انتهت جلستهم بعد مدة ما، ثم ما لبث أن عاد كل منهم إلى منزله عدا سفيان فقد طلب منه عمه البقاء معهما قليلا...
جلس اسماعيل بجوار ملك و كان سفيان جالسا بكرسى بجوار الفراش، فأدار أبوها دفة الحديث قائلا لها متظاهرا بالمرح:
ــ عايزك بقى تشدى حيلك كدا و تنجحى السنادى علشان هنسافر ألمانيا سوا ف الأجازة.
قطبت جبينها متسائلة باستغراب:
ــ ألمانيا مرة واحدة يا بابا؟!
لم يستطع أن يذكر لها السبب فأشار برأسه لسفيان لكى يتحدث بدلا عنه فأومأ له و وجه حديثه لها قائلا بجدية:
ــ احم..عمى هيحجزلك فى مستشفى كويسة جدا يا ملك فى ألمانيا علشان تعملى عملية إستئصال للورم اللى فى المخ...الدكتور قال إن العملية أفضل ليكى على الأقل هتترحمى شوية من الكيماوى...أى نعم هتكملى بجلسات كيماوى بعد العملية بس هتبقى لفترة مؤقتة..
راحت تدير عينيها بينه و بين أبيها ثم قالت بقلق:
ــ أنا بخاف من سيرة العمليات أوى...لا أنا مش هعمل عملية..
أحاط أبوها كتفيها بذراعه و باليد الأخرى أمسك كفها و قبله و هو يقول بحنو:
ــ حبيبتى أنا قلبى بيتقطع مع كل كلمة آه بتطلع منك...نفسى تعيشى حياتك زى كل البنات اللى فى سنك..و أنا عندى أمل فى ربنا إنه هيجعل العملية دى سبب فى شفاكى ان شاء الله.
ازدردت ريقها بتوتر ثم سألته بتردد:
ــ طيب مين اللى هيسافر معانا؟!
ــ أنا و انتى بس..
ــ بس؟!
تعجب أبوها من أمرها، و لكن سفيان قد فهم أنها لا تريد أن تسافر حتى لا تبتعد عنه، فاسترسل يسأل عمه:
ــ أنا مستعد أسافر معاكم يا عمى...كدا كدا هنكون ف الأجازة و هكون خلصت امتحاناتى أنا كمان.
هز رأسه بأسف مجيبا باعتذار:
ــ مش هينفع يا سفيان...انت عارف يبنى التذكرة بكام؟!..دا غير الإقامة و مصاريف الأكل و الشرب...أبوك كتر خيره هيشترى نصيبى فى محل القماش و هبيع الأرض بتاعة المرحومة، و الفلوس اللى هجمعها يدوب هتكفى العملية و مصاريفنا هناك بالعافية...خليك يابنى مع أبوك ساعده فى المحل هو محتاجك أكتر منى..
رد عليه بإصرار و حزم:
ــ لا يا عمى...أنا مش هسيب ملك فى ظرف زى دا...و انت مالكش دعوة بمصاريفى أنا هتصرف..
اجابه بجدية:
ــ يابنى الله يهد*ك قولتلك مش هينفع...ربنا وحده اللى يعلم هنقعد هناك قد إيه...و وجودك معانا لا هيقدم و لا هيأخر...يعنى مصاريف على الفاضى و خلاص...
تن*د بقلة حيلة و نظر لملك فوجدها مطرقة الرأس فى حزن و عيناها مغرورقة بالدموع، فسألها بشجن:
ــ ما تقولى حاجة لبابا يا ملك...انتى مش عايزاني أسافر معاكم و لا إيه؟!
رفعت رأسها و نظرت له بعشق جارف ثم قالت:
ــ أنا نفسى طبعا تسافر معانا...بس بابا معاه حق و كلامه كله مظبوط..ان شاء الله هنروح و نرجع بسرعة و مش هنلحق نوحشكوا...
قالت عبارتها الأخيرة و هى تبتسم بأمل، فأجابها بابتسامة مطمئنة:
ــ إن شاء الله هترجعى و هتنورى الدنيا كلها يا ملك (قلبى)..قال الكلمة الأخيرة فى نفسه و هو يطالعها بحب مختلط بلمحة من الحزن و الشجن، بينما هى اتسعت ابتسامتها و قالت بحماس:
ــ أنا بقيت كويسة دلوقتى الحمد لله...مش هنكمل درس الفيزيا بقى؟!
