فى أحد المولات التجارية الشهيرة بمدينة المنصورة، تقبع طفلة صغيرة لا تتجاوز الثالثة من عمرها بأحد أركان المكان، تبكى و تنادى على أمها، فكان مظهرها يمزق نياط القلوب، اقتربت منها فتاة يافعة محجبة ترتدى فستان محتشم يتناسب مع حجابها و انحنت إلى مستواها و قالت لها و هى تمسح على شعرها بحنو:
ــ حبيبتى بتعيطى ليه؟!.. فين ماما؟!
أجابتها الطفلة و هى تبكى و ترتجف من الخوف:
ــ مش عالفة.. ماما.. أنا عايزة ماما..
أخذتها بين أحضانها و قد انفطر قلبها لحالتها المذرية و الذعر الذى أصابها، و اخذت تطمئنها و تهدهدها قائلة:
ــ خلاص يا حبيبتى متعيطيش قطعتى قلبى... طاب قوليلى الأول انتى اسمك ايه؟!
أجابتها من بين شهقاتها:
ــ ملك..
رفعت حاجبيها باستغراب قائلة بذهول و مرح فى آن واحد:
ــ ملك!!.. ايه الصدفة الجميلة دى... انتى عارفة؟!.. أنا كمان اسمى ملك...
لم تبالى الطفلة كثيرا بكلامها، فأكثر ما يشغلها الآن هو شعورها بعدم الأمان فى غياب أمها و دفئ أحضانها و كلماتها التى تقطر حبا و حنانا و ردت ببكاء أشد:
ــ انا عايزة ماماااا..
فجأة وصلها صوت أمها المذعور و هى تنادى بإسمها قائلة:
ــ ملك..
التفتت الملكتان إلى مص*ر الصوت، و ركضت الصغيرة على الفور إلى أحضان أمها التى التقفتها بسعادة و قلق فى آن واحد، و أخذت تربت على ظهرها تارة، و تشدد من احتضانها تارة و هى تحمد الله أن دلها عليها سريعا بعدما بحثت عنها لعشر دقائق فقط.
بينما ملك الكبيرة تراقب الموقف من مسافة بعيدة نوعا ما و هى تبتسم على ذلك المشهد الذى ينطق بكل معانى الأمومة.
اقتربت من الأم حتى وقفت قبالتها و قالت بصوتها الرقيق:
ــ حمد الله على سلامتها يا مدام... خلى بالك منها ربنا يخليهالك.
بينما الأم تجمد جسدها ما إن وصلها صوتها و بدأت تدير عينيها نحوها بحذر و ترقب إلى أن جحظتا من الصدمة عندما رأتها بوضوح، تسمر بؤبؤيها عليها، تناظرها بملامح مشدوهة و كأنما أصابها السحر، و قلبها يقرع بمخضعه من فرط الهلع، تحدثها نفسها بتيه و شرود:
ــ "أيعقل أن تكون هى...لا لا مستحيل.. فالموت لا رجعة منه... إذن هى شبيهتها.. نعم شبيهتها"
و بينما هى فى خضم هلعها و التيه الذى أصابها، كانت ملك تحدثها و داليا لا تشعر بها، إلى أن يأست منها و انصرفت، و لم تعد داليا إلى رشدها إلا بعد مغادرة ملك الكبيرة من أمامها.
أخذت نفسا عميقا تملأ به رئتيها اللتان اختنقتا من كثرة الإفتراضات التى داهمتها بمجرد رؤية ملامح تلك الغائبة عنهم لأكثر من خمس سنوات، يكاد يصيبها الجنون من كثرة التفكير، فإن كانت هى ملك المتوفاة و بفرض أنها لم تمت، إذن كيف لم تتعرف عليها، فقد كانت تحدثها برسمية و كأنها لا تعرفها.
عادت سريعا بصحبة الصغيرة إلى زوجها الذى ينتظرها عند المدخل الرئيسى للمول، و بمجرد أن وصلت إليه و وقفت أمامه صاح بها بقلق:
ــ ينفع كدا يا داليا... ايه التأخير دا كله..بقالك اكتر من نص ساعة متصلة بيا و بتقوليلى تعالى خدنا..
