين - أورادًا خافتة وهي تضع راحتها على جبينه الناصع.. كان الكتّاب قد زاد عدده هذه المرة، رغم أنه يعرُف وجوه أولادَ الحي، فإن وجهًا واحدًا ظلَّ لغزًا بالنسبة له، كان وجهًا جديدًا عليه، لم يرهُ في الدّرب من قَبلُ.. عاد إلى الحفظ شيئًا فشيئًا، بدأ القرآن يستريح في نفسه، عاد مرة أخرى لا يُسابقه أحدٌ من التلامذة الموجودين، إلّا ذلك الجديد، كان يجابهه في الحفظ حذوًا بحذو، لا يجيد شيئًا إلا أجاده، يقدّمهما الشيخ عن بقية الأقران، لكنه لم يكن يحبُّ هذه الشراكة، كانت مقيتة على قلبه.. ما زاد من توتره أن الشّيخ يُعاملهما بنفس الحسنى، كأنه ليس الذي كان معه من أيام في المندرة وحدَهما، يساويهما كأسنان المشط.. اسمه محمد، على اسم الشيخ، ربّما لذلك يوليه هذه العناية.. جاء يوم الاختبار، قال لهما الشَّيخ إنه اختبار من جزء "ياسين حتى عمّ"، سيقول للواحد الآية ويكمل حتى آية كذا، أول ما بدأ الشيخ محمد بدأ بذلك الولدِ الصامت في أغلب المرّات، ثم طلب منه أن يُسمّع من قوله تعالى: "أَعُوِذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيطانِ الرِّجِيم هَـٰذَا بَصَائِرُ‌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَ‌حْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ ﴿٢٠﴾" حتّى قوله تعالى: "وَلِلَّـهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْ‌ضِ ۚ يَغْفِرُ‌ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ ۚ وَكَانَ اللَّـهُ غَفُورً‌ا رَّ‌حِيمًا ﴿١٤﴾". رهِبَ العيالُ هذا الكمَّ الكبير، أشفقوا على زميلهم الذي جلس بين يدي شيخه، اختُطفت وجوههم من هذا الموقف العظيم، وانذوى كل واحد منهم بمصحفه في ركن يُراجع هلِعًا، الشيخ أخذ الموضوع على محمل الجد.. كان وحده في غبطة أن العصفور الجديد وقوعه حتمي، ظل يُراجعه في كل سطر، يتحين له إخفاقًا واحدًا في غنة أو مد، غير أن صاحبه كان منتظمًا في التسميع، لا يتلجلج حتّى، يتحاشى الولد بورع شديد أن ينظر في وجه شيخه، يمضي مسترسِلا في الربع وراء الآخر دون انقطاع، تهاوت آماله أمام حفظ صاحبه المتين، أنهى الولدُ جزأه فأمره الشيخ بالانصراف إلى ركنه.. لم ينل حظّه من الشّماتة فيه، فوجئ باسمه يُنادى، جمدت ساقاه فجأة، فراح ذاهلًا يترقّب أن يلقمه الشيخ جزئين كما فعل مع صاحبه، مثُل بين يديه وتربع بعرق بارد، نبضاته المتسارعة ترجمتها ملامحه المضطربة، نظر الشيخ إليه ثانية وقال: أريدُ سورة "البيّنة". نجا من يد الشيخ بأعجوبة، كان يُسمّع برهاب شديد، كلّما وقف على آية أحس أنه سيزلُ أو سيفقد مطلع الآية التالية، لكنه كان يتمهّل، ويُسمّع بتأنٍ وبطء غير معهودين، بأنفاس محبوسة كأن أحدًا يحسب عليه نظراته، في لحظات كان قد أنهى تسميع السورة كاملةً، جف عرقه، ربت الشيخ على كتفه بحنو، ثم صرفه إلى ركنه.. حينما خرج وأنهى البقية تسميعهم، مضى يستقبل الدّرب حانقًا على هذا الولد الواثق الذي دبّ فيه شيئًا من اليأس، جعله يستصغر نفسه إلى تلك الدرجة، سمعَ نداءً: "ياسين". التفت فكان الولد يجلس على مصطبة السبيل، قام وتقدم إليه.. "أحسنت..". رد بجفاء.. "شكرا". "لقد قدرت على سورة لا يقدرُ عليها كبار". أهو تهكُّم.. أم تهنئة صادقة؟ "هذا بفضل الله ثم شيخي". لهجة الولد غريبة، تأملها، أقرب إلى لهجة ستِّه أم عبد البديع التي عرف فيما بعدُ أن اسمها اللهجة الصعيدية، لكنها لا تماثل موسيقاها، كانت عربية بلون آخر.. عاد إلى البيت، أول ما استقبل الدّرجات الأولى من السلم دوّى صريخ أنثوي مفاجئ، انتفض، كانت ترعبه أساطير العفاريت التي قيلت عن أقبية الدّرب المظلمة، لمح والده آتيًا من بعيدٍ يهرول ومعه امرأة بدينة تتشح بالسّواد، لم يأبه بوجوده وراح يقفز السلّم إلى الطّابق الذي فيه شقّتهم والمرأة تزحف وراءه، كان الصريخ صادرًا من بيتهم، تحديداً من غرفة أم ياسين، جاز الباب وهو يتبرم، وجدَ ستّه تحمل طستًا من الماء يتصاعد منه البخار وتجري نحو الغرفة، الصريخ يعلو أكثرَ، حاول الاقتراب من الغرفة، كانت أمه مستلقية على ظهرها فوق السّرير، منف*جة الساقين، وجهها غائب عن الدُّنيا، يُصارع ملكوتًا غير موجود، تمدّ المرأة البدينة ذراعها العفيّة بين وركيها وتعمل شيئًا ما، ارتعد، اختبأ في عمود الباب يطالع المشهد بذعر، خ*فته يدٌ قوية من ظهره، احتضنه أبوه.. "لا تخفْ..". جعل الوالد يتمتم بأورادٍ مبهمة لا يميّز منها إلا أسماء الله، كانت ما تزالُ لغزًا بالنسبة له، تشبه القرآن شيئًا ما، لا تتكرّرُ أسماء الله بهذه الطريقة إلا في سوره، أثناء تفكيره المسترسل، سمعَ صريخًا أقل حدة، يدنو من البكاء، هرع والده إلى غرفة النسوة الثلاث، فناولته المرأة صرة قطنية بيضاء، تص*ر منها حركات عشوائية بلا حساب، اختلط بكاء الوليد بزغردة ستّه في مشهد كان هو جاهله الوحيد.. فتح عبد البديع الصرة بترقّب وأطال النظر بين ساقي الوليد ثم أجاب أحدا يناديه من داخل الغرفة باستبشار: "صفيَّة، على اسم أمي". ......
Free reading for new users
Scan code to download app
Facebookexpand_more
  • author-avatar
    Writer
  • chap_listContents
  • likeADD