بدا أن الزورق يقفز من رأس موجة عملاقة إلى أخري؛ وفي الفترات الفاصلة حين تكون المروحة في الهواء بدا كأن المحرك يحاول اقتلاع نفسه من الجذور . كان الموج يت**ر على الحاجز . لكن سرعته لم تخف ، وحين اقترب من حاجز الأمواج بات منتصبا مثل سمكة أبي شراع . بات الحاجز على بعد ميل ، وعند نهايته تلألأت أضواء خافتة تشبه أسرجة الإرشاد . مال الشاب ، قائلاً : " أخفض رأسك ، مدافع رشاشة ، قد تصيبك طلقة طائشة " .
صاح بوجارد : " ماذا أفعل ؟ كيف أستطيع المساعدة ؟ " .
- " أيها الوحش . أرهم الجحيم . عرفت أنك ستحب هذا! " .
- " أستطيع استعمال الرشاش! " .
صاح الشاب :
- " لا حاجة إلى ذلك ، أعطهم الجولة الأولي . كما في الرياضة . نحن الفريق الزائر . إيه ؟ " .
راح ينظر أمامه . قال : " ها هي ، أتراها ؟ " .
باتوا داخل الميناء الآن ، وقد انفتح الحوض أمامهم حيث ترسو سفينة شحن ضخمة نقش عليها علم الأرجنتين .
صاح الفتى :
- " يجب أن أعود إلى موقعي! " .
ثم في اللحظة نفسها تكلم روني للمرة الأولي . بات الزورق يمضي الآن بسلاسة أكبر ، من دون أن يبطئ من سرعته . لمَ لم يلتفت روني وهو يتكلم . فقط أمال فكه البارز وشد أسنانه بإحكام على الغليون الفارغ ، ولفظ بطرف فمه كلمة واحدة :
- " بيفر " .
رفع الشاب وجهه فوق الطوربيد فجأة بسخط وذهول . بوجارد أيضا نظر إلى الأمام ورأي ذراع روني تشير إلى اليمين نحو طرادة خفيفة تبعد ميلاً يرتفع فوقها الصاري المثلث ، وبينما هو ينظر إليها لعلع مدفعها الرشاش في اتجاههم :
- " ا****ة " ، صاح الشاب ، " ، أيها المحتال! لقد سبقتني بثلاث نقاط يا روني! "
لكنه انحنى مجدداً فوق أداة الإطلاق ووجهه متورد ومذهول ومتيقظ من جديد . مجدداً نظر بوجارد قدماً وأحس القارب يلتف ويتجه مباشرة نحو سفينة الشحن بسرعة هائلة بينما روني يمسك الدفة بيد ويرفع الأخرى إلى مستوى رأسه . وبدا لبوجارد أن اليد لن تسقط أبدا . جثم أرضاً ، مراقباً بنوع من الرعب المكتوم العلم المرسوم يقترب مثل القطار . مجدداً لعلع المدفع الرشاش من الطرادة التي خلفهم ، والسفينة أطلقت النيران عليهم مباشرة .
- " يا إلهي! يا إلهي! " .
رأى بوجارد مقدم السفينة يرتفع ، وهي تدور على محورها؛ توقع أن يرتطم القارب عرضياً بها لكنه حاد عنها قبل ملامستها . توقع أن يندفع القارب عندئذ إلى عرض البحر ، بحيث تصبح السفينة خلفه ، وفكر في الطرادة مجدداً : " ضعه عرضياً هذه المرة ، ما إن نتجاوز سفينة الشحن " . ثم تذكر سفينة الشحن ، الطوربيد ، ونظر إلى الخلف نحو السفينة لكي يرى الطوربيد حين يصيبها ، ورأى لرعبه الزورق يتجه مجدداً نحو السفينة ، في حركة التفافية . مثل شخص يحلم شاهد نفسه يمر بمحاذاة السفينة ، وهو ما يزال يلتف ، قريباً جداً ، بحيث رأى وجوه من على سطحها . فكر بسذاجة : " لقد أخطأوا التصويت وسوف يعيدون الطوربيد إلى مكانه لكي يطلقوه ثانية " .
