بنات أنور
خرجنا من القصر الثالث و تركنا جثمان فايز الممزق على حاله , لم نكتثر للحظة للنظر للخلف و مضينا قدماً و متحللين عن أعبائنا أجمع بموت فايز و حريتنا من أم و زوجها الفاسد. وجهتنا كانت إلى مديرية أمن الجيزة و لحسن في مكتبه, يستقبلنا استقبال الأبطال إنما يختص سارة بروعه و قلقه و لوعته, ربت على كتفي و أرسل لي ابتسامة قصيرة ثم تحول لسارة بكل المشاعر, يمسد خديها بكفاه, يرفع شعرها المتناثر على وجهها و يتفحصه ليرى وقع الأيام السابقة عليها, يمسح على كتفها و ذراعيها و كأنه يعرف أن هناك موضع لآلام بخلاف وجهها المتورم , و قد ندت عن سارة هنهنات تدعم ظنونه لما لامس ما لامسه فايز بسكينه المحتمي, بينما السكين السقيم قبع بين طيات فستان سارة, أخرجته لحسن الذي نظر للسكين بدهشة بينما يستمع لرحالنا بأخر سبعة أيام قضتهم سارة بدونه ونهاية قال بيأس :
- القضية خلصت يا سارة القصور متأجرة من مالك أجنبي مش من مصر وأمك سافرت والبنات اللي إتمسكوا كلهم أنكروا أنهم يعرفوا أمك.. كلهم معديين سن الرشد يعني مش قاصرات و مسئولين عن أفعالهم وكلامهم .
كنا وقوفاً, جمدنا اللقاء جميعاً للحظات عدة من الفحص و سماع الأقوال و قد بلغ بي الوهن مبلغه, فتقهرت لكرسي من أصل إثنين أمام مكتب حسن و جلست إليه, و حينها فقط تذكر الحبيب أن الحبيبة بدورها بحاجة للراحة . أمسك بيدها و قادها للكرسي الأخر ثم تحول للجلوس من خلف مكتبه , يبصر دموع سارة النازحة على خديها و ليس في وسعه درئها خاصة و هي تهتف بيأس :
- وفايز ؟ انا قتله هو المجرم .. معاه في شنطته جوازات سفر البنات المزورة و بطايقيهم الحقيقية .. كلهم بنات صغيره.
ابتسم حسن بأسى ثم قال :
- إنسي يا سارة و بالنسبة لفايز في داهية لكن هنقول هرب يمكن تتحبسي في كلب زيه .. هاتي السكينة دي .. و روحي لأختك أقعدي عندها .
الوجه الباكي لسارة شحب, عبرات ثلوج جمدت قسماتها و أرخت الروع في قسماتها لما ذكرت حسن بما سهى :
- طب و إحنا يا حسن .. انا عملت كل اللي قولت لي عليه.
خرجت الكلمات من جوف حسن ساخنة ملتهبة بكل شعور للظلم وقع عليه لما قال :
- انا يا سارة رجلي جات في القضية .. بيقولوا إني عايز أنتقم من أمك عشان رفضت جوازي من بنتها القاصر وإن أنا اللي إخترعت كل ده .. القضية كلها باظت وانا هتنقل الصعيد .. أمك وراها ناس تقال أوي يا سارة مقدرش أقف في وشهم .
- هروح معاك .
- انت فعلا قاصر يا سارة و اللي حصل بينا جريمة جديدة هتضيع مستقبلي خالص المره دي .. يايلا رووحي .. خلي بالك منها يا سيا .
أخفى السكين في جيب خفي في جاكته الشتوي ثم خرج بنا من مكتبه بمديرية الأمن وحتى الشارع الرئيسي. أوقف لنا تا**ي ثم أسقط بيدي أوراق متفرقة من النقود وطلب من التا**ي إيصالنا للمهندسين أما سارة كانت ساهمة صامتة تعيش في عالم أخر رفض عالمنا الأول بصفة نهائية ومن حينها سارة لا تذكر حسن أو أمنا أو فايز, أصابتها صدمة نفسية شديدة أعادتها للجديد. تذكر ميسو وزوجها, أنور و أنا بالطبع إنما لا تعرف تفسير للجراح التي غزت ذراعيها و فخذيها و التي عندما رأتها ميسو وزوجها صرخت الأولى وفقد الوعي الثاني.
حرص علينا رأفت كعادته داوى جراح سارة الظاهرية والخفية, حاول أن يعيد لعقلها ذكرياتها التي سلبت إنما فشل وأظن أن فشله أفضل شيء فعله لأجل سارة فلو كنت بموضع سارة لتخليت عن تلك الذكريات؛ جلسة تعذيب طويلة المدى و الأثر و حبيبٌ هاجر وأم مهما بلغت قسوتها تسببت سارة بإيذائها لترضي حبيب هجرها رغم كل ما فعلته لأجله فقد ذهبت الأم و لم تعد ولم تسأل ولم تذكر بناتها هي الأخرى .
