الفصل ١
الفصل الأول
أسدل الظلام ستاره وعم الهدوء المكان ، أخيرا ستنعم السيدة سمية بقسط من الراحة بعد يوم طويل متعب ، حافل بمقالب تلك الشقية أرسيليا ، تمددت سمية على فراشها بعد أن قامت بجولة أخيرة حول غرف الميتم تتفقد الاطفال ، كانوا جميعا نيام او على الاقل هذا ما كان يبدوا ، ولم يفتها ان تتأكد مرارا وتكرارا من أن لاشيء يلطخ فراشها وأحكمت إغلاق باب غرفتها، تنفست الصعداء ثم أخيرا غطت في نوم عميق .
في إحدى الغرف كانت أرسيليا الوحيدة التي لم تنم بعد، وقد ادعت ذلك عندما كانت السيدة سمية تقوم بجولتها ، أخذت مذكرتها التي كانت مديرة الميتم قد اهدتها إياها حين أصبحت تجيد الكتابة ، هي الآن في سن العاشرة تدرس في الصف الرابع طفلة ذكية ومشاغبة للغاية ، أخرجت القلم من محفظتها وأخذت تكتب أحداث يومها ، لقد بدأت في الكتابة منذ أن أدركت أنها فتاة متخلى عنها ، هذا ما تعايرها به السيدة سمية في كل مرة تخطئ فيها .
أرسيليا وهي تكتب في مذكرتها: انا عارفة أنه ليا آب وليا أم، الآنسة في المدرسة قالتلي كل الولاد الصغييرن عندهم آب وام بس هما فين دلوقتي وسابوني هنا ليه ..! أنا النهارده انتقمت من سمية الشريرة جبت دوده من الجنينة و حطيتها لها في الأكل بس خسارة شافتها قبل ما تأكل ، هي عرفت وعاقبتني تاني حرمتني من العشا ، ماما و بابا تعالوا خدوني انا جعت اوي .
هكذا هي أغلب صفحات مذكراتها، تحكي عن مقالبها و انتقاماتها من السيدة سمية التي تعايرها و تعاقبها على أتفه الأسباب، وعن اشتياقها لابوين لم تراهما قط لكنها ترى باب المدرسة كل يوم يعج بالاباء الذين يحضرون لاصطحاب أبنائهم، لقد بدأ النعاس يداعب جفونها ،اخفت المذكرة في حقيبتها ونامت وهي تتدور جوعا .
أشرقت الشمس بنور دافئ أذهب ظلمة الليل ، ليبدأ الأطفال بالركض في ممرات الميتم بإتجاه الحمامات، الكل يسارع ليأخذ دوره في الاستحمام ، ها هي أرسيليا أيضا تقوم بتكاسل ، اتجهت إلى الحمام هي الأخرى وانتظرت دورها ، بعد وقت قليل من الانتظار دخلت وهي ترمق السيدة سمية بنظرة حادة وكأنها تحذرها من أن تدخل معها ،لم تكتفي بتلك النظرة فقط بل اتبعتها بضع كلامات تؤكد ما اعتادته السيدة سمية .
أرسيليا : أوعي تيجي ورايا انا بعرف اخد دش لوحدي.
سمية : يلا اتحركي بسرعة مش فضيالك، كل يوم تعيدي نفس الكلام، وفي الآخر تطلعي مش غاسلة شعرك كويس .
أرسيليا تعرف أنها لازالت لا تستطيع غسل شعرها جيدا لأنه طويل بعض الشيء وكثيف لكنها تتعمد دائما إزعاج السيدة سمية عندما كانت تقوم بمرافقتها للحمام ، كثيرا ما كانت تضع لها الصابون في أعينها أو في الأرض ف*نزلق عليه ، هذا ما دفع السيدة سمية إلى الامتناع عن الدخول معها .