كان على الشاب أن يلمس كتفه قبل أن يعرف أنه يقف خلفه . جاء صوت الأخير هادئاً :
- " تحت مقعد روني هناك ثمة مقبض محراك ، لو تناولني إياه فحسب . . . " .
عثر على المقبض ، وناوله إياه؛ واخذ يفكر ، بشرود : " كان ماك ليقول إن لديهم هاتفاً على متن الزورق " . لكنه لم ينظر فوراً ليرى ما الذي يفعله الشاب ، ففي خضم رعبه المكتوم راح يراقب روني ، متشبثاً بالغليون المنطفئ بين فكيه ، وهو يلتف بالقارب بأقصى سرعة حول سفينة الشحن ، على مقربة شديدة منها بحيث رأى بوجارد البراغي المثبتة على الصفائح المعدنية في السفينة . ثم نظر إلى مؤخر السفينة ، وجهه جامح ، متلهف ، ورأى ما الذي كان يفعله الشاب بالمقبض . كان قد أوصله برافعة صغيرة على أحد جوانب الأنبوب قرب الرأس . التفت فرأى بوجارد ، وصاح بفرح :
- " لم ينطلق هذه المرة! " .
- " لم . . . الطوربيد . . . " .
انغمس الشاب وأحد البحارة فوق الرافعة والماسورة .
- " لا . يا للغباء . يحدث دائماً . ينبغي أن نفكر بذكاء كالمهندسين . . . يحدث مع ذلك . . . أدخله وحاول مرة أخرى " .
- " لكن رأس الطوربيد! ما زال متصلاً بالماسورة أليس كذلك ؟ " .
- " بالتأكيد . لكنه بدأ يعمل الآن . بدأ الحلزون يتحرك . علينا أن نسقطه فوراً . إذا ما توقفنا أو تباطأنا فسوف يجرنا معه " .
انتصب بوجارد واقفاً ، متشبثاً خشية من التفاف المركب . في الأعلى بدت السفينة تدور على نفسها مثل الخدع السينمائية :
- " لا ينبغي أن نجره إلى الخلف بسرعة أكثر من اللازم . علينا أن ندكه في رأس الأنبوب بأنفسنا . مرحى! من الأفضل أن تدعنا نفعل ذلك . أعط الخبز للخباز ، أليس كذلك " .
- " أجل بكل تأكيد ، طبعاً " . شعر أن شخصاً آخر هو من يحكي . انحنى ، متشبثاً ، يده على الماسورة الباردة ، بجانب الآخرين . شعر بالسخونة في أحشائه ، أما من الخارج فشعر بالبرد وهو يراقب يد البحار الخشنة المتعرقة تلف المرفاع في أقواس صغيرة بطول بوصة واحدة ، بينما انحنى الشاب على رأس الماسورة ، وراح يطرق الأنبوبة بمفك براغٍ ، بض*بات خفيفة ، مصيخاً السمع مثل صانع الساعات . استمر القارب بالالتفاف . رأى بوجارد خيط ل**ب طويل يسقط على يديه ، قبل أن يكتشف أن الخيط نزل من فمه هو . ولم يسمع الفتى وهو يتكلم ، ولا لاحظه حين وقف . فقط شعر أن القارب يمضي مستقيماً ، رامياً إياه على ركبتيه بجانب الأنبوب . وانحنى الشاب مجدداً فوق أداة الإطلاق . جثا بوجارد ، منهكاً تماماً . لم يشعر بالزورق حين تأرجح ثانية ، ولا سمع مدفع الطرادة التي لم تكن تجرؤ على إطلاق الرصاص والسفينة التي لم تكن قادرة على إطلاق الرصاص ، وهي تطلق الرصاص ثانية . لم يشعر بأي شيء على الإطلاق حين رأى العالم الضخم المرسوم أمامه مباشرة يتقدم ويكبر بسرعة خرافية ، ويد روني المرفوعة وهي تسقط . لكنه أدرك عندئذ أن الطوربيد قد انطلق؛ بحركة دائرية والتفافية هذه المرة بدا أن الزورق كله يرتفع فوق المياه؛ رأى مقدمه يتجه نحو السماء مثل طائرة تستعد للالتفاف دائرياً . ثم خذلته معدته وبدأ يتقيأ . لم ير الانفجار ولم يسمعه وهو يسقط فوق الماسورة . فقط شعر بيد تمسكه من كم معطفه ، وصوت أحد البحارة يقول له : " اثبت يا سيدي ، إنني أمسك بك " .
