عاد (رامي) إلى بيته ودلف إلى الردهة وجد امرأة في منتصف الأربعينات من عمرها
وبدت أنها كانت فاتنة في شبابها جالسة علي الأريكة بمنامتها العسلية تقرأ مجلة
تحت ضوء هادىء و نظرت إليه و هي تغلق المجلة بحنو: حبيبي (رامي) قِلقت عليك
إكتير يا عُمري وين كِنت؟
(رامي) وهو يقبل وجنة والدته ويجلس أمامها: دي قصة طويلة يا ماما هحكيلك...
قص(رامي) لها ما حدث وعراكه وإنقاذ (سارة)من قاطعي الطريق...
وضعت والدته يدها على ص*رها بهلع: يا الله شو هاد و الله كِنت عم تتأذي (رامي)
و البنت المسكينة يا حرام؟
(رامي)يهز رأسهُ نفيًا: مكنش ينفع يا ماما إني أسيب البنت و كان لازم أضرب
الحراميه دول.
والدته وهي تربت علي وجنته بحنان
وتنظر بفخر: حبيبي تسلم هالجسم الممشوق و العضلات المفتولة الله يحميك
يا عمري...مو جوعان ماما؟
(رامي) وهو يقبل يد والدته حُبًا: أه يا ماما جعان أوي...
ثم نظر حوله باحثًا عن شخص متساءلا: هي (سيسيل) فين؟
زفرت والدته بحزن: (سيسيل) والدتها إكتير مرضانه و إديتها إجازة كام شَهِر
لحتى تَعرف تيجي تخُدم عندنا إمنيح و تكون إِمها الله يشفيها بقت إمنيحه...
ابتسم (رامي) بحنان:أد إيه إنتي طيبة يا ماما و الله حتى مع الخدامين؟
قبلته والدته وهي تقوم: يا عُمري راح أجيبلك الأكل كلو بيداي التنتاين حتي
تشبع... بلِج قوم و راح أعملك الأكل بس قوم غير تيابك يلا...
(رامي) وهو يستعد للنهوض: حاضر يا ماما هقوم أهو...
(كُنت فين يا (رامي) كُل الوقت ده؟) كان هذا صوت والد (رامي) رجل في منتصف
الخمسينات من عمره وسيم وقد أخذ (رامي) منهُ العيون الخضراء والطول
وعرض الأكتاف...
نظر إليه (رامي) قائلًا بصوت خافت: بابا كُنت بره و.....
قاطعه والده بصياح وهو يشيح بيده: أه طبعاً كُنت بره عارف. يعني كُنت بتعمل
إيه؟و إيه اللي أخرك كل ده؟
(رامي) بضيق: بابا أنا مش صغير علشان تقولي كنت فين و لا بعمل إيه؟ أنا راجل
و عارف بعمل إيه؟
إتجهت والدة (رامي)تجاه(ياسر) تحاول تهدئة الوضع: (ياسر) ما في داعي لها
الدبكة و الصوت العالي...
التفت إليها(ياسر) قائلًا وعينيه تشع صرامة: بس يا (لارا) مش شايفه ابنك
بيكلم إزاي معايا؟ و بيقولي إنه راجل و يا تري بتصرف إزاي؟من شخبطاتك و لا
من منحوتاتك...
قاطعه(رامي)بيده حزنًا: بابا أرجوك كفاية كده حضرتك...أنا برسم مش بشخبط
و بتجبلي دخل كويس جداً فحضرتك ليه معترض علي الشغل ده و عندي
معرض بعرض فيه رسوماتي و منحوتاتي...
(ياسر) وهو متجه ناحية (رامي): علشان ده أي كلام شغل أي كلام متاخد في
شركتي أي شغلانة و إشتغل...
(رامي) وهو يصعد إلى غرفته بغضب: مبحبوش يا بابا مبحبوش ينفع إن جدي
كان يحرمك من شغلك ينفع؟
**ت(ياسر) ثم قال بنبرة هادئة: يا ابني معنديش غيرك إنتَ و أُختك و مين
هيشيل أعمالي غيرك فلازم إنتَ تشتغل فيه حتى لو مبتحبوش...
أكمل (رامي) صعوده علي الدرج و هو يهز رأسهُ أسفًا: مفيش أمل بردو...
تصبحوا على خير
(لارا) برجاء: أرجوك (ياسر) إهدا شوي...
(ياسر) وهو يتجه إلى مكتبه وبنبرة خافتة: طب سيبيني دلوقتي أرجوكي.