جراح سارة لم تندمل بسهولة وإستلزم علاجها مبالغ طائلة وذلك لتتجنب سارة فقط الألم الناتج عنها, و ضاقت علينا الحياة أكثر و أكثر فقد شرع رأفت يتذمر من المصاريف الزائدة على ميزانيته في الخفاء كما ظن الزوجين و لكني و سارة كنا نستمع لعراكهما ليلاً ونبتغي سبيل لمساعدته ولا نجد إنما وجد رأفت الطريق بمفرده لما خرج من غرفته ليلاً يصيح بأمسية :
- انتي السبب .. ما كنش لازم يمشوا من هنا من الأول و ساعتها سارة ما كنتش إتعذبت و جسمها باظ و انا صرفت اللي ورايا و ادامي عليها.
- انت نسيت كلامك ؟! هصرف عليهم منين .. أمك بتاعت مشاكل وهتفضحنا في العمارة وكل السم اللي سميت بي جسمي و انا حامل و لا همك حاجة غير نفسك و إسمك و سمعتك
- و هو فين إسمي و سمعتي ما خلاص راحوا .. العيادة بتنش .. و المستشفى المدير بيقولوا حسي يا دمك بقه يا أخي و فارقنا بجرسك .. حتى أهلي اتبروا مني .. كل حاجة راحت ومش شايف إلا الذنب ادامي .. سارة و اللي حصلها لما تخليت عنها و اهلي اللي مش عارفين يرفعوا راسهم وسط الناس انا خلاص جبت أخري .. انتوا أصلا عالم لبط وواخدين علي العيشة دي لكن انا مش عارف اتأقلم معاكوا .
ثم دلف لغرفة نومه وسمعنا الضوضاء الخفيفة التي تفيد بجلائه النهائي, بينما ميسو **اها الهم حتى أثقلها على أريكة في الردهة ساكنة أما سارة دخلت في أثره وسمعناها تقول :
- انا همشي يا رأفت خلي بس سيا معاكوا هي ما بتعملش مشاكل .
- المشكلة مش فيكي انتي يا سارة المشكلة في الدنيا .. في الناس اللي هتحكم علينا في حاجة مالناش ذنب فيها رغم إن الذنب الحقيقي لأمك أو فايز.. كلنا هنتحاكم و هناخد حكم صحيح مش من محكمة لكن من الناس وانا تعبت ولا قادر أساعدكوا و لا أساعد نفسي.. خليكي ناسية أحسن يا سارة .. بلاش تخدي الدوا اللي وصفته ليكي انتي كده أحسن .
- طيب و أشكيناز .. بنتك انت و ميسو ؟
- ياريت تقنعي ميسو تسيبها لماما .. كده هيكون أحسن ليها.
وذهب عنا رأفت أما نحن عدنا لأنور و للعجب رحب بنا وشارك في نفقات علاج سارة ولكن على طريقته الخاصة, فقد سرق من ميسو صور فوتغرافية إلتقطها الأطباء لسارة في بداية العلاج لمقارنة إندمال الجرح قبل و بعد العلاج و قد قام أنور بطبع العديد من النسخ وقام بنشرها بين المحسنين ليشفقوا على إبنته الصغيرة من عذبها زوج أمها و هرب . نال أنور الإحسان وسارة تعافت بشكل جيد فقد حصد أنور على الكثير من الأموال وأرسلها لكبار الأطباء ولم ينسى أن يبكي و ينتحب لدى كل طبيب و أن يذكر قصة سارة من جديد ويعرض صورها الأولى ليستدعي شفقة الطبيب لكي يمنح سارة علاج مجاني ويحافظ هو على حصيلته من محسنين قضية سارة.
- بطلي تكتكة على اللاب يا بايخة عايزة أنام.
قالتها سارة ناقمة على كاتبة المستقبل؛ سعيدة أنور. أحب التدوين بشدة وقصتنا أحق بالتدوين وأعلم إنها بيوما من الايام سوف تكون رواية عظيمة فالناس دائمًا تميل للفضائح خاصة الجنسية, أما ملكة ال**ل تقول أن كل ما أكتب من مؤلفات هواجس نتجت عن فقداني للذاكرة إثر حادث مروع مأساوي تعرضتُ له في الصغر, و أنني في حاجة للعلاج النفسي المكثف و الذي لم أستجيب له لأنها هي المريضة من فقدت ذكرياتها و الإثبات الدامغ الجراح التي على فخذها من أين جائت يا ترى إن كنتُ من تعرضت للحادث وحيدة و هي لا كما تظن.
