دخلت المطبخ لأول مرة كانت تتأمله ب**ت العلب .. الفواكه المرصوصة على الطاولة .. كان مرتب يزرع في النفس الؤغبة في الطبخ والأبداع الوانه هادئة جدا وكل شيء فيه مرتب ومجهز بأحدث الأجهزة التي تدفعك للطبخ وصنع كل أنواع الحلويات التي تشتهي .. ولكن حقا هي ليست هنا لأجل ذلك .. تريد أن تشرب الماء فقط .. الإحساس بالعطش لم يفارقها طوال الفترة الأخيرة لكن لا بأس .
دخلت لترى أم أحمد تغلق باب البراد فتقول ( ماذا تطلبين يا ابنتي قولي لي فقط وأنا سأحضره لك فورا
أجابتها ريحان ( أريد أن أشرب فقط
اقتربت أم أحمد من أحد الرفوف تأخذ الكأس وهي تقول ( أنت تأمرين
لتتجه نحو مبردة الماء ولكن قبل أن تصب الماء انطلق صوت رجولي من خلفهم ( ماء ليس بارد يا أم أحمد
(كيف لا يمكنك
كان يحادثها بنفاذ صبر والكثير الكثير من ضبط النفس فبعد أن زفت له خبر عدم حضورها شعر وكأن دلو من الماء البارد سقط فوق رأسه حتى سألها بحزم ( أخبريني كيف يمكنك التخلف عن موعد مهم كهذا
انتظر دقيقة واثنتان ولكنها لم تجيب ليبعد الهاتف عن أذنه لينظر لشاشته الرقمية ظنا منه أن الخط قد أنقطع أو أن هاتفه قد فصل .. لكنه اكتشف أن هذا لم يحدث إذن هي ما زالت على الخط ليقول ( آية أين ذهب .. هل ما زلت على الخط
سمع صوت أنفاسها المهزوزة ليتن*د براحة إنها ما زالت على الخط .. وهو ينتظرها أن تجيب . فها هي آية التي يعرفها عندما تكون مخطئة ولا تريد أن تعترف بخطئها تصبح أنفاسها مهزوزة ولا تجيب إلا بعد **ت طويل . والخضرة الممزوجة بالعسل في عينها تصبح عكرة فيتحول نبع العسل في عينيها لأخر غير رائق وكانه ممتلئ بالشوائب .
أجابته بتنهيدة متوجعة وندم لاح بصوتها ( حبيبي .. أنت تعرف ظروفي
أطلق تنهيدة متوجعة منه وهو يجوب غرفته باتجاه النافذة يتأمل أشجار الليمون والليل يحتضنها ليقول ( آية أنه يوم مولدك .. وكنت متفق أنه يوم خاص لنا والآن بكل بساطة تخبريني أنه لا يمكنك أن تذهبي .. بالله عليك ماذا يحدث وأي ظروف تتحدثي عنها
تن*دت بتوتر وصله عبر أسلاك الهاتف لتجيب ( زياد أرجوك .. أنت لست خطيبي فقط بل قبل هذا أنت أستاذي واعتقد أنك تعلم جدولي الدراسي .. وبما أنك تعلم لا بد أن تعلم أن الأستاذ وجيه قد أخبرنا بالفحص المفاجأ . وهذا سبب الغاء موعدنا
زفر بقوة محاولا التخلص من ذلك الضيق الذي خيم على ص*ره وهو يبتعد عن النافذة ليصبح قريبا من الخزانة يفتحها بهدوء لتسأله هي ( زياد أين ذهبت
ابتسم بألم وهو يحمل سلسلة الكتب بين يديه .. لقد طلب هذه الرواية منذ أكثر من شهر وأصر أن تكون الطبعة الأصلية .. أراد أن يهديها شيء مميز يحكي لها ما يشعر بعيدا عن كل شيء وأي شيء ولكنها كالعادة تفشل مخططاته بنجاح .
