فى مساء ذلك اليوم أنهى سفيان عمله بالمحل ثم إتجه إلى المشفى ليأخذ سلمى و داليا و فاطمة إلى منزلهن، بعدما بدأت سلمى تتماثل للشفاء و أوشك الجرح على الإلتئام.
وصل إلى المشفى ثم توجه لمكتب الدكتور حسام أولا لكى ينهى إجراءات خروجها، و يسأله عن التعليمات التى ستتبعها فى المنزل إلى أن تُشفى تماما..
رحب به ترحيبا حارا و بعدما أخبره بما أراد رد عليه برسمية قائلا:
ــ طبعا لازمها راحة تامة و متابعة الجرح علشان ميتلوثش، و هكتبلها أدوية تمشى عليها فترة، دا غير الهرمونات التعويضية اللى هتستمر عليها لأن طبعا الرحم كان بيفرز هرمونات مهمة جدا لأى أنثى..
أومأ سفيان بتفهم ثم أجلى حنجرته متسائلا بحرج:
ــ احم...طيب هى ممكن تتجوز عادى؟!
خلع نظارته الطبية ثم سأله بتوجس:
ــ انت تقربلها إيه؟
ــ أنا أخو خطيبها و فى نفس الوقت جيران..
تفاجأ من كونها مرتبطة و نشبت بداخله غيرة خفية، و لكنه سكت لبرهة ينظر لكفيه المتشابكتين بتفكير ثم أردف بجدية:
ــ السؤال دا هجاوبه قدامها هى و مامتها و أختها، لأنهم من حقهم يعرفوا وضعها بالنسبة للجواز ايه..
اومأ سفيان بتفهم قائلا:
ــ معاك حق يا دكتور...بس على فكرة هى رفضت اننا نعرف أخويا باللى حصل و ناوية كمان تفسخ خطوبتها منه، هو مسافر برا فى بعثة دراسية، و قولت اعرف حضرتك علشان لو حصلت أى صدفة و قابلته متعرفهوش حاجة..
أومأ بسعادة داخلية حاول إخفائها و تظاهر باللامبالاة قائلا:
ــ متقلقش يا أستاذ سفيان..سرك فى بير...يلا بينا نروحلها نطمن عليها قبل الخروج.
ذهبا إلى غرفتها فوجدا داليا و فاطمة بصحبتها، ألقيا عليهن السلام ثم أدار د. حسام دفة الحديث قائلا:
ــ حمد الله على سلامتك يا مس سلمى...ان شاء الله هكتبلك على خروج الليلة دى، و عايز أتكلم معاكى شوية بالنسبة للعملية و حياتك هتمشي إزاى بعدها..
هزت رأسها بضعف و هى تقول بنبرة حزينة:
ــ اتفضل يا دكتور..
اتخذ مقعدا بجوار الفراش و جلس به قائلا بجدية:
ــ عايز أقولك إنك تقدرى تتجوزى عادى جدا و كمان تمارسى حياتك الزوجية زى أى زوجة سليمة و عندها رحم، طبعا انتى عارفة إن الجهاز التناسلى عند الأنثى بيتكون من الرحم و عنق الرحم و ا****ل، إحنا شيلنا الرحم بس، و باقى الأجزاء موجودة و زى الفل و بتأدى وظيفتها عادى جدا، مشكلتك الوحيدة دلوقتي هتكون مع الإنجاب فقط.
هزت سلمى رأسها بتفهم و هى تقول بوهن و حسرة:
ــ عارفة يا دكتور حسام...شكرا على تعب حضرتك معايا...
أجابها بابتسامة ودودة:
ــ لا شكر على واجب...حمد الله على سلامتك..و لو احتاجتى أى حاجة أنا فى الخدمة و بدون مقابل مادى طبعا.
رد سفيان بامتنان:
ــ حضرتك كلك ذوق يا دكتور..ألف شكر..
انتهى من كتابة الأدوية ببطاقة الخروج ثم استأذن منهم و انصرف على مضض، يود لو تبقى أمامه لأطول فترة ممكنة و لكن لا بد من عودتها لمنزلها بعدما تماثلت للشفاء.
عادوا جميعا للمنزل و لكن عفاف أصرت عليهم أن يتناولوا العشاء سويا بمنزل إبراهيم بمناسبة عودة سلمى من المشفى على خير...
تناولت الأسرتان العشاء فى جو من الدفئ المعتاد بينهم منذ أن كان الشباب أطفالا، و لكن الجو تلك المرة ملبد بالتوترات و الأحزان، فلم يكن صافيا تماما كما اعتادوا..