رد أبوها قائلا:
ــ ارتاحى يا حبيبتي دلوقتى و بكرة ان شاء الله اعملى اللى انتى عايزاه.
رد سفيان مؤيدا:
ــ عمى معاه حق...هعدى عليكى بكرة ان شاء الله بعد ما أخلص محاضراتى.
أومأت بالإيجاب و جلس قليلا يتحدثون فى أحاديث شتى ثم استأذن و انصرف إلى منزله...
فى صباح اليوم التالى...
ألتقت داليا بـ سفيان فى الكلية و قبل بدء المحاضرة الأولى جلست بجواره بالمدرج و أدارت دفة الحديث قائلة:
ــ صباح الخير يا سفيان.
ــ صباح النور يا داليا
تنحنحت ثم سألته بجدية ممزوجة بغيرة:
ــ ملك عاملة إيه النهاردة؟!
تن*د بحزن ثم قال بشجن:
ــ زى ما سيبتيها امبارح...هعدى عليها بعد الكلية علشان أكملها الدرس بتاع امبارح و يا رب ألاقيها كويسة النهاردة..
أطرقت رأسها حتى لا يرى الغيرة الواضحة بعينيها و قالت:
ــ ربنا يشفيها يا رب..
ــ يا رب يا داليا...ادعيلها.
ــ بدعيلها يا سفيان و ربنا يعلم بتمنى إن ربنا يخفف عنها الألم اللى هى فيه...
سكتا لبرهة ثم استرسل سفيان حديثه بنبرة عاتبة قائلا:
ــ على فكرة أنا زعلان منك يا داليا..
شهقت بخفوت و سالته باستنكار:
ــ مني أنا؟!..ليه؟!
اجابها بهدوء و رزانة:
ــ مزعلة طنط فاطمة ليه؟!..كل ما يجيلك عريس كويس ترفضيه و تطلعى بميت حجة و سبب...
تحولت ملامحها للغضب و التجهم و أجابته بحدة:
ــ و الله دا شيئ ميخصكش...انت مش ابويا عشان تكلمنى بالطريقة دى..
رد بحدة و انفعال:
ــ لا يخصنى يا داليا...أبوكى الله يرحمه موصينا عليكم، صحيح مفيش بينا صلة قرابة و لا دم، بس بينا جيرة و عشرة عمر و ياما كلنا مع بعض عيش و ملح...و متنسيش إن ريان أخويا يبقى خطيب سلمى أختك، يعنى احنا نسايب كمان..
ابتلعت تلك الغصة المريرة التى تكونت بحلقها ثم قالت و هى مشيحة بوجهها بعيدا عنه:
ــ أنا لسة صغيرة و قدامى سنة كمان على ما أخلص الكلية..
ــ دى مش حجة مقنعة على فكرة يا داليا...
سكت لوهلة ثم تن*د بعمق و قال بنبرة حانية هادئة:
ــ داليا أنا بحب ملك و كلكم عارفين كدا...بلاش تعلقى نفسك بيا..فكرى كويس و بالعقل و اركنى قلبك على جنب، لأن انتى كدا هتتعذبى، و لو ناوية تستنينى هتستنى كتيير أوى...لأنى مش ناوى أتنازل عن ملك مهما كانت حالتها...فاهمانى يا داليا؟!
نظرت له بعينين مشتعلتين بالغيرة و الغضب ثم قالت بحدة:
ــ انت عارف إن ملك متنفعش للجواز بالمرض اللى عندها دا و مع ذلك عندك أمل تتجوزها و..
قاطعها بحدة و غضب:
ــ ملك هتخف...ان شاء الله هتخف و هترجع زى الاول و أحسن و أنا هستناها لما تبقى كويسة و تسترد صحتها، ان شالله أستناها العمر كله.
طالعته بحزن و قهر دفين ثم هبت من جانبه و غادرت المدرج بالكامل بخطوات غاضبة.
بينما هو شرد بذهنه فى مليكة قلبه، فكل خلية بجسده ترفض فكرة افتراقهما بسبب مرضها، يُمنى نفسه دائما بتمام شفائها، و أنه حتما سيحصل عليها مهما اشتد بها المرض أو طال.
