7. ناطحة

1600 Words
«الطائرة رقم 200 لليمن». الساعه 11:01 مساءً. كانت الأجواء مقلقة بحق، إذ ضربت عاصفة بالأجواء الخارجية للطائرة، الأمر الذي لم يشعر به أيًّا من الركاب، وعلىٰ الرغم من أن أغلب الركاب كانوا يغطون بحالة من الثبات العميق، إلا أن خطّٰاب لم يكن كذٰلك. رأىٰ مشاهدًا من هجوم أولٰئِڪ المقنعين، تمامًا كهجوم القطار، مشاهدًا مرعبة تتقطع من الوقت إلىٰ الآخر! فاعتدل بجلسته ممتدًّا للأمام ليترڪ لنفسه مجالًا ليستفيق، فلاحظ مازن، والذي كان يجلس بجواره مباشرةً، هذا الأمر. - مالڪ؟ - جالي استبصار بإللي حصلنا في القطر. - إنتَ من إمتىٰ بتشوف استبصارات لحاجات حصلت؟! رمقه خطّٰاب بعينين قلقين وهوَ يرد: - عمرها ما حصلت! - ده معناه إيه؟ لم يرد خطّٰاب، بل تحرڪ من مكانه تاركًا تلڪ الدرجة التي كانوا بها للتسلل للدرجات التي بعدها، لغرض الاستكشاف. كانت الأجواء طبيعية للغاية، من الركاب من كانوا نائمين، ومنهم كانوا يتابعون مشاهدًا فيلمًا أو مقطع، ومنهم كان يقرأ، وبالمناسبة، جميع من رأىٰ خطّٰاب منهم كان يطالعه بناظري الاستغراب. فقد كان تجوله بتلڪ الساعة بالطائرة أمرًا غريبًا. - حضرتڪ رايح فين؟ ص*رت من وراءه، تلڪ المضيفة التي رأته يتجول وكأنما يتجول بمنزله، فالتفت لها محاولًا الإفلات من أسئلتها: - أنا.. رايح الحمام. - حضرتڪ جاي من الدرجة التانية، لكل درجة دورة مياة مخصصة ليها يا فندم. لم يكن خطّٰاب منصتًا لكلمة واحدة مما تقول، بل كان يوزع ناظرية علىٰ المسافرين لرؤية ما إذا كان هناڪ أمرًا مريبًا بأحدهم. -... هاه؟ لأ، ما الدرجة بتاعتنا فيها صيانة. - إزاي يا فندم؟! الدرجة التانية دورة المياة بتاعتها ممتازة! إلىٰ أن وقع بناظريه علىٰ أحدهم يخرج من دورة مياة الدرجة الثالثة، لم يرىٰ من جسده سوىٰ أن كان يرتدي عباءة سوداء! وما إن ظهرت رأسه حتىٰ رأىٰ خطّٰاب بأم عينيه قناع جمجمة الجاموس ذي القرنين، فأبعد المضيفة عن طريقة بمنتهىٰ القوة، متأهبًّا للهجوم عليه. أقبض خطّٰاب بقوة وعنف علىٰ فأس المقنع، في حين قاومه الأخير بضراوة أمام عيني المضيفة وبعضًا من ركاب الدرجة الذين كانوا مستيقظين. - إحنا في الجو، إعقل! قالها خطّٰاب صائحًا، فأتىٰ الرد همسًا من تحت القناع، ولمَّٰ عجز خطّٰاب عن سماعه.. - بتقول إيه؟! - الرب يدفعنا، الرب ينفعنا، الرب يأمر، والرب ينهي! أدرڪ خطّٰاب أنه أمام عضوًا لجماعة لا تدرڪ ما تفعله وما خطورته، أناسٌ ممحوة أدمغتهم، يسعدون بالأذىٰ ويتعسون بالهُدىٰ! وبينما كان خطّٰاب مشغولًا بما كان يفعل، فوجئت المضيفة بعددٍ محدد للغاية من الركاب يتحركون معًا بنفسٍ واحد نحو الأماكن الموجودة بها حقائبهم. فأخرجوا جميعًا من حقائبهم عباءة سوداء لكلًّا منهم، وقناعًا كالذي مع مَن يُعاند خطّٰاب! إنهم يتجهزون! *** من الجهة الأخرىٰ، نرىٰ كيف تعكر نوم الضوّ الهني بعد رؤيته حلمًا بشعًا يخص ابنته، وما إن استيقظ حتىٰ وجد ماجد يُحاول فهم ما يحدث. - في إيه؟ كانت من الضوّ، فهشهش له ماجد قبل أن يشير له بالتحرڪ معه، فتوقفا معًا متوجهان نحو الدرجة الأولىٰ تسللًّا، تلڪ الدرجة التي ص*ر منها أصواتًا تشبه الصرخات المكتومة. وما إن وصلا للحاجز الفاصل بين الدرجتين حتىٰ اختلسا السمع.. بالفعل، كانت الأصوات كما توقعا..! فقررا اختلاس النظر، ليجدا مشهدًا لا يختلف كثيرًا عمَّا شوهد منذ ليلتين علىٰ متن رحلة القطار 112 المتوجه للأقصر! مقنعين ذوي عباءات سوداء يذبحون ويخترقون من الناس كل من تطلهم أياديهم بالفؤوس التي معهم، وأناسٍ يحاولون الهرب والإفلات بكل ما أوتوا من قوة، ودماءٍ تندثر بالمكان هنا وهناڪ. أغلق الضوّ الستائر التي شاهدا عبرها هذا المشهد بملامح مفزوعة، في حين رأىٰ نفس الملامح علىٰ وجه ماجد. - هنعمل إيه؟ كانت من ماجد، في حين ص*ر نفس السؤال بص*ر الضوّ، ولٰكن كبرياءه منعه من طرحه. *** بالكاد، تمكن خطّٰاب من ركل المقنع، فتمكن من فأسه، فقام باستخدامه لضرب المقنع بطرفه، مما أدىٰ لإصابة بإحدىٰ قدميه. وما إن حدث هذا حتىٰ ترڪ المقنع سلاحه فأمسڪ قدمه المصابة متآوهًا، وبالتزامن مع تلڪ الفعلة فاجئ خطّٰاب أصواتًا أخرىٰ تنادي: - الرب يدفعنا، الرب ينفعنا، الرب يأمر، والرب ينهي! كانوا يتحضرون لإخراج فؤوسهم، فوجد خطّٰاب أنه ليس هناڪ مفرًّا من المواجهة، فصاح: - إرهاابيين!! أفاق أغلب مَن غفل، وتوقف أغلب مَن فزع، في حين اغتنم خطّٰاب هذا الهرج والمرج للوصول للمضيفة. - فين مخزن السلاح؟ قالها، فردت بفزع وهلع: - مفيش محزن سلاح في الطيارة، ديه طيارة مدني! - طب مين هنا معاه مسدس، لازم سلاح! - مينفعش، خطر يدخل سلاح عشان ضغط الطيارة. باغتهم جميعًا ضربة برقية تسبق الرعد بثانيتين، تضرب بالقرب من الطائرة. *** تمكن الضوّ وماجد بعد أن توصلا لحل إيقاظ كل من بالدرجة التي هم بها، من إيقاظ الجميع دون إحداث صوت قد يوحي للمقنعين أنهم قد فعلوها. وها هم جميعًا يقفون علىٰ أهبة الاستعداد وعلىٰ أعتاب الاشتباڪ، منتبهين للغاية مع الممر الرابط بين الدرجتين. وبعد لحظات من التركيز يعم الصمت والهدوء، لتتوقع چان الاحتمال الأسوء. - همَّٰ قتلوا كل إللي هناڪ؟! لحظة! أليس من المفترض أن الدرجة الأولىٰ هيَ التي بعد غرفة الربان مباشرةً؟! صاح ماجد: - أوضة الطيار! فاستنتج مازن ما يعنيه، في حين استنتج المسافرين ما عليهم فعله، فاستعد كلًّا منهم للهجوم علىٰ الدرجة الأولىٰ لمحاولة إنقاذ الربان. - ركزوا معايا، إحنا لو ضربنا كإننا راجل واحد هنقدر عليهم، دول شوية بشر مش أكتر، متخافوش منهم! كانت من الضوّ، في حين قرر مازن البحث عن خطّٰاب، فتوجه نحو الدرجة الثالثة. وأمّا عن باقي الركاب، فلم يتأخروا