وترك (لارا) وهي لا تعلم ماذا تفعل في هذا الوضع الدائم واليومي الذي يحدث
بين زوجها وولدها...
ثم تمتمت قائلة بترجي: الله يهد*كم إنتوا التنتين...
"مامي هو بابي بيزعق كده ليه مع (رامي)؟"
صوت فتاة بملامح صغيرة وب*عر ذهبي كلون عينيها مرتدية منامة رقيقة فيروزية اللون
التفتت(لارا) إلى الفتاه بقلق: و لا شي (راما ) و لاشي...
عقدت (راما)حاجبيها ضيقًا: هو بابي مش هييأس بقا من اللي في دماغه؟
(لارا)بصرامة: روحي نامي يلا مو وقت حكي و الصبح نتكلم يلا؟
(راما) معترضة: بس مامي...
قاطعتها (لارا) بحزم آمر: يلا حبيبتي و نتكلم الصبح يلا تصبحي على خير...
(راما) متن*دة وهي تُقبل والدتها: حاضر مامي أنا عارفة إن اللي فيكي مكفيكي
يلا تصبحي علي خير...
(لارا) بصوت حنون: و إنتي من أهله يا عمري بحبك...
دلف(رامي) إلى غُرفته بعد مشاجرته مع والده...
وضع هاتفه وأشيائه علي مكتبه ثم إتجه إلي لوحة فنية لم يكملها بعد و
كانت لفتاة رقيقة الملامح نظر اليها بشرود وهو يتأملها...
وكأنها فتاة حقيقية ينظر إليها بكل هيام وعشق ثم فجأة قطع عليه طرق
على باب غرفته بطريقة منتظمة...
قام (رامي)ووضع وشاح مخملي قاتم اللون على اللوحة وكأنه لا يريد أن يعلم أحد
بها سواه... ثم إتجه وجلس علي طرف فراشه هاتفًا بمزاح: إدخلي يا (راما)
مفيش غيرك خبطته كده...
ظهرت رأس(راما)من خلف الباب وهي تبتسم بطفولة ابتسم(رامي)أكثر وقال: إزيك
حبيبتي إيه اللي صحاكي؟
أغلقت(راما) باب الغرفة بهدوء وجلست بجانب أخيها: أبداً صحيت من النوم على
صوت بابي و هو بيتكلم معاك...أنا مش عارفة بابي ليه عايزنا نبقا زيه...كل واحد
و شخصيته يعني هو مركز عليك أوي كده ليه؟
(رامي)موضحًا وهو يضع ذراعه حول كتف (راما) الضئيل:أنا عارف علشان أنا الولد
الوحيد و عايزني أخد بالي من شركته بس المشكلة إني مبحبش النوع ده من الشغل
و بحس إني لاقي نفسي في رسومات و لوحات مش صفقات و ربح و خسارة بتخنق بجد من الحاجات دي...
وضعت (راما) يدها علي ركبة (رامي) مهونة: بكرة بابي يفهمك و يقولك بنفسه "ارسم يا (رامي)"...
ضحك(رامي) بسخرية ورأسه تعود للخلف بسخرية: هاااا عشم إبليس يخش
الجنة يا بنتي...
قامت (راما) وهي تقف بجانب اللوحة المغطاه: بلاش اليأس ده و بكرة تقول (راما)
كان عندها حق...
في هذه اللحظة إنزلق الوشاح من على اللوحة مما أثار إنبهار (راما)وقالت
هاتفة: واااو إيه ده لوحة جديدة دي يا (رامي)؟
ثم اقتربت وهي تقرص وجنته بمشا**ة:إمتا بدأت ترسم فيها يا (ميمو)؟
أزاح (رامي) يد (راما) وقام مسرعًا واضعًا الوشاح مرة ثانية علي اللوحة
ثم وقف أمامها وقال بتلعثم: أبداً دي رسمة من خيالي مش حد يعني...
(راما) بخبث وهي ترفع إحدى حاجبيها: طب لما هي من خيالك بتخليها مستخبية
كده ليه؟ و كأنك عامل مصيبة...
ثم عقدت ذراعيها ورفعت إحدى حاجبيها مشا**تًا: و على فكرة أنا مقولتش إنها
حد إنتَ اللي قولت...مالك يا (ميمو) إتوترت كده ليه؟
وضع (رامي) يديه على كتف (راما) محاولاً إزاحتها إلى باب غرفته فلقد علم أن
ثانية واحدة وسيقع بل**نه مع أخته المشا**ة: طب يلا حبيبتي إنتي أكيد
عايزة تنامي و بدأتي تصدعيني و أنا عايز أناااام...
