كَـانتْ الرِحـلة صَامتة، أمضيتُ نصفهَا بالبُكَـاء والنِصف الأخر بالتَفكِيـر، كَيفْ ستكُـون حَالة والدَاي؟
كَـيف سَيشعُـر أبِي بدُون چِيميِن الذِي كَـان عونًـا لهُ بكُل شَيء؟
نظرتُ خارجًـا فشعرتُ وكأن الجُرح بقَـلبِي يتفاقَمْ مَا إنْ رأيتُ بوابَات قصرنَـا تُفتَـحْ، وبدأتُ أرَاه بكُـل مكَانٍ وزَاويَّـة، كـُل مرة تعاركنَا بهَا، كُل حدِيثٍ تشاركنَـاهْ، إمساكِه بي حِين أهرُب خلستًا.
كُنتُ أسمَع صَوتهُ برأسِـي، وفَقَدتُ السَيطرة علَـى نفسِي مرة أُخـرَى، وبدأتُ أبكِ بصوتٍ مُرتفِع أُنادِي بإسمه وكأنهُ سيسمعنِـي فيعُود للحياة
تنفسـتُ بُعمقٍ أُغطِي وجهِـي المُرهَق حِـينْ هَبطتْ العَرَبـة، وسَمَعتُ خطواتْ تايهيُـونج تقترِبْ حتَى وقَفَ أمامِي ينتظِر منِي الخرُوجْ.
كَانتْ عينيه تُراقبـنِي حتَى خرجتُ وأستقمتُ أمامه فسرنـَا معًا للأمَام تجَاه الطَابِق الأول من القَصر حَيثُ رأيتُ أبِي وأمِي وكُل مَن بالمكَان يقفُون لإستقبالِي، أوجههُم حَزِينَـة بَاليَّـة لَا يختلفُـون حالًا عنِـي.
وَقَـفْ تَايهيُـونج بعيدًا ثُم أشَـار لِي أن أتَابِـع بدُونه فَـأتخذتْ قدمَاي المُرتعشة أولَى خطواتهَا لَهُمْ.
مَا إن قَابلتْ عينَاي خَاصتهُم بدأنَا بذرف الدمُوع مُجددًا حتَى أستقررتُ بعناق والدَاي ووَقفْ الوزرَاء والباقِي من حاشية القَصر بالخَلف يَذرفُون دمُوع الحُزن ب**ـتْ
"شُكرًا لإصطحابِك لإبنتنَا إلَـى هُنَا" وَجَـه أبـِي حَدِيـثهُ لتَايهيُـونجْ الـذِي أومأ يُعطـِي ابتسَـامة ضَئِيلة فَقَطْ.
"خَرجنَـا لإعلَانْ الخَبَـر ومواسَاة النَاس بالفِعل، لذَا يُمكنكِ الإسترَاحـة والخرُوجْ متَـى مَـا تشائِينْ" أخَـبَرَنِـي مُبتسمًـا فأومتُ لهُ.
"تَمـتْ إعدَاد غُرفتكِ لتلائِـمْ بقَـائكِ أنتِ والمَلِـك بهَـا"
حِيـنْ كدتُ أتكَلَمْ تَـرَاجعتْ، ثُمَ **تُ أُفَكِر.
لدَى أبِـي وأمِـي مَا يَكفِيهمْ مِنْ حزنٍ ومشاكِـل بالوَقتْ الرَاهِـنْ ولَرُبمَا رَاودهمَا القَلَقْ بسببـِي مُنذ أن رَحلَتُ لأنهُم يَعَـلمُون طَبيعة تَايهيُونـجْ بالفِعـلْ.
رُبمَـا يَجبْ أن أتظَـاهَر بأن كُل شَـيء بخَـيرْ.
"رافقنِـي للأعلَـى" ألتـفتُ للوَاقِـفْ خَـلفِيْ.
هُـو لَـمْ يُعطِـي إجَـابة وأنتظـرنِي حتَى سرتُ فتبعنِـي هُو.