ازدردت ل**بها بصعوبة من فرط التوتر و أجابته باعتذار و ملامح مذعورة و هى تحاول إخفاء حقيقة ما حدث منذ قليل:
ــ مـ معليش يا سفيان... انت عارف ماشية ملك... بطيئة جدا و هى اللى أخرتنى..
نظر لطفلته بابتسامة حانية و هو يقول:
ــ خلاص كله يهون علشان ملوكة حبيبة بابا..
تعلقت الصغيرة بساقه و احتضنته بقوة فانحنى بدوره و حملها و هو يحدث زوجته:
ــ مفيش حاجة عجبتك بردو؟!
ــ أيوة... و يلا نروح بسرعة بقى أصلى تعبت.
طالعها باستنكار قائلا:
ــ تعبتى ايه... دا انتى مكملتيش نص ساعة فى المول!!
توترت اوداجها و تعثر ل**نها و هى تقول:
ــ احم.. أصل... أصل أنا... أنا جالى صداع فجأة و عايزة أروح لماما اريح عندها شوية و ابقى عدى علينا خدنا بالليل..
هز رأسه بقلة حيلة قائلا باستسلام:
ــ ماشى يا داليا اللى يريحك..
أخذهما و استقلا سيارة أجرة إلى مسكن أم زوجته و التى تسكن بنفس الشارع معهما، ف*نفست الصعداء ما إن ابتعدت السيارة عن محيط المول و حمدت الله أنه لم يراها و إلا فستخسره للأبد حتى و إن لم تكن هى ملك... و تركهما عندها و انصرف هو إلى منزله.
ما إن تأكدت داليا من تمام مغادرة زوجها حتى جلست بالمقعد المجاور لأمها تحكى لها بهلع:
ــ ماما مش هتصدقى اللى شوفته فى المول؟!
أجابتها بقلق بالغ:
ــ خير يا بنتى شوفتى ايه؟!
ــ ملك...شوفت ملك يا ماما.
نظرت لها الأم باستغراب و وضعت يدها على جبينها تتحسسه ثم قالت باستنكار:
ــ انتى سخنة و لا إيه يا داليا...ماهى ملك كانت معاكى يا بنتى..
هزت رأسها بنفى و هى تقول بتوضيح:
ــ يا ماما مش بتكلم على ملك بنتى...انا اقصد ملك بنت عمو اسماعيل..
فغر فاها و سألتها بتوجس:
ــ انتى قصدك ملك الله يرحمها؟!
هزت رأسها عدة مرات بملامح ممتعضة، فض*بت أمها كفا بكف و هى تقول بذهول:
ــ لا حول و لا قوة إلا بالله...انتى شكلك مش طبيعية النهاردة خالص يا داليا..
ــ يا ماما صدقينى...بقولك شوفتها و كلمتنى بس كانت بتكلمنى و كأنها متعرفنيش.
سكتت امها لوهلة تحاول استيعاب كلامها ثم أردفت:
ــ يا بنتى قولى كلام ناس عاقلين...انتى عايزة تفهمينى انك شوفتى ملك اللى ماتت من اكتر من خمس سنين؟!
اومأت بتأكيد و هى تقول:
ــ أيوة يا ماما صدقينى..
اقشعر بدنها عندما تخيلت الأمر و اغمضت عيناها و هى تستعيذ بالله من الشيطان الرچيم ثم ازدردت ل**بها بصعوبة و هى تقول بتوتر:
ــ طـ طاب يا بنتى..ااايمكن واحدة شبهها..
أجابتها بحيرة و قد احتل الخوف و القلق جوارحها:
ــ مش عارفة يا ماما...هى فعلا متغيرة شوية...يعنى ملامحها البهتانة و وشها الضعيف بقى مليان و خدودها احمرت حتى لون عنيها الأخضر بقى لون كدا بين الأخضر و البنى زى ما يكون خضار عنيها استوى.
هوى قلبها فى قدميها و اتسعت عيناها على آخرها و كأنها رأت شبحا مخيفا ثم اردفت بتلعثم:
ــ يـ يعنى يعنى إيه يا داليا...معقول تكون لسة عايشة؟!...طاب إزاى؟!
أجابتها بقلق بالغ:
ــ ممكن يا ماما فعلا...إحنا لا شوفنا ليها جثة و لا حضرنا ليها جنازة و لا دفنة...اللى قالقنى إنها لو طلعت هى بجد و رجعت يبقى أنا كدا بيتى هيتخرب...سفيان لسة فاكرها و بيحبها و اكيد ما هيصدق ترجعله تانى...
