الفصل الاول
في مُحافظة السويس العتيقه المُطله على البحر الاحمر و هى عروس البحر الاحمر و بلد الغريب ، فى حي بورتوفيق الذى يسود بالمنطقة المساكن الخاصة بالعاملين بهيئة قناة السويس، وتتميز بالفيلات ذات الأسقف الجمالونية المغطاة بالقرميد، ويغلب عليها تأثير الطراز المسمى بطراز البحر المتوسط، مما أعطى لهذه المنطقة طابعا خاصا متأثرا بنشاط قناة السويس و كانها مدينة فرنسية على ارض مصريه. و هى اهم انجازات مصر القديمة و الحديثه و هى قناة السويس المُنجزه للمهام و ال**برة للسفن و الواصلة بين القارات القديمة و اعظم دخل لبلاد الاهرامات .
فى احد تلك الفيلات فى قلب الحي توجد لدينا حكاية طريفة مع اسرة ليست بالصغيره بل بها عشرة افراد جميع اسمائهم تبدا ببدايه طريف و هو حرف اللغة العتيقة " الدال " . فالاب داغر الانصارى صاحب الخمسه و الخمسون من عمره العامل بهيئة قناة السويس وقع فى شبابه بشباك ديانا مهدى التى تركته فى الخمسين من عمره و معه ثمانى اطفال تبدا اسماهم بحرف الدال .
داليا ذات الثلاثون ربيعًا و هى الكبرى من خلفها داليدا ذات الرابعه و العشرون من عمرها ، يليها داوود صاحب الاثنين و العشرون عامًا يعقبه دارين صاحبة العشرين سنه ، ثم ديما صاحبة السادسة عشر سنه ، ف" درويش " ذو الخامسه عشر من سنينه ، الى دنيا ذات الاثنا عشر عامًا ، وصولاً الى دوران ذات الاربعة اعوام . و للعلم داليا اختهم للاب فقط و لها اخ من الام يدعى عمرو . كما ذكرنا فى السابق عائله غريبة الاطوار مختلفة اعمار و فريدة فى الحكاية و الرواية .
و فى قرابة الساعة الواحده بعد منتصف اليل عمت الفوضى بيت آل الانصارى و حول البيت فى الحى بسبب عملية البحث عن داليا صاحبة الثلاثون عامًا التى لم تعود منذ ان ذهبت الى عملها فى الثامنة صباحًا حتى وقتنا هذا و قد جال الخوف فى قلب الجميع و بالاخص داغر الذى اقدم على رحلة عمره بعد بضعة ايام قريبة و قد طال انتظاره لزيارة بيت الرحمن اسفل عرش الوهاب بفارغ الصبر و الحرمان و لكن يبدوا ان الامر لن يتم بسبب داليا و التى بتصرفاتها تلك تُثبت له انها طفله و اقل ما يُقال عنها طفله . و لكن قاطع حديثه فى الهاتف مع احد اصدقائه يعمل فى المشفى العام و من قبله احد معارفه بقسم الاربعين و لم يجد لها اثر هناك صوت درويش الذى صرخ بفرح و من خلفه بنى ياجوج و ماجوج الخمسه دال ما عدا داليدا و قد هرولوا ناحية داليا التى كانت تمشى فى كبر و عظمه و انفها مرفوع الى حد السماء فى غرور و كانها لم تتاخر بدون اذن كل هذا الوقت و لم تجعل جميع اسرتها يبحثون عنها بملابس النوم فى الطُرقات .
زفر داغر بقوة و هو يتابع اطلالتها الكاذبه و ترحيب اخوتها و اخواتها بها و من جانبه داليدا الهزيله ضعيفة البدن ، وقد القى عليها نظره نارية احرقتها و ما عليها من ملابس و بالاخص كم الاتربه التى غطت حجابها و ملابسها و كدمه صغيره زينت وجنتها اليسرى و كانها خرجت من عراك و بالفعل كذلك .
اغلق داغر الباب غلفه بعد ان دخل الجميع ثم عقد زراعيه امام ص*ره و قطب جبينه و زم ضفتيه قائلاً فى جمود : كنتى فين لحد دلوقتى .