رفعتُ طَرفْ الثَـوب عَـنْ قَدمِي كَي أتمكَنْ مِنْ الصعُـود السلَالِم فصَعَدْ هُـو خَلفِـي وبطيئًا بدأ الجَمِيع بالتلَاشِي متوجهِـين خَلف أبِي إلَـى حَيثُ لا أعلَـمْ.
شَعـرتُ بالثِقل فِـي صَدرِي يزدَاد مَا إن وصلتُ لغُرفتِـي، لأننِـي بدأتُ برُؤية چِيمِـين بكُل زَاويـة بهَـا مُجددًا.
وددتُ البُكَـاء؛ ولَكِـنْ الدَمُـوع أبَتْ النزُول وكأن عينَاي سأمتْ بالفِعـلْ.
"يُمكنـك الإستـرَاحة سأخـرُج أنَا لبعض الوَقـتْ" أخبَـرتهُ مَا إنْ دَخَـل هُو خَـلفِي.
وقَبـل أن يفتحهُ فَمهُ أسرعتُ بالإستدَارة كَـي أخرُجْ.
لَـمْ أُرِد التواجُـد معهُ بذَاتْ المكَـانْ لذَا هممتُ بالرَحِـيل قَـبلْ أن أفقَـد السَيـطرة علَـى نفسِي.
ولَكِـنْ المكَـان بالخَارِج، كُـل جُزء بالقَـصر كَـان غَـير مُرِيح، جَمِيعهمْ يَبعثُون ذكرياتٍ مُؤلمة.
بدَى القَصَـر وكأنهُ فَقَدْ الحيَاة، وكأنْ الجُدرَان التِي لا تُبصِر ولا تَسمَع حزِينة لفقدَانْ أخِـي.
النَـاس بالشوَارِع، الخَـدَم بأرجَـاء المكَانْ والحُـرَاس بزوايَا القَـصر؛ جَمِيعهمْ يَتشَـاركُون الحُـزنْ ذَاتَـه.
لَا أظُنْ أن أحدًا لَمْ يُحب چِيمين ويُكِن لهُ الإحتـرَام قَطْ، لَقَـد كَـان انسانًا رائعًـا، ابنًـا مُطيعًا يَدعُو للفَخر، أخٌ دَاعِم حنُون، مُحارِب قَوي، حَاكِم عَادِل.
أحبهُ الجَمِيع، كمَا فعلتُ أنَـا.
لمَ عسَـاه أن يَلقَى حتفهُ بتِلك الطَـرِيقَة؟ لمَ؟
لَو أستطعتُ الذهَـابْ بدلًا منهُ لفَعلتُ دُون تَردد، لأعطيتهُ كُل شَـيء حتَـى حياتِـي.
چِيمِين لمَ فَعلتْ هـذَا بِي؟ كَـيفْ تتَركُنِي بمُنتصف الطَرِيـق وتَرحَـل؟ كَـيفْ سأُكمِل وأنَا أعلَم أنك لستَ هُنـا؟
تِلكْ لَم تَعُـد حيـاة، تِلكْ حربٌ لَا تنتهِـي، وأنَا الجُندِي الوَحِـيد وَسَطْ المئَاتْ مِن الخصُـومْ، وبَـرحِيل چِيمين فأنَا بلا سلاحٍ أو مأوَى أو هدفٍ لأُكمِل، فَقَـط أقِف بالمُنتَصَف لألقَى حتفِـي أنَا الأُخـرَى.
"المَـلِك يَستدعيكِ بقَـاعة الطعَـامْ"
جَفلتُ أستَمِـع لصَوتْ إحدَاهُـنْ خَلفِـي فأومأتُ ثُـمَ أستدرتُ أضَع أفكَـارِي المُبعثرَة جانبًـا وأنَا أسِيـر قاصدتًا قَاعة الطعَام حَيثُ وجدتُ أبـِي وأمِـي والبَـاقُون مِن العائلَة.
رَحَـب بِي الجَمِيع مُبتسمِـينْ فرددتُ الابتسَامة بالمُقابِل وذهبتُ لأجلِس قُربهمْ أمَام طَاولة الطعَـامْ.
"لنآمُل أنهُ بمكانْ أفضَـل، يأكُـل كُل مَـا يشتهيه ويَنعَـم بالسعَـادة دُون قَلق" بدأ أبِـي الحَدِيثْ.