بعدما انتهوا و احتسوا الشاى أوصلهم سفيان إلى شقتهن و قبل أن يغادرهن استوقفته داليا قائلة:
ــ سفيان...لحظة بس..
أغلق الباب مرة أخرى و عاد لها قائلا:
ــ خير يا داليا...
فركت كفيها بتوتر قائلة:
ــ احم...أنا بقالى أسبوع غايبة من الكلية و فى محاضران كتيرة فاتتنى...ممكن تراجع معايا اللى فاتنى؟!
ابتسم بود قائلا:
ــ و كل التوتر و ال**وف دا علشان كدا؟!..أصلا من غير ما تطلبى كنت ناوى أجيبلك كل المحاضرات و السكاشن اللى فاتتك بكرة فى الكلية و هعدى عليكوا بالليل ان شاء الله بعد ما أخلص شغل المحل علشان لو فى أى حاجة مش فاهماها أشرحهالك..
اتسعت ابتسامتها قائلة بسعادة:
ــ بجد يا سفيان؟!...بس أنا كدا هتعبك..
أجابها بابتسامة محملة بالوجع:
ــ لا متقلقيش أنا متعود على كدا..يا ريت التعب دا دام..
بالطبع فهمت مغذى كلامه و إنقلاب تعابير وجهه للوجع، فهو يقصد تلك الأيام التى كان يشرح فيها لملك مقرراتها الدراسية، فهزت رأسها بإحباط قائلة بشجن:
ــ اممم...ماشى..نتقابل بكرة فى الكلية ان شاء الله..
أومأ لها موافقا و تركها بحزنها و غيرتها و انصرف.
أما فى غرفة سلمى...
تركتها أمها حتى تأخذ قسطا من الراحة، و ما إن خرجت من الغرفة حتى وصلت سلمى رسالة من ريان عبر هاتف داليا مكتوب فيها:
ــ داليا... ممكن أتكلم مع سلمى؟
تنكرت بشخصية داليا و كتبت له على أنها هى:
ــ سلمى فى الشغل و مش معاها موبايل
زفر بإحباط ثم كتب:
ــ هترجع امتى؟!
كتبت سلمى و الدموع متلئلئة فى عينيها:
ــ هترجع الصبح
ــ بس هى بتيجى تنام علطول لأنها بتكون
سهرانة طول الليل زى ما انت عارف.
كتب بقلب جريح:
ــ هى ليه ماشترتش موبايل لحد دلوقتي
كتبت و الدموع تنزلق من عينيها فى **ت مميت:
ــ مشغولة شوية و مش فاضية تنزل تشترى
أى حاجة
اصتك فكيه من الغيظ ثم كتب:
ــ أنا هكلم سفيان يشتريلها موبايل
تحول بكائها الصامت إلى بكاء حاد و كتبت بصعوبة:
ــ ماشى
كتب و هو يشعر بوخز حاد فى قلبه:
ــ ماشى يا داليا
ــ سلامى لكل اللى عندك
أغلقت المحادثة ثم دفنت وجهها بين كفيها و أخذت تبكى بنحيب، لقد طفح الكيل، و نفذ صبرها على تحمل كل هذا الكم من الوجع و الأسى.
بينما فى الناحية الأخرى، اعتصر هاتفه بغضب حتى كاد أن يتهشم بين يديه، و أخذ يحدث نفسه بعصبية:
ــ ايه يا سلمى؟!..هو اللى بعيد عن العين بعيد عن القلب؟!..يا رب أنا مش مصدق إن سلمى ممكن تتغير من ناحيتى بالشكل دا...لا لا أكيد أنا اللى مكبر الحكاية شويتين...أيوة دا من حبى الشديد ليها بس..
فى اليوم التالى...
ذهب سفيان لـ داليا مساءا كما وعدها و جلسا حول طاولة صغيرة و الكتب و الدفاتر منفتحة أمامهما، كان يشرح لها بتركيز شديد، بينما هى هائمة فى ملامحه، شاردة بقسماته الوسيمة، تنتقل بعينيها ما بين شعره الأ**د الناعم، لعينيه البنيتين الواسعتين ذو الرموش الكثيفة الطويلة، لعلامة الحسن التى تزين ذقنه النامية، حتى وصلت لتلك الغمازتين التى تظهر كلما انف*ج ثغره، فابتسمت بعشق خالص و لم تدخل أى كلمة مما قال لذهنها المنشغل به ليس غيره، ظلت على هذا الحال حتى قال بجدية:
ــ النقطة دى وصلتلك كدا؟!
أجابته بتلعثم:
ــ ها... اه اه وصلت.
