اثناء انتظارهم على مقاعد الانتظار اخذ سفيان والده و نزلا بحجة احضار وجبة إفطار لهم، و ما ان خرجا من المشفى حتى قال له بأسى:
ــ و بعدين يا بابا...احنا هنسيب عمى لوحده فى بلد غريبة فى ظروف زى دى...معقول هيدفنها من غير ما نشوفها و نودعها...بالله عليك يا بابا اتصل بيه تانى يمكن يكون فتح تليفونه خليه يحاول يجيبها يدفنها هنا...على الأقل يكون ليها قبر نزورها عنده و ندعيلها و نفتكرها كل ما نروحلها...
هز رأسه بيأس قائلا:
ــ يابنى أنا مبطلتش رن عليه من ساعة ما قفل معايا...و رنيت على تليفون ملك و الاتنين مقفولين...يا ريتنى أقدر أعرف عنوانهم بالظبط كنت اتصرفت و روحتله...الله يكون فى عونه دلوقتي..زمان مفيش فيه دماغ لينا علشان يكلمنا...ربنا يصبره و يصبرنا و يتولاه هناك برحمته..
ــ يعنى إيه؟!..هنفصل قاعدين كدا مكتفين ايدينا و مش عارفين عنهم حاجة؟!..
ــ فى ايدينا ايه نعمله يابنى..نصيبه كدا بنته تموت فى الغربة..
قبض سفيان على رأسه بغيظ و غضب و هو يقول:
ــ اااه يا ملك...عمرى ما كنت أتصور إن يوم موتك هتكونى بعيدة عنى، حتى مش قادر أودعك و لا أدفنك و لا أشيل نعشك على كتافى..
ربت أبوه على كتفه بمواساة قائلا:
ــ وحد الله يابنى...كل حاجة بتحصلنا مقدر و مكتوب...و محدش عارف الخير فين...و أكيد ربنا له حكمة فى كدا...
أخذ يمسح على وجهه و هو يستغفر ربه و يقول:
ــ و نعم بالله...يا رب هون علينا يا رب..
بعد قليل عادا و بأياديهم أكياس الطعام، فوجدهم كما تركهم جالسين بالمقاعد، و ما إن خرجت أميرة من غرفتها، حتى سمعوا صراخها و هى تنادى باسم شقيقتها و تقول:
ــ دالياااا...ماماااا...مامااااا
ركض الجميع بهلع و رهبة خشية ان يكون قد أصابها مكروه او تذكرت أحداث تلك الليله السوداء، و كانت داليا أول من وصل لها و أخذتها بين أحضانها و هى تربت على ظهرها بحنان و تهدهدها برفق و سلمى تبكى بعويل و هى تقول:
ــ أنا حصلى ايه يا داليا؟!..شالولى الرحم ليه..ليه...ضيعتونى منكم لله...حرمتونى من الخلفة للأبد...شيلتوه ليه...ااااه...
انف*جت شفتيها لتتحدث إلا أن سفيان اقترب منها سريعا و أشار لـ داليا بألا تتحدث و وجه حديثه لـ سلمى قائلا:
ــ اهدى يا سلمى...و الله غصب عننا...العربية دخلت فيكى جامد و عملتلك نزيف شديد من الرحم و الدكاترة مكانش قدامهم غير انهم يشيلوا الرحم، قبل ما دمك يتصفى و تموتى..
أجابته ببكاء و نحيب:
ــ كنتوا سيبونى أموت....الموت أهون من اللى أنا فيه دلوقتي...ااااه يا ريان......يا ريتنى كنت مت يا ريان قبل ما يحصلى كدا..
اقتربت منها عفاف و قالت بإشفاق و مواساة:
ــ يا بنتى حرام عليكي اللى انتى بتعمليه فى نفسك دا...استغفرى ربك و ارضى بنصيبك يا حبيبتى..
جففت عبراتها و أخذت تستغفر الله و تسأله الصبر، و فى تلك الأثناء رن هاتف داليا برقم ريان، و ما إن رأت إسمه حتى امتعضت ملامحها بأسى و أحست بسكين يقطع بقلبها و لكنها لم ترد، سألتها سلمى بترقب و هى ما زالت تبكى:
ــ مين يا داليا..
ــ ها...ممفيش..دا..دى سما صاحبتى..
رن الهاتف مرة أخرى، فدسته فى جيبها و تجاهلته..