أرسيليا وهي تهز كتفيها وتلوي شفتيها : ملكيش دعوه بيا اغسله مغسلوش مش شغلك.
دخلت أرسيليا لتأخذ حمامها بعد هذا النقاش الصباحي الذي أصبح روتينا تعيشانه هي والسيدة سمية التي تشرف رفقة زميلاتها على ازيد من 40 طفلا منهم حديثي الولادة ،والذين تتم رعايتهم في الطابق العلوي بعيد عن الفوضى التي تحدثها حركة الأطفال الأكبر سنا . مر وقت طويل والسيدة سمية تنتظر أمام باب الحمام وتنادي أرسيليا بتذمر .
سمية بغضب : يلا يا بنت انتي اطلعي ، هو انا مش ورايا غيرك ؟
لم تجب ارسيليا ولم يص*ر أي صوت من الداخل يوحي بأن هذه الفتاة تأخذ حماما بالفعل، الشيئ الذي أثار فضول السيدة سمية وسارعت بفتح الباب لكن بحذر شديد ، كانت لاتخطي خطوة حتى تتأكد أن لا وجود للصابون على الأرض ، كل ما يدور في ذهنها هو أن هذه الشقية لابد وأنها تحضر لمقلب ما ، وأنها لن ترحمها اذا ما قامت بذلك فعلا . ازالت الستارة عن حوض الاستحمام ببطئ لكنها صعقت مما رأته وانتابها خوف شديد .
وقفت السيدة سمية أمام حوض الاستحمام مذهولة فقد وجدت ارسيليا ممددة بلا حراك ووجهها يبدو شاحبا للغاية ، خوفها لم يكن ابدا لأجل هذه الصغيرة بل من ما سوف يحدث لها هي في حال علمت المديرة بمرض هذه الطفلة.
حملت السيدة سمية الطفلة وهي تدعوا الله أن تستفيق دون الحاجة لاستدعاء الطبيب فالمديرة لن ترحمها هذه المرة .
سمية : يارب البنت ديه مش بيجي من وراها غير المصايب يارب تفيق بقا ده انا هروح في داهية لو حصلها حاجة ، ياريتني دخلت معاها .
بينما كانت السيدة سمية تمشي بخطا سريعة بإتجاه غرفة الأطفال التي بها سرير ارسيليا اصتدمت بمديرة الميتم والتي كانت ذاهبة إلى مكتبها.
المديرة : ايه ده يا سمية هو انتي مش بتشوفي قدامك .
سمية بتوتر: انا آسفة حضرتك ،كنت باخد البنت ديه لاوضة نوم العيال عشان تنام .
المديرة بشك: تنام !!! تنام ايه وده وقت الفطار بتاعهم ؟ وريني اما شوف كده البنت مالها .
ما أن نظرت المديرة لوجه الطفلة الشاحب حتى صرخت في وجه سمية تأنبها على إهمالها. وأخذت أرسيلها بنفسها إلى الغرفة واستدعت الطبيب على الفور و استمرت في تأنيب سمية ، فهي تعلم جيدا مدى صرامتها مع الاطفال و ليست المرة الأولى التي تحدث فيها مشكلة بسبب اهمالها للأطفال .
حضر الطبيب وفحص الطفلة والتي كانت قد استعادت وعيها ،لكنها لا تقوى على الكلام كما أن حرارتها مرتفعة بعض الشيء.
الطبيب : البنت عندها سخونة و إجهاد شكلها مش بتاكل كويس. انا هاكتبلها على خافض حرارة تأخذه بعد الأكل.
المديرة وهي ترمق سمية بنظرة معاتبة: اتفضل معايا يا دكتور ، وانتي يا سمية جيبي الفطار لأرسيليا. وابعتي حد يجيب الدوا.
أحضرت سمية الأكل للطفلة واطعمتها بنفسها لانها لم تكن تستطيع تناول الطعام بمفردها ، بعد قليل جاءت المديرة لتطمئن على حال أرسيليا.