انف*جت شفتيه ليتحدث، فقاطعته قائلة بنبرة حالمة:
ــ انت عارف يا سفيان..أنا بحسد ملك الله يرحمها.
قطب جبينه باستنكار متسائلا:
ــ بتحسديها إزاى مش فاهم؟!
أجابته بشجن واضح فى نبرة صوتها:
ــ بحسدها على اللحظات اللى كانت بتقضيها معاك فى وقت الدرس... قد ايه كانت محظوظة و انت قاعد قريب منها كدا و بتبصلها كل شوية و تسألها كدا فهمتى؟!.. و الأهم من دا كله إنك كنت بتحبها.. يا ريتنى أقضى أنا معاك نص الوقت اللى قضيته معاها... بجد كنت هكون مبسوطة أوى..
سكت و هو يطالعها بوجع و حزن على إثر ذكر حبيبته الفقيدة، ثم رد و الألم يملأ طيات كلماته:
ــ ربنا يكفيكى شر الوجع اللى شافته.. ملك كانت تستاهل حب الكون كله.. مكانش يكتر عليها حبى أبدا.. كنت ناوى أعوضها عن كل الوجع اللى شافته بعد ما ترجع.. بس ربنا اختارلها اللى أحسن منى..
أغمض عينيه يعتصرهما بأسى، يجاهد العبرات لألا تسقط، ثم أردف بتجهم و هو يغلق الكتاب:
ــ أنا آسف يا داليا مش هقدر أكمل... نكمل بكرة ان شاء الله..
ردت عليه بلهفة و اعتذار:
ــ سفيان أنا مش قصدى حاجة لا سمح الله... أنا آسفة إنى فكرتك بيها..
أجابها بملامح منكمشة من الحزن:
ــ متتأسفيش... أنا أصلا منسيتهاش.. أنا بعمل نفسى ناسيها يمكن ييجى يوم و أنساها فيه بجد... عن إذنك..
غادر من أمامها بخطى سريعة تحت نظراتها الحزينة، ثم لملمت كتبها و دلفت غرفتها و هى تعض أناملها ندما على ما تفوهت به من هراء.
بينما سفيان يسير بطريق العودة بخطى تائهة، شاردا فى ملامحها البريئة، يعتصر جفنيه بقوة بين الحين و الآخر ليمنع عينيه من البكاء، يحاول أن يتحلى بالصبر و القوة، و لكن أى قوة هذه التى ستمنع قلبه من رثاء معشوقته و مليكته و من وشمت إسمها على جدران قلبه، فلا أياماً تمر، و لا أعواما تكر، و لا مخلوق سواها سيستطيع محو إسمها من قلبه.
ظل هائما بالطريق إلى أن وصل إلى منزلها المقابل لمنزله، وقف تحت شرفة غرفتها و أخذ ينادى بإسمها بصوت مرتفع و كأنها تقبع بالغرفة و ستلبى ندائه ما إن تسمعه، فأخذ يصرخ قائلا:
ــ ملاااك..ملك.. بصيلى يا ملك أنا هنا...ملاااك...ردى عليا بقى حرام عليكي...افتحى الباب دا و بصيلى يا ملك..
خرج والديه مهرعين إلى الشرفة ينظران إلى إبنهما الذى أفقده عشقها عقله، و يناديها و هو يعلم أنها فى دار الحق، فأخذت عفاف تض*ب كفا بكف و هى تبكى حال ولدها، بينما إبراهيم إنفطر قلبه على ولده و فكر فى أن يخبره بالحقيقة، و لكنه تدارك حاله مرة أخرى و أقنع نفسه أنها ستكون فترة عصيبة و لكنها ستمر و تنقضى فى الأخير، ثم سرعان ما سيعود لحياته العادية و يعتادها بدونها..
نزل إبراهيم إلى ولده رغم مرضه و قبض على ذراعه و سار به بإتجاه منزلهم و سفيان مستسلما لا حول له و لا قوة، و إبراهيم يشد على أزره قائلا بمواساة و الألم يعتصر قلبه:
ــ وحد الله يابنى و انساها بقى و عيش حياتك...الحى أبقى من الميت يا سفيان...اجمد يا حبيبى علشان خاطر أمك...هى هتحزن على مين و لا مين بس يابنى..عليك و لا على أخوك و اللى حصل لسلمى..
أخذ يستغفر ربه و يمسح بكفيه على وجهه عله يعود لرشده و يستعيد قوته و ثباته، ثم صعد مع والده لشقتهم و توضأ و صلى و تضرع إلى الله لكى يلهمه الصبر و الثبات عليه.