خرجت من المدرج و هى تبكى فاصطدمت بصديقتها سما، و ما إن رأتها حتى احتضنتها و ازداد نحيبها أكثر و الأخرى تربت على ظهرها و تهدئها إلى أن هدأت قليلا وأخذتها سما من كفها و سارت بها إلى أحد المقاعد أمام مبنى الكلية و جلسا سويا، فأدارت دفة الحديث قائلة بهدوء:
ــ ها قوليلى يا ستى إيه اللى مزعلك؟!
كفكفت داليا عبراتها و قصت لها الحديث الذى دار بينها و بين سفيان منذ قليل و ختمت حديثها قائلة:
ــ الدكاترة أجمعوا إنها صعب جدا تتجوز لأن حالتها شبه متأخرة و جلسات الكيماويّ مأثرة على كل أعضاء جسمها و هو عارف الكلام دا كويس، و مع ذلك متمسك بيها و عنده أمل يتجوزها..
سكتت لوهلة تستوعب حديثها و أحست بالشفقة تجاه ملك ثم حدثتها بجدية:
ــ معذور بردو يا داليا..بصراحة الله يكون في عونها..إذا كان أنا لا شوفتها و لا أعرفها و صعبت عليا ما بالك بيه هو بقى...
ــ أنا كمان زعلانة علشانها.. بس نحكم عقلنا شوية بقى يا سما...هو عارف ان انا بحبه و برفض الجواز بسببه و كمان عارف إن ملك مش هتتجوز أبدا...يبقى ليه يقولى الكلام دا...طاب حتى يدينى أمل إنه ممكن يفكر فيا..
سكتت سما لوهلة تفكر فى طريقة لتساعدها بها إلى أن واتتها فكرة فابتسمت قائلة بحماس:
ــ طاب بصى.. أنا هكلم أكرم خطيبى و أحكيله على القصة دى و أخليه يقنعه بيكى و يمحى الأمل اللى جواه من ناحية بنت عمه دى...انتى عارفة إنهم أصحاب جدا و سفيان بياخد رأيه ف حجات كتير بحكم إنه أكبر منه، و أكرم أصلا عنده طريقة ف الإقناع حلوة جدا...ها إيه رأيك؟!
تجدد الأمل بداخلها و أومأت بموافقة و هى تقول:
ــ يا ريت يا سما..لو حصل و قدر يقنعه مش هنسالك الجميل دا أبدا..
ــ طيب تعالى بس ندخل الاول نلحق المحاضرة و بعدين لما أروح أكلمه على ما يكون روح من المدرسة هو كمان..
فى منزل داليا...
يجلس ريان فى غرفة الجلوس و معه فاطمة والدة سلمى، فدخلت سلمى و بيدها صينية عليها أكواب الشاى و بعض قطع الكعك و قدمتها له ثم جلست فى المقعد المقابل له، فأدار هو دفة الحديث قائلا بسعادة:
ــ أنا جيت النهاردة علشان افرحكم بالخبر اللى كنت مستنيه من زمان..
ردت سلمى متسائلة بترقب:
ــ قول إن إسمك جيه فى البعثة...صح؟!
أجابها بابتسامة واسعة:
ــ صح..
أطلقت فاطمة زغرودة مدوية ضحكا على إثرها كل من ريان و سلمى، ثم قالت له بسعادة:
ــ ألف ألف مب**ك يبنى...عقبال ماشوفك معيد قد الدنيا..
رد بسعادة عارمة:
ــ الله يبارك فيكى يا طنط...ربنا يسمع منك يا رب.
بينما سلمى قالت بسعادة عارمة:
ــ الف مب**ك يا ريان...الحمدلله ان ربنا مضيعش تعبك..قولى بقى هتسافر امتى و فين و هتقعد هناك قد ايه و هتنزل أجازات امتى و....
قاطعها ريان قائلا بسخرية:
ــ حيلك حيلك...ايه يا بنتى الأسئلة دى كلها..خدى نفسك شوية..
اخذت نفسا عميقا ثم قالت بمرح:
ــ أهو....جاوب بقى..