و لم تمر دقيقة واحدة حتى رن هاتف سفيان برقم ريان، فنظر للهاتف و هو يراقب تعابير وجه سلمى التى كانت تتطلع له بتوجس و كأنها تعرف هوية المتصل، فسألته بجدية:
ــ دا ريان...صح؟!
سكت سفيان و لم يقوى على الرد، فأردفت سلمى بجدية يشوبها الحزن و الحسرة:
ــ إوعى تقوله حاجة يا سفيان...خليه يركز فى دراسته و منحته اللى كان بيتمناها من زمان...بالله عليك اوعى تغلط و تقوله...
أجابها بملامح حزينة:
ــ زمانه قلقان عليكي دلوقتى...أكيد رن على موبايلك كتير و لاقاه مقفول لأنه تقريبا كدا ضاع فى الحادثة..
علت شهقاتها و قالت بنبرة أليمة مزقت نياط قلوبهم:
ــ قوله إنى موبايلى ات**ر و الشريحة اتحرقت و أنا دلوقتي فى نبطشية و طمنه عليا..
هز رأسه بأسى ثم قال:
ــ طاب دا اللى هقوله النهاردة...طاب و بكرة و بعده و بعده...كدا كدا هيعرف يا سلمى..
أجابته بصراخ و انفعال:
ــ لااا...ريان لو عرف أنا هموت نفسى...ايوة هموت نفسى...أنا بقولكم أهو...
جذبتها أمها إلى أحضانها سريعا و هى تقول ببكاء:
ــ خلاص يا حبيبتى محدش هيقوله...بس اهدى علشان الجرح ميتفتحش...اهدى يا بنتى...
أبعدت نفسها عن حضن أمها ثم دارت بعينيها فى وجوههم جميعا و قالت بملامح جامدة:
ــ يكون فى علمكم كلكم....أنا هفسخ خطوبتى من ريان..
لطمت فاطمة ص*رها بكف يدها بصدمة و نظر لها الجميع بملامح مشدوهة من سرعة حسمها لهذا القرار، ثم استرسلت سلمى بنفس النبرة:
ــ ريان مالوش ذنب فى إنه يتحرم من الخلفة طول حياته..و أنا مش هكون مرتاحة و أنا عايشة معاه بالوضع دا...
رد سفيان بجدية:
ــ المفروض تسيبيله هو الإختيار يا سلمى..
ردت بعصبية مفرطة:
ــ و أنا مش هستنى لما يرفضنى و ي**ر قلبى للمرة التانية...و فى نفس الوقت مش هقبل منه تضحية و لا شفقة لو كمل فى جوازه منى....أحسن حل إنى أفسخ الخطوبة بأى حجة غير إنه يعرف....فاهمين؟!..أنا لو شوفت ف عينه نظرة شفقة ليا بعد ما كانت حب مش هسامحكم أبدا...مش هتحمل منه كدا...أنا بتكلم بجد..ريان لو عرف اللى حصلى هموت نفسى..
قالت كلماتها الأخيرة و هى تبكى بحسرة و مرارة، فربتت داليا على ظهرها قائلة:
ــ خلاص يا سلمى...ان شاء الله محدش هيقوله و اللى انتى شايفاه صح اعمليه يا حبيبتى...أهم حاجة عندنا انك تقومى بالسلامة و نفسيتك تهدى كدا و ترتاح...
شردت بعينيها الباكيتان فى الفراغ ثم قالت:
ــ هرتاح...مسيرى هرتاح...الأيام كفيلة إنها تداوى جروحنا...بس هى تعدى بسلام...
بينما على الجانب الآخر عند ريان...
يجلس فى الجامعة فى إنتظار محاضرته، و كأنه جالس على جمر، فمنذ ليلة أمس و لم تفتح سلمى رسائله التى أرسلها لها عبر الواتساب، حتى داليا لا تجيبه، حتى اشتد قلقه عليها فاضطر إلى أن يتصل بشقيقه سفيان، لم يرد بالمرة الأولى، فأعاد الإتصال به، و أجابه تلك المرة بنبرة حاول قدر الإمكان أن تكون عادية قائلا:
ــ ازيك يا ريان عامل ايه يا حبيبي؟!
ريان:
ــ أنا تمام الحمد لله...انتوا عاملين ايه؟!
سفيان بقلق داخلى:
ــ احنا كلنا تمام و الحمد لله..