أجهشت فى بكاء مرير و نصال الحسرة تمزق قلبها إربا و تقول بعويل:
ــ ااااه...البيت اللى بحافظ عليه بكل قوتى و جوزى و حبيبى اللى مبستحملش عليه الهوا، و اليوم اللى بزعله فيه مبيتحسبش من عمرى...انا بحبه اوى يا ماما و هموت لو بعد عنى...خايفة أخسره بعد ما حاربت و عافرت لحد ما وصلتله...اااه قلبى بيوجعنى كل ما اتخيل إنه هيقا**ها أو هيشوفها تانى...
تمزقت نياط قلب امها لأجلها و جذبتها إلى أحضانها و هى تربت على ظهرها بحنو قائلة بإشفاق:
ــ متخافيش يا بنتى...انت بتتقى ربنا فيه و مراعياه و مراعية بيته و عمرك ما قصرتى معاه ف أى حاجة...استحالة هيسيبك بالسهولة دى و يروح لغيرك...صدقينى...و بعدين ما يمكن حبه ليها كان من باب الشفقة على حالتها و مرضها..
ابتعدت عن حضن أمها و كفكفت عباراتها و هى تقول برجاء:
ــ يا ريت يا ماما...أنا أكتر حاجة محببانى فيه طيبة قلبه و حنيته..رغم إنى عارفة إنى مكانى ف قلبه ميجيش قد نقطة ف بحر بس رغم كدا بيعاملنى بحب و طيبة و عمره ما جرحنى بكلمة..بيستحمل عيوبى و دايما بيشكر فى مميزاتى..هخسر كتير اوى يا ماما لو ضاع من ايدى..
هزت رأسها بقلة حيلة مردفة بحزن:
ــ ربنا يخليهولك يا حبيبتى و يهدى سركم...متخافيش ان شاء الله مش هيحصل حاجة و بكرة تقولى ماما قالت..
قلبت بؤبؤ عينيها للسماء تدعو الله بحرقة:
ــ يا رب.. يا رب.
أنهى سفيان دروسه مع الطلاب، فهو يعمل مدرس فيزياء، و اتجه إلى بيت حماته و أخذ زوجته و صغيرته عائدا إلى شقته.
عندما حان وقت النوم و نامت الصغيرة بغرفتها، جلست داليا بجواره بالفراش و قبضت على كفه تسأله بتردد:
ــ سفيان...انت بتحبنى؟!
أجابها بابتسامة ودودة:
ــ و هو دا سؤال تسأليه بردو؟!..طبعا يا حبيبتى بحبك..دا انتى مراتى و أم بنتى و سكنى اللى ربنا حلله ليا..
انف*ج ثغرها بابتسامة باهتة و كأنها غير واثقة بمشاعره ثم تنحنحت و سألته بارتباك:
ــ احم..يعنى...يعنى لو...لو ملك.. ملك بنت عمك الله يرحمها لسة موجودة..احم..هتفضل تحبنى بردو..
تجهم وجهه بحزن دفين و لكن سرعان ما قلب ملامحه للمرح و أجابها بمزاح:
ــ ايه دا بقى...احنا هنغير من واحدة ميتة؟!
أسرعت تصحح ما فهمه:
ــ لا لا...الموضوع مش كدا.
ــ اومال الموضوع ايه؟!
اخذت تفرك كفيها بتوتر ثم ازدردت ل**بها قائلة بتردد:
ــ كل الحكاية بس إنها جات على بالى فسألت نفسى يا ترى لو هى لسة عايشة هتسيبنى و تروحلها؟!
هز رأسه بأسى و هو يقول لها بحنو:
ــ حبيبتى ملك دلوقتي فى عالم تانى و أنا مستحيل هفضلها عليكى لأنها ببساطة مالهاش وجود.
سألته بإصرار:
ــ طاب لو موجودة؟!
راح يطالعها باستغراب شديد مشدوه الملامح من اصرارها الغريب على الحصول على إجابة ثم قال بجدية:
ــ داليا لو سمحتى اقفلى الموضوع دا...خليكى أعقل من كدا بلاش تصرفات أطفال..
ــ ريحنى و قولى بصراحة...هى لسة موجودة ف قلبك؟!..لسة بتفتكرها.