ضحك على مرحها و خفة روحها ثم قلب ملامحه للجدية قائلا:
ــ البعثة يا ستى هتكون فى جامعة ليفربول البريطانية تبع كلية التجارة، و هسافر مع جروب من طلبة من مختلف جامعات مصر بعد أسبوع بالظبط، و المنحة مدتها سنة متواصلة مفيش فيها أجازات...بس كدا..
ردت سلمى بحزن:
ــ ياااه...سنة كاملة يا ريان من غير ما شوفك؟!
تدخلت فاطمة فى الحوار قائلة بجدية:
ــ معليش يا سلمى...دا مستقبله يا بنتى و لازم نضحى شوية علشان يوصل للمكانة اللى بيتمناها..
رمقها بابتسامة ممتنة ثم قال:
ــ الله ينور عليكي يا طنط فاطمة...ثم نظر لـ سلمى بعشق بالغ قائلا:
ــ ربنا بعلم إنى على قد ما أنا فرحان إنى أخيرا هطلع المنحة دى، على قد ما أنا زعلان إنى هفضل سنة كاملة بعيد عنك...هتوحشيني من كل قلبى...
كادت سلمى أن ترد إلا أن فاطمة تنحنحت و هى ترمقهما بتحذير قائلة:
ــ احم احم نحن هنا...
رد ريان بحرج:
ــ احم...لا مؤاخذة يا طنط...
ابتسمت بحنان قائلة:
ــ و لا يهمك يا حبيبى...تروح و ترجعلنا بألف سلامة يا رب..
ــ ربنا يخليكى لينا يارب..ها يا سمسمتى...عندك نبطشية بالليل؟!
اومأت بالإيجاب دون رد فأردف قائلا بملامح ممتعضة:
ــ و الله أنا مضايق جدا من وظيفة التمريض دى علشان السهر بالليل...لو تكون بالنهار بس!!
أجابته بهدوء و إقناع:
ــ طاب و مين اللى هيخلى باله من المرضى بالليل بقى لو روحنا بالنهار بس؟!
هز رأسه بقلة حيلة قائلا بضيق:
ــ أنا بكون قلقان عليكي جدا يا سلمى...و خاصة بقى لما أسافر...طاب أنا اللى بوصلك المستشفى بالليل...مين بقى هيود*كى و أنا مسافر؟!
أجابته بابتسامة مطمئنة و قالت:
ــ متقلقش عليا يا ريان...هبقى أظبط نبطشيتى مع واحدة من صحباتى اللى بيتهم قريب منى و نروح سوا..
أجابها بت**يم:
ــ بس بردو هقلق عليكى..
ردت فاطمة لتنهى الحوار بذلك الأمر:
ــ متخافش عليها يابنى، سلمى بميت راجل و ربك هو الحافظ...ان شاء الله هيحفظها من كل شر..
تن*د بقلة حيلة مجيبا:
ــ يا رب يا طنط...ربنا يستر...طاب أنا همشى دلوقتي علشان أبلغ العيلة و افرحهم...انا جيت من الجامعة على هنا علطول علشان أفرح سلمى و تكون هى أول واحدة تشاركنى فرحتى...و هعدى عليكى على ميعاد النبطشية يا سمسمتى...
ابتسمت بسعادة بالغة و طالعته بعشق جارف ثم أوصلته إلى الباب و انصرف...
أنهى سفيان محاضراته و اخذ طريقه إلى منزل عمه متلهفا لرؤيتها و الإطمئنان عليها و بمجرد أن وصل و فتح له عمه باب المنزل سأله بلهفة:
ــ ها يا عمى؟!...ملك عاملة إيه النهاردة؟!
ابتسم بارتياح قائلا:
ــ الحمد لله يا بنى أحسن من امبارح كتير..
تن*د براحة قائلا بابتسامة فرحة:
ــ طاب الحمد لله...أنا جيت علشان أكملها الدرس بتاع امبارح
ــ ادخل يا حبيبى استناها فى الأنتريه و أنا هبعتهالك..
دلف سفيان و اتخذ مقعده المقابل للمنضدة فى انتظارها و بعد دقائق أطلت عليه بابتسامتها الرقيقة و خطاها الحَيِيّة، و من ثم اتخذت مقعدها المقابل له بعدما ألقت عليه السلام..