المديرة : عاملة ايه يا بنتي ؟ في حاجة بتوجعك
ارسيليا بتعب : انا بخير بس جعت اوي سمية عاقبتني ومش خلتني أكل العشا مبارح .
المديرة بغضب : سمية تعالي معايا المكتب.
ارتسمت ابتسامة على وجه أرسيليا وهي تودع سمية و تخرج ل**نها لإغاظتها دون أن تراها المديرة.
اقفلت سمية باب المكتب بعد دخولها وهي ترتجف خوفا من رد فعل المديرة وما قد تعاقبها به ، لقد كان عقابها في آخر مرة عندما منعت أرسيليا من الخروج للحديقة ، أن اقتطعت جزءا من راتبها وصرفته هدايا لارسيليا .
المديرة بغضب : ازاي تعملي كده يا سمية في بنت صغيرة ، عملتلك ايه لكل ده .
سمية : البنت ديه مش بتهدى مبارح حطتلي دودة في الأكل وكمان كل مرة تخلي سريري بركة مية أو تحط فيه تراب زهقت منها . وكان لازم تتعاقب عشان تبطل عمايلها ديه.
المديرة : انتي الي خليتيها تعمل معاكي كده البنت ديه رغم صغر سنها بتعرف تميز كويس بين الي بيحبها والي مبيحبهاش ، هي من دون العيال كلهم الي بتيجي عندي وتقولي ده وقع وده ايه الي بيوجعه وبتساعد العيال في وظايفهم وهي معتمدة على نفسها في كل حاجة .حتى يوم ما هاجر وقعت من السلم و كل العيال هربت واتخبت عشان متتعاقبش ، هي الي ساعدتها وجات عندي قالتلي .
سمية : صح بس هي شقية اوي ومبتبطلش مشاكل معايا .
المديرة : انا قلتلك انتي السبب غيري طريقتك معاها وهتشوفي . انا هعديهالك المرة ديه بس لو اتكررت هطردك العيال هنا ملهمش غيرنا بلاش نقسا عليهم احنا كمان .....
في مساء يوم عاصف وإثر حادث سير مروع راح ضحيته طفل لم يتجاوز عمره سنتين ،ودخلت ولدته غرفة العناية المركزة ،الاب في حالة حرجة أيضا . وفي غرفة أخرى يوجد شاب يصارع الموت ،لقد انزلقت سيارته وفقد سيطرته عليها . وكانت النتيجة كارثية لهم جميعا .
خرج الطبيب ليقدم تفاصيل عن شحالة المصابين للشرطة التي توصلت لمعرفة هوية أفراد تلك الأسرة بينما لم تعرف شيئا بعد عن ذلك الشاب .
الطبيب :حضرة الضابط هو مفيش حد من قرايبهم هنا ؟
الضابط :لا مفيش حد ، احنا قدرنا نوصل لهويتهم عدى الشاب ،بس لسه موصلناش لقرايبهم.
الطبيب : للاسف ، هما هيحتاجوا دعم نفسي اكتر ما هو طبي ، الأسرة خسرت ابنها و الام فقدت الرحم ، أما الاب فالض*بة الي على رأسه ممكن تسبب له في شلل .
الضابط بشفقة : والشاب الي خبط فيهم ده ايه حالته .
الطبيب : حالته مش احسن منهم ، هو خسر رجله .
أشرقت شمس صباح جديد ، هذا اليوم قد يصلح ما أفسدته العاصفة وقد لا يستطيع ذلك ، استيقظ الشاب ليجد نفسه في غرفة بيضاء تحيط به أجهزة غريبة ، في لحظات عادت إلى ذاكرته تلك الحادثة وصوت الأمطار وهي تتساقط على سيارته وكأنها حجارة والرعد الذي يخترق صوته أذنيه ، لقد فقد سيطرته على سيارته وانزلقت في تلك الطريق المبتلة تماما بل والتي تكاد تصبح بركة ماء ،صرخ بأعلى صوته وهو يرى ذلك المشهد مجددا ، أراد الوقوف والهرب منه لكنه وقع ، لقد انتبه لقدمه التي لم تعد موجودة . الأمر أكثر سوء مما كان يظن .