أجابها بجدية و حزم:
ــ ايوة بفتكرها...بفتكرها علشان أدعيلها ف صلاتى..علشان هى تستحق إنى دايما أفضل فاكرها بالخير..تستحق إنى ادعيلها و اتصدق على روحها..ملك اتعذبت كتير..اتولدت يتيمة الأم و اتحرمت من كلمة ماما..عاشت حياتها بتعانى من مرض خبيث كان بيخلص عليها و انتى بنفسك شوفتى منظرها كان بيقى عامل ازاى بعد كل جلسة كيماوى...كلنا كنا بنبكى عليها بدل الدموع دم..كل دا و عايزانى أنساها؟!..طاب ازاى...إزاى و أنا كنت معاها فى كل لحظة ألم بتتألمها..مش هنسى ابدا كل كلمة آه خرجت منها و كانت بتقطع فى قلبى..مش هنسى شكلها بعد ما وشها اصفر و عنيها دبلت و حواجبها اتمسحت و رموشها وقعت و شعرها اللى كانت دايما بتداريه بطرحتها علشان ماشوفش منظرها...
اعتصر جفنيه بألم و حزن بالغ ثم تن*د بعمق و هو يقول بخفوت:
ــ ربنا يرحمها و يجعل العذاب اللى شافته فى ميزان حسناتها.
بينما داليا كانت تستمع له بقلب منفطر، فماذا لو كانت ملك حية ترزق...حتما بعدما أقر بما يحويه بقلبه تجاهها، سيتركها و يعود لحبيبته الفقيدة...
ارتجفت شفتاها و هى تسأله بصوت متحشرج:
ــ أفهم من كلامك إنك لسة بتحبها؟!
اصتك فكيه من الغضب و هدر بها بانفعال:
ــ داليا افهمى بقى..ملك ماتت..ماتت..ماتت.
ثم ترك لها الغرفة و صفع الباب خلفه بعنف، تاركا إياها تبكى و تنعى عُشها الذى اصبح على شَفا جُرفٍ هارٍ، يكاد يسقط و ينهار فى الحال..
بينما سفيان اتجه إلى غرفة الجلوس حيث يقبع مكتبه الصغير هناك إلى جانب مكتبة صغيرة تحوى عدد من الكتب و الروايات..
دلف الغرفة و أغلق بابها ثم سار ألى المكتب و جلس بالكرسى، فتح أحد الأدراج المقفلة بقفل صغير و أخرج منه إطار صغير خاص بصورة حبيبته الفقيدة، وضعه بين كفيه و نظر له باشتياق ينهش قلبه كأسد حصل على فريسته بعد جوع شديد، و هو يحدثها كأنها أمامه:
ــ بيسألونى نسيتك؟!...طاب فى حد بينسى روحه؟!.. حد بينسى بنته؟!..حد بينسى حتة منه؟!.. معذورين... أصلهم ميعرفوش انتى إيه بالنسبالى.. ميعرفوش إنك بنتى و حبيبتى و صحبتى و كان نفسى تكونى شريكة حياتى و عشرة عمرى و أم عيالى... بس الحمد لله على كل حال... نصينا إن إحنا نتفرق... بس هنتقابل فى الجنة يا ملك روحى و قلبى و كل دنيتى..
ازال دمعة ساخنة فرت من جانب عينه دون أن يشعر ثم عاد بظهره مستندا على ظهر الكرسى عائدا بذكرياته إلى ما قبل خمس سنوات....
ــــــــــــــــــــــــــــــ
فلاش باك...
نهضت من فراشها بتثاقل و إعياء شديد، فلولا ذلك الدرس الذى تنتظره من الحصة للأخرى لما تحركت من فراشها قيد أنملة..
خرجت من المرحاض بعدما اغتسلت و وقفت أمام مرآتها تتأمل ملامحها الباهتة و قسماتها المرهقة بحزن بالغ، ثم التقطت قلم كحل و قامت بتحديد عينيها الخاوية من الرموش، ثم رسمت حاجبيها المختفيان من مكانهما، و لونت شفتيها باللون الوردى لتخفى بهتانهما، ثم صبغت وجنتيها بنفس اللون لتغطى على اصفرارهما، و فى الأخير قامت بلف حجابها بطريقة أنيقة و أخذت كتبها و سارت بإتجاه غرفة الجلوس حيث ينتظرها معلمها و ابن عمها سفيان..