مرت الأيام على قلوب المحبين ببطئ شديد، فـ سلمى أكثر الأوقات ترد على رسائل ريان على أنها داليا، و تعمدت عدم شراء هاتف جديد حتى يكون حُجة لها فى عدم التواصل معه، ربما تتغير مشاعره تجاهها و يقل شغف حبه لها تدريجياً، و قد نجحت فى ذلك فى غضون شهر واحد منذ الحادث الأليم.
ذات مرة نفذ صبره و أصر على أن يكلمها حتى يستفسر منها عن سر تغيرها، فاتصل على هاتف داليا بإلحاح شديد حتى ردت عليه سلمى بعد محايلة من شقيقتها و أمها و أجابته ببرود ع** نيران الشوق المتأججة بقلبها:
ــ أيوة يا ريان..
قطب جبينه باستنكار قائلا بذهول:
ــ أيوة يا ريان؟!..مين معايا؟!..انتى أكيد مش سلمى...لا لا اللى بتتكلم دى مش سلمى حبيبتى.
اعتصرت جفنيها بألم بالغ ثم أجابته بنفس النبرة:
ــ لأ أنا سلمى...ممكن أعرف إنت ليه مُصر تكلمنى كل شوية؟!..يا ريت تراعى إنى بشتغل و مواعيد شغلى مش ثابتة و انت عارف كدا..
زادت وتيرة تنفسه حتى شعر بالإختناق و أن الهواء قد نفذ من الغرفة و رد بذهول و عدم تصديق:
ــ من امتى فى بينا الكلام دا يا سلمى..
ردت بحدة مصطنعة:
ــ من النهاردة يا ريان..بص من الآخر كدا أنا حبى ليك بيقل جوايا مش عارفة ليه..مبقيتش أشتاقلك زى الأول، الظاهر كدا إن غربتك كانت امتحان لحبى ليك، و اكتشفت إنه كان مجرد تعود على حبك و اهتمامك، بس بصراحة أنا بقيت حاسة إنك شخص عادى بالنسبالى، مش حاسة بشغف الحب اللى كان بينا...أنا آسفة جدا يا ريان مش عايزة أخدعك أكتر من كدا...
انحبست أنفاسه، و تسارعت دقات قلبه حسرة و ان**ارا من هول ما سمع، سكون تام أحل به، فقد ألجمته الصدمة و أفقدته قدرته على استجماع الكلمات، بينما الأخرى تنتظر رده بقلب منفطر ينزف دما حتى مات من كثرة الجروح و مرارة الفقد و ألم الفراق..
وصلها صوته المتحشرج قائلا و هو تحت تأثير الصدمة:
ــ أومال أنا حبى ليكى ماقلش ليه؟!...شوقى ليكى زى ما هو..لا دا بيزيد..ليه؟!..يعنى أنا كنت بحبك بجد و انتى كنتى بتلعبى و بتتسلى بيا؟!
حاولت قدر المستطاع الحفاظ على نبرتها الجادة قائلة:
ــ أنا مش قصدى أتسلى و لا ألعب أنا...
قاطعها بعصبية صارخا بها:
ــ بس...كفاية...مش عايز أسمع صوتك تانى و لا عايز أشوفك و لا أكلمك...من هنا و رايح انتى من طريق و أنا من طريق...و من غير سلام..
أغلق الهاتف و لم ينتظر ردها، هى بالأساس لم تكن لترد عليه، فقد انحبس صوتها من فرط الحسرة و الألم و ارتمت على الفراش و بكت حتى فقدت وعيها، فأى مرار ستتحمل، مرارة فقدانها لحبيب عمرها و مالك قلبها، أم مرارة فقدها لنعمة الإنجاب.
بينما ريان جلس بأقرب مقعد له فى غرفته، و دفن رأسه بين كفيه، مكفهر الملامح، و أعصابه تالفة، لا يصدق بعد ما سمعه بأم أذنيه من معشوقته و حبيبة طفولته و مراهقته و بلوغه...أبعد كل تلك السنوات اكتشفت أنه مجرد تعود؟!..أى منطق هذا الذى تتحدث به!!..يعلم بل هو متأكد أنها ليست تلك الفتاة الطائشة متقلبة المزاج...إذن ماذا دهاها!!..و ما بال قلبها!!...هل فقدت صوابها أم أن أصابها السحر..لقد كاد أن يجن من كثرة التفكير إلى أن اهتدى لأن يبدل ملابسه لطاقم رياضى و خرج من السكن و ركض بالشوارع بأقصى ما يملك من سرعة فى ذلك الجو قارص البرودة، فقد كانت درجة الحرارة بتلك الليلة لا تزيد عن درجة او درجتين، و لكن صدمته فى أحب مخلوق لقلبه أفقدته الإحساس بهذا البرد القارص، لا يشعر سوى بصقيع كلماتها التى لحفت قلبه حتى تجمد من برد مشاعرها، ركض وسط ظلام الشتاء الدامس ليفرغ فيه غضبه المستعر بص*ره كالجحيم، حتى أعياه الركض و عاد أدراجه إلى سكنه و منه إلى غرفته و ألقى بجسده بإعياء شديد على الفراش و غط سريعا فى النوم.