وضعت داليا يدها فى منتصف خصرها قائلة فى زهو : كنت فى الكراكون !!
نظر لها داغر فى دهشه و قد علت وجهه معالم الغباء التام و فتح و اغلق عينيه عدة مرات حتى يعى ما تتفوه به تلك الفتاه التى امثالها يملكون بدل الطفل ثلاثة و اربعه اما هى فتخبره بكل بساطه انها كانت فى احد اقسام الشرطة بل و تزهو بنفسها مثلها مثل الشريف الادريسى صاحب اصح اطلس فى العالم القديم .
ضيق عينيه و قد انصرف من تبقى حولهم بعد ان امرهم بهذا ثم اشار لها بلاقتراب منه و قد تقدمت فى توجس و خيفه من ان يبطش بها او يستعمل احد الوسائل التربوية المصرية الاصيله و لكن على الع** تمامًا طاوعها و طاوع ما ترسمه من ادعاء للبرائها و وضع زراعه حول كتفه و قد همس فى نوع من السريه قائلاً : و كنتى بتعملى اية فى الكراكون ؟!!
همست هى الاخرى بعد ان نظرة حولها لتتاكد من ان لا احد يسمعهم قائله :انا هقولك اصل انا خرجت بدرى النهارده و قابلت شروق صحبتى و روحنا نتغدى بره و فى الطرابيزة اللى ورانا تلات شُحطه عا**ونا و واحد منهم مع**نيش بس اتريق عليا عشان شاف المادليا بتاعتى عليهاصورة رشدى اباظه فض*بته و ض*بنى و واحد تانى اتريق على مناخيرى فمسكتش و البو** لمنا بس كميرات المراقبه طلعتهم و هما بيع**ونا و بتوع حقوق المراه وجبوا معانا و خرجت انا و شروق و هما لسه فى التخشيبة .
هز داغر راسه بنعم و قد زم شفتيه و هو يدعى التاثر بحديثها و الفخر و لو بيده لادبها مثل ما كانت صغيره لكن كبرت على الض*ب و هو بالاساس لم يفعلها و هى صغيره فان له و هى كبيره !!!
ربط على كتفها قائلاً و هو يدعى التاثر : و اكلتى على كده و لا لسه .
ربطت على معدتها الخاويه قائله : ابدًا والله من ساعت الفطار الصبح .
ربط على كتفها ثم اشار الى مجموعة الصور المُعلقه على الجدار امامه قائلاً فى عمليه و تعب : بصى يا دودو انا لا هزعق و لا هتنرفز انا هتكلم بالعقل ... ثم اشار الى صورتين بجوار بعضهم قائلاً : شايفه دى سامية مامتك الله يرحمها اول زوجه اتجوزتها عشان كانت ست عاقله و لما عقلها خف و بقت ترللى و بتضيع وقتها فى مواضيع ملهاش لازمه زى جنابك كده اطلاقنا و دى ديانا ام اخواتك الله يرحمها اتجوزتها عشان بحبها و برضوا عشان عاقله لحد لما ماتت و دول بقى اخواتك اللى المفروض انا هسبهم فى راقبتك امانه طول مانا مسافر العمره ان شاء الله .... ثم التفت ينظر اليها و هو يمسك بكتفيها قائلا فى رجاء و قد تبدلت ملامحها الى الخجل و الخزى تمامًا و هذا هو المرجوا من الحديث معها : عشان خاطرى بالله عليكى متخلنيش احس انى مربتش و اندم على انى هسبهم فى رقبتك بالذات الصغيرين .... اتفقنا يا قمره .