(راما) بإعتراض وهي تلتفت إلي أخيها وخصلاتها الذهبية تقع على جبهتها وكانت خارج باب غرفتة: ماشي يا (ميمو) يبقا اللي في دماغي صح...
(رامي) وهو يغلق باب غرفته متثائبًا: يلا حبيبتي سويت دريم (راما)...
(راما)بإصرار ملوحة بإصبعها:إنت كده خليت عندي فضول أقوى من الأول و
هعرف يعني هعرف...
*****************
كان(عادل)بغرفة نومه يجلس على أريكته وبيده هاتفه يرى ما يحدث على
الشبكة العنكبوتية من الفيس بوك و لكن وجد أنامل رقيقة تلتف حول
عينه وصوت (نرمين)الهامس:حبيبي بيعمل إيه؟
إنتفض(عادل) من لمسة (نرمين)لا إراديًا و قال بإرتباك رأسه تلتفت إليها:(نرمين)؟
تراجعت (نرمين) و تغيرت ابتسامتها إلى خيبة أمل...
ثم حاولت أن تعيد إبتسامتها إلى شفتيها ولكنها كانت باهتة بعض الشيء
وأخرجت صوتها المبحوح بعض الشيء من حنجرتها من رد فعل (عادل):أنا آسفة إذا كُنت خضيتك لقيت ملكش حِس في البيت فقلت أشوفك و أطمن عليك...
نظر إليها (عادل)برفق وحاول أن يبتسم بهدوء رغم حُزنه على ما
فعله ب(نرمين) وتنحنح:أبداً كنت بشوف الفيس بوك و كنت مركز في بوست
بقراه مش أكتر...
ثم أكمل مردفًا وهو مازال يقلب بهاتفه:أقعدي واقفه ليه؟
ابتسمت(نرمين)بفتور وكأنها ضيفة ويعرض عليها الجلوس...
جلست بجانبه وكان (عادل) مازال ينظر إلى هاتفه وكأنه يتهرب من محادثتها...ساد
ال**ت...ولم يحاول (عادل)أن يرفع عينيه إليها...
وكانت (نرمين) تنظر إلى (عادل) محاولة سبر أغوار عينينه أو أي مشاعر
غارقة بداخله ولكن لا تعلم هل هو يحبها؟ أم يبغضها؟ هل يعتبرها زوجة؟
أم مجرد نزوة في حياته؟...
هزت رأسها محاوله البُعد عن الفكرة الأخيرة التي لاحت عليها وكأنه كابوس
بالنسبةِ إليها...
ثم مسحت بكفها على وجهها بتوتر و قررت قطع هذا ال**ت الثقيل قائلة:أجبلك طبق رز بلبن...
رفع (عادل)عينيه عن هاتفه و نظر إليها
قائلًا برتابة:ماشي...
قامت (نرمين)من جانبه وهي من**رة من داخلها: ثواني و هجبهولك...
وإتجهت إلى المطبخ ويدها ترتعش من أثر حزنها وما يعتمل بها وفجأة التفتت
بدون قصد ولطمت الكوب الزجاجي الموضوع على حافة المنضدة
وإذ به ين**ر وتتناثر شظايا زجاجه على أرضية المطبخ مثل مشاعرها تمامًا...
أتى(عادل) بسرعة وهتف ملوحًا بيده: إيه اللي حصل إنتي كويسة؟
كانت(نرمين)تقف تنظر إلى الزجاج المتناثر ثم التفتت خلفها لتنظر إلى
(عادل) ومرارة مرتسمة في نبرة صوتها: أه أنا كويسة...
ثم التفتت إلى البراد وفتحت بابه وأخرجت طبق صغير زجاجي عميق ومل*قة
من كوب الملاعق الموضوعة فوق المنضدة ومدت يدها بهم إلى(عادل)
قائلة بآلية: إتفضل الرز بلبن ومتدخلش المطبخ من فضلك لغاية
ما أخلص تنضيف...
تأمل (عادل) ملامح(نرمين) بذهول ولكنها تجاهلته
وولت ظهرها له ملتقطه المقشة وهي تزيح الشظايا بها وكأنها تزيح مشاعرها
ولم يرى (عادل)دمعتها الحائرة التي تحفر على وجنتها وتركها وبداخله غصة
لن تنتهي أبداً...
***********