_رواية عتمـةُ اليـاسمين_
_الفَـصلُ الرابع_
______________________________
تأففت للمرة الخامسة بضجر وصل أقصاه بينما تحمل الحقيبة الثقيلة على كتفيها،مُغادرة محطة القطار..بعد قدومها من الإسكندرية ،المدينة التي قضت فيها أعوامها الثلاثة والعشرون،والآن تأتي مُضطرة للقاهرة؛ للـ قاءِ والدتها التي لا تعلم عنها شيئًا سوا ما ذكرهُ لها أبوها على مضض،رغم حماسها للقاءٍ كهذا..إلا أنها تشعر ببعض الضيق اتجاه والديها،فـ هما المُتسببان بما هي فيه الآن..كيف لم ترَ أمها كل هذه المُدة!،وكيف أن يوهمها أبوها بـ أنها ميتة حينما تسأل عنها.
بعد ساعتان ونصف توقفت السيارة في الموقع المطلوب،فـ خرجت بعد أخذ السائق لـ أُجرتهِ المدونة بالهاتف.
شعرت عفويًا بالتيه بينما تقف على رصيف صغير وأمامها طريقًا سريعًا يفصل بينها وبين المنطقة التي تظن أن هناك البيت الخاص بـ أمها.رفعت كفها عاليًا فوق رأسها تحجب أشعة الشمس المُسلطة على رأسها بقسوة،وبـ حذر عبرت الطريق بعد تقليل كمّ السيارت .
صارت تـاليا الآن في المنطقة،مُحاطة بـ بيوت منها ذي الطابقين،ومنها ذي الثلاثة ، لكن جميعها حازت على إعجابها بـ ألوانها وت**يمها اللطيف..،ومساحات خضراء واسعة أضفت جمالاً رائعًا..بالتأكيد لا يسكُن هنا سوا أصحاب الشأن الرفيع.
وضعت الهاتف فوق أذنها وبـ ثانية أتى صوت أُنثوي مُتلهف ، وفالمقابل رددت بتوتر:
_انا توهت..مش عارفة أروح فين.
_يا حبيبتي هو مش أنتِ إديتي العنوان لـ أوبر وهو نزلك ؟!
_أيوا بس انا دلوقتي في المكان اللي قولتِ عليه،ومش عارفة أروح منين.
بعد محادثة قصيرة أدلتها فيها للعنوان المنشود،وتابعتها بـ خطواتها حتى اطمئنت وتهللت أساريرها بـ غبطة لا مثيل لها حينَ أبصرت الشابـة التي تقف عند البوابة الحديدية المُربعة السوداء،وتحمل حقيبتان واحدة فوق كتفها والأُخرى تجرها.
في حين أن تضاعف الارتباك في نفسِ تاليا بعد إدراكها أن ما يفصلها بينها وبين ذلك اللقاء دقائق معدودة،وربما ثواني..أقدم الحارس ذو الجلباب الواسع عليها يفتح الباب بعد تلقي الأمر من سيدتهِ.
وأخذ يُرحب بها بـ حفاوة شديدة مرات مُتتالية بينما تتقدم خطوة،وتُأخر أُخرى حتى وجدت نفسها قُبالتها..والدتها التي لم ترها قبلاً ، سوا بالصورِ القديمة حين كانت شابة وقتها،وزوجة لـ أبيها.
لم يكن حال الأخيرة أفضل منها،فالدموع الباردة المُتحجرة خلف جفونها عبرت عن مدى تأَثُرها،ومشاعرها الأُموميـة المُتخبطة..غير مُصدقة بعد أن الابنة التي بحثت عنها كالمجانين لـ سنوات تقف قُبالتها حية تُرزق بـ شحمها ولحمها.
لم تُمهل الفرصة لل**نها لـ يُعبر ، فـ طاقتها بـ ذراعيها بـ عاطفة جياشة تُعانقها بحرارة..وكأنها أهم انتصاراتها.
