القصة الرابعة
فتى صغير عنده الحادي عشرسنه من عمره كان اسمه-ابراهيم - يشكل ثنائياً فريداً من نوعه مع أخيه - حسام- فبالرغم من أنه يصغره بسنتين إلا أنهما كانا كالجسد الواحد
عاش -ابراهيم- في المنطقة الشرقية حياته مع والده الكفيف فلقد أصيب أبوه في عينه بداء أفقده البصر وسجل اسمه في سجل أهل الأعذار رغم محاولاته اليائسة للعلاج لكن أمر الله فوق كل شيء كانت حياة - ابراهيم - واسعة النطاق غير محدودة بإطار فإخوانه في كل صوب وناحية كلٌ خلف دنياه تقوده وربما يقوده أحياناً
كان للمخطط الذي يسكنه - ابراهيم- دور في تربيته ربما فاقت كل دور قدمه والده ووالدته فلقد كان مع أخيه - حسام - يتظاهران بالقوة والبسالة أمام ابناء الحارة وربما قاما بمجازفات لا تعقل لإثبات ذلك
هاهو - ابراهيم قد أمسك بـ ضب في زهو أمام أبناء الحارة وجمع من - العرابجة - وبحركة سريعة يرفع الضب عالياً ويقول ( شباب انظروا ما سأفعل ) واستل سكينا معه فشق ص*ره لينزل الدم سريعاً ويبتدر شربه وسط ذهول الجميع
!@!عذرا فلقد كانت الأيام تخبئ في طياتها أشياء وأشياء
يوماً ومع الإهمال الأسري والخرزات المنحلة تعرف - ابراهيم - على ساحر من سكان الحي
كان ذلك ( حدثا ) فريداً في حياته لقد كان يصنع العجائب يدق الريال المعدني بعينه ويسير وسط النار بجسده ويحدث بالغرائب والفرائد
كان - ابراهيم- يقف مشدوهاً أمام تلك القوى الخارقة يردد دائماً ( أرجوك علمني ) لكن الرفض كان الجواب المتوقع ( لطفاً من الله )
وبعد أشهر هرب الساحر إلى خارج المملكة بعد أن أحس بافتضاح أمره
و كانت الأيام تخبئ في طياتها أشياء وأشياء
أحس الوالد أن بقاءهم في ( الدمام ) سيضعف معيشتهم خاصة مع ضعف المردود المادي للمحل التجاري هناك لذا كان لا بد من اتخاذ قرار حاسم ( سننتقل إلى الرياض ) وبلا مقدمات لم يكن أمام الأبناء إلا الإذعان فقرار أبيهم لا مجال للأخذ والرد فيه ولو جرب أحدكم التحاور مع ( كفيف ) لعلم تلك الحدة التي تنتابه ضد من يخالفه
وفي الرياض كان لـ -ابراهيم- موعد مع توجه آخر ترى ما الذي حدث له وكيف وقف مع أخيه - حسام- جنباً إلى جنب وما ردة فعل إخوته ؟
(2) ( محنة في طيّها المنح )
هاهي الساعة تشير إلى الثالثة بعد الظهر والشمس المحرقة تذيب الجلد والجليد وهاهو - ابراهيم- يحمل على كتفه التلفاز ليضعه في مكانه في غرفة الجلوس هنا أنسب قالها - حسام- مشيراً إلى مكان آخر لكن - ابراهيم - كان قد وضع التلفاز وانطلق لحمل شيء آخر فرغم ما كان بينهما من الود إلا أن النفس كانت تكاد تخرج من شدة التعب والإعياء - والحر الشديد -