زمت شفتيها و هزت راسها بنعم و ترجته بعبارات الاسف و الوعود بانها ستترك تلك الامور التافهه و التى لا جدوى منها كما يخبرها و قطعت العهود و المواثيق بانها ستحافظ على البيت كما هو و افضل . قبل راسها و دفعها الى النوم و هو يدعوا لها بالهدايه و السكينه و السعاده و هو يعلم كم ساعدته داليا فى بناء بيته و الفضل لها فى الاعتناء ب" دوران " بعد ان ماتت ديانا اثناء ولادتها و لولا عملها لما كان ادخل اخوتها المدارس الخاصه و ما كان لمرتبه ان يسع تسعة اشخاص و ساعدت داوود حتى حصل على وظيفة ليمد يد العون لهذا البيت هو ايضًا و مراعتها لدراسة داليدا حتى ادخلتها مجال الصيدله و لولا تمسك دارين بالجلوس بالبيت و الاكتفاء بالتعليم الصناعى لكانت مدت لها يد العون مثلها كمثل باقى اخواتها و بالرم من اختلاف الامهات الا ان هذا لم يكن عائق ابدًا و لم يشغل بال داغر او داليا اطلاقًا بالرغم من اختلاف الملامح الفج بينهم فجميع اخوتها ذوى شعر فاتح اللون و اعين ملونه عادها اخذت الشعر الاسود الكثيف و العينين البنية الداكنه من والدتها و ابيها . و لكن ما يحزن قلبه هو كونها لم تتزوج قط و قد **رت حاجز الثلاثون و ليست بسيئة الخلق او الق**حة بل عاديه جسدها يميل الى البدانه قليلاً و بشرتها الخمريه و عينيها الواسعه و وجهها المستدير لكن فقط تملك انف ان ركزت به ستشعر ان وجهها عباره عن انف مكور و حوله وجه لكن تبدوا عادية لا خارقة الجمال و لا قليلة الجمال و اضف الى هذا و ذاك كون من يذهب لخطبتها لا ياتى مره اخرى حتى ياست من امر زواجها و تناست الفكره بعض الشئ .
دخلت داليا الى غرفتها المشتركه مع داليدا و دارين بعد ان اخذت حمامًا يُزيل عنها كم الاتربه تلك و يزيح عنها عناء اليوم ثم ارتدت بيجاما ورديه و جلست امام المراه تصفف شعرها بعد ان نام الجميع و لكن سرحت قليلاً و هى تنظر الى تلك الكدمه الزرقاء و قد ابتسمت لا اراديًا و هى تتذكر ما حدث فى الصباح من ذلك الشاب الذى هو قابع الان فى الحبس بسببها ، همست بينها و بين نفسها قائله : بلا خيبه بدال ما اجيب عريس بطفشهم ... حكم.
--------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------
و بالفعل مرت الايام و تتابعت الليالى حتى جاء الوقت المنشود و الساعة التى حلم بها طوال عمره و ها هو يُلبى نداء الرحمن و يذهب فى فوج و لفيف من زوار بيت الله الحرام و قد ودع صغاره فى حراره و قد اخذ منهم العهود و المواثيق و قد قطعوا الوعود على الحفاظ على البيت و متابعة الدراسه على اكمل وجه حتى عودته بسلام .حيث اجتمع بابنائه و عاهدهم على الامتثال لاوامر داليا و عدم احداث مشاكل .
و قد مر يوم و الثانى و كل شئ بخير و قد اتخذت داليا اعمل مخففه فى عملها حتى يتسنى لها العمل و متابعة البيت حتى عودة صاحبه . و بينما هى فى عملها باحد المكاتب الادارية بشركة البترول و قد ورثت المهنه عن والدتها نظرت لها احد الجالسات فى نهاية العقد الثانى من عمرها و قد برز بطنها المدور كدلاله على اقتراب موعد الولاده و الى جانبها طفل عمر الخمس سنوات بثياب مدرسية غير مهندمه نتيجه للعب و فرط الحركه ثم تسائلت تلك المراه المدعوه ب" غادة " قائلة : ايه يا داليا مفيش اخبارحلوه يا داليا .
ابتسمت داليا باصفرار و قد فهمت ما ترمى اليه صاحبة البطن الكبير ثم امسكت الدباسه الكبيره و جمعت عدة اوراق بالدبابيس قائله : لا والله يا غدغود ايدى على كتفك عندك عريس .
