«الرحلة رقم 201 لليمن».
بعد منتصف الليل بساعتين.
-... إثبت مكانك قولت وإرمي السلاح!
صاح بها الضابط المدني للمرة الثانية فما كان من زاد إلا أن أكمل طريقه نحو المشبوه، قبل أن يصيح الأول:
- لو اتحركت خطوة كمان هضرب بالمليان!
فاضطر هذا المضيفة للتدخل:
- مينفعش يا فندم، ضغط الطيارة ميسمحش لكدة!
- إنتَ سمعتني!
لم يعره زاد اهتمام، فقد أيقن أنه ليس بفاعلها وإن بدا ع** هذا للعيان.
وما إن وصل زاد للمشبوه حتىٰ وجه مسدسه نحوه بهدوء وثبات، فقال له بهمهمة لم يسمعها إلاه:
- طلع السلاح إللي معاڪ!
- سـ.. سلاح إيه؟!
- إسمع الكلام، أحسنلڪ!
بدأت ضربات قلب الأخير تتصارع، وبدأ القلق والعرق يبدو عليه وعلىٰ ملامحه، الأمر الذي جعل زاد يصيح به.
- طلع السلاح!
بالفعل، أخرجه الشاب، فأمسڪ زاد يده التي كانت تمسڪ بالسلاح ليرفعها أمام عيني الضابط المدني صائحًا به بمنتهىٰ التعنيف:
- إيه رأيڪ يا حضرة الظابط؟!
ولمَّٰ رأىٰ الضابط البيان بعينيه، أدخل مسدسه ليخرج الأغلال من جيبه الآخر، استعدادًا للقبض علىٰ الشاب، فما كان من زاد سوىٰ أن قال بعد أن أبعد الشاب عن الضابط قليلًا:
- مش بسرعة كدة يا باشا، مش المفروض نستجوبه الأول، ولّلا أنا غلطان؟!
ثم التفت للشاب:
- إيه حكايتك يالا؟!
- والله ما ليَّٰ حكاية يا باشا، أنا لقيت الخنجر ده.
- والله؟! لقيته فين بقىٰ يا حيلتها؟!
- وقع من شنطة واحد من إللي طلعوا الطيارة.
أمرًا مثيرًا للرهبة!
التفت زاد للضابط قائلًا وقد رفع يديه عاليًا، معلنًا إدخاله لمسدسه بجيبه:
- خلاص يا حضرة الظابط، حصل خير، بلاغ كاذب!
ثم التفت للمشبوه وأمره بالجلوس مكانه، وأمر الجميع بالعودة لأماكنهم معلنًا أن ما حدث لم يكن أكثر من مجرد سوء تفاهم.
بعدها توجه لمجلسه بهدوء لكي لا يشڪ أحدهم بحالته، ولٰكنه كان لا يزال يفكر بالأمر.
ترىٰ هل لحقوا به لمتن تلڪ الطائرة؟..
أم أن هذا مجرد مهرب آثار لا يسعىٰ وراء أحد؟!
***
مرت ساعات قبل أن تعمل مكبرات الصوت الخاصة بغرفة الربان، بعد التحية:
-... السيد زاد الدين هارون، الرجاء التوجه إلىٰ غرفة الكابتن، نكرر، الرجاء توجه السيد زاد الدين هارون لغرفة الكابتن.
بالفعل، تحرڪ زاد من مكانه لغرفة الكابتن والتي كانت منغلقة الباب، تقف علىٰ عتبتها مضيفة بانتظار قدومه، وما إن لاحظت اقترابه حتىٰ فتحت الباب، قبل حتىٰ أن يعرف عن نفسه:
- أنا...
- مالهوش لزوم يا فندم، سمعتڪ سابقاڪ!
فلم يترڪ صاحبنا مجالًا للتعجب، فقط أكمل طريقه للداخل قبل أن تغلق هيَ باب الغرفة عليهم، وما إن دخل حتىٰ مرر إليه الربان جهاز اللاسلكي قائلًا:
- الجهاز طالبين سعادتڪ يا زاد بيه.
تبين الأمر.
- أيوة يا فندم.
- زاد، حصل تغيير بسيط في الخطة، إنتَ هتنزل من الطيارة دلوقتي!
دُرب زاد جيدًا للانصياع لأي أوامر تص*ر من الجهات العليا، ولٰكنه دُرب كذٰلك ليحرص علىٰ وجوده.
