الفصل الرابع

1036 Words
وضعتها ستّه في حجرهِ.. "احمل أختك يا ياسين". تخوّف أبوه من قرارها فأمره أن يجلِس أولًا، ربّع رجليه كما في الكتّاب، ثم وضعتها على حجره، كانت ذات وجهٍ مدوّر ملائكي يضفي عليه سلام النوم وداعة، انكفأ وقبل جبهتها، اشتمّ شعرها الناعمَ فانسلت رائحته الطفولية إلى نفسه واستحسنها.. يومَ سبوعِها، حضر أهل الدّرب بالزغاريد، نصبَ عبد البديع سرادقًا في الشّارع وأولم للنّاس، استأجر يومَها أكبر كارّو في السيدة وحملَ جميع طلباته التي قالت عليها الحريم جمائل من الدّكاكين المجاورة له.. طوّقت أم عبد البديع ذلك اليومَ البيت كلّه بالبخور وسورة الفلق.. يذكُر يومها حضور الولد إياه، زميل الكتّاب الذي لا يرتاح لوداعته المستكينة، **ّم عبد البديع أن يقيم ذكرًا أمام البيت، فدعا الشيخ محمد المغربي إليه، لا يعلمُ هل مجيء الولد معه كان صدفة؟ من أين عرف السبوع؟ لم يكن له صداقات مع أولاد الدّرب، كان طيلة الليلة لا يفارق الشيخ، ملتصق به، رجّح أن يكون يتيمًا يصرّف له الشيخ أموره أو ما شابه.. بعد انتهاء الليلة، بقي الشيخ والولد وحيدين، بدا على الشيخ أنه ينتظر أباه في أمر ما، أول ما فرغ دعاهما إلى المندرةِ، جلس الأربعة، بادرَ الشيخ محمد يأمر الولد: "سلّم على عمك عبد البديع يا محمد". سلّم الولد على أبيه بأدب جم.. "هذا ابني محمد يا حاج عبد البديع..". اتسعت عيناه، كيف لم يفطن إلى ذلك.. "سلّم على أخيك ياسين". سلم عليه وجلس جواره، واصل الشيّخ الحديث.. "يا حاج عبد البديع، اليوم عاد القطب الإسلامي الكبير الشيخ أبو السعود القرشي من الحجازِ بسلامة الله وأمنه، رجل من أهل الله، على علمٍ واسع بكتاب الله وسنة نبيه، مُجاز في القرآن والقراءات بسندٍ متصل، ومنذ أيام تواصلَ معي أن أرسل إليه محمدَ حتّى يفقهه في القرآن والدين، فما رأيك أن نرسل إليه الولدين معًا". رحّب الوالد بالفكرة، كعادته في أي موقف في هذه القضية.. سأل: "وأين يدرّس؟". هنيهة **تٍ ثم قال: "هذا الذي جئتك من أجله". نظر إلى الطّفلين ثمّ قال بثبات: "الشَّيخ يدرّس في قريته في أسيوط". ...... هلعت الأم، وامتنعت الستّ عن الرّد.. كلهم أجمعوا أن عبد البديع قد جُن، يُرسل ولده إلى آخر الأرض كي يتعلّم!! هل فرغت القاهرة من المعلّمين إلى هذا الحد؟ قضوا الأيام في خصام وشجارٍ وكآبة تعتور أحاديث البيت، لم يتوقع أحدٌ من ناسِ الدّرب هذا البذل من عبد البديع العطار، كلّهم رسموا مستقبل الولد منذ مولده، أنه أوّل ما يشب عن الأرض قليلًا سيقف مع أبيه في الدّكان ويباشر العمل معه.. جعلت أم عبد البديع تلقي باللوم على زوجة ابنها، إنها السبب في تلك الكآبة السوداء، لقد أصابت العين البيت؛ لأنها كلّما دخلت حرمة وضعت في حجرها صفيَّة الصغيرة ليتفرّس النسوة في جمالها، هذه حجتها التي تدلي بها في أي شجار ينشب في هذه المسألة.. عبد البديع لم يشاورْها، فقط أخبرها، وبدأ يجهّز الولد ليرسله إلى أسيوط عند الشيخ القرشي.. بالنسبة له - دونًا عن إحساسه بالذنب لأنه تسبب في أول أزمة عائلية يشهدها - كان الحماس يأخذه، كعادته كلّما طمحَ في شيء جعلَ يرسم له خريطة وهمية في مخيّلته وحده، ألوانها تشيع الدفء والانبهار، ما أسيوط؟ وما الشيخ القرشي؟ أليست الدّنيا هذا الدّرب وتلك البنايات التي يتبادل ناس الدّرب حولها الأساطير!! أهناك دنيا في تلك الأرض غير الدّرب؟ بدأ يستحسن وجود محمد المغربي في دنياه، فصارت أسيوط مبتدأ الصداقة بينهما، ألّف القرآن والشيخ القرشي بين قلبيهما، أصبح محمد منذ هذه اللحظة بالنسبة له أول رفيق في أول طريق.. ...... وطئت قدماه القطار، وفي المحطة خلفه صفٌ طويلٌ مؤلفٌ من أبيه المحتسب وأمه المتوجعة التي سكبت دموعها على كتفه، وسته الطّامحة خيرًا والشيخ محمد ذو الثقة العالية في الشيخ القرشي، اختزن في باله صورةً لصفية الصغيرة عسى أن ترافقه في القادم، فعلها القطار وأطلق صفير الرحيلِ، كانتْ العربة مكتظة بالنّاس والصبية فيما يشبه الرحيل ا****عي، لم ولن يكتب له العلمُ في لاحق الأوقات، وحين يعودُ بعد ستة أعوام، أنّ ذلك اليوم كان السابع من يونيو عام 1967. ....... تحرّك القطارُ بهما، لم يكن براح الدّنيا جديدًا على محمدٍ، اكتفى بفتحه المصحفَ وراح يقرأ في سكون، هو الذي استغرب هذه الدنيا الواسعة، نصف الساعة الجديد من الحياة خارج درب الجماميز، النهار الآخر، ابتعدوا ساعةً، بدأت الأرض تخضرّ حولهم، كان النَّاس من ال**ت المطبق بمكان، حينها قال محمد: "كان أبي في الأسفار دومًا يردد: سافرْ تجدْ عوضًا عمن تفارقه... وانصب فإن لذيذ العيش في النّصبِ إني رأيت وقوف الماء يفسدهُ. .. إن ساح طابَ وإن لم يجرِ لم يطبِ". استحسن رنّة الكلمات، ربما تلقى المعنى بجهدٍ، لكنها كانت مطربة إلى حد كبير.. "أبوك قال ذلك؟". "لا، إنه الشافعي.". استغرب الاسم.. "ومن الشافعي؟". ابتسم محمد.. "الشافعي إمام كبير، أكبر من أي إمام ستراه، كان يسافر للعلمِ كثيرًا كما نفعل الآن أنا وأنت". "حدّثني عنه..". "عن الشافعي!". هز رأسه بإيجاب.. ضحك محمد: "رغم أنه حديث سيطول.. موافق". أنصت إليه.. "تبدأ الحكاية يا صاحبي بأم تخاف على ولدها المطّلبي من ضياع نسبه، مات زوجها والطفل في عامه الثاني، تعود به إلى قريش، ولأن له سهمًا من ذوي القربى أرادت استثماره في الإنفاق على تعليمه، أرسلته إلى علماء البيت الحرام آنذاك يتعلّم على يدهم القرآن والتفسير والحديث، فما جاز الصبي الثالثة عشرة من عمره إلا وقد حفظ موطّأ مالك، من عيون كتب العصر". "وما موطّأ مالك؟". "موطّأ مالك هذا أول كتاب وضع في أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، جمع فيه مالك بن أنس رضي الله عنه ما يربو على أربعة آلاف حديث عن النبي، وبالمناسبة، مالك فيما بعدُ سيكون أستاذ الشافعيّ". أحب الحكي فأصغى إليه بكل جوارحه.. "عُرف عن حبيبك الشّافعي متانة غير مسبوقة في الحفظ، اجتهد في طلب الأشعار، وحفظ أمهات الكتب والقرآن الكريم، حتى ألهمته هذه الذخيرة فصاحة جعلته من الذين يُحتج بفصاحتهم، كان السبب في ذلك أنه كان يدون ما يحفظه على شيوخه على السعف أو عظام الح*****ت أو غيرها من الوسائل البدائية في الكتابة، ويخزنها في صناديق غرفته، مرة تلو الأخرى تزاحمت الغرفة عليه ولم يجد مكانًا يضع فيه ما تعلّمه جديدًا، وكان الورق وقتها ذا تكلفة عالية، فيئس واغتم، فنام، فجاءه في نومه من لا يتمثل به الشيطان، ابن عمه في النّسب، ونبيّه في الدين، وحبيبه، وضع أصبعه في ريقه الشريف ثم مسح به شفتيه، قام الشافعي من نومه مستبشرًا، صلّى، ثم أكب على كل الرقاق التي كانت في الغرفة والعظام والسعف وحفظها كلّها عن ظهر قلب، فما نسيها حتّى فارق الحياة، ثم أنشد أبياتًا يقول: علمي معـــــي حيثما يمــــّــــــــمت.          ينفعــــني صـــدري وعــــــاءٌ له لا بطن صـــــــــــــندوقِ إن كنت في البيت كان العلم فيه معي.           أو كنت في السوق كان العلمُ في السوقِ". لم تسعفهما السّكة في استكمال القصة، علا صفير القطار وبدأ يبطئ، نظرا من الشباك فوجدا لافتة سوداء مكتوب عليها بخط أبيض عريض "أسيوط".
Free reading for new users
Scan code to download app
Facebookexpand_more
  • author-avatar
    Writer
  • chap_listContents
  • likeADD