تقدمت منه بخجل و جلست فى الكرسى المقابل له على الطاولة و هى تلقى عليه تحية المساء، استقرت بمقعدها و وضعت الكتب أمامها، و رفعت بصرها إليه فوجدته يطالعها بابتسامة مشرقة و قال لها بنبرة حانية:
ــ ها يا جميلة...عاملة إيه النهاردة...أحسن من امبارح؟!
اومأت بضعف مع ابتسامة بسيطة و هى تقول برقة:
ــ الحمد لله يا مستر...أحسن كتير..
يعلم أنها ليست بخير و أنها فقط تتظاهر بذلك، و لكن ليس بيده شيئا يقدمه لها، فقط يتمنى لو أصيب هو بدلا عنها بهذا المرض اللعين، فحتما سيتحمل، و لكنها إرادة الله و لا راد لقضاءه.
تن*د بأسى ثم رسم على ثغره ابتسامة مصطنعة و قال لها:
ــ نبدأ الدرس..
اومأت و هى تقول برقة:
ــ ماشى..نبدأ على بركة الله..
بدأ يشرح لها الدرس و هو يرمقها بين الحين و الآخر بإشفاق بالغ، و هى تحاول قدر استطاعتها استجماع قدرتها الواهية علها تركز فى درسها، و لكن ألم رأسها يكاد يفتك بها فتكا، تحاول أن تخفى تألمها و تكتم تأوهاتها بصعوبة حتى لا تثير قلقه عليها، إلى أن طفح كيلها، و هوت قدرتها على ال**ود أمام ضراوة الألم، فأطلقت صرخة مدوية فقدت وعيها على إثرها...
بينما هو هب من مقعده منتفضا مذعورا على صرختها و استطاع أن يسندها قبل أن تسقط على الأرض.
أخذ يصرخ بها بهلع مناديا بإسمها تارة و بإسم عمه تارة، إلى أن أقبل عليه و هو يلهث من فرط القلق و ما إن رآها بهذه الحالة حتى انحنى لمستواها و هو يبكى و يقول:
ــ ملك بنتى حبيبتى...معليش يا بنتى يا ريتنى كنت أنا مكانك...قومى يا حبيبتى علشان خاطرى أنا..قومى..
رد عليه سفيان بجدية يشوبها الخوف و القلق:
ــ مش وقته الكلام دا يا عمى..لازم ناخدها ع المستشفى حالا..بسرعة اتصل بالدكتور ناجى عرفه إنها أغمى عليها و هنجيبها و نيجى..على ما أكون أنا كلمت عم سالم السواق يودينا بالتا**ى بتاعه..
التقط هاتفه من جيبه بيد مرتعشة و قام بالإتصال بالطبيب و بعد دقائق كان جارهم سالم سائق التا**ى ينتظرهم أمام باب المنزل..
وصلوا المشفى و حملها سفيان بخفة و سلمها سريعا لطبيب الإستقبال الذى قام بدوره بنقلها إلى قسم الأورام و الذى يرأسه الدكتور ناجى المسؤل الاول عن حالة ملك...
بعد قرابة الساعتين من فحصها بالأشعة و عمل تحاليل الدم اللازمة و التأكد من استقرار حالتها إلى حد ما، خرج لهم الطبيب أخيرا و يبدو على ملامحه علامات الإرهاق و الأسف، فهرول إليه سفيان و والده ابراهيم و عمه اسماعيل والد ملك، يسألونه بقلق و لهفة عن حالتها الصحية الحالية فأجابهم بحزن:
ــ للأسف يا حاج اسماعيل البنت حالتها فى النازل و الورم بيزيد و بيتمكن اكتر فى المخ و طبعا بيسببلها ألم شديد دا غير قلة التركيز و عدم التوازن..
ابتلع تلك الغصة الأليمة التى وقفت بحلقه ثم سأله بحزن و حسرة:
ــ طاب و الحل إيه يا دكتور...كدا خلاص بنتى راحت منى؟!
أسرع الطبيب يجيبه بمواساة:
ــ متقولش كدا يا حاج...هو مفيش قدامنا بقى غير الجراحة...بس أنا سبق و قولتلك مخاطرها و نسبة نجاحها و الإختيار فى ايدك انت دلوقتى..