راح سفيان يتأملها بعشق جارف، فرغم إندثار جمالها الذى قضى عليه ذلك المرض الخبيث، إلا أن جمالها لم ينقص فى عينيه مثقال ذرة، بل إن تعلقه بها يزداد كلما ازداد شحوبها، يغوص بخضار عينيها الباهت و كأنها دوامة تجذبه لأعماقها حتى تبتلعه...طال تأمله لها حتى أخجلها، ف*نحنحت حتى تنبهه، فحمحم بحرج و هو يقول بابتسامة هائمة:
ــ عاملة ايه النهاردة يا ملك؟!
اجابته برقة و خجل:
ــ الحمد لله يا مستر أحسن..
ــ تمام...نبدأ الدرس؟!
ــ اممم يا ريت...
أطاحت تلك الكلمة بنغمة صوتها الرقيقة بالبقية المتبقية من ثباته و ازدادت ابتسامته اتساعا و قال لها بمرح:
ــ لا و حياة أبوكى...اخشنى كدا علشان أعرف أركز فى الشرح...اركنى الرقة دى على جنب دلوقتى..
لم تستطع كبت ضحكتها و تركت لها العنان حتى توقفت بشق الأنفس و قالت له بجدية:
ــ عارف يا مستر...انت الوحيد اللى بتخلينى أضحك من قلبي بجد..
انف*جت أساريره بسعادة غامرة و استرسل بمرح:
ــ كويس يعنى بشتغلك مدرس و بهلوان كمان....المفروض بقى تزوديلى الفيزيتا اللى مباخدهاش أصلا..
ازدادت ضحكاتها أكثر من ذى قبل و أجابته من بينها:
ــ خودها فى الجنة بقى يا مستر...
طالعها بشجن و هو يقول:
ــ نجاحك و رجوعك لينا بالسلامة أحسن عندى من مليون فيزيتا...
ابتسمت بخجل ثم قالت بجدية:
ــ طاب مش هنبدأ؟!
ــ ماشى يلا نبدأ بسم الله....
مر أسبوع كامل كثف سفيان خلالها دروسه لـ ملك حتى تستطيع تحصيل ما فاتها، كما أنه كان يساعدها فى إستذكار المواد الأخرى.
سافر ريان إلى انجلترا للحصول على منحته مع مجموعة من الطلاب من مختلف الجامعات بالجمهورية، تاركا سلمى تتلوى بألم الفراق و تحترق بوهج الغيرة كلما خطر ببالها تعامله مع فتيات أخريات غيرها، فهى تعشقه حد الهوس، هو بالنسبة لها أغلى ما تملك، بل هو الهواء الذى تتنفسه، إنه حبيبها الذى لحبه و بحبه و على حبه تعيش..
وصل ريان إلى مدينة ليفربول و اتجه مع مجموعة من الشباب الى السكن المخصص لهم على إتفاق بالتجمع فى اليوم التالى بالجامعة لبدء أولى محاضراتهم بها..
فى قاعة المحاضرات تقبع إحدى الفتيات المصريات بجوار صديقتها، و نظرها لا يحيد عن ريان إلى أن لكزتها صديقتها وهى تقول بهمس:
ــ سيرين...ركزى شوية فى المحاضرة...انتى بتبصى فين؟!
عادت لنظرها إلى المُحاضِر حتى لا يلحظها ثم أجابتها بهمس:
ــ بعد المحاضرة هقولك يا فدوة..
انتهت المحاضرة و خرج جميع الطلاب من القاعة، فذهبت كل من فدوة و سيرين إلى إحدى الكافيهات و اتخذت كل منهما مقعدها فأدارت سيرين دفة الحديث قائلة بحماسة:
ــ أخدتى بالك من الواد الطويل ابو شعر بنى ناعم و عيون عسلية دا...بصراحة هموت و أتعرفةعليه..
سكتت فدوة لوهلة تحاول تذكره إلى أن هتفت فجأة:
ــ أيوة أيوة...اللى انتى منزلتيش عينك من عليه دا من ساعة ما شوفتيه فى المطار!!...بس دا شكله جد و راسى اوى يا سوسو...تؤتؤ..سيبك منه.
شردت قليلا فى ملامحه ثم رسمت ابتسامة حالمة على محياها و هى تقول:
ــ ما هو علشان كدا عاجبنى...حاسة إنه له هيبة كدا و شخصية مش زى حازم السيس و أمثاله.