استيقظت تلك المرأة ايضا ، وشرعت تنادي على صغيرها و تطلب المساعدة من تلك الممرضة التي تقف على رأسها وتمنعها من الحراك ، تحاول جاهدة اخفاء أمر وفاة ابنها عنها فهي لم تتحسن بما فيه الكفاية لتلقي خبر كهذا .
المرأة ببكاء شديد وصراخ : جوزي وابني فين هما كانوا معايا في العربية ، هما فين ؟ جيبيلي ابني زمانه جاع ، هو فين انطقي .
الممرضة بتملص من الإجابة: ثانية وحدة أنا هنادي الدكتور عشان يفحصك . ارجوكي متتحركيش الغرز هتتفتح ، لو سمحتي يا فندم .
اختفت الممرضة من أمام تلك السيدة في لمح البصر ، لم تستطع تحمل نظراتها الحزينة والتي تحمل خوفا كبيرا من القادم وكأنها تشعر أن هناك مصيبة قد حلت بها أكبر حتى من تلك الحادثة .
في المدرسة
كانت أرسيليا تجلس بعيدا عن باقي الاطفال . تراقبهم كيف يلعبون ، تعرف أسماء البعض منهم فهم زملاؤها في الفصل ،ومنهم أيضا من يسكنون الميتم ذاته ، أخرجت مذكرتها وبدأت تكتب .
" الجميع هنا في ساحة المدرسة يلعبون و يضحكون و يمرون من أمامي وكأنهم لا يرونني ، ربما هذا ما حدث معكما أيضا مررتما من أمامي ولم ترياني ، ظننتماني طفلة أخرى "
اقتربت المدرسة من أرسيليا وجلست بهدوء بجوارها تحاول معرفة ما الذي تكتبه هذه الصغيرة ، فهي دائما ما تنزوي بعيدا عن الجميع وتخرج مذكرة صغيرة و تشرع في الكتابة ، لابد وأنها في حاجة للمساعدة.
المدرسة : أرسيليا حبيبتي ،وريني كتبتي ايه
أرسيليا بتوتر : أنا ..أنا مكتبتش حاجة ،كنت برسم وبس .
واختفت المذكرة في محفظتها ثم انطلقت بعيدا عن مدرستها كي لا يفتضح سرها هذا .
حل المساء وعاد الجو ليعصف من جديد و الامطار تتساقط بغزارة ، يبدو أن فصل الشتاء هذا سيكون أشد برودة من سابقه . وصل باص المدرسة إلى أمام الميتم وترجلت منه مجموعة من الفتيات أعمارهن متقاربة واحدة منهن فقط التي تبدو أكبر ببضع سنوات ، كانت تبدو حزينة منذ فترة ،أرسيليا لم يفتها ذلك ،فهي تراقب الجميع دائما ومهتمة لأمرهن ربما لأنها تعلم جيدا أنهن يعشن نفس ظروفها ويشعرن بذات شعورها .
دخلت الفتيات جميعهن للميتم ،باستثناء تلك الفتاة لقد غادرت ، هربت في غفلة من الجميع وتبعتها أرسيليا وهي تناديها علها تعود ،لكنها لم تعد ،وكانت أسرع فاختفت عن أنظارها. ابتلت ملابس الطفلة وتعبت من الركض فعادت أدراجها ، وحين اقتربت من باب الميتم وجدت علبة كارتون متوسطة الحجم، اقتربت منها أكثر فسمعت بكاء رضيع ، خافت في بادئ الأمر لكنها فتحت العلبة ووجدت بها مولودا . حملت العلبة و طرقت باب الميتم لتفتح لها سمية .