اجابه بإصرار و حزم:
ــ ماشى يا دكتور هنعمل العملية..
طالعه سفيان باستنكار و هو يصيح به بغضب:
ــ انت بتقول ايه يا عمى...الدكتور قالك قبل كدا إن نسبة نجاحها قليلة جدا...انت كدا بتقدمها للموت بإيدك..
انكمشت ملامحه بحزن و حسرة ثم قال بنبرة محملة بالقهر و الألم:
ــ يا أخى يمكن تحصل معجزة و تعدى منها...أنا مبقتش قادر أشوفها بتتألم و انا واقف بتف*ج عليها و متكتف و مش عارف أعملها أى حاجة...سنتين و هى عايشة ف وجع و ألم و محدش بيحس بيها...كفاية عليها كدا...دى بنتى اللى حيلتى يا سفيان...بنتى اللى ربنا رزقنى بيها بعد ١٥ سنة حرمان من الخلفة، مش فاضيلى غيرها بعد موت أمها و هى بتولدها...هى كل دنيتى و أغلى ما أملك...
رد الطبيب بعملية:
ــ يعنى انتى ناوى تعملهلها ف ألمانيا يا حاج...؟!
اومأ بتأكيد:
ــ ان شاء الله يا دكتور...انا هبيع كل اللى حيلتى و أسفرها تعملها هناك...لو ربنا شفاها يبقى خير و بركة..و لو لا قدر الله...يبقى خلاص مبقاش عندي حاجة أغلى منها أبكى عليها...
سكت سفيان يستوعب قرار عمه المتهور من وجهة نظره ثم ما لبث ان اقترح ان يؤجل السفر بعد انتهاء إمتحانات الثانوية العامة خاصتها، لربما يراجع نفسه فى هذه الفترة، فأملى عليهم الطبيب رأيه قائلا:
ــ تمام شهرين مش هيأثروا اوى عليها...هتمشى بجلسات الكيماوى و المسكنات لحد ما تخلص الامتحانات و فرصة كمان تحجزلها تذاكر الطيران و تنسق مع المستشفى اللى هتسافر عليها هناك.
أومأ اسماعيل بخنوع ثم جلسوا جميعا على مقاعد الإنتظار إلى أن تستفيق و تسترد عافيتها قليلا.
بعد مرور أكثر من ست ساعات عادوا إلى المنزل بسيارة سالم و حملها سفيان إلى غرفتها و وضعها فى فراشها برفق بالغ و هى فى قمة خجلها و قمة سعادتها فى آن واحد...
أتت عفاف والدة سفيان، و أيضا جارتهم فاطمة و بنتيها داليا و سلمى، و إلتف الجميع حولها ليطمئنوا على حالتها و يؤازروها فى محنتها، و يقوموا بواجبهم تجاهها كمريضة فتلك هى عاداتهم التى تربوا و نشأوا عليها.
قامت داليا بعمل الشاى و تقديم الفاكهة للحضور، فـ اسماعيل يعيش وحيدا مع إبنته و يقوم بإستئجار سيدة تنظف له المنزل يومين فى الأسبوع، و تعد أصنافا من الطعام و تحفظه فى الثلاجة، و تغسل الملابس و تنصرف، و احيانا تمر داليا او سلمى و تساعدان ملك فى الاعمال المنزلية نظرا لمرضها الشديد.
تجلس داليا بين الحضور تراقب نظرات سفيان لـ ملك بقلب جريح ينزف دما، نظراته العاشقة لها تكاد تقتلها مئات المرات، فهى تعشقه بجنون...
داليا و سفيان جيران و يسكنان بنفس الشارع، علاوة على ذلك هما أيضا زملاء فى المدرسة من المرحلة الإبتدائية إلى أن التحقا بالجامعة، بل و بنفس الكلية الا و هى كلية العلوم و هما الآن بالفرقة الثالثة.
أحبته منذ عرفت للحب سبيل أثناء المرحلة الثانوية، و لكن قلبه معلق بإبنة عمه ملك و الجميع يعلم ذلك و لكنه لم يبح لها بحبه بعد حتى لا يكون سببا فى إشغال ذهنها و تعطيلها عن دراستها، فلم يبقى لها سوى شهرين و تنهى مرحلة الثانوية العامة.
يتبع...
مع تحياتي/ دعاء فؤاد