زمت غادة شفتيها و امتعدت ملامحها قائله فى ضيق و خبث : ياختى يعنى هما اللى اتجوزوا اخدوا ايه غير وجع القلب و الهم اد*كى شايفه فى اخر التامن و نازله الشغل ... و الله الواحد يحسدك على روقان بالك يا شيخة لا جوز و لا عيال تروحى الكوافير تخرجى فى اى حته برحتك و لا جسمك باظ و لا غيره .
عبثت داليا فى بعد الاوراق امامها فى احد الادراج و قد رسمت التاثر على وجهها قائلة ببرود : معلش يا قلبى اهوا كده الحلو مبيكملش و غير كده انا ربنا كرمنى باخواتى و عارفه الغلب و ق*فه مش بتورب من البيت للشغل و من الشغل للبيت لا بروح كوافير و لا بخرج و اهوا ربنا يبعت الف*ج عشان ينوبنا من الق*ف جانب و غير كده محدش بيض*ب حد على ايده كل واحد عارف بيختار ايه و يعمل ايه .
و تدخلت فى الحديث سيده فى الخمسين من عمرها تدعى عليا قائله بعقلانيه و حبور : ياختى مش معقوله القمره اللى ماشى ده يكون من غير جوز باذن الله ربنا يعوض صبرك خير يا دودو
ابتسمت داليا بود و امنت خلفها بعد ان شكرتها ثم ارتدت حقيبتها السوداء على كتفها التى تماشت مع الكنزه الصوفيه الورديه الطوليه على بنطال اسود و حذاء اسود و حجاب ابيض و قد همت بالرحيل و هى ترى تلك الشمطاء احمرت وجنتيها حرجًا و غضبًا من ما وضع به نفسها فى محط الاحراج و السخرية .
و ى الممر المؤدى الى مدخل مقر الشركه كانت الشق الاخر و قرين داليا كما تعتقد المسكينه كانت شروق تقف تنتظر زوجها عصام و ما ان جاء و همت بالخروج اليه حتى رات داليا القادمه من بعيد و التى ان خرجت الان سترى عصام و هذا اخر ما تريده شروق ان يحدث سارعت شروق ناحية داليا و استوقفتها قائله : بت يا داليا مدام عطيات بتاعت الحاسبات سائلتنى عليكى و عايزاكى فوق .
زمت شفتيها و قطبت جبينها قائله فى دهشه : و دى عايزه ايه منى منا عدلت الملف بتاعى و ادتهولها ؟
رفعت كتفيها ببرائه مصطتنعه قائله : مش عارفه والله اطلعى شوفيها .. همشى انا بقى سلام .
ردت السلام و همت بالاتجاه الى المصعد مره اخرى لكن وقفت لوهله تفكر قليلاً حتى تذكرت ان تلك السيده فى اجازه بسبب ولادت ابنتها هذا الاسبوع كيف ستسال عنها ؟ زفرت بهدوء و هى تعود مره اخرى ناحية الباب وصوللاً الى موقف السيارات و كل ما فى بالها لما الكذب و لما ستكذب عليها ؟ و لكن كعادتها الحمقاء امتثلت لها العذر فى كون الامر قد تشابه عليها او نسيت شئًا ما . كم هى مسكينه !!!
و بينما تسير داليا فى سيارتها الصغيره فى احد شوارع السويس بعد اذان العصر و قد اقتظت بالسيارات و الطلاب العائدون من المدارس و الذاهبون الى الدروس الخصوصيه و العائدون من اعمالهم كلاً يُهرول الى بيته حتى يجدد نشاطه و يرتاح بعض الشئ فى تلك الاجواء الشتوية البارده و قد علقت فى احد الشوارع بسبب كثرة الماره و السيارات و لكن ما لفت نظرها هو درويش الذى يدرس بالصف الثالث الاعدادى و الذى اخبرها انه ذاهب الى احد مقرات الدروس و اخذ منها مبلغ من المال الا انها وجدته بشحمه و لحمة جالس فى احد السيابر و قد خرج هو و طفلين من عمره و بيدهم كرة قدم قديمه و اخذوا باللعب بها امام احد المبانى فى احد الزوايه الفارغه . طحنت اسنانها بقوة و ودت لو ترجلت و فتكت بهذا الصغير و مذقت لحمه اربًا اربًا على كذبه و خداعة و عدم مسؤليته و قد كان اول من اعطاها الامان بانه سيدرس و يتابع اعماله على اكمل وجه لكن ماذا تقول سوى كاذب كبير . زفرت بقوة ثم تابعت طريقها الى البيت و فى داخلها همت على تلقينه درسًا لن ينساه بعد الان و لكن بالادب و الحسنه .
-------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------
دلفت شروق الى غرفة نومها مع زوجها عصام الذى كان يتابع احد مباريات الكره على هاتفه باهتمام و لم يلاحظ دخولها ثم جلست على السرير فى جواره و هى ترتدى قميص للنوم اسود و طويل ثم اخذت تتحسس كتفه حتى التفت اليها و امسك يديها يقبلها قائلاً فى اهتمام : خير يا روحى فى حاجه ؟
بللت شفتيها و داعبت لحيته المهذبه قائله فى دلال و مكر: مش عايزاك تستنانى قصاد الشركه تانى مش عاوزه داليا تشوفك داليا مش كويسه و انانيه ممكن تعملنا مشكله و تاخدك منى و هى اكيد مش ناسيه اللى حصل زمان .
قبل راسها بنعومه ثم ابتعد قائلاً : حاضر يا جميله من عنيا الاتنين ... انا مش عارف كنت هعمل ايه لو مكنتش اتجوزتك انتى و وقعت فى داليا ... انا بحمد ربنا الف مره على النعمه اللى انا فيها دلوقتى ... انا بحبك قوى يا شروق .
احتضنته فى نعومه و اراحت راسها على كتفه قائله فى سعاده غامره : و انا كمان بحبك قوى يا عصام .
-------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------- " كفاره يا عم معلش قدر و لطف " تحدث بتلك الكلمات شابى عريض المنكبيبن ذو شعر اسود غزير و بملامح رجوليه وسيمه و عضلات **ت ذراعيه و ساقيه و بطنه ذادته مهابه و فخامه اضف الى ذلك عمره الذى هو الرابعه و الثلاثون و اسمه الذى ذو وزن ثقيل فى مجال المقاولات و البناء و هو محمود خيرى الذى ورث المهنه بالتناوب عن اجداده حتى وصلت الى يديه لكن شاب فى حياته الخاصه اجوف العقل فارغ القلب قاشل الرائ ضعيف البصيره رجل لعوب و قد تعددت علاقاته النسائية كاسرًا ما امر الله بحفظه من حدود غض البصر و حفظ الف*ج و كبح الشهوه الا فى حلاله و لله الحق لم تنجذب اليه الا كل امراه مجوفه مثله و معدومة الشخصيه او ذات مال و ثراء لا يؤثر عليها عاقبة فعل قد يص الى خطر الادمان . و على الاريكه بجانبة شاب فى الخامسه و الثلاثون من عمره اعزب يُدعى غانم على قد بدت شيبته و غزى راسه الشعر الابيض و اختلط بالاسود حتى اعطاه مهابه و فخامه و اضف الى ذلك نبرة صوته الفخمه و الجهوريه الخشنة التى فاقت عمره بقليل و عينيه الداكنه و وجهه العادى الذى زينته بعض الكدمات الخفيفة و سيرته الحسنة بين الجميع فى عمله و بين اصدقائه و اسرته و يعمل فى شركة الاسمدة و قد جمعته صداقة قديمة ب" محمود" منذ الدراسه و اللجامعه و قد استمرت رغم مرور الايام و الزمن و اخذت فى الشده اكثر و اكثر حتى اليوم و قد عاد كلاهما من احد اقسام الشرطه بعد ان اخبره غانم بانه قابع فى القسم منذ عدة ايام و قد اسرع اليه بالمحامى حتى اخرجته النيابه بكفاله زهيدة الثمن و قد اصطحبه الى شقته السكنية فى احد احياء السلام و قد تمتعت بمساحة كبيره و ذوق رفيع و عصرى فى الاثاث و البناء .
صاح غانم بضيق و غضب قائلاً : كفارة ايه ؟!! هو انا عملت حاجة اصلاً دى بت مجنونه و صاحبتها اجن منها الجزم اللى معايا عا**وهم حاطة صورة رشدى اباظة على المادليه ان بس بصيت و ا****ر اللى جنبى قال يا بتاع رشدى اباظه يا جميل راحت نطحانى و بتوع حقوق المراه نطوا من السما على قفايه و مفقتش غير فى القسم كنت ناقصهم هما كمان .
كتم محمود ضحكته بصعوبة ثم ربط على فخذه قائلاً فى مواساه : خلاص معلش حصل خير بس قولى ثم تابع فى خبث قائلاً : كانت حلوة ؟
صاح غانم بغضب و هب واقفًا قائلاً فى ضيق : حلوة ايه و خرى ايه بقولك مجنونه اوعى يا عم ديل الكلب عمره ما يتعدل اوعى ... ثم سار ناحية باب الشقه و من خلفه محمود الذى تعالت ضحكاته و صيحاته على هذا الذى اخذ فى التزمر و التحدث بالضيق و الخناق حتى فتح باب شقته و قد كان خلفه فتاه فى عقدها الثانى من عمرها ارتدت فستان ازرق انيق بلون عينيها و تركت شعرها الفاتح فى العنان و امتازت بصغر الحجم و الطول و كانت على وشك ان تطرق الباب لكن فاجئها غانم الذى فتح الباب فجاه و قد القى نظره متهكمه و لوى شفتيه فى تهكم و هو يمر من جانب تلك الفتاه ىالتى احمرت وجنتيها خجًا من نظرات غانم المتهكمة لها و ودت لو اخبرته ان الحب الذى يفعل بها هذا و لكن اكتفت بال**ت و الخجل حتى افسح لها محمود المجال قائلاً: اتفضلى ادخلى يا داليدا نورتى .
--------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------على الارض و فوق ملائه قديمه و قد افترش آل الانصارى الارض و قد رتاصوا مثل قطع الحجاره فى حلقه حول نبته و لكن لا يجود حجر داليداالتى تعللت بسبب العملى و الدراسه ... اه من تلك المحتاله حول الطعام الذى اعدته داليا فور عودتها من العمل بمساعده صغيره من دوران التى تجلس على قدميه متعلقه فى رقبتها كالطفل المتعلق برقبة والدته و هى بالفعل كذلك فمنذ نعومة اظافرها لم يكن هناك من يرعاها سواها و قد اعتبرتها داليا ابنه لها لا اخت بسبب فارق العمر بينهم و بسبب تاخرها فى الكلام و النطق الذى جعلها الى جوارها حتى اجتازت تلك المرحله .
مررت الطبق الذى به الدجاج الى داوود قائله : فرق على اخواتك منابهم و شيل مناب داليدا على جنب . ثم نظرت لهم جميعًا قائله : بابا كلمنى و بيسلم عليكم و هيكلمنا بيل فيديوا فكونوا جاهزين .
امتثل داوود لامرها و قد تعمدت هذا الامر حتى تعطيه الاحساس بالمسؤوليه و المساواه بينهم و لتعطيه مهارت العدل فيما بعد و هز الجميع راسه بالموافقه و الحماس لمحادثت ابيهم مره اخر و قد مر اليومين بصعوبه بالغه حقًا من دونه . و ما ان انهى الجميع طعامه حتى تجمعوا على التنظيف احداهم تغسل الاوانى و الاخرى تكنس الارضية و الاخرى تعد الشاى و من ذهب للدراسه ذهب و من ذهب للعب ذهب . ثم نادت داليا على درويش حتى جلسوا فى الشرفه و امام كلاً منهما كاس شاى و قد اختارت الهدوء و الرشد فى التعامل مع معضلة .
ارتشفت القليل من الشاى ثم وضعت الكوب امامها على الطاولة الصغيره قائله بهدوء : بص يا درويش ... اسمعنى و متكلمش لحد لما اخلص تمام . هز هذا الصغير راسه بنعم ثم تابعت قائله فى دبلوماسية و عقلانيه كالمرشد النفسى : هكيلك حكاية ... زمان ايام النبى عليه الصلاة و السلام صحابة كتير كان منهم سيدنا عكرمة بن ابى جهل ... سيدنا عكرمة كان زى والده بيكره النبى و كان بيعذب الصحابة و فى غزوة الخندق هو الوحيد اللى عدى الخندق مع عمر بن ود و كان شخص سئ فى الجاهليه لحد فتح مكه و من خوفه من النبى هاجر لحد لما مراته طلبت من الرسول الامان و رجع و اسلم و استشهد عكرمه فى معركة اليرموك فى صفوف كتيبة الموت اللى قضت على جيش الروم ... فى حين ان كان فى صحابى اسمه مالك بن نويرة كان ليهى منزله خاصه عند النبى لدرجة ان النبى خلاه يلم الصدقات من القبيله بتعته و بعد لما النبى مات ارتد و اتبع واحد ادعت النبوة و سيدنا خالد بن الوليد قطع راسه لما رفض يدفع الذكاه و يصلى و حارب المسلمين .... المخزى من الكلام ده ان ممكن حد يكون صح فى الاول و الغرور يخليه غلط و ممكن حد غلط الندم يخيه صح .... و انا شفتك و انا مروحه من الشغل و انت خارج من السايبر و روحت تلعب كوره ... فاضل على الامتحان شهر و نص و اللى بيجيب مجموع كويس فى الترم الاول بيرتاح الترم التانى ... مضيعش وقتك عشان متشفش صحابك داخلين ثانوى او تمريض و انت مش عارف تخش حاجه حلوه ... شهر و نص تقدر تذاكر المنهج تلات مرات ولا حاجه و لو على الوقت انت مبتروحش المدرسه كل يوم و الدروس احنا سيبين الجمعه و السبت اجازه و التلات اجازه عشان تعرف تذاكر ... عشان خاطرى و عشان خاطر تعب بابا اللى عايز يخلينا احسن ناس ذاكر و التوفيق من عند ربنا اتفقنا . و بابا لو سائلنى عليك خلينى اقوله كلام حلو.
امتعضت ملامجه و حاول تبرير موقفه قائلاً : والله يا داليا اول مره و كان الدرس اتلغى فقعدت شوية مع صحابى .
" اهو ده تانى غلط ...كدبت عليا ... لو كنت اخذت اذنى و قلتلى مكنتش هعترض .... المهم عشان وقتك ميضعش ... اتفقنا خلاص نشد حلنا و نذاكر و الثانوى و الكلام ده على برنا اتفقنا .
هز درويش راسه و امسك بكوب الشاى و كاد ان يستاذن حتى يذهب الى غرفته المشتركه مع داوود لكن اوقفته داليا قائله فى مراوغه و تلاعب : استنى رايح فين ؟ انا لسه مخلصتش كلام .
نظر لها درويش باهتمام حتى تحول الاهتمام الى ضيق و قد اسودت عسليتيه و اغمقت بشده عندما قالت : طبعًا اللى عملته مش هيعدى بالساهل ... انا ست ديموقراطيه اختارلك عقاب من الاتنين ... تتحرم من المصروف ولا اغلى اشتراك النادى و فريق الكوره.
بعت وجهه و لولا فارق السن بينهم لتشاجر معها و ادبها كما يفعل مع دنيا و ديما دائمًا لكن ليس من الادب ان يحاول التعرض لها او ض*بها و ان فعل و تجرد من حيائه ستزيد العقاب ضعفين ... لكن كل شئ هين لين على قلبه ما عدا المساس بفريق الكره .
نفخ اوداجه بغيظ قائلاً : اتحرم من المصروف .. عايزه حاجه تانية .
" عايزه سلامتك يا مؤدب يلا على مذاكرتك "
و ما ان خرج من الشرفه حتى اخرجت دفتر ملاحظات من جيب عبائتها المنزليه و فتحت احد الصفحات التى فوقها اسم درويش و وضعت علامة صح و الى جانبة كلمة تحت النظر ثم نظرت الى الطريق الخالى قائله بشرود : لسه السته الباقين .