- إحم.. تحت أمر سعادتڪ يا فندم، بس خير؟
- الطيارة إللي كان عليها الضوّ وقعت بكل إللي عليها في نفس الإحداثيات إللي الطيارة بتاعتڪ ماشية عليها دلوقتي، أنا اتأكدت من إحداثيات الطيارة بتاعتڪ بنفسي.
أنزل زاد اللاسلكي ثم سأل الربان:
- معاكوا براشوطات زيادة؟
***
بالفعل، وصل زاد مع إحدىٰ المضيفات لقسم الإنزالات الطارئة بنهاية الطائرة، فقامت بمعاونته أولًا علىٰ ارتداء المظلة، وبعدها وجهته نحو الباب.
- جاهز؟
قالتها بحزم، فأشار لها برأسه علامة الإيجاب، وما إن فعل حتىٰ قامت هيَ بكبس زر فتح الباب، بالطبع بعد أن اتخذت مكانًا يحميها مِن عملية سحب الضغط الجوي التي تصيب الطائرة بسبب تلڪ العملية.
قفز صاحبنا بتلڪ الظلمات التي لا يميز منها سوىٰ أنه سوف يسقط فوق حطامٍ مستحدث، لا تزال بعض القطع به تحترق، بمكانٍ مهجور بصحراء الجزيرة العربية، حتىٰ السلطات لم يصلها خبرًا بخصوص الحادث بعد، وكأن جهاز المخابرات المصرية كان أسرع بضع خطوات منهم.
وبينما كان زاد بطريق النزول، فاجئه صوت طلقة من بعيد أوشكت علىٰ إصابته، فالتفت نحوها ليجده مقنعًا ينزل بمظلة علىٰ يمينه، فالتفت يساره ليرىٰ مقنعًا آخر، يوجه مسدسه نحو هوَ الآخر!
أخرج زاد مسدسه بالحال، فقام بتوجيه طلقاتٍ عبثية نحو كلًّا منهما، كان هدفها أن يثير القلق بهما ليتركوه، ولٰكن هذا لم يحدث، بل أنهم كانوا يصرون علىٰ إصابته أكثر.
وبما أن السقوط كان عائقًا أمام ثلاثتهم في إصابة بعضهم البعض، وجد زاد أن الخطة الأمثل تكمن في إصابة مظليتهما.
وهذا ما حدث..
فتصارعت عملية إنزال كلًّا منهما نحو الأسفل، وتصاعدت صرخاتهما.
- بالشفا!
***
هبط زاد بسلام بالقرب من مكان سقوط الطائرة، فتحرڪ سيرًا علىٰ الأقدام إلىٰ أن وصل للمكان المعني، لينفذ المطلوب منه، ألا وهوَ إيجاد أي خيطٍ يربط الضوّ، حيًّا كان أو قتيلًا، بالجماعة التي سندعوها مؤقتًا.. جماعة الأقنعة.
فبدأ رحلة بحثه بين أجزاء حطام الطائرة، والجثث المنثورة أعضائها، سواء كانت من المسافرين أو من طاقم الطائرة، أو حتىٰ من الجماعة نفسها.
ظل يبحث دون أن يلاحظ ذٰاڪ الظل الذي كان يتحرڪ وراءه بثبات وهدوء..
التفت صاحبنا وراءه ويمينه عدة مرات، قبل أن يص*ر صوتًا واضحًا بالقرب من إحدىٰ التحطمات الموجودة، فهرول صاحبنا نحو الصوت.
وصل للقرب من المكان فاختلس النظر ليجده خطّٰاب يقف بمواجهة الضوّ، فكانا بمثابة ندين لبعض، قبل أن يُخرج الضوّ سلاحه موجهًا إياه نحو خطّٰاب.
-... إنتَ كنت بتلعب بينا كل ده!
- إعقل يا ضوّ، ألعب بيكوا إزاي وأنا مش طرف في المشكلة؟!
- أنا مش هحقق معاڪ، لإن السحرة أمثالڪ مالهم حق التحقيق قبل القتل!
صاح به خطّٰاب:
- لِمّ لسانڪ يا ضوّ، أنا عمري ما مارست السحر!
- والمطلوب مني أصدق دجال زيڪ؟!
تجهز زاد للتدخل بأية لحظة، ولٰكنه كان يريد أولًا فهم ما يحدث هنا.
-... أنا مش هطول في كلامي معاڪ، إتصرف وهاتلي چان!
- هوَ جنان؟! إحنا كلنا نازلين سوىٰ من الطيارة!
فصاح الضوّ:
- أيوة.. إزاي بقىٰ نزلنا إحنا الخمسة من علىٰ الطيارة من غير براشوط وهوبا.. نوصل بألف سلامة؟! تعالىٰ شوف الختم علىٰ قفايا.