سمية : كنتي فين يا بنت انتي ، مدخلتيش مع البنات ليه ؟ قعدت ادور عليكي زي الهبلة في كل حتة .
أرسيليا وهي تتخطاها لتدخل : انتي أساسا هبلة .
قالت جملتها تلك وركضت إلى مكتب المديرة فورا بتلك العلبة بين أيديها وصوت بكاء الرضيع وصل إلى مسامع سمية لتركض هي الأخرى خلفها .
جلست أرسيليا أمام المديرة وحكت لها ما حدث بالكامل منذ هروب تلك الفتاة إلى أن وجدت العلبة .
المديرة : طيب يا بنتي كويس انك لقيتيها، بس متعمليش كده تاني ، أول لما توصلي تدخلي على طول ،يحصل الي يحصل ملكيش دعوة ، اتفقنا؟
أرسيليا : اتفقنا ، بس البنت ديه اسمها ايه ؟
المديرة بحزن : معرفش يا بنتي ، هنلاقيلها اسم ،بس الاول نقول لعمه الشرطي .
أرسيليا بتفكير : ممكن نسميها مروة زي اسم البنت الي هربت ؟
المديرة بابتسامة : حاضر هنسميها مروة.
ذهبت أرسيليا لتغير ملابسها وتتناول عشاءها مع بقية الأطفال ،بينما اتصلت المديرة بالشرطة وأخربتهم بهرب الفتاة و بأمر الطفلة التي وجدوها .
في المستشفى:
وصل بعض أقارب تلك الأسرة التي خسرت ابنها جراء حادث سير ، هذا ما أخبرت به إحدى الممرضات الطبيب المشرف على حالة الزوجين ، طلب منها إدخال أحدهم فدخل والد الزوج . أخبره الطبيب بكل ما حدث وبكون الزوجة تعاني من انهيار عصبي وقد عمد إلى حقنها بمنوم كي لا تكثر من الحركة ففي ذلك خطر على حياتها . كان ذلك الشيخ ينصت يترقب للاسوء.
الشيخ: طيب وابني حالته عاملة ازاي ؟
الطبيب : الحمد لله ابنك كويس ،كنا خايفين من الض*بة الي في رأسه بس الحمد لله ربنا لطف ،هو صاحي دلوقتي بس لسه ميعرفش أنه ابنه اتوفى.
الشيخ بحزن : انا لله وانا اليه راجعون، ربنا يعوضهم خير
الطبيب بأسف : في حاجة تانية ، المدام بتاع ابنك شلنالها الرحم لانه اتضرر جدا من الازاز ومكانش في قدامنا حل غير أننا نشيله .
الشيخ : لا حول ولا قوه الا بالله، الله اجرنا في مصيبتنا . طيب يا ابني هو أنا أقدر اشوفهم.
الطبيب : طبعا تقدر ، بس ياريت متقولش اي حاجة من الي عرفته ده ، لأن وضعهم ميسمحش بكده حاليا.
في الشارع ، كانت الأمطار غزيرة لليلة الثانية على التوالي .وكانت مروة تمشي على جانب الطريق مبتلة الملابس ودموعها اختلطت بقطرات المطر ، لقد أتمت 18 سنة اليوم إنه عيد ميلادها ، وكانت الهدية أن تم إبلاغها أنه ليس بوسعها أن تظل في الميتم بعد الآن وأن أمامها بضعة أيام فقط وترحل ، لقد حصلت على مبلغ من المال شفقة من المديرة ، لم تنتظر أن تمر تلك الأيام بل هربت وكأنها تريد أن تقنع نفسها أنها من تخلت على الميتم وليس هم من تخلوا عنها فقد سئمت التخلي هذا المصير الذي اختاره لها أبوان أرضيا غرائزهما والقيا بثمرة فعلتهم تلك في القمامة .