ريان بترقب:
ــ سفيان هى سلمى كويسة؟!...انا بتصل عليها من امبارح و موبايلها مقفول، حتى داليا مبتردش عليا...
أغمض سفيان عينيه بألم داخلى ثم أجلى حنجرته لتخرج نبرة صوته طبيعية و قال:
ــ اه سلمى موبايلها وقع منها و ات**ر و الشريحة اتحرقت...بس هى دلوقتي فى شغلها و مش معاها موبايل..
سأله باستغراب:
ــ طاب داليا ماردتش عليا ليه و قالتلى الكلام دا؟!
سفيان:
ــ مش عارف...يمكن ماسمعتش رنة الموبايل..
تن*د ريان بقلق ثم قال:
ــ طيب يا ريت تكلم داليا و تخلى سلمى تكلمنى على موبايلها لما ترجع من الشغل...تمام؟!
رد سفيان و قلبه يبكى دما لأجلهما:
ــ حاضر يا ريان هكلمها و أقولها..
ريان:
ــ متعرفش حاجة عن ملك؟!
وقفت غصة مريرة فى حلقه على ذكر إسمها، فابتلعها بصعوبة و أجابه بصوت متحشرج:
ــ ملك اتوفت إمبارح يا ريان..
شهق ريان بصدمة و قال بذهول:
ــ لا إله إلاّ الله...إنا لله و إنا إليه راجعون..طاب هتدفن فين؟!
أجابه بحزن بالغ:
ــ منعرفش...من ساعة ما عمى قال الخبر لـ بابا و تليفونه مقفول و مش عارفين نوصله..الله أعلم ان كانت اندفنت و لا لسة.
ريان بعدم تصديق:
ــ طاب ازاى بس ميكلمكوش تانى يعرفكم هو هيعمل ايه...يمكن محتاج حد معاه...لا حول و لا قوة إلا بالله..
سفيان:
ــ ربنا يتولاه هناك..
ريان:
ــ شد حيلك يا سفيان...أنا حاسس بيك يا خويا..ربنا يصبر قلبك على فراقها..
تن*د بعمق قائلا:
ــ الحمد لله ربنا مصبرنى فعلا...أنا كان بيتهيألى ان ملك لو ماتت إنى هموت وراها...بس ادينى واقف أهو على رجلى و بكلمك...ربنا يثبتنى على الصبر دا...خايف من كتر الضغط و الكبت إنى أنهار يا ريان.
ريان:
ــ ربنا يربط على قلبك يا رب...مركب الحياة سايرة مبتقفش على حد و بكرة هتنساها و هتبقى مجرد ذكرى..
رد سفيان بقهر دفين:
ــ مش عارف هقدر أنساها و لا لأ
ريان:
ــ هتنساها و يمكن كمان تحب غيرها...
سفيان بنبرة معذبة:
ــ ما أظنش هحب غيرها يا ريان...
تن*د بألم ثم قال بجدية:
ــ كفايه عليك كدا.. المكالمة الدولية غالية..
ريان:
ماشى يا حبيبى... أصلا المحاضرة شكلها ابتدت، هسيبك أنا دلوقتي..
سفيان:
ــ ماشى يا حبيبى مع السلامة..
ــ سلام..
فى مساء نفس اليوم، أرسلت سلمى رسالة إلى ريان عبر تطبيق الواتساب تخبره بأن يحادثها عبر هاتف داليا عندما يُتاح له ذلك...
لم يكد يمر ساعة على إرسالها لتلك الرسالة حتى رد عليها كاتبا:
ــ سلمى... عاملة ايه؟
كان الهاتف فى يدها فى تلك اللحظة، و ما إن وصلها صوت الرسالة حتى فتحتها بأصابع مرتعشة و قلب ذبيح، و ها هى تخطو أولى خطواتها فى طريق إفتراقهما، فكتبت و الدموع تتلألأ فى عينيها:
» أنا كويسة
» انت اللى عامل ايه
ابتسم بهيام و كتب:
ــ أنا تمام
ــ كنت قلقان عليكي أوى.
» أنا كويسة متقلقش.
ــ وحشتيني أوى
ــ امبارح عدى عليا كأنه سنة
ــ علشان بس مكلمتكيش
» معليش أكيد سفيان قالك
ــ أيوة قالى
» كلمنى على موبايل داليا لحد ما أشترى
واحد جديد.
ــ ماشى
» انا هقفل دلوقتي لانى كنت ف نبطشية
و جاية تعبانة..