_مش مصدقة إنك رجعتيلي تاني يا حبيبة أُمك،دا انا كنت خلاص فقدت الأمل.
لم تعرف ماذا عليها أن تقول بـ لحظة كهذه،والكلام الكثير الذي رددتهُ في عقلها مرات تبخر،وفرغ فاهها من الحروف..فـ بادلتها العناق ب**ت ،وبـ مرور اللحظات ابتعدت عنها سُـمية..أمها،وأمسكت بكفها تمشي معها حيث الداخل قائلةّ بحماس:
_يلا يا حبيبتي خُشي عشان تسلمي عليهم..كلنا مستنينك!.
احتارت في مغزى كلامها فـ من سيكون في انتظارها؟!.
تفقدت وجها الاثنان الجال**ن فوق الأريكة الواسعة ، شاب وكهل..يُشبهان بعضها كثيرًا،الكهل هناك طيبة غريبة وحنوا يشعان من وجههِ الذي يشي عن مدى وسامتهُ حين كان شابًا،والشاب..هيئتهُ تبدو صارمة ،ويبدو كشخص جديّ جدًا.
أحاطت سُمية كتفيها،ثم قالت مُشيرة إليهما بعينيها:
_دا أونكل إبراهيم يا تاليا،جوزي..ودا يُـونس أخوكِ.
ارتفع حاجباها المرسومان بدقة عفويًا بـ ذهول،وما لبثت أن انخفضا مُنتبة لـ ابراهيم الواثب رافعًا لـ كفهِ الكبير،ويبتسم بـ ترحيبٍ شديد...ثم قال:
_أهلاً يا تاليا ، نورتينا يا حبيبتي.
بادلتهُ التحية،والراحة تتسلل إليها في وجودِ هذا الرجل،وبعد سؤاله عن أحوالها حان دور يُونس أخوها..كما قالت سُمية،تفاقم توترها ،وأجلت حلقِها الجاف مُرددة بصوت خفيض:
_أهلاً.
_أهلاً.
هو الآخر متوترًا من لقاءِ الأخت التي ظهرت فجأة من العدم..نعم ليست أخته بالمعنى الحرفيّ،فـ سُمية زوجة أبيه،إلا أنهُ لم يحتاج يومًا إلى أمٍ حقيقية منذ أن أصبحت هي في حياتهِ وهو بـ عامهِ الثالث،وأمه الحقيقية هربت وتركتهُ..لو عاش حياتهُ بـ أكملها يسدُ دينها عليه لن يُوفيه أبدًا.
...................................
في لحظات وجدت ميادة زوجها قُبالتها يخترقها بـ نظاراتهِ،ثم يسألها بـ حدة وشك بات يتسلل إليه كثيرًا مُؤخرًا:
_كُنتِ بتكلمي مين؟
أجابتهُ فورًا:
_كنت بكلم أُمي يا صلاح.
هز رأسهُ بلا رد،واستدار ذاهبًا لـ غرفتهِ؛ لـ ينال قِسطًا من الراحة قبل مغادرتهُ البيت مجددًا،و ميادة أخذت تتبعهُ،ثم هتفت فجأة مُستفسرة بـ فضول:
_هو انت مش كُنت قايل إنك هتكلم أخوالك في البلد؟،عشان يتصرفوا مع المزغودة اللي جوا..!.
طال **تهُ للحظات وظهرهُ هو المُقابل لوجهها فـ لم تقدر على معرفةِ تعابيرِ وجههِ ، حتى غمغم بـ احتداد:
_انا مش فاضيلك يا ميادة،انا تعبان وعايز أنام.
عضت على شفتيها بـ غيظ مكتوم،ووئِدت عاصفتها في مهدها راحلةً في هدوءٍ مريبٍ لا يليق بها،وأخذت تخطوا إلى غرفةِ يَـاسمