جلس (ياسين) في مكتبه وإنطلق رنين هاتفه المحمول أجاب دون أن
يرى: ألو؟
جائه صوت أنثوي مألوف بالنسبة لأذنيه:ألو؟ إزيك يا (ياسين)؟
أراد (ياسين) إلغاء ما آل إليه تفكيره وحاول أن يخرج صوته هادئاً
من بين شفتيه: الحمد لله...مين معايا حضرتك؟
قالت صاحبة الصوت الأنثوي الرقيق وقد بدا بنبرتها بعض التوتر
والحرج: أنا (مروة) يا (ياسين)؟ (مروة حسين العلمي)إفتكرتني؟
هتف(ياسين) وهو يقف من كثرة إنفعاله بسعادة: (مرروة)؟؟
بجد يعني اللي وداني سمعاه ده حقيقي؟
انطلقت من هاتف (ياسين)اعذب ضحكة إلى قلبه وبعدها أكملت
(مروة): أيوة هي أنا يا (ياسين).
هتف(ياسين)بفرح غامر ملوحًا بيده تعبيرًا عن سعادته:عاملة إيه؟
و أخبارك طمنيني عليكي؟
(مروة) بسرور لأنه تذكرها: الحمد لله بخير بس اااا...
سألها (ياسين) بعد أن جلس مرة أخرى على مقعده
متساءلا : بس إيه يا (مروة)؟
أكملت (مروة) بحزن: بس بعد وفاة بابا الله يرحمه عمي الله يسامحه
عايز ياخد الميراث كله...
ثم أردفت باكية وكأنه طوق نجاة لها بعد أن أخذت
شهيقًا: مفيش غيرك يحللي القضية دي ممكن أجيلك مكتبك يا (ياسين)؟
(ياسين)متعجبًا: طبعاً يا (مروة) تنوريه في أي وقت ده مكتبك...أنا موجود.
(مروة) بسعادة لم تستطع إخفائها رغم صوتها المهزوز من
البكاء: خلاص نص ساعة و هكون عندك إن شاء الله مع السلامة.
(ياسين) وهو لا يشعر أنه على الأرض من كثرة سعادته: و أنا في إنتظارك مع
ألف سلامة.
تن*د(ياسين)بتنهيدة عاشق: هاااااا يااااه أخيراً هشوفك يا (مروة).
(مروة حسين العلمي) كانت حُب (ياسين) الأول الذي لم ولن يُحب أحد
مثلها إنه الحب الأفلاطوني لقد كانت جارته ب(سيدي بشر) وزميلته بكلية
الحقوق وبعد أن تأكد من حبها له مثلما يحبها تقدم لخطبتها ولكن والدها
رفضه لأنه أراد لابنته أن يزوجها إلى رجلٍ ثري يسعدها ولم ييأس (ياسين)
وحاول مع والدها أن يقنعه بكل السُبل و أنه سيحميها ويجعلها في آمان معه...
ولكن كل محاولاته بائت بالفشل وإبتعد (ياسين) عن(مروة) التي إستسلمت
لإرادة أبيها وها هي الأيام الماضية تعود والحب سيتجدد مرة أخرى...
ثم قطع عليه صوت هاتفه مرة أخرى مشيرًا إلى إسم (عبير)زوجته تتصل
ولكنه ترك الهاتف وضغط على زر جعل الهاتف صامتًا وتظهر على
شفته مرارة حياته الحقيقية...
كيف تزوج (عبير) البداية لم تكن بالسيئة فعندما رفضه والد(مروة)
كان يعمل محاميًا في مكتب (الكافي) والد (عبير) وزوج (ثنية هانم)
وكان يعامله كابنائه وبعدها زوجُه لابنته (عبير) وجعله يعيش في بيت عائلته...
وقتها لم يفكر (ياسين) جيدًا كان لا بد أن يعلم أن الابنه تشبه والدتها
(ثنية هانم) في طباعها الصعبة ولكنه كان يظن أن (عبير) ستجعله سعيدًا
ومختلفة عن والدتها ومع الأسف الشديد بعد وفاة (زهدي الكافي) ظهرت
(ثنية هانم) طباعها الأكثر سوءاً وحبها لكونها الآمر الناهي في هذا البيت وكأنها
جِني وخرجت من مصباحها بعد آلاف السنين وبالطبع مع مرور الأيام ظهرت
(عبير) بطباع والدتها وتأثرت بكلامها وأصبحت تجرح فيه وتقطع كل خيط
يصلها به وما زالت على حالها...
ثم رن هاتف (ياسين) مرة أخرى التقط الهاتف بملل وضيق وهو يعلم
ما سوف يُلاقيه: أيوة يا (عبير) معلش مكنتش سامعُه خير؟ لأ هتغدا بره
إنهاردة عندي شغل و قضايا كتير...يوووه لازمتها إيه الكلام اللي يحرق
الدم ده؟مين قال إني مش عايز أتغدا مع والدتك؟ بقولك عندي شغل...
يا ستي لا بزعق و لا بتعصب...خلاص مش هاجي وقت الغدا يا (عبير) إتغدي
إنتي و البنات مع والدتك يلا سلام.
بعد أن أغلق (ياسين) هاتفه وألقاه على المكتب بنفاذ صبر وعاد يفكر مع
نفسه:هو أنا فعلاًعندي شغل و قضايا زي ما قلت كده ولا إتهربت علشان
(مروة) طب و إيه يعني يا (ياسين)إنت بقالك أد إيه مستني الفرصة دي و
عمرك ما كنت تتخيل إنها هتيجي من أساسه و لا كنت بتحلم...
إنت زي ما تكون كنت ميت و صحيت...حسيت بحلاوة الحياة و الحب ياااه
إحساس نسيته أصلاً...
ثم أخذ عقب سيجارة من عُلبته وأشعلها متراجع برأسه وهو ينفث دخانها
ببطء مكملاً تفكيره وهو يتأمل الدخان الرمادي المتصاعد للأعلى: أنا لو
روحت أصلاً الغدا عند حماتي العزيزة هتسكت...دي كفاية نظرتها و هي
بتتفحصني و تشوف أنا بفكر في إيه؟و طبعاً تِمن عليه بالبطة اللي
عملاها مع المحشي و تقولي كُل تلاقيك مكالتش زفر إلا لما إتجوزت على
أساس إني كنت شحات...كالعاده كلامها سِم ربنا ياخدها و أخلص أنا
مش عارف جوزها الراجل الطيب ده إتجوزها إزاي؟أكيد الراجل ده مات
بسبب الست دي...
أطفأ (ياسين)سيجارته وقام متجهًا إلى المرآة المعلقة بجانب مكتبته المليئة
بالملفات المكتنزة بالقضايا وظل يهندم نفسه بسعادة: أيوة يا (ياسين)
و الله و الضحكة رجعتلك تاني و وشك نور...
وإتجه إلى الشرفة والابتسامة بدأت بالتلاشي تدريجيًا عندما قال فجأة
لنفسه: طب إفرض يا فالح إنها طلعت بتحب و لا إتجوزت؟هتعمل إيه يا حلو؟
ثم هتف وكأن هناك شخص معه: يا عم ما تدقش أهو كله هيبان مجرد ما
تشوفها هتعرف...
*******************
جلست (عبير) بعد أن انتهت من مكالمة (ياسين) وقد ظهر على ملامحها
الضيق والغضب...
(ثنية)بسخرية وهي تجلس مراقبة (عبير): إيه المحروص مش جاي ليه؟وراه إيه
سيادة السفير؟
(عبير) وهي تفرك في يديها بتوتر محاولة إخفاؤه: أبداً يا ماما ده (ياسين) عنده
قضايا كتير...فبيعتذر ليكي أوي و كان نفسه إنه يكون موجود.
هتفت (ثنية) بغضب وهي تنظر إلى ابنتها وتضع أطراف أصابعها محتضنة
وجنتيها: و حياة أُمك إنتي هتستعبطي يا بت إنتي؟هو أنا مش عارفاكي و وشك
اللي بقا زي الطمطماية من حرقة الدم اللي حرقهالك ابن (مديحة).
(عبير) مدافعة وهي تجلس أمام (ثنية):مين قالك بس إن (ياسين) زعلني كل
الموضوع إن عنده قضايا كتير وهيضطر يتغدا بره وأنا جايز يكون ضغطي
مش مظبوط علشان كده وشي محمر شوية.
لوت(ثنية)فمها بعدم رضا:طيب يا ختي حاميله أوي و دافعي عنه يلا قومي
كملي الأكل و لاهناكل على العشا؟
(عبير)مستائة: أنا مش عارفة يا ماما هو إحنا منعرفش نجيب طباخ و لا
واحدة تعملنا الأكل بدل اللي إحنا فيه ده؟إحنا مش معانا فلوس؟
(ثنية) بغضب وهي تشيح بيدها في وجه (عبير) وتتكأ بيدها الأخرى على
العكاز: ليه يعني إحنا مبنعرفش نطبخ؟ أنا بتق*ف من اللي بيعملوا الأكل بره
دول. أنا إيه اللي يضمنلي إن هما نضاف ها؟ لكن أنا و لا إنتي مضمونين مش
كفاية إني وافقت بالعافية على اللي بنجيبها تنضف البيت عندي ولا عندك
ومش عاجبني تنضيفها كمان و أبعزأ الفلوس ليه؟
(عبير) بدهشة:يا خبر عليكي يا ماما الناس كلها إتغيرت في الفكر بتاعها؟
(ثنية) بتحدي وهي تشير بسبابتها إلى جانب رأسها: هو أنا دماغي كده ومش
هتغير أنا غير كل الناس.و بعدين روحي كملي الأكل و فين البنات؟
إتجهت (عبير) إلى المطبخ وقالت بملل: (ملك) نايمة و(يارا) بتتف*ج على التلفزيون
جوه في الأوضة.
(ثنية)بإعتراض: تلفزيون إيه مش تيجي تقعد معايا... بت يا (يارا)؟
خرجت (يارا) من الغرفة بضيق: أيوه يا تيتا.
(ثنية)ملوحة بيدها: إنتي يا بت مش قاعدة معايا ليه ولامبتحبنيش زي أبوكي؟
هزت(يارا) رأسها الصغيرة بطفولة: لأ طبعاً
(ثنية) وهي تضيق عينيها: لأ طبعاً إيه؟
لاحت ابتسامة بريئة على شفتي (يارا) الحمراء:بحبك أد البندقة يا تيتة.
وضعت (ثنية)إصبعين تحت ذقنها بغيظ:إيه و إشمعنا البندقة يا عنين أمك؟
(يارا) وهي تلوح بيدها وتبتسم: أصلي بحب البندق يا تيتة.
(ثنية)ىبتهكم: جتك نيله طالعة ببطن زي أبوكي.
فتحت (يارا) عينيها عن أخرهما وفمها قائلة بإندهاش وهي تضع يديها
على فمها: هو بابي عنده بطن تانية يا تيتة؟
ثم نظرت إلى بطنها وهي تشير إليها: وأنا عندي كمان طب البطن التانية فين؟
صاحت (ثنية) بجنون: إمشي يا بت من أدامي إمشاااااااي..
هرولت(يارا) إلى الغرفة وقالت حانقة: دة إيه الجدة دي أنا مشفتش كدة
تعالي يا (يارا) روحي يا (يارا) حاجة تقرف...
صاحت (ثنية): بتبرطمي بتقولي إيه يا بت؟
(يارا) بضجر: و لا حاجة يا تيتة...ثم قالت في سرها:يا رب تموتي يا تيتة.
خرجت (عبير) من المطبخ وسمعت صوت صياح (ثنية):مالك يا ماما بتزعقي ليه؟
أشارت (ثنية)إلى الغرفة التي بها (يارا) بغضب وهي تمسك بكل يديها
عكازها: بنتك المزغودة... أكيد جوزك مالي دماغ بناتك مني منك لله يا ابن(مديحة)
************************
دلفت السكرتيرة إلى مكتب(ياسين): فيه واحدة جت إسمها (مروة حسين العلمي)
و بتقول إنها عارفة...
قاطعها (ياسين) بترحاب: خليها تتفضل بسرعة...
وأصلح الأوراق المبعثرة أمامه وجلس على مقعده وكان قلبه يدق بقوة ثم رآها...
(مروة) بالنسبة إلى(ياسين) لم تكن فتاة عادية فبعينيها الفيروزتين وبشرتها
البيضاء الصافية وقوامها الساحر إنها المثال الحي للمرأة الفاتنة...
ثم قاطعه صوتها الرقيق: إزيك يا (ياسين)؟
أفاق (ياسين) من شروده وقام من مقعدة وبنبرة ترحاب وعينيه يملؤها الشوق
مادًا يده يصافحها: أهلاً إزيك يا (مروة) لسه زي ما انتي متغيرتيش؟
ضحكت (مروة)برقة وهي تصافحه وكم شعرت بدفأ يده...
جلست على المقعد المقابل لمكتبه متساءلة: ازاي يعني؟
جلس (ياسين) وهو يراقب(مروة) بعينيه وكأنه يرى لوحة فنية:يعني لسه جميلة
كأننا لسه سايبين بعض إمبارح.
ضحكت (مروة)أكثر ثم قالت: و إنت زي ما أنت يا (ياسين) ص**ح و اللي في قلبك
علي ل**نك و الله ليك وحشة...
قال (ياسين)بنبرة متهدجة لا إرادية: مش أكتر مني يا (مروة) وحشتيني أوي.
نظرت(مروة) إليه وتضرج وجهها بحمرة الخجل ثم قالت مغيرة مجري
الموضوع: إحمم أنا جيالك يا (ياسين) في قضية و عايزاك تكون المحامي بتاعي؟
تراجع (ياسين) بظهرهُ متكلمًا بجدية وهو يحاول كبح جماح
مشاعره: خير يا (مروة) قلقتيني؟
ثم رفع يده بعلامة الإنتظار وضغط زرًا ظهر صوت السكرتيره بعده
أردف(ياسين):إتنين قهوة سكر مظبوط يا (ثناء)...
أعقب بعدها صوت(ثناء): حاضر يا فندم...
ابتسمت(مروة)مردفة وهي تتأمل بفيروزيتها الصافية وجه
(ياسين):إنت لسه فاكر قهوتي يا (ياسين)؟
مد(ياسين)ذراعيه مشبك كفيه على المكتب وهو يهز رأسه إيجابًا
ويراقبها بعينيه: طبعاً فاكر و كمان غيرتي مزاجي في القهوة و خليته زيك لو
تفتكري.
وضعت(مروة)أناملها على فمها بذهول:مش ممكن يا (ياسين)إنتَ مبتنساش
حاجة أبداً؟
لامست أصابع(ياسين)أنامل كف (مروة) الآخر الموضوعة على
المكتب...سحبت(مروة)يدها وإكتست ملامح وجهها بالخجل ثم...تأمل (ياسين)
عينيها وأنفها وبشرتها الطفولية الناعمة وفمها المرسوم بقُرمزيته ومحيطه
المحدد...
فترة ظل كل منمها يتأمل الآخر ثم قاطعهما دخول الساعي بالقهوة المطلوبة...
تنحنح (ياسين) بعد أن خرج الساعي وأغلق باب المكتب.
التفتت(مروة)إلى (ياسين) وهي تتن*د: بابا بعد ما إتوفي الله يرحمه سابلنا أرض
كبيرة أوي في الورث و علشان مفيش غيري أنا و أمي بس...و أنا بنته الوحيدة
فالطمع من عمامي عايزين ياخدوا الأرض دي كمان و بالعافية و بيبعتوا
بلطجية لينا و تهديد و حاجة ب*عة كأني مش بنت أخوهم و لا من لحمهم
و لا أي حاجة...
عقد(ياسين)حاجبيه بغضب:أعوذُ بالله ده إيه الناس دي دول عمام...
ده لو حد غريب مش هيعمل فيكم كده...طب ما أخدوا الورث بتاعهم عايزين
إيه تاني؟
(مروة) والدموع تترقرق: لما أقعدت أفكر في المشكلة دي ملقتش أُدامي إلا إنتَ
يا (ياسين) صورتك ظهرت أُدام عنيه لأنك دايماً كُنت جنبي لما كنا مع بعض
و مترددتش لحظة إني أتصل بيك...
أعطاها(ياسين)محرمة ورقيه وقلبه يبكي لأجلها:طب متعيطيش يا(مروة).
متقلقيش أنا معاكي وهفضل جنبك زي منا...إنتي مش عارفه إنتي بالنسبالي إيه؟
أومأت (مروة) وهي تلتقط منه المحرمة الورقية: عارفة إنك شهم و جدع و مش
ممكن تسيبني في الورطة دي...
(ياسين) وهو يقوم من علي كرسي مكتبه ويجلس بمقابلة(مروة): أنا جيت عزا
باباكي الله يرحمه و حاولت أشوفك علشان أعزيكي معرفتش...
(مروة)مبتسمة من وسط دموعها: أنا عارفه يا (ياسين)إنك مبتفوتش واجب
و متأكدة إنك جيت العزا...
ثم أردفت وهي ترفع إصبعها متذكرة:أه... بس فيه مشكلة كمان نسيت اقولهالك...
هز (ياسين) رأسه مستفسرًا: إيه هي؟
أكملت(مروة) بعد أن بلعت ريقها: عمي الكبير عنده ولد و عايز يجوزني ليه
مهو طمعان بقا ليه كمان متكونش حتة الأرض و كمان عليها عروسة هدية كله
طمع في طمع...
ثم سالت دموعها مرة أخرى على وجنتيها: بابا مكنش يعرف إن إخواته طماعين
أوي كده...
(ياسين) بضيق وغيرة تحرقه بداخله: بس يا (مروة)أرجوكي متعيطيش إنتي
دموعك غالية عليه أوي...أوعدك إن فيه حل لكل حاجة روحي و
متقلقيش و بكرة هكلمك و متحمليش أي هم...
(مروة)ممتنة: متشكرة أوي يا (ياسين) كنت عارفة إني فكرت صح.
ثم قامت من مقعدها و قالت وهي تصافحه:أنا إتأخرت علي ماما ومقدرش
أسيبها لوحدها أكتر من كده.
قام (ياسين)وهتف معترضًا بيده: بالسرعة دي ده أنا لسه كنت هقولك
نتغدا بره؟
(مروة) مبتسمة: معلش المرة الجاية هنتقابل تاني أكيد و لا مش هتمسك قضيتي
يا حضرة الأفوكادو؟
(ياسين) ضاحكًا: ده أكيد هو فيه غيري هيمسك القضية سعيد إني شفتك
يا حبي..
ثم تلعثم وأكمل: يا (مروة)...
ابتسمت بخجل وهي تتجه إلي الباب: و أنا أكتر أشوفك قريب.....