استقرت العائلة في ذلك الحي وهو نسبياً من أفضل أحياء الرياض سكاناً ومنطقة خاصة وأن البيت لصيق بالجامع خاصة وإمامه معروف بصوته الندي الذي يحيطك بروحانية عجيبة لكن لم يكن القرب أو البعد من الجامع يعني لأسرة - ابراهيم- شيئاً كبيراً إذ لم يكن من أسرتهم أحد يصلي إلا -ابراهيم- حيث كان يصلي في البيت نقراً كـ- نقر الغراب - وربما أسرع كان إخوته يهزؤون به ( - ابراهيم هل تظن أن صلاتك هذه تفيدك شيئاً ) لكنه لم يكن يجيبهم كان يقول ستنفعني صلاتي هذه يوماً ولم يكن - ابراهيم- بعيداً لكن كان بحاجة إلى من يعلق الجرس فكم من الغرقى حولنا قريب إلى شاطئ النجاة لكن من يلقي له الطوق - يبقى سؤالاً -
كان بيت - ابراهيم - مليء بالشباب فإخوته من الذكور ستة وكلهم متقاربي العمر فأكبرهم قارب الثلاثين وأصغرهم جاوز العاشرة ولأجل ذلك فلم يكن يوم يمر إلا وتحدث مشكلة في البيت وترتفع الأصوات وربما يصل الأمر إلى الاشتباك بالأيدي
لكن ذلك اليوم لم يكن عادياً
خرج - ابراهيم - من منزله بعد مشاجرة حدثت مع إخوته حيث كانوا في صف وكان هو في الصف الآخر أحس أن المعركة غير عادلة وربما مؤامرة فخرج
في الشارع وقف - ابراهيم- أمام باب البيت حائرا ماذا أفعل ؟؟ وإلى أين أذهب ؟؟ أأعود ؟؟ لا لا ( فلم تكن نفسه الأبية تطاوعه للعودة مهزوماً ) نظر يمنة ويسرة شدّه ذلك الصرح العظيم نعم إلى هناك
دخل - ابراهيم- نعم دخل ولأول مرة دخل الجامع
الله ما هذه الروحانية ؟ وما هذا السكون ؟ ما أعظم الفرق بين هدوء الجامع وصخب المنزل
رمى -ابراهيم - ببصره إلى زاوية بالجامع اتجه إليها وفي الطريق تذكر أن أستاذهم الوقور ذا اللحية المهيبة والخلق الدمث قد أخبرهم أنه ينبغي على كل داخل للمسجد أن يصلي ركعتين استن سارية وبدأ يصلي ركعتين مرت كلمح البصر لكنها كانت شيئاً
وحضرت الصلاة صلاة مشهودة وبداية حياة جديدة لصاحبنا
يا الله ما أسعد المصلين هنا وما أهناهم تُـرى كيف كنت أمضي حياتي بعيداً عن هذه السعادة انظر ذاك يتجاذب مع جاره أطراف الحديث وآخر يعانق جاراً قدم من سفره وثالث يعين كهلاً للذهاب إلى منزله
الله ما هذه الحياة نِعم هؤلاء ونِعم ما هم فيه من السعادة
كانت تلك بداية البداية لــ- ابراهيم - ونبوءات ميلاد جديد لتنطلق الحياة الجديدة بأحداثها العجيبة فلصاحبنا أحداث وأحداث كيف ثبت على الطريق ؟ وهل سيقبل به أصحابه الجدد ؟ وما موقف أهله تجاهه ؟
(3)
بدأ - ابراهبم- يكثر التردد على الجامع فلم تكن صلاة تفوته لكنه أحياناً وخاصة في الفجر تغلبه عيناه فلا يستيقظ إلا مع بدء اليوم الدراسي فيقوم فزعاً يصلي الفجر ويأخذ حقيبته متجهاً إلى مدرسته الثانوية كانت تلك الأحداث في نهاية العام الدراسي وكان معها التغيير