و فى مكان آخر، كانت ملك قد استعادت قدر كبير من عافيتها فى خلال هذا الشهر، حيث تم فصلها من كافة انواع أجهزة التنفس، فقط تستنشق الأ**جين مرة او مرتين خلال اليوم، كما أنها بدأت تتعافى تدريجيا من الأثار الجانبية لجهاز التنفس الاصطناعي.
ما زالت فاقدة للذاكرة، و ليس لها صلة بهذا العالم بما فيه إلا من خلال أبيها و الدكتور عامر و الدكتور چوناثان الذى تَبنى حالتها، و بعض الممرضات بالمشفى و معلم اللغة الألمانية، و ها هى تجلس بفراشها ممسكة بإحدى المجلات الألمانية تحاول قرائتها لتختبر مدى تقدمها فى إتقان اللغة، إلى أن ظهر أمامها نص رومانسي حزين ترجمته:
ما لىَ لا أنساكِ
فى كل الوجوه أراكِ
ذكراكِ تلازمنى كالهواء الذى أتنفسه
صوتك يدوى بأذنيا و بكل مكان أطللتى عليه.
طيفك يطاردنى حيثما أذهب.
و كلماتك تدغدغنى و تبث النشوى بقلبى المشتاق
أين انتِ..أبحث عنكِ..أناد*كِ
كم قسى قلبك فلا تجيبننى
تركتينى ألهث خلفكِ من كثرة البحث عنكِ
رجاءا عودى و لن أعاتبك..
فقط عودى...عودى و حسب..
ما إن انتهت من قراءة ذلك النص حتى بدأ يراودها ذلك الحلم الذى لازمها طيلة فترة الغيبوبة و حتى بعد استفاقتها، لم يتركها بعد، فحانت منها ابتسامة هائمة لا تعرف سببها، و لكن البسمة هى من رسمت نفسها على ثغرها رُغماً عنها، فدلف عليها أبوها فى تلك اللحظة و تعجب من تلك البسمة الحالمة فأخرجها من شرودها متسائلا بدهشة:
ــ يا ترى ايه سر الإبتسامة الجميلة دى؟!
أجابته بتعجب من حالتها و قالت:
ــ هتصدقنى يا بابا لو قولتلك مش عارفة...بس فى حلم بيتكرر معايا كتير أوى لما افتكرته لقيت نفسى مبتسمة كدا..
سألها بترقب:
ــ طاب و ايه الحلم دا؟
زاغت عيناها فى الفراغ بشرود و كأنها ترى الحلم أمام عينيها و تصفه، فقالت:
ــ دايما بشوف شاب طويل كدا و مش مليان أوى، ملامحه مش واضحة أوى، مش شايفة منه غير شعره الأ**د الناعم و غمزات بتظهر لما بينادى عليا..أنا واقفة قدامه بس مش شايفنى و بينادى عليا بعلو صوته و أنا برد عليه بقوله أنا هنا قدامك و هو بردو مش سامعنى..نفسى أعرف مين الشاب دا يا بابا..
جف حلقه و توترت أوداجه، و ازدرد ل**به بصعوبة مجيبا بتوتر:
ــ مش عارف يا ملك...هيكون مين يعنى؟!...أنا حكتلك قبل كدا على عمك و ولاده و مراته، بس علاقتك بيهم كانت عادية...يعنى زى الإخوات..
هزت رأسها بإحباط و خيبة أمل ثم قالت:
ــ يمكن مجرد هلوثة من الأجهزة و الضغط اللى كنت فيه...مش كدا؟!
أجابها بارتباك:
ــ ها...اه اه أكيد طبعا..
شردت مرة أخرى فى صورة تلك الشاب، كما لو كانت تتمنى أن يطمئنها أبوها بأن له وجود فى حياتها، فهى قد أحبته بل عشقته فقط من خلال منامها و أحلامها، تود لو كان حقيقيا فحتما ستكتمل سعادتها بهذا العالم الجديد الذى دلفته حديثا فقط منذ شهرا واحدا...
يتبع.....
مع تحياتي / دعاء فؤاد