كان قد أشار نحو خلفية رقبته، فعنفه خطّٰاب بمكانه:
- يا غ*ي، أنا لو عاوز أخلص منكوا مش هعمل كل ده، ثم إن إيه الفايدة أو المصلحة إللي تخليني عاوز أخلـ..
قاطعه الضوّ:
- إوعىٰ تفتكر إنڪ هتعرف توصل لحاجة سواء إنتَ أو إللي مشغلينڪ، ده بُعدكوا..!
- مُشكلتك يا ضوّ إنڪ فاكر نفسڪ فاهم كل حاجة، وإنتَ أصلًا حمار!
أطلق الضوّ طلقة بالقرب من أذن خطّٰاب لتهديده، فقال بثبات بعد أن أفزع خطّٰاب، وبعد أن تحضر زاد للتدخل:
- كلمة كمان ومش هتلاحق تكمل كلامك!
كان من الواجب أن يتدخل زاد!
وما إن تحضر للتقدم حتىٰ باغته أحدهم من وراءه، فقد أمسڪ أحد كتفيه، وما إن فعل حتىٰ التفت له زاد بمنتهىٰ العنف، ليتفاجئ بعيني الـ«هاربي» تحدقان بعينيه مباشرةً.
وكأن الحال قد تبدل به غير الحال..
وكأن العالم قد تبدل به غير العالم..
إذ رأىٰ زاد الأرض تتبدل من تحته غير الأرض، ليجد نفسه بداخل دوار الصفاونة بالشرقية!
ما هذا..؟
ما الذي حدث..؟
كيف حضر زاد إلىٰ هنا..؟
ظل زاد لأكثر من خمسة عشر دقيقة فحسب يحاول التيقن لما حدث، يحاول التأكد أن هذا ليس بحلم.
هذا ليس بحلم!
ولٰكن كيف؟
-... دينا!
التفت نحو المنادي ليجدها چان، بثوب المنزل، تبحث عن ابنتها التي كانت تلهو بالحديقة الخليفة للدوار، تحديدًا بزاوية ليست بعيدة عنها ولا عن زاد.
كيف عسىٰ هذا أن يحدث؟
- أيوة يا ماما.
- تعالي يا حبيبي عشان تتغدي.
- حاضر، جايّة أهو.
بالفعل، هرولت نحوها الفتاة بمنتهىٰ البراءة دون أن تشعر إحداهن بوجود ذٰلڪ الذي كان يقف أمامهن مباشرةً، وكأنه كان مختفيًا.
رفع زاد ساعة يده، تلڪ المزودة بخاصية التاريخ كذٰلك، ليجدها تعمل علىٰ أكمل وجه!
- أنا بشوف استبصار، إنما الوقت لسه شغال زي ما هوَ، الشخص ده عاوز يوريني حاجة.
أدرڪ زاد أن الأمر لم يكن خارقًا للطبيعة، بل أنها مجرد خاصية استخدمها ذٰلڪ الشخص الغامض ليريه أمرًا ما حدث بالماضي.
ولٰكن ما هوَ؟
قرر زاد أن يدلف الدوار من الباب الخلفي متسللًا، بالرغم من عدم إدراڪ أي الموجودين لوجوده، كان بحثه وشغله الشاغل وقتها هوَ صاحب الدوار.
-... صفوان، يلّلا يا حبيبي الأكل هيبرد!
قالتها چان من مكانها علىٰ مائدة الطعام، بجوار ابنتها دينا، ولمَّٰ أتىٰ الرد بالصمت طلبت چان من إحدىٰ خادماتها أن تذهب لترىٰ أين ذهب هذا الرجل.
فلحق بها زاد إلىٰ الدرج المؤدي للطابق الثاني، ومنه إلىٰ الغرفة الخاصة بـصفوان.
طرقت الباب مرتين مستئذنة:
- صفوان بيه.
- غوري دلوقتي!!
صاح بها دون مبرر، وقبل حتىٰ أن يسمع ما لديها، فنفذت هيَ الأمر، في حين قرر زاد أن يختلس السمع.
كانت تمتماتٍ معادية بين طرفين، أولهما لصفوان، والثاني كان مجهول:
-... إنتَ وصلت بيڪ الجرأة إنڪ تيجي لهنا؟!
- أنا أجيلڪ في أي حتة يا صفوان، وإن كنت في بطن أمڪ!
- وعاوز إيه؟
- مراتڪ.