ــ لا يا سيرين ابعدى عنه...أصل الناس اللى زى الأخ دا بيبقوا عاملين نفسهم محترمين و ممكن يحرجك بكلمة ملهاش لازمة...
لم تلقى لنصيحتها بالا و قالت بإصرار:
ــ أنا ليا طريقتى اللى هدخله بيها...دا أنا سيرين بنت مجدى باشا أكبر صاحب سلسلة شركات و قرى سياحية ف مصر، و لو ماجاليش بالذوق هخلى بابى يجيبهولى لحد عندى يبوس ايدى و رجلى علشان أنول الرضا.
رفعت حاجبيها بانبهار ثم ضيقت عينيها قائلة:
ــ يخربيت دماغك السم...انتى هتقوليلى على أونكل مجدى!!..دا انتى لو طلبتى لبن العصفور بيجيبهولك..
ضحكت سيرين بصخب و غرور ثم قالت:
ــ قومى معايا نروح القاعة، المحاضرة الجاية لسة قدامها نص ساعة، هشوف كدا يمكن يكون واقف هناك...و اتف*جى عليا بقى و أنا بجيب رجله و اتعلمى..
قالت عبارتها الأخيرة بثقة لا متناهية ثم جذبتها من كفها و نهضتا إلى القاعة.
وجدته سيرين جالسا بأحد المقاعد المتراصة بجوار القاعة من الخارج فلكزت صديقتها و قالت لها بهمس:
ــ أهو قاعد هناك...استنينى انتى هنا على ما أخلص مهمتى...
تركتها و تقدمت منه بخطى ثابته تحاول رسم الحياء و الأدب على قسمات و جهها و حركات جسدها إلى أن وقفت أمامه مباشرة ثم قالت برسمية:
ــ صباح الخير...ممكن آخد من وقتك خمس دقايق بس؟!
رفع بصره من دفتره و طالعها باندهاش قائلا بملامح جادة و بنبرة جافة:
ــ أيوة اى خدمة؟!
اغتاظت من رده الجاف و نظرته الحادة لها رغم جمالها الملفت و أناقة ملبسها، فقد كانت ترتدى بنطال چينز ضيق تعلوه سترة خريفية و شعرها الأشقر الطويل منساب على ظهرها، لكنها ابتلعت غيظها و رسمت ابتسامة ودودة على ثغرها قائلة برقة:
ــ أنا سيرين معاك فى جروب المنحة و انت؟!
زفر بملل ثم نظر لها بابتسامة مصطنعة قائلا ببرود:
ــ نعم يا أستاذة سيرين..أقدر أساعدك بإيه؟!
تجهم و جهها وكأنه صفعها على حينِ غُرةٍ أمام جموع غفيرة من الناس، واشتعلت سريرتها بغضب مستعر و إصرار بالغ على رد الصفعة له أضعافا مضاعفة و عدم الإستسلام لطريقته الفظة معها، و لكن سرعان ما استعادت ثباتها و أجابته بابتسامة و أدب:
ــ احم... كان فى جزئية كدا البروفيسور شرحها بسرعة و مقدرتش أفهمها... ممكن تشرحهالى تانى؟!
لم يَخفى عليه هدفها فى استدراجه، و خلق الحجج للتعرف عليه، فرفع حاجبيه يتصنع التفكير ثم سألها باستهجان:
ــ امممم...و اشمعنى أنا بالذات من ضمن طلبة الجروب كله اللى جيتيله يشرحلك، مع إن انتى متعرفنيش و لا تعرفى مستوايا الدراسى علشان تيجي تسألينى، دا غير إن فى زميلات فى الجروب كان من باب أولى إنك تسأليهم هما..
راحت تطالعه بتعجب و انبهار فى آن واحد من رد فعله الغير معتاد لديها، فقد اعتادت على تهافت الشباب عليها لينالوا منها مجرد كلمة او حتى ابتسامة، فابتسمت بإعجاب ثم قالت بجدية و ثقة:
ــ لأنى ببساطة لاحظت إنك الوحيد اللى كنت بتناقش البروفيسور بطلاقة و كان واضح جدا إعجابه بيك و بأسئلتك المهمة اللى كنت بتسألهالوا، فأنا قولت مفيش غيرك اللى هيقدر يساعدنى..