مسكينة تسكن عالم يرضيها و لابد أن يرضيها و إلا أذاقت الجميع الويلات, فــإياك أن يأخذك بها شفقة ولا وله بوجهها الجميل و قدها المياس, فقد هدمت ملكة ال**ل قصور و مدن و هي الآن في سبات, إياك أن توقظها فهي تعشق النوم والملابس الراقية ومستحضرات التجميل وتبحث عن رجل يوفر لها كل ما سبق و العجيب تجد رجل بعد رجل و من ثم تليقهم عن قدميها لما تبلى صيحاتهم كالأحذية القديمة.
أحدهم لا يملك ثمن زوج من أحذيتها, أسهرها أول لياليها, لم تخلد للنوم بالعاشرة مسائاً طبقا لروتينها القاسي بالحياة كي تظل محافظة على جمالها الأخاذ. انتظرت حتى عاد الأقرع لمنزله بسيارته القديمة و لكن المعدلة كلياً و لابد أنه أنفق عليها ثروة توازي ثمن السيارة الأصلي و أكثر. ظلت مسجية على ظهرها محملقة في السقف, لم تشغل عقلها الثائر بالثرثرة معي أو متابعة صفحتها الإلكترونية المرهقة ذات الثلاثة ملايين معجب أكثر من نصفهم رجال, و من بين الثلاثة ملايين نفراً هاتفها لدقيقة أو أقل, يتمنى لها ليلة سعيدة و يسألها عن شيء اتسعت عيناها بدهشة لسماعه و حينها أذنت منه لثانية واحدة و جذبتني من شعري نحوها و سألتني على عجالة هامسة:
- يعني إيه استخارة ؟
- صلا الواحد بيصليها لما يكون محتار في قرار
افلتتني و عادت لإبتسامها التمثيلي و مكالمتها الهاتفية تقول بحماسة :
- يعني لو صليت استخارة هجوزك, هيحصل إيه يعني ؟
سرعان ما قمت عن سريري لسريرها, ألصق أذني بهاتفها لأستمع لإجابة الأقرع الذي قال بحبور ألمحه يتراقص في نبرة صوته الرخيمة :
- جربي و انتي و تشوفي .
و انتهت المكالمة و خلدت سارة للنوم قريرة العين, لم يوقظها إلا صناعة مؤلفاتي أو هواجسي كما تردد دائماً, يهيأ لي أن من أيقظها حقاً إقترابه فتلك البداية أميزها, لأني لم أميزها على سارة من قبل و لا حتى برفقة حسن و قصة عشقها الأولى. و ها هو يقترب بشدة فصرحت لأختي الحبيبة :
- إصحى الطيار الاقرع بتاعك ساب بيتهم.
إعتدلت على سريرها جالسة تضرب بوسادتها الهواء و تقول متمللة :
- يوووه .. و ده رايح فين دلوقتي ؟
- مش هتصدقي جاي مدينة نصر .. شكله هيستناكي تحت البيت من دلوقتي .. تفتكري شك في حاجة وجاي يقبض علينا .
وعادت للنوم من جديد فسارة من البشر الذين يستيقظون لدقائق و يتحدثوا معك في أمر شائك ومن ثم يعودوا للنوم بكل أريحة و قد لا تتذكر حديثنا من الأصل. تركتها تنعم ببضع دقائق فلازال لدى الطيار رحلة طويلة حتى يبلغها . أرى سيارته تمشي على خريطة القاهرة الكبرى تسرح و تمرح على شاشة حاسبي النقال فقد وضعت سارة جهاز تتبع خاص في سيارة الأقرع موصل على برنامج في حاسوبي, يرشدنا لمكان سيارته على الدوام ودون أي أسباب فقد قرصنت البرنامج من على موقع عالمي وأردت إستخدامه على واجهتنا الجديدة وجيه عبد المعطي. هذا العاشق الجديد سوف يوفر لسارة التأمين اللازم بينما توزع بضاعتنا إلى أن يسقط عنا الدين و نصير أحرار .
- سارة وصل .
إنتفضت عن نومتها و قالت :
- تحت البيت ؟
- لاء, دخل شارع الكيلاني .. إتصلي بيه شوفيه بيعمل إيه .
صاحت في بعصبية :
- أكيد قرا الزفت اللي كاتباه في المدونة بتاعتك و ربط الخيوط, يا غ*ية يا مجنونة .
إلتقطت هاتفها من أعلى كمود يفصل بين سريرينا وإتصلت به وقبل أن يستجب الطيار سقط عن يدها الجوال فهي تكون واهنة للغاية عندما تصحوا مبكراً أو تصحوا بوجه عام. قمت عن سريري و إلتقط الجوال عن الأرض و قبل أن تتناوله مني دق الهاتف بإسم الطيار, لابد أنه تشكك بسارة وجاء للقبض علينا وعلينا أن نتخلص من كآفة المواد الم**رة التي بحوزتنا.
إنتهى الفصل .