استنتج زاد من هدوء رد فعل صفوان أن الغامض المتحدث كان يهدده بالسلاح، ولٰكنه هذا لم يعفيه من نبرته المهاجمة والمعنفة وسباته بالأهل والأموات!
- وحياة أمڪ؟!.. إنتَ جاي هنا بميتين أهلڪ وعاوزني أطلق مراتي عشان تآخدها بصنعة لطافة؟!.. ده أنا أقتلڪ إنتَ وأهلڪ وإللي يتشددلكوا.
- إوعىٰ تكون فاكرني عاوز أعمل كدة عشاني أنا!.. أنا خايف عليها من السحر إللي إنتَ معيشها فيه هيَ وبنتڪ.
- متجيبش سيرة بنتي علىٰ لسانڪ النجس ده!
- ربڪ نجس زيڪ، مش هيحميڪ مني دلوقتي يا صفوان!
-... هتندم علىٰ كل كلمة بتقولها يا ضوّ!
تراجع زاد بضع خطواتٍ من ذهوله بعدما سمع ما سمعه، وكان هذا بالتزامن مع حضور خطوات چان وراءه، التفت ليجدها تقترب لتختلس السمع، فلم تسمع، فطرقت الباب.
- صفوان، حبيبي، يلّلا عشان تتغدىٰ!
تبدلت الأرض غير الأرض للمرة الثانية، فرأىٰ نفسه تلڪ المرة بمكانٍ يعلمه جيدًا.
كان بڤيلّا ماجد توفيق!
فرأىٰ كريم ابنه البالغ من العمر عشر سنوات، يلعب علىٰ دراجته بالحديقة الأمامية للڤيلّا، في حين كانت الأجواء هادئة بعض الشيء، وكان العامل المشترڪ تلڪ المرة متمثلًا بعدم إدراكه.
لا يزال بحالة الاستبصار المكتسبة!
قرر زاد أن يتحرڪ نحو الڤيلّا ليرىٰ ما بها..
وما إن دلف من الباب حتىٰ فاجئه منظرًا لم يتوقعه..
كان الضوّ، يقف أمام ماجد توفيق، موضحًا موضحًا أنه يمتلڪ مسدس، دون أن يشهره بوجهه، في حين كانت وقفة ماجد تؤكد كيف أنه كان مستسلمًا للأمر.
- إنتَ عايز إيه يا ضوّ؟
- هعوز منڪ إيه يعني!
- يعني إنتَ جاي تهددني هنا في بيتي وبوجود ابني، لله وللوطن؟!
تن*د الضو:
- بصراحة، هيَ خدمة صغيرة قد كدة.
- إتحفني!
- عاوزڪ تخلص من صفوان، واقف قصادي في مصلحة تهمني!
- وأنا مصلحتي إيه أخلّصڪ من راجل زي صفوان؟!
ابتسم الضوّ، ثم أجاب بتلقائية:
- بإنڪ هتخلص من رخامة واحد إسمه الضوّ.
- وأنا إيه يضمنلي إنڪ متظهرليش تاني؟!
- معنديش ضمانات، وبعدين أنا بظهر لمَّٰ أعوز واختفي لمَّٰ أعوز، السؤال مش إيه يضمنلڪ مظهرلكش تاني، السؤال إيه يضمنلڪ مظهرلكش تاني وأنا زعلان؛ عشان إنتَ عارف زعلي وحش إزاي!
ثم أشار نحو الفتىٰ بالخارج.
- إبنڪ عسل قوي، إيه رأيڪ نجوزه لـمريم لمَّٰ يكبروا؟
ضحڪ ماجد، ثم قال بجدية:
- في حالة واحدة بس، لو مريم اتبرّت منڪ.
فرمقه الضوّ بغضب، قبل أن يردف ماجد:
- إيه؟!.. مستغرب إنڪ أب ميشرفش؟!
فانسحب الضوّ من المكان دون تعقيب.
إدرڪ بتلڪ اللحظة زاد أين ستكون المحطة التالية، إنها مملكة الريس الضوٌ بالجبل.
بالفعل، رأىٰ نفسه بداخل عرين الريس ضوّ، حيث كانت مريم تذاكر دروسها، بوجود الأب مع بعض من رجاله الصفوة والمختارين بناءً علىٰ ثقته العالية بهم.
فكان يتفق معهم علىٰ خطة الدفاع التي ستسير عليها المملكة بأكملها بالفترة القادمة، نظرًا لإيقانه التام أنها لن تكون بالفترة السهلة علىٰ الإطلاق.