ثانية واحدة من بعد خطب الضوّ الحماسية فيهم، فهرولوا جميعًا صوب الدرجة الأولىٰ.. ليبدأ الاشتباڪ! *** وصل مازن ليُفاجَئ بلكمة مباغتة من خطّٰاب، فصاح به بعد أمسڪ فكَّه المصاب: - ده أنا يا خطّٰاب! - مانا عارف إنه إنتَ، مجيتش ورايا ليه؟! قالها خطّٰاب ردًّا عليه، فقاطعتهما المضيفة صائحة: - مش وقته الكلام ده، خلونا نخرج من هنا دلوقتي! وكانت تلڪ المرة الأولىٰ لـمازن التي يرىٰ بها أولٰئِڪ المقنعون عن قرب، وهم يسفكون دماء المسافرين بالدرجة الثالثة من وراء ظهر خطّٰاب. فكان الحل العقلاني لهم أن يهربون من المكان في الحال، وهذا ما اتبعوه بالفعل. من الناحية الأخرىٰ، كانت المعركة دائرة بشكلٍ لا يوصف فوق أبسطة من الجثث ولترات من الدماء، سواء كانت تنتمي لمسافرين الدرجة الأولىٰ أو أولٰئِڪ الذين لحقوا بهم، أو حتىٰ للمقنعين. عبثًا وهرج ومرج! مشهدًا سينيمائي دراماتي لصورًا من الناس يتقاتلون دون أن يعلم أحدهم هوية الآخر. وبينما كانت تلڪ المعركة دائرة كان شغل الضوّ الشاغل هوَ وماجد الوصول لغرفة الربان، وبالطبع تغطية چان.. ولٰكن الضوّ كان مشغولًا بهذا أكثر. *** وصل خطّٰاب ومازن ومعهما المضيفة الهالعة،والتي لحقت بهم للدرجة الثانية فتفاجئوا بها فارغة تمامًا، في حين كان صوت القتال دائرًا من الدرجة الأولىٰ. فأكملوا طريقهم إليها ليفاجئوا بالمنظر سابق الذكر! - إيه ده؟ كانت من مازن، وأمّا خطّٰاب فوجد أن الحل الأمثل لهم أن يشتبكوا، كي لا يصيروا صيدة سهلة لإحدىٰ الضربات العبثية. - إسحبلڪ فاس مِ الأرض وحصّلني! قالها خطّٰاب قبل أن يلتقط أحد الفؤوس الملقية بجوار صاحبها، وقد باغت بها أحد المقنعين من ظهره، فأودعه قتيلًا. وصلت چان بتغطية من الضوّ وماجد لباب غرفة الربان، بأعجوبة، وما إن وصلت حتىٰ بادرت بالطرق والضرب عليه. - إفتح الباب يا كابتن، إحنا بنموت هنا! من الداخل نرىٰ فريق الربان، كيف كانوا قلقين، منتبهين لقيادة الطائرة، غير آبهين لما يحدث بالخارج، بمنتهىٰ البساطة لأن الهجوم لم يكن كما قال خطّٰاب؛ من إرهابي أو اثنين، ولا حتىٰ مجموعة، بل إنهم مجموعة من المجانين الانتحاريين! - يا كابتن إفتح الباب! بالرغم من صعوبة الأمر عليهم، إلّا أنهم حاولوا تجنب حتىٰ المناقشة بما يجري بالخارج، فكان الكابتن منتبهًا بقيادته، وكان رفيقه لا يجادله. وبينما كانا منتبهان للطريق المظلم المدجج بالعواصف وصفعات البرق من الحين للآخر، فاجئهما ظهور إشعار باقتراب جسمًا صغيرًا من الطائرة. - كابتن، في إشعار باقترب جسم مجهول بسرعة رهيبة ناحية الطيارة! كانت حركة الجسم المقترب تؤكد أنه ليس بصاروخ، فقد كانت تتسارع تارة وتتباطئ تارةً أخرىٰ، كما أن وجهته كانت تتعدل مع وجهة الطائرة. -... بس ده مش جسم صاروخ! قالها الكابتن، ولا يزال الجسم يقترب أكثر فأكثر.. سيصطدم بالطائرة بعد 3.. 