أصابته تلك الكلمات بالصدمة و الذهول، فطيلة الستة أشهر الماضية لم تكتب له ذلك قط، لم تشكو مرة من إرهاق أو تعب أثناء محادثاتهما الكتابية، بل على الع** تماما، فكم من مرة أشفق عليها و طلب منها إنهاء المحادثه لكى تستيقظ مبكرا لعملها و هى من كانت ترفض بشدة، كانا ينهيان المحادثة بحنين و إشتياق و كأنهما لم يجرياها من الأصل...
انتظرت رده و لكن طال إنتظارها، فأدركت أن ذلك الأسلوب الجديد قد أصابه فى مقتل، و أنها نجحت فى أولى خطواتها نحو الفراق..
كتب بغضب مكتوم:
ــ ألف سلامة عليكي
ــ تصبحى على خير
انتظر أن تصحح قصدها او تعتذر إلا أنها خيبت أمله حين أنهت المحادثة نهاية صادمة فكتبت:
ــ الله يسلمك
ــ و انت من أهل الخير..
أغلق الهاتف و ألقى به بعنف على الفراش، و نيران الغضب تكاد تفتك به، اصتك أسنانه من الغيظ، و كور قبضة يده و ض*ب بها الحائط بعصبية وهو يتنفس بلُهاث من فرط الإنفعال، و لكن سرعان ما أخذ يُقنع نفسه بالهدوء و إلتماس الأعذار لها، ثم حدث نفسه بهدوء مُنافى لما يختلج بص*ره من بركانٍ ثائر:
ــ اهدى يا ريان...اعذرها يمكن تكون فعلا تعبانة و مش قادرة تكتب او حتى تتكلم...ايوة هو كدا..
بينما سلمى أعطت الهاتف لـ داليا، ثم بكت بعويل و حسرة حتى انقطعت أنفاسها و حُبس صوتها من ضراوة البكاء و شدته، فأخذتها شقيقتها بين أحضانها و ظلت على هذا الوضع لفترة لا بأس بها إلى أن ثَقُلت رأسها على ص*رها و نامت من فرط التعب و الألم، و داليا تربت على ظهرها بقلب منفطر و عينين حزينتين.
مر أسبوع كامل على هذا المنوال...
ريان يراسل سلمى عبر هاتف داليا و فى كل مرة تُنهى المحادثة سريعا بأسباب مختلفة، حتى كاد أن يُجن من أفعالها الغريبة بالنسبة له، و تقلًُباتها التى تزداد سوءا شيئا فـ شيئ.
كان الدكتور حسام يتابع حالة سلمى حتى ارتبط ذهنه بها، و أصبحت تحتل جل إهتماماته، و تستحوذ على جزء كبير من تفكيره، أعجب كثيرا بصبرها على مصابها، و ثباتها الإنفعالى رغم قسوة ما حدث معها، إلى أن تحول إعجابه بها إلى حب يُكنه لها فى قلبه، حتى أنه كان يخترع الأسباب للذهاب إلى غرفتها و الإطمئنان عليها، و مناقشتها فى مواضيع شتى، فقد خفف عنها كثيرا مدة الأسبوع الذى مكثته فى المشفى..
أما سفيان ساءت حالته كثيرا، فكلما تخيل أن ملك قد فارقت الحياة دون أن يودعها، أو يدفن جثمانها أو يصلى عليها صلاة الجنازة، ينشطر قلبه حسرة عليها و على حاله بدونها، كما أنه لم ينفك هو أو والده عن الإتصال بعمه و لكن ما زالت هواتفهم مغلقة إلى أن يئِسوا و سلموا أمرهم إلى الله.
فى بداية الأسبوع التالى...
كان إبراهيم مريضا فى ذلك اليوم، فطلب من سفيان أن يتولى هو العمل بمحل الأقمشة خاصتهم بعد عودته من الكلية، على أن يلتزم أبوه المنزل حتى يرتاح...
رن هاتف إبراهيم برقم شقيقه إسماعيل، فلم تسعه الفرحة و أجابه سريعا بلهفة:
ــ ألو...أيوة يا اسماعيل..ازيك يا حبيبى عامل ايه لوحدك فى الظروف دى..
أجابه بابتسامة واسعة:
ــ أنا الحمد لله زى الفل يا أبو ريان...اعذرنى يا أخويا إنى سيبتك قلقان عليا أسبوع بحاله..