وفي المنزل لاحظ إخوة - ابراهيم - تغيره لكن الأمر لم يكن يعني لهم شيئاً فالإحساس قد تبلّد من سنين لكن كانت هناك نفس شدّها تغير - ابراهيم- حيث كان - حسام - الأخ والصديق بل والحياة كلها لـ - ابراهيم- لذا كانت الصراحة بينهم شعار اتجه - ابراهيم - لـ - حسام - قال له أخي ألا تصلي ؟؟ - حسام - ماذا كان السؤال مفاجئاً لـ - حسام - - ابراهيم - والله يا أخي لقد وجدت حياة أخرى في الصلاة والقرب من الله - حسام - كيف ؟؟ - ابراهيم- إني والله أعيش أياماً لم أعش مثلها قط صدقني يا أخي الحياة في المسجد شيء لا يوصف والحياة مع الله أمر لا يقدر بثمن راحة وأي راحة صدقني يا أخي عش معنا وستجد اللذة الحقيقية - حسام - ولكن -ابراهيم - أبداً يا أخي الأمر أيسر مما تتصور فقط اعزم وسيعينك الله
كان تلك الكلمات بداية التحول لحياة - حسام - و-ابراهيم- ليصبحا ثنائياً في الخير بعد أن أمضيا في الشر سنيناً
ومع بداية الصيف كانت المراكز الصيفية قد فتحت أبوابها وبدأت تستقبل الشباب والفتيان كان - ابراهيم- كـ كثير من الشباب لا يعرف المراكز الصيفية لكنه اطلع على إعلان أحدها شدّه ما فيها من البرامج الممتعة واللقاءات الرائعة وأزّه إليها أكثر قرب المركز من بيتهم خاصة وأن - ابراهيم - لا يملك سيارة وليس لديه وسيلة نقل إلا سيارة أخيه القديمة التي تسير ساعة وتتعطل أخرى
لكنه كابد الصعاب
قرر - ابراهيم و - حسام- الانضمام إلى المركز الصيفي والانخراط في برامجه كانت خطوة رائدة في حياتهم فالمركز الصيفي مشروع رائع هنيئاً لمن كانت فكرته
ومع المركز تغيرت حال الأخوين شيئاً فشيئاً وأحسا بالإيمان يضيء في ص*روها يا الله ما أجمل حياة الإيمان وما ألذها
تعرف - ابراهيم على صحبة من الأخيار في المركز الصيفي وعلم بعد ذلك أنهم في حلقات تحفيظ القرآن لكنه لم يكن يعلم ما هذه الحلقات عذرا فـ -ابراهيم- يعيش بين أظهرنا لكنه كان مغلقاً عن العالم حوله
ارتبط -ابراهيم- بأحد الشباب أحبه وأحب أخلاقه وحسن خلقه وكانت تلك بداية الانطلاقة مع أولائك الأخيار
(4)
المركز الصيفي كان بداية الانطلاقة ومشروعاً لحياة جديدة مع كثير من الشباب إنها البذرة الصالحة والغرس الطيب والتي تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها سنتجاوز جميع ما حدث في المركز لننتقل إلى يوم السبت حيث بدأت الدراسة لعامها الجديد كان -ابراهيم- يدرك أن هذا العام سيكون مختلفاً عن سابقه فحياتي ستكون لله ومع الله فما أعظمه من هدف أصبح - ابراهيم- يعد الدقائق والساعات وهو ينتظر أول أيام الحلقة فهو يسمع عن الحلقات وطلابها ويرى ما هم فيه من الخلق والسمت لكن أن يكون أحدهم فهو ما لم يتصوره طيلة حياته وبعد الصلاة انطلق إلى حلقته برفقة أخيه - حسام- في سيارتهما المتواضعة لكن الهمة تصنع أهل القمة دخل الجامع وكانت بداية الحياة مع القرآن لقد كان - ابراهيم - يحمل همة عالية جد عالية حيث بدأ الحفظ من سورة ( البقرة ) وكان يحفظ القرآن كما أنزل مرتلاً مراعياً أحكام التجويد الصحيح أحس - ابراهيم - ب