طالعها بملامح مشدوهة، و زاغت عيناه بعيدا عنها يستوعب حديثها فقد استطاعت بحجتها الذكية أن تقنعه و تُروّده لصالحها، و ظن أنها صادقة..
فى الأخير أومأ بإبتسامة واثقة و هو يقول:
ــ فين الجزئية اللى انتى مش فاهماها؟!
ابتسمت بانتصار ثم جلست بجواره تاركة بينهما مسافة مناسبة حتى لا يسوء ظنه بها، و سألته بحماس:
ــ طاب قولى الأول إسمك إيه؟!..مش معقول هفضل أقولك انت انت طول الوقت..
انفلتت منه ضحكة بسيطة أذابتها و زادت فوق إعجابها به إعجابا ثم قال:
ــ اسمى ريان.
رددت إسمه عدة مرات وكأنها تتذوق حلاوته إلى أن انتبهت على سؤاله:
ــ ها قولى يلا عايزانى أشرحلك إيه...
فتحت دفترها بسعادة غامرة لنجاح أولى خطواتها فى مخططها للحصول على قلبه و ما خفى كان أعظم..
انتهى يومهم الدراسى و عاد الطلاب إلى مساكنهم..
ففى غرفة سيرين و فدوة، بمجرد أن ولجتا إلى داخل الغرفة و أغلقوا بابها هتفت فدوة بإعجاب:
ــ انتى طلعتى خطيييرة بجد يا سيرين...ايه دا؟!..دا مخادش ف إيدك خمس دقايق و لاقيته مقعدك جنبه و بيشرحلك...
أجابتها بغرور و ثقة:
ــ مش قولتلك انا ليا طريقتى...بس فى مشكلة صغيرة..
ــ ايه هى؟!
ــ لابس دبلة ف إيده اليمين...تقريبا كدا خاطب....بس على مين؟..ان شاء الله هنسيهاله و هنسيه اسمه كمان...
ضحكت الفتاتان بصخب و لا مبالاة، فمثيلاتهن قد تربين على حب الذات و الأثرة، و تحقيق مصالحهم الشخصية على حساب الآخرين دون الإلتفات لإنتمائاتهم او مشاعرهم الخاصة.
توقفت سيرين عن الضحك عندما أتتها رسالة على الواتساب، و عندما فتحتها و قرأت محتواها القت الهاتف على الفراش و زفرت بملل فسألتها فدوة بترقب:
ــ مين اللى باعتلك رسالة و ضايقك اوى كدا..
نزعت عنها سترتها و القتها بإهمال على أحد المقاعد ثم أجابتها بضيق:
ــ دا حازم...باعتلى رسالة قال إيه عايزنى أكلمه أنا من الخط بتاعى..
قطبت فدوى جبينها باستنكار قائلة:
ــ و ميتصلش هو بيكى ليه..
اجابتها بسخرية و تهكم:
ــ انتى عايزة الجعان دا يتكلم من معاه..انتى متعرفيش ان المكالمات الدولية غالية و لا إيه...و هو أصلا كارت مش خط...
زاغت بعينيها فى الفراغ و صورة ريان حاضرة أمامها تتأمله بشرود ثم قالت بجدية:
ــ و كارت محروق بالنسبالى كمان..
رفعت فدوة حاجبيها باستغراب تسألها بملامح مشدوهة:
ــ معقول...حازم خلاص كدا راحت عليه..
ابتسمت بهيام و هى تقول:
ــ من ساعة ما شوفت ريان و أنا نسيت حازم و نسيت الدنيا كلها..بصى هو غطى على أى واحد قابلته و اتعرفت عليه...أنا أصلا مقابلتش زيه و لا حتى ربعه يا فدوة...
ابتسمت لها صديقتها و هى تقول بمرح:
ــ يا سيدى يا سيدى...يا بختك يا سى ريان...
تمددت سيرين على الفراش و استعادت أول مشهد لها معه و هى ترسم برأسها الأمانى و الأحلام التى تنوي تحقيقها معه مهما كلفها ذلك الأمر، فقد عزمت على امتلاكه و إيقاعه بشباكها شاء أم أبى...
يتبع
مع تحياتي / دعاء فؤاد