عاد صوتها يخترق أذنيه وهي تهمس ( زياد .. زياد
أجابها بهدوء وهو يعيد الكتب للخزانة مغلقا إياها ليجلس على السرير كما كان منذ بدأ المكالمة ( لا بأس آية فحصك أهم من كل هذه التفاهات رغم معرفتي أنك لست بحاجة لأي مجهود إضافي بتحصلي على علامة ممتازة .. ولكن لا بأس كما تحبين
أجابته بتوتر وصوت أشبه بالضائع ( أنا آسفة . سوف أعوضك مرة أخرى
ابتسم بيأس ويده تشد على الهاتف ( ربما حين تقررين زيارة منزلنا والتعرف على أخي
سمع سعلتها المتوترة فأغمض عينيه وهو يسمع تمتمتها بالموافقة ليقول ( سوف أغلق الآن .. واذهب لأطل على رفيف . تصبحين على خير
رمى هاتفه بتعب وهو يفرك وجهه بين يديه ( دراسة .. دراسة .. دراسة .. سحقا لكل هذه الأشياء آية ... سحقا لتفكيرك المعوج
ليستقيم مغادرة الغرفة ويرسم على وجهه تعابير الفرح والمكر التي اعتاد الجميع عليها .
..........
( ماء ليس بارد يا أم أحمد
صدح صوت من خلفها .. صوت لا يمكن أن تخطأه أبدا ولو بعد ألف عام .. صوت تعشق في أوردتها قبل أذنيها . ولكنه الآن لم يكن سوا عقاب لها .. ذلك الصوت الذي طالما أغرمت ببحته تشعر وكأنه قيد يلف حول عنقها يكاد يخنقها .. كيف يمكن لأي إنسان أن يرى عشقه وعذابه بشخص واحد . هل يمكن أن نرى الجنة والنار في حدقتي نفس الشخص .. هل يمكن للقلب أن يتأرجح بين الحقد والشوق ولا يجد مخرجا . وهي كانت كل ذلك تشعر بالشوق الممزوج بالحقد .بالوجع المعجون بالرغبة .. كانت تتخبط في كل مرة ترى طيفه أو تسمع صوته .
تن*دت بقوة وهي تستدير له تراقبه ب**ت .. لحيته المائلة للشقار تغري يديها لتحسس مكانها . قميصه الأبيض الذي رفع كميه حتى بان ساعده منه وتلك النصية السوداء التي يرتديها لت**ر بياض قميصه .. رسمت له هالة سحرية خاص . ابتلعت ريقها وهي تستدعي الوجه الغير مبالي لتجيبه ( ماذا تفعل هنا
اقترب منها بهدوء مستفز حتى نزل لمستوى رأسها وهو يهمس ( هذا مطبخ عائلتي بالمناسبة
ابتعدت عنه بسرعة وهي تحك رقبتها بأطراف اصابعها مجيبة ( ها
عاد يبتسم بخبث وهو يقترب منها مرة أخرى بصوت اشبه بالهمس كاد يقتلها من فرط التأثر ( لقد قلت أنني في مطبخ العائلة مثلي مثلك ريحانتي
استفزتها ياء الملكية في أخر كلامه ليعود بريق الحقد لعينيها فاقتربت منه هي هذه المرة تحاول الوصول له وهي تجيب بنفس الهمس ( إياك أن تضع تلك الياء في أخر اسمي
ابتعد عنها يراقبها بابتسامة تكاد تذيب القلب .. شعرها الغير مرتب وهيئتها المتعبة .. وجهها المتعب وشفتيها الجافة ليرفرف قلبه فيقول ( لنرى ماذا سيحدث
أخذت كأس الماء من الخادمة متجاهلة وقوفه بقربها وتلحقه بنبضات قلبها بالتجاهل . فالعطش سيطر على كل خلية من جسمها فتشرب كأس الماء دفعة واحد تروي عطشها لتراه مبتسم من خلال الكأس الذي مازال بين يديها يستريح فوق شفتيها وهو يغمز لها ( يا لحظ هذا الكأس
نظرت له بخجل ممزوج بقليل من الكره لتضع الكأس على الطاولة تكتف يديها مرة أخرى وهو تسأله بنفاذ صبر ( ماذا تريد أركان
قلد وقفتها ليجيب باستفزاز ( أريد فنجان قهوة
نظرت له بازدراء ( تعلم أنني اقصد غير ذلك .. ماذا تريد مني أركان
اقترب منها وهو يتلمس أطراف شعرها القصير ليسأل ( لماذا قمت بقصه
ابتعدت عنه مرة أخرى فاهتزت أطرافه بروعة وكأنها تغازل كتفيها ( لا شأن لك
عاد مرة أخرى للاقتراب وهو يبتسم ( لا بأس فهذه القصة مناسبة لك بشكل مفرط
وتقدم عليها خطوة وهي صامتة ليعود مرة أخرى وهو يوجه سبابته نحوها ( وبالنسبة لسؤالك جوابه كلمة واحدة فقط
نظرت له بطرف عينيها بنفاذ صبر وكره كبير ترجمه معالم وجهها ( وما هي
أخذ تفاحة موضوعة على الطاولة أمامها ليأخذ قضمة منها وهو يهمس ( مشتاق أنا
وغادر بسرعة تاركا إياها تتخبط في مشاعرها تتمنى لو أنها لم تأتي إلى هنا .. لم تراه مرة أخرى .. لم تعد النبضات لقلبها .. وأنفاسها المتعبة تسيطر عليها .. سارت خلفه ب**ت خارجة من المطبخ وعقلها يعيد صوته عندما قال ( مشتاق أنا كيف
.....