***ة وهو يحفظ كتاب الله فهو أمام تحد جديد وصراع شديد نحو هدف عظيم لذا لم يكن - ابراهيم- عادياً ينهي المطلوب منه فقط كما كان غيره بل كان يجاهد نفسه وينجز كما ينجز الطالب الحافظ لكتاب الله لكن كان أمام - ابراهيم- عقبات كثيرة يصعب تجاوزها إذ لم يكن التغير الجذري بالأمر الهين فلقد عاش في أكثر البيئات سلبية بين أبوين وإخوة عوام لا يكاد أحدهم يعرف من العلوم الشرعية أو الدنيوية شيئاً يميزه كان أعظم الحواجز أمامه حاجز اللغة العربية فلقد كان يشعر بالنقص أمام زملائه وهو يتحدث إليهم فلغته العربية ركيكة جداً فضلاً عن أن يحاول التحدث في النحو أو يعرب بيتاً أو حتى كلمة من مقال وكم كان يحس بالحرج الشديد حين يطلب منه المعلم القراءة فيحاول جاهداً لكن - الخرق - أعظم من - الرقع -
ذات يوم كان - ابراهيم - جالساً مع نفسه قد أخرج ورقة وأخذ يسجل جوانب النقص لديه مباشرة كتب النحو واللغة العربية ثم أخذ يفكر تذكر أنه مرة اختلف هو وصاحب له في المسح على الخفين للمسافر ثم مر على ذهنه ذلك الموقف الذي لا يكاد ينسى فلقد سأل المعلم عن القصر في السفر فأجاب بأن صلاة المغرب تقصر إلى ركعتين فلم يكمل الجملة حتى عم الضحك الفصل لقد كان موقفاً محرجاً ( تمنيت أني لم أنطق بل لم أحضر ذلك اليوم ) فكر كيف لي أن أطور نفسي في هذا تذكر أن هناك درساً في الجامع الكبير في الحي المقابل يلقي فيه أحد كبار العلماء درساً ميسراً في فقه الطهارة والصلاة وبعد العشاء حمل دفتره وانطلق إلى الجامع وفي الجامع كان الجميع قد تحلّق حول الشيخ في منظر مهيب ( يا لله أجلوا الله فأجلهم ) قالها - ابراهيم - وهو يدلف داخلا وبعد الركعتين جلس عند الشيخ وبدأ مشواره مع طلب العلم
ومرت الأيام
ذات يوم جلس -ابراهيم - مع أخيه - حسام - يحكي له معاناته مع اللغة العربية - ابراهيم - - حسام - لقد عانيت كثيراً من تعلم اللغة العربية أكاد أجن لقد فقدت الأمل إنها معقدة حقاً -حسام- وانا كذلك لقد واجهت صعوبة كبيرة في فهم المعلم هذا اليوم -ابراهيم - لكن ما الحل ؟ أنقف مكتوفي الأيدي ؟؟ - حسام - لا أدري لكن ألا يمكن أن نجد من يعلمنا ؟؟ -ابراهيم - يعلمنا - حسام- ما بالك هل قلت خطأ ؟؟ - ابراهيم - أبداً لكن ذات يوم وعندما كنت عند الشيخ في درس الفقه كان بجواري رجل يدرس في كلية اللغة العربية بقسم الدراسات العليا - حسام - ممتاز ألا تعرض عليه الأمر -ابراهيم - بالتأكيد
وفعلاً وافق الأستاذ على تعليمهم مقابل مبلغ رمزي ليعلم جديتهم
كان الأستاذ - خالد - يشرح مادة النحو لطلاب الصف الثالث ثانوي وبعد الدرس سأل - ابراهيم - عن جزئية في الدرس كان الأستاذ خالد مثالاً للمعلم الناجح والمخلص قال الأستاذ لو قلنا مثلا الطلاب ناجحون ما إعراب ( ناجحون ) ؟؟ سكت - ابراهيم - أعاد الأستاذ ولكن لم يجب كرر السؤال نزل - ابراهيم - رأسه وقال لا أدري