حاولتُ التمَاسُك مرة أُخرَى ولَكننِـي فقدتُ الزمَـام مَا إن رأيتُ أبِي يُحارِب دمُوعه التِي بالكَـاد فَرَتْ فبكَيتُ أنَا عوضًـا عنهُ.
أخذتْ أمِـي التِي لا تَختلِف عنِي حالًا تُربتْ علَى ظهرِي برفق فأبتسمتُ بوجههَا قَبلْ أن أبدأ بالأكَل مِثلهمْ.
وبالواقِع لَم آكُل،لا أحَد فَعَـل، كُـل شيء هُنَـا فَقَـد مذَاقه، لَا ملَاذ لنَا بأي شَيء.
"أينْ المَلِك؟" سألتنِـي أُمِـي بصَـوتٍ خَفِيـضْ.
"إنهُ..نائِم" بالواقِـع كَـذ*بتُ فأنَـا لَمْ أعلَمْ مَا كَان يفعَـل ولَمْ أكُن مُهتمة بالمَعرِفة.
كَانْ الغَضَبْ الشدِيدْ يُخَيمْ بداخلِي كُلمَا لُفِظ أسمهُ أمَـامِي،ولا أعلَـم كَيفْ تسـأل عنهُ أمِـي ويُعاملـهُ أبِـي بكُـل سلاسة وهُـو كَـانْ الخ**ْ الأخِيـر لأخِـي بالمعركة فمن سوَاهُ سيقتلهُ؟
"خُـذِي هذَا لأجلـه، لا بُد أنهُ مُتعَـب مِن السَفَـر ومعركته السَابقة، وأنتِ أيضًا، أحصلِي علَى الراحة" حَدثتنِي أُمِـي مَا إن أبتعدتُ عَنْ طَاوِلة الطعَـامْ وهيَّ تَضَعْ صينية مُمتلئة بيدِي.
أومـأتُ أضَع أبتسَـامة ضَئيلة ثُمَ أستدرتُ ذَاهبة لغُرفتِي حَـيثُ تركتُ تَايهيُونـج سابقًـا.
لَـو لَمْ يَكُنْ سلوكًا يُسيء لِي ولعائلتِـي لدسستُ السُم بطعامه دُون ترددٍ أو شعورٍ بالذَنبْ.
أزحتُ الستائِر السَمِيكَة عَنْ مَدخَل الغُرفة فوجـدتُ تَايهيُونـج نائمًـا كمَا قلتُ سابقًـا.
تن*دتُ أضَع الطعَـام فَـوق الطَاولِة الصَغِيـرة قُـربْ السَـرِير ثُمَ ذهبتُ لإلتقَـاطْ معطفه المصنُوع كاملًا من الفرَو عَنْ الأرضْ.
حتَى أنهُ نَـام بحذائه فَوق سريري، مُقرِفْ.
حِـينْ أستدرتُ أُخَـطط للرَحِيل مرة أُخرَى فُوجئـتْ بجسدِي يُجذ*بْ للخَلـفْ عَـنْ طَـرِيق يدِي فألتفتُ لأجِد تايهيُونج مُستقيظًـا.
"يَجِـب أن نتَحَدثْ" هُـو قَـال يَنظُر لعينَـاي.
"لَا شيء لنتَحدثْ حَـولهُ" رددتُ أُخطط للإستدَارة مرة أُخرَى فجذبنِي هُو بقوة أكبَـر حتَـى أنتهَـى الأمر بِـي بالجلُـوسْ قُربهُ.
"أنَا لَـستُ السَببْ بمَوتْ أخاكِ" هُـو عَـاد يُبرر.
"لمَ تُبرر؟ أيُهمك كَـيف أُفُكَر بك أو أراكْ؟ بكُل الأحوال أنَا لا أحترمك وأبغضكْ" نَظَـرتُ لهُ مُشمئزة فَظَهـر الإغتيَـاظ بصوته.