تحاول أن تنسى ما فعله بها .. يجب أن تستحضر كل الماضي دفعة واحدة حتى تمحي كلمته التي تتردد في عقلها .. خيانته . قتلها وهي على قيد الحياة . كيف اختفى فجأة من حياتها والآن بكل صفاقة يقول لها أنه مشتاق .. كيف تجرأ على قولها . كيف يمكن لقلبها أن يهتز بعد كلمته البسيطة وهو الذي بكى أيام من الألم بسبب ما فعله بها .
تن*دت بتعب وهي تطرد كل تلك الأفكار فالآن ليس وقت أركان وعاصفته التي تض*بها . عليها أن تقف قرب شقيقتها وتجد حل لما يحدث لها ثم تعود لتصفي حسابها مع أركان بيك .
وقفت قرب باب غرفة رفيف تطلق زفير قوي لتهم بطرق الباب فتسمع صوت عمها زياد يسمح لها بالدخول . فتستقبله ابتسامته السمحة ونظراته الحنون فتبادله الابتسامة بأخرى ليسألها ( أهلا بجميلة عائلة الأزهري
هزت رأسها بخجل لتلتفت نحو رفيف الصامتة والمترقبة لها ( لقد قررنا أن نسهر في غرفة جوري . هل تحبين الانضمام لنا رفيف
همت بالرفض وقرأته ريحان بعينيها .. لكن تدخل زياد أوقفها عن الرفض وهو يقول ( بالطبع .. وسأنظم أنا أيضا .. أم غير مسموح للرجال بالدخول
ابتسمت له ريحان مجيبة ( من قال ذلك أنت أول مرحب بك هنا
احتضنها بحب وهو يصحب الفتاتين نحو غرفة جوري .. يحاول أن ينسى مشادته الكلامية مع آية التي اصبحت تتكرر كثير في الأونة الأخيرة .
.........
كيف لها أن تنسى أن سكان هذا البيت طردوا أمها في إحدى الأيام .هل يمكن أن تغفر .. هل تسامح كما قالت لها ريحان . كيف تسامح وتغفر وهي كانت ترى نظرات أمها الحزينة في كل مرة تتكلم عن عائلتها .
كيف لها أن تتعايش معهم بهذه البساطة .. هي لا تنكر إعجابها الشديد بعمها زياد .. فهو شخصية مرحة قريبة جدا من والدها .. ونظراته تنم عن فخر اتجاه شقيقتيها .. كان طوال الوقت وهو يستمع لهن حتى أنه عرض مساعدته لنقل أوراقها لجامعته . ابتسمت وهي تتذكر ردة فعله عندما أخبرته ان اختصاصها هو الأدب الإيطالي . لقد كان مصدوم منها وسعيد بنفس الوقت حتى سألها عن سبب هذا الاختيار لتجيبه بفخر ( لطالما سحرتني الفنون الإيطالية من فن وأدب وجمال . تلك التماثيل الإيطالية بكل بهائها وروعتها تثير فيك مشاعر كثيرة لتعلم أسرارها .. الكتاب الإيطاليون ونظرتهم للحب .. تفسيرهم لمشاعر الإنسان كل ذلك كان سبب اختياري لهذا المجال )
ليبتسم لها بفخر وهو يعبث ب*عرها الأشقر ( ستكونين أفضل طالبة لدي
استغربت من كلماته لتسأل بهمس ( هل أنت ؟