الحياة أضحوكة حقا ، الامس كانت بماوى على الأقل واليوم باتت لا تملك شيئا، صوت مزعج أص*رته سيارة كادت تصدمها ، هذا الصوت أفاقها من شرودها . توقفت دون أن تستدير خلفها حتى ، ربما كانت تتمنى أن تصدم وينتهي الأمر
السائق: ايه يا بنت انتي عامية ، زيحي من الطريق بدل ما اخبطك، الأشكال ديه بتيجي منين ياربي
بخطى بطيئة جدا ابتعدت عن الطريق ، أوقفت سيارة أجرة وطلبت من السائق أن يأخذها إلى فندق قريب على أن يكون أقل تكلفة من غيره وكان لها ذلك .
مر أسبوع و الحال على ما هو عليه جو من الكأبة يخيم على المستشفى ، أقرباء المصابين يترقبون أحوال ذويهم في بقلة حيلة ، ولازال لأب الأم يجهلان خسارتهما ،الا أنهما يشعران بحدوث خطب ما لأنهما وإن كانا لن بتوقعا ما حدث . بعد ساعة تم السماح للزوج برؤية زوجته أخيرا فقد أصبح بحالة جيدة وهي ايضا يمكنها الخروج من المشفى اليوم على أن تهتم جيدا بصحتها .
الزوجة : احنا نقدر نطلع النهاردة مش كده ؟ طيب وابننا طلع من العناية المركزة ولا لسه
الزوج والذي تلقى خبر وفاة ابنه قبل دخوله إلى غرفتها بدقائق فقط : ابننا تعيشي انتي يا صباح
الزوجة بصدمة: انت بتقول ايه ؟ الممرضة لسه قايلالي أنه في العناية المركزة ومش طلع لسه منها .
الزوج بحزن وهو يحاول منع دموعه من الانهمار: أبننا مات يوم الحادثة قبل حتى ما يوصل المستشفى ، ربنا يرحمه ويعوض علينا .
كان اقرابهما يقدمون التعازي لهما ويربتون على كتفيهما ، خرجا بدون صغيرها بعد أيام من الأمل والترقب والانتظار، اتضح أن طفلهما رحل للابد وليس هذا فحسب بل لن يصبحا أبا وأما مرة أخرى ، إنه لأمر صعب جدا .
تسللت أرسيليا كعادتها منذ أيام إلى الطابق العلوي لتلقي نظرة على مروة النائمة بهدوء ، بحثت عنها بين باقي الرضع لتجد سريرها الصغير لقد ربطت شريط ملون في إحدى زوايا السرير كي تستطيع إيجاده بسهولة ، ابتسمت عدن رؤيتها لمروة تفتح عيناها ببطء وكأنها قد شعرت بقدوم أرسيليا .
أخرجت قطعة حلوى من جيبها ومدت يدها نحو الصغيرة تطلب منها التقاطها بسرعة قبل أن يمسك بهما أحد .
في هذه الليلة الباردة كانت مروة الفتاة التي هربت أمام أعين أرسيليا ترتعش تحت الغطاء الذي تدثر به في غرفة الفندق ، درجة حرارة جسمها مرتفعة جدا لكنها تشعر بالبرد الشديد وكأن الأمطار لازالت تتساقط فوق ظهرها ، بين الفينة والأخرى تإن من شدة الالم الذي يعتصر رأسها ، دموعها لم تتوقف منذ أيام ، لا أقارب لها كي يطمئنوا عليها .ولا أم تسهر الليل لأجل تفقد حرارتها، لقد تحاملت على مرضها واحضرت طعاما لنفسها بآخر ما تبقى لها من مال .لم تدفع للفندق منذ يومين ،وقد طلبت الإدارة منها الرحيل صباحا مادامت لا تستطيع الدفع والا سيتصلون بالشرطة، لقد أشفقوا على حالها لذا تركوها لحين تشرق الشمس.