"أنَا لا أهتَـم بطريقة رُؤيتك لِي ولا أهتَـم بأي شيء لهُ علاقة بكِ، وأحذرِي ماذَا أيتهَا الجَميلة؟ إن كُنتِ تكرهيننِي ضعفًا فأعلمِي أننِي أكرهـكِ أضعـافًا" ردَّ يَضغطُ علَـى فكِه الحَـاد إثر إغتياظه الظَاهِر.
"أردتُ القَـول أنهَـا لَيستْ مبادئِي فَقَـدْ عَـقدتُ السلَامْ مَع هذه المملكة لذَا مَا كُنتُ لأُحارِب الأمِـير" هُو تَابِع يَزفُر الهـواء بضِـيقٍ.
"لَـمْ أعلَـمْ كَـيفْ حَدَثْ الأمر لأننِي كُنتُ محاصرًا ولَكِنْ بسقُوط الأمِير عَادْ الجَيشُ الأخَر لمكانه سَريعًا وتُرِك هُو، باليَوم التالِـي عُدتُ مَع جنُودِي فهاجمتهم وأحضرتُ سَيفْ الأمِير الذِي وجدتهُ؛ لذَا أنَا لَم أمسهُ بسُـوء ولَو كَـان أحدًا مِن جنُودِي فستأكد مِن عقابه" شَـرَح يُفلِت يَـدِي الذِي كَانْ مُمسكًا بهَا لوهلة.
"لَا بُد أن جنودكم نَقلُوا الأمر لوالدكِ المَلك، ولَو كُنتُ الفَاعِل لمَا سَمَح لِي بالدخُـول لهُنَـا حتَـى"
"أنَا لا أُصدقك، أنتَ كَـاذِبٌ وقَـاتِل، يُمكنكْ فِعـل كُل شَـيء دُون الإكترَاثْ، ولا تملكُ مبادئًا للإلتزَام بهَا حتَـى" قُلـتُ بصوتٍ ملأهُ الإغتيـاظ فأستشاط الأخر غضبًـا.
شعرتُ بجَـسدِي يُدفَع ضِـد الفـرَاشْ حِـينْ وَصَـل كفهُ البَـارِد لعُنُقِي فَصَعدتْ الدمُوع لعينَـاي.
"كَـم مِن مرة سأحذركِ بشأن مَا تُـلقينهُ مِن كلمات؟" لَفَظْ يَضغطْ بقوة فَوق فكه كَـي لا يرفَع صَوتهُ وأستطعتُ رُؤية المسارَات الزرقَاء تَبرُز بعُنقه.
"مَنْ تُظنِـينْ نفسكِ كَـي أُبرر أنَـا لكِ أو أكذِبْ لأجلكِ؟" أشتدتْ قبضتهُ حَول عُنُقِي فسعلتُ انَـا.
كَـانْ جسدهُ فَوقِـي يَرتعِـشْ لشِدة غَضبهْ، كَـانْ يُحَدِق بِي دُون تَحَركٌ وشَعـرتُ كمَا لَو أنهُ يُرسَل الشرار ليحرقنِي عَـنْ طريق عينيه.
كَانْ المَشهَـد مُخيفًا كفاية ليجعلنِـي أُغلِـق عينَـاي بقوة وأنَـا أُجاهِد لأتنفَسْ.
ثُمَ أرتختْ قبضتهُ حَـولِي.
لمَ يَفعَـل هذَا بكُل مرة وكأنهُ علَـى وشَكْ قَـتلِي؟
لَـم أُرِد فَتحْ عينَـاي لأنهُ لَمْ يَكُف عن التحدِيق بِي أو يبتعَد حَيثُ أننِي شعـرتُ بأنفاسه فَوق وجـهِي، ولَـم أملِك القُدرة لدفعه لأننِي بالكَـاد كُنتُ أحاوِل التنَفُسْ.
"هِيـرَا، يَطلبكِ والدكِ مِن أجِل مُخاطبة النَـاس"
فتحتُ عينَـي أستمِع لصَوتْ أمَي وهيَّ تُـزِيل ستَائِر غُرفتـِي وبـذَاتْ الثَانيَّة شعرتُ بالإختنَـاق مُجددًا حِـينْ أنحنَـى تَايهيُونِج بوجهه سريعًـا ليُقبلنِي.