تعجب من نبرة صوته الفرحة و سأله بتوجس:
ــ إيه اللى حصل من ساعة ما التليفون اتقفل...طمنى أنا هتجنن من القلق و التفكير فيك انت و ملك..
رد بحماس و سعادة:
ــ مش هتصدق يا إبراهيم اللى حصل...ساعة ما كنت بكلمك لقيت الدكاترة و الممرضات بيجروا على قوضة ملك، واحدة منهم قالتلى ان قلبها وقف، و أنا انهارت و التليفون وقع من ايدى ات**ر ميت حتة، بس مفكرتش فى أى حاجة غيرها، و بعد ساعة بحالها من القلق و العياط، خرجلى الدكتور عامر اللبنانى و هو مبسوط و بشرنى إن ملك الحمد لله بتاخد نفسها من غير الجهاز و هتتفصل من عليه و هتتحط على جهاز أقل شوية، أنا الفرحة مكانتش سيعانى، و على آخر اليوم كانت اتنقلت قسم تانى كدا اسمه الرعاية المتوسطة، و قدرت أدخلها و أقعد جنبها فترات طويلة...طبعا الدكتور اللى بيدرس حالتها فى رسالته هو كمان فرح بالتقدم اللى حصل معاها و عرض عليا عرض مكنتش أحلم بيه..
قاطعه إبراهيم بذهول:
ــ عرض ايه دا يا أبو ملك؟!
استرسل بسعادة:
ــ عرض عليا شغلة كويسة غير شغلانة الشيال دى، و شقة حلوة، و كمان هو اللى هيتكفل بمصاريف المستشفى مقابل إنى أسيبها يكمل دراسته عليها و ما أرجعش مصر تانى..و أنا طبعا وافقت..
فغر فاه ابراهيم من الصدمة، حتى ظن أنه الآن بمجرد حلم، فقال اسماعيل بأستغراب:
ــ إبراهيم..انت ساكت ليه؟!
رد عليه بغيظ و غضب:
ــ الله يسامحك يا أخى..بقى سايبنا أسبوع بحاله عمالين نترحم على ملك و نعيط عليها؟!، و لا سفيان اللى كان هيجراله حاجة فى مخه من الزعل، و انت هناك هايص و عايش حياتك!!.
جحظت عيناه بذهول مردفا:
ــ نعم!!..تترحموا عليها؟!
أجابه بغيظ:
ــ أيوة يا سيدى..مانت آخر كلمة قولتهالى ملك ماتت..
هز رأسه بتفهم ثم أردف بجدية يشوبها بعضا من الحزن:
ــ على العموم اعتبرها ماتت يا إبراهيم...ملك فاقت النهاردة و الدكاترة اكتشفوا إنها فقدت الذاكرة...دى حتى مش فاكرانى..بس قولت الحمد لله إنها لسة عايشة و بتتنفس حتى لو مش فكرانى، و قولت يمكن خير...أصلا حياتها مكانش فيها ذكرى حلوة تفتكرها...كلها وجع و يُتم و مرض..أنا مش هرجع تانى يا إبراهيم و هبدأ من جديد مع ملك جديدة غير اللى انتوا تعرفوها..
رد عليه بترقب:
ــ طاب و سفيان اللى كان بيتمناها له من يوم ما حبها؟!
سكت لبرهة يفكر ثم قال بجدية:
ــ اسمع يا إبراهيم...سيب الكل مفكر انها ماتت بجد و متقولهوش انها فاقت...هى كدا كدا مش فاكراه، و دى فى حد ذاتها حاجة تحزن، و بعدين علشان على الأقل ميفضلش منتظرها و سيبه يكمل حياته و ينساها...أنا مش راجع مصر تانى و مش عايز سفيان يأثر عليا أو يتأثر هو بسفرنا و يعطل نفسه و حياته و هو بيستنانا...فهمت قصدي يا إبراهيم؟!
أجابه و هو يهز رأسه باقتناع:
ــ فهمتك...بس انت كدا بتحطنى فى موقف صعب أوى يا اسماعيل..سفيان لو عرف فى أى وقت ان ملك عايشة و أنا مخبى عليه، هيزعل منى جامد و الله أعلم ممكن يعمل ايه؟!
ــ و إيه بس اللى هيعرفه...ماهو مفيش حد غيرنا احنا الاتنين اللى عارفين...و أنا عن نفسي مش راجع تانى.