أيقظه صوت ، ويد . كان قاعداً في الممر الضيق إلى يمين الزورق ، نصف ممدد على الماسورة . كان هناك منذ بعض الوقت ، إذ شعر منذ مدة بأن أحدهم يفرد غطاءاً فوقه . لكنه لم يرفع رأسه . قال : " إنني بخير ، احتفظ به " .
قال الشاب : " لست بحاجة إليه ، سنعود أدراجنا الآن " .
وقال بوجارد : " إنني آسف . . لقد . . . " .
- " بالتأكيد . هذه القوارب العجيبة المسطحة تقلب معدة أي شخص ما لم يكن معتاداً عليها . لن تصدق ذلك . حصل هذا معي ومع روني في البداية . كل مرة . لن تصدق أن معدة الإنسان تستوعب لكل هذه الكمية . هاك " . وناوله القنينة ، " شراب جيد ، خذ جرعة كبيرة منه . جيد للمعدة " .
أخذ بوجارد جرعة . وسرعان ما شعر فعلاً بالتحسن وبالدفء . حين لمسته اليد لاحقاً ، عرف أنه كان نائماً . كان الشاب مرة أخرى . كان المعطف الكاكي صغيراً جداً عليه؛ منكمشاً ربما . تحت طرفي الكمين ، كان مع**اه الطويلان الشبيهان بمع**ي بنت قد ازرقا من شدة البرد . ثم أدرك بوجارد ما كانت قطعة القماش التي تغطى بها . لكن قبل أن يتمكن من التكلم ، مال الفتى نحوه ، هامساً ببهجة : " لم يلاحظ! " .
- " ماذا ؟ " .
- " الأورجانوستراس! لم يلاحظ أنهم بدلوا مكانهم . يا إلهي سيكون قد سبقني بنقطة واحدة فقط " . حملق في وجه بوجارد بعينين مشعتين متحمستين . " بيفر ، كما تعلم . أتشعر بتحسن ؟ " .
- " أجل ، أشعر بتحسن " .
- " لم يلاحظ البتة ، يا إلهي! " .
نهض بوجارد وجلس على الماسورة . كان مدخل الميناء أمامهم مباشرة وقد أبطأ الزورق سرعته قليلاً . كان الغروب تماماً . قال بهدوء : " هل يحدث هذا غالباً ؟ " ، نظر الفتى إليه . لمس بوجارد الماسورة . " هذا . ألا يخرج الطوربيد ؟ " .
- " أجل . لهذا يضعون الرافعة عليه . لكن هذا جاء لاحقاً . في البداية صنعوا القارب . فانفجر الطوربيد فيه . فأضافوا الرافعة " .
- " أحياناً تنفجر الطوربيدات حتى بوجود الرافعات ؟ " .
- " من يعرف ؟ بالتأكيد . القوارب تخرج . بعضها لا يعود . ربما . لم أسمع بهذا بالطبع . لم أسمع عن قارب سقط في الأسر ، ومع ذلك هذا محتمل . لكنه لم يحدث معنا ، ليس بعد " .
- " أجل " .
دخلوا إلى الميناء الغارق بضوء الغروب الشاحب بالسرعة نفسها ، لكن بيسر أكبر . من جديد مال الفتى نحوه وهمس بغبطة :
- " ولا كلمة! اثبت الآن! " .