في المستشفى
أشرقت الشمس و وصل موعد خروج الشاب الذي قطعت قدمه ، حضر والده المسن ليصطحبه للمنزل فهو كل أقاربه ، نظر الشاب إلى ذلك الكرسي الذي بين يدي والده ،وبدا في الصراخ ولم يقبل بالجلوس على ذلك الكرسي ، من الصعب لشاب في الخامسة والعشرين من عمره أن يتقبل فقدان جزء من جسده ، وأن يصبح عاجزا على خدمة نفسه .
الشاب : اطلع برا انت والكرسي الي في ايدك ده ، انت السبب فبالي حصلي ،انا طلعت من البيت يومها عشان حضرتك خنقتني بتحكم في كل تفاصيل حياتي .
المسن : يا ابني استهدي بالله ، ده امر ربنا
استمر صراخ الشاب واضطر الطبيب إلى إخراج والده من الغرفة ، كما طلب من أحد الممرضين إحضار عكازين بدلا عن الكرسي . وقد كان من الصعب عليه أن يمشي بهما خاصة أنه ليس معتادا بعد ،لكنه فضل العكازين على ذلك الكرسي . وعند خروجه وجد السائق في انتظاره ،بينما والده أخذ سيارة أجرة وعاد إلى منزله .
كان شارد الذهن ينظر من نافذة السيارة إلى الطريق التي تزدحم بالناس بينما هو يعيش وحيدا مع ابن يحمله مسؤولية وفاة والدته ،لم يتمكن ابدا من احتواء ابنه ولا جعله يفهم حقيقة الأمر وأن لا دخل له في تلك الحادث .
وقع نظره على شابان يحاولان منع فتاة من العبور ويبدوا أنهما ينويان إيذاءها ، طلب من السائق العودة قليلا الى الخلف ،ثم طلب منه أن يتوقف ما إن أصبح مقابلا لهم .ترجل من السيارة واتجه نحوهم ، كانت الفتاة تصرخ وتض*ب الشابان بكل قوتها ،والناس من حولها يشاهدون ما يحدث دون تدخل ، بل ومنهم من أخرج هاتفه لتصوير ما يحدث . تقدم ذلك المسن وسحب الفتاة من يديهما وجعلها خلف ظهره ،رفع حاجبا واخفض الآخر وهو يقول لهم .
المسن : الي عايز يتعفن في السجون يقرب وياخدها.
أحد الشباب بسخرية: هو انت فاكر انك هتخوفنا بالكلام ده ولا ايه يا جدو.
المسن : طيب قرب وشوف ، طالما مش بتخاف
اقترب ذلك الشاب وامسك بذراع الفتاة وأراد سحبها لكن ذلك الرجل العجوز أحكم قبضته على يد ذلك الشاب وشرع يضغط ويضغط إلى أن صرخ الشاب معتذرا فقط كي يفلته ، فقد شعر أن يده ست**ر من شدة قوة هذا الرجل .
هرب الشابان وإلتفت ذلك الرجل المسن إلى تلك الفتاة ، ليجد دموعها منهمرة في **ت ، طلب منها الرجل مرافقته و فعلت ذلك دون تردد ،ركبت سيارة الأجرة مع وطلب هو من السائق أن يأخذهما إلى عنوان سكن الفتاة ،ثم نظر للفتاة في انتظار أن تملي العنوان ! نظرت إليه هي الأخرى و شرعت في البكاء بشكل هستيري . ما جعل الرجل يغير وجهته ويذهب بها إلى مطعم قريب ،دفع الأجرة و اصطحبها لشرب كوب من العصير حتى تهدأ أعصابها .
لم يكن يدور ببالها سوى شئ واحد ، وهو أن العالم الذي خرجت لمواجهته بدون مساعدة أحد أشبه بغابة . ولابد أن تكون هي السند لنفسها بعد الان .