2.. 1.. لحظة! وصل الجسم للطائرة فاختفىٰ إشعاره تمامًا، وكأن لم يكن! - إيه إللي بيحصل هنا ده؟! كانت من الكابتن. *** بالناحية الأخرىٰ، وبينما كان خطّٰاب متفوقًا علىٰ المقنعين، باغته صوتًا متزامنًا مع وجعٍ رهيب بالرأس، دفعه لترڪ فأسه تسقط من يديه لإمساڪ رأسه. - «إرجعوا لديل الطيارة!». كان الصوت واضحًا للغاية، للدرجة التي لم تمكن خطّٰاب من سماع أية أصواتٍ محيطة سواه. وبالرغم من خطورة الأمر ولا منطقيته، المترتبة علىٰ مجموعة المقنعين الذين بنهاية الطائرة، إلّا أنه لم يكن هناڪ وقتًا للجدال، فصاح خطّٰاب: - علىٰ ديل الطيارة، دلوقتي، كلكوا..! حاول مازن أن يفهم منه ما يجري، ولٰكنه كرر أوامره: - ساعدني نخلّي الناس ترجع علىٰ ديل الطيارة، دلوقتي! لا يزال الصوت مسيطرًا علىٰ خطّٰاب وأعصابه، لا يزال يتحرڪ ممسكًا رأسه، لا يزال مغتوح الفم وكأنه قد ابتلع جمرًا. بالفعل، بدأ مازن ومعه المضيفة بالصياح بالمسافرين، بعد أن تمكنوا من إنهاء مهمتهم بالقضاء علىٰ مقنعين تلڪ الدرجة، وأمرهم بالعودة لآخر جزء بالطائرة، وبينما كانا يفعلان كان خطّٰاب يحاول التواصل مع مص*ر الصوت، والذي كان لأول مرة يخاطره. - إنتَ مين، ووصلت ليَّٰ إزاي؟! - مقدامكش وقت، إتحرڪ يلّلا! *** وبالجهة الأخرىٰ، كان طاقم الربان لا يزالان يبحثان عن ذٰلڪ الجسم الغريب الذي كان يتتبعهم، والذي اختفىٰ فجأة عن أعين الردار! الأمر الذي تطلب مساعد الطيار بالتحرڪ من مكانه للتأكد من سلامة أجهزة الحساسية الآلية للجهاز، وما إن فعل صاحبنا هذا، حتىٰ ظهر الـ«هاربي» فجأة! لم يكن وصوله طيرانًا، بل كان متمسكًا بالطائرة منذ دقائق، وقد وصل لنافذة الربان بيديه، وهذا هو الغريب بالأمر! - إيه ده؟! صرخ بها الربان، فالتفت مساعده ليتفاجئ هوَ الآخر بالمنظر الذي تبدلت علىٰ إثره تعابيره هوَ الآخر. *** وصل أغلب المسافرين معًا، بقيادة خطّٰاب ومازن وكلًّا من الضوّ وماجد وچان إلىٰ الدرجة الثالثة، فرأوا بأم أعينهم المزيد من المقنعين بنهاية الرواق، يتوعدونهم. فسأل أحد المسافرين: - هنعمل إيه دلوقتي؟ هنا تقدم أحد أغبىٰ المسافرين علىٰ الإطلاق، بمنتهىٰ الثقة، قائلًا وقد انتصب طوله واتسع ص*ره: - أنا مش فاضي للعب العيال ده، أنا هصفّيهم خالص! ثم أخرج من لدنه مسدسًا، فقام بتوجيهه صوب المقنعين دون أن ينتظر ليعلم عاقبة هذا من أحدهم.. - لأ، استنىٰ! ضغط الطيـ... وما كاد خطّٰاب يُكمل حتىٰ أطلق المسافر عدة طلقاتٍ نحو المقنعين، وكانت ثالثهم هيَ صاحبة الفضل في ثقب الطائرة، وإطلاق العنان للضغط الجوي بسحب كل من بداخل وكل ما بداخلها..!! نهاية الحلقة السابعة.
Free reading for new users
Scan code to download app
Facebookexpand_more
  • author-avatar
    Writer
  • chap_listContents
  • likeADD