ــ طاب لو سألنى عليك تانى أقوله ايه؟!
ــ قوله إنى دفنت ملك فى ألمانيا و هستقر هناك و مش راجع تانى..
هز إبراهيم رأسه باستسلام و قلة حيلة قائلا:
ــ حاضر يا اسماعيل اللى تشوفه و ربنا يستر من اللى جاى..
أنهى اسماعيل المكالمة مع شقيقه، ثم عاد لحبيبته و قرة عينه و الإبتسامة تشق وجهه، و جلس بمقعد مجاور لفراشها و أدار دفة الحديث قائلا:
ــ عاملة إيه يا حبيبتى النهاردة..
أجابته بصوت ضعيف من التعب:
ــ الحمد لله كويسة...بس حاسة إن زورى متعور و بيوجعنى أوى لما أتكلم او أبلع ريقى..
ربت على كفها المستلقى بجوارها و طمئنها قائلا:
ــ متقلقيش يا حبيبتى...الدكتور عامر قالى إن الأنبوبة اللى كانت طالعة من الرئة و متوصلة بجهاز التنفس هتسيب أثر مكانها و ندبة هتاخد وقتها و هتروح ان شاء الله...فى أى حاجة تانية بتوجعك؟!
أجابته بوهن:
ــ صداع...صداع شديد و ص*رى بيوجعنى، دا غير إنى مش قادرة أفتكر أى حاجة خالص..
فى تلك اللحظة دلف الدكتور عامر و قد استمع لشكواها الأخيرة فألقى عليهما السلام ثم قال بابتسامة عريضة:
ــ ملك لازم تعرفى منيح إن أچهزة چسمك تعرضت لضغط فيسيولوچى كبير بسبب چهاز التنفس الاصطناعي، و بالأكيد إنها راح تتأثر بصورة أو بأخرى و إنك راح تعانى شوى من هاى الأثار لحتى تاخد مچراها و تروح، و بنصحك إنك ما تحاولى تضغطى على مخك و تتذكرى، لأنه بالأخير المخ بده راحة بعد ها الفترة العصيبة اللى مرأت عليه، و الحمد الله إن الذاكرة فقط ياللى تضررت من الچراحة، و ما فى شى خلايا تانى بالمخ اتعرضت للموت...موضوع الذاكرة شى سهل كتير بالنسبة للمخاطر التانية ياللى كان ممكن إنها تحصل..تمام ملك؟!
أومأت بضعف قائلة:
ــ تمام يا دكتور...
استرسل بعملية قائلا:
ــ هلا دكتور چوناثان راح يچرى عليكى الكشف المعتاد تبع الرسالة تبعه، بس هاى المرة إنتى فايقة و عم تشوفى كل شى، أنا راح احضر الكشف لحتى أترچملك الأسئلة ياللى راح يسألها لإلك...و إن شا الله راح يوفرلك معلم لحتى يعلمك اللغة الألمانية فى أقرب وقت..
اومأت ملك دون رد، بينما اسماعيل قال بسعادة بالغة:
ــ احنا بنشكر حضرتك جدا يا دكتور عامر...مش عارفين من غيرك كنا عملنا إيه...
اجابه بابتسامة ودودة:
ــ و لو يا زلمة...نحنا اخوات متل ما قولتلك من قبل...و الحمد الله على سلامة ملك..
على الجانب الآخر عند إبراهيم، أغلق الخط و قد أُلجم ل**نه من ذهوله و تلاعب الأقدار بهم، لقد اقتنع برأى شقيقه، فربما حياة ملك الجديدة التى ستبدأها هناك ستكون أفضل لها و لأبيها الذى عانى معها الأمرين و قضى بسببها اوقاتا عصيبة لا تُحتمل، فاصبح من حقه أن يفرح بشفائها و يصنع لها حياة جديدة كما يترائى له، خاصة و أنها لا تتذكر سفيان و لا ذكرياتها معه و لا أى أحد من أفراد عائلتها...إذن هو صائب الرأى.
جلس بفراشه يحاول لملمة شتات نفسه، و تنظيم أفكاره حتى لا يُخطئ أمام أحد و يكشف ذلك السر الذى إئتمنه عليه شقيقه، و أقر بقرارة نفسه أن سفيان أيضا لا بد أن يبدأ من جديد و يمحى ملك من ذاكرته، كما مُحِى هو من ذاكرتها.
يتبع....
مع تحياتي/ دعاء فؤاد