وبينما كان منتبهًا للخطة، فاجئه سؤال ابنته المفاجئ:
- بابا، أنا هرجع المدرسة تاني إمتىٰ؟
- مش دلوقتي يا مريم، إحنا إتفقنا قبل كدة إن مش دلوقتي خالص.
التفت لرجاله ليكمل شرح وتبسيط خطته، قبل أن تسأله:
- يا بابا بس إحنا بقالنا شهر!
- وإن فضلنا العمر كله، أنا قولت كلمة يبقىٰ تتسمع!
نهرها أمام جميع رجاله، فأخفت دموعها عنهم بتصنعها الانشغال بالمذاكرة.
تبدلت الأرض غير الارض، والسماء غير السماء، فوجد زاد نفسه بمكان حادث سقوط الطائرة، مستلقيًا علىٰ الأرض، بالطبع، فقد كان زاد فاقدًا الوعي منذ ثلاث دقائق.
توقف علىٰ قدميه فكان أول ما فعله أن التفت لمكان الضوّ وخطّٰاب، ليجد الضوّ فحسب هوَ الموجود، ولٰكنه لم يكن كما كان، فقد كان الضوّ ساقطًا بالأرض، يهز رأسه عدة مرات لمحاولة إفاقتها مما يراودها.
هرول زاد نحو مشهرًا سلاحه، فصاح به بمجرد أن وصل أمامه:
- إثبت يا ضوّ!
انتبه الضوّ لصوته في البداية، فرمقه هوَ وسلاحه لبضع ثوانِ قبل أن يمسڪ رأسه بتألم محاولًا تذكر آخر ما حدث.
- آاه.. أنا.. إيه إللي..؟
- إيه، مش عارف إيه إللي جابڪ هنا؟!
بدأ بتلڪ اللحظة الضوّ يدرڪ آخر ما حدث معه تدريجيًّا، فكان أول ما تذكره هوَ خطّٰاب:
- خطّٰاب!!
أخذ يتلفت يمينه ويساره بحثًا عن أي أثر له.
- إطمن، أنا مش مستعجل، سوىٰ، في مكتبي في مبنىٰ المخابرات، هنعرف خطّٰاب راح فين.
رمقه الضوّ دون رد، وعيناه تمتلئان بالتحسر علىٰ ما هوَ قادم.
***
«غرفة التحقيقات - المخابرات العامة».
الساعة 06:00 صباح اليوم التالي.
-... إنتَ بتدخن؟
- لأ.
- جدع!
قالها زاد قبل أن يتراجع بجلسته للوراء، ثم قام بعقد يديه أمامه علىٰ منضدة التحقيقات، تلڪ التي كانت تدلي من داخلها أغلالًا تقيد يدي الضوّ.
-... أنا متوقعش إنڪ عارف إنتَ هنا ليه.
-...
- شوف يا ضوّ، أنا مش جايبڪ هنا عشان قضاياڪ مع الشرطة، ده مش تخصصي؛ لٰكن وغلاوة أمڪ لو حسيت منڪ ملاوعة لأسلمڪ بنفسي ليهم، ومعانا ملفات ببلاويڪ بالمناسبة.
خلع الضوّ عنه ثوب الصمت والكبرياء أخيرًا، فقال:
- ملفات إيه، وبلاوي إيه؟!.. أنا مش فاهم حاجة يا زاد باشا، سعادتڪ عاوز مني إيه بالظبط؟
- نبرتڪ مش عجباني.
- مش ضروري تعجبڪ يا باشا، يا ريت بس تفهمني أنا هنا ليه.
هنا تن*د زاد بهدوء، ثم قال:
- إنتَ هنا عشان مريم بنتڪ يا ضوّ.
يبدو من تعابير وجه الضوّ أن زاد كان يسعىٰ لاستفزازه، ويبدو أيضًا من استجاباته العصبية أنه قد نجح.
- بنتي؟!.. بنتي مالها؟
- متورطة في قضية كبيرة.
- إنتَ بتقول إيه؟!
- بقول إللي سمعته، هسيبڪ شوية تفكر.
ثم تركه ليخرج، دون أن يخبره ما إذا كان هوَ الذي سيستأنف التحقيق معه أم لا، كما أنه لم يخبره متىٰ سيتابع معه التحقيق، ليتوجه مباشرةً لغرفة مراقبة غرفة التحقيقات، ليجد زميلًا له بالمخابرات، كان بانتظاره.
- تفتكر هيعترف؟
- لازم يعترف، بنته أهم حاجة عنده، وغالبًا كان متعاون مع خطّٰاب علىٰ حِس يوصلّها.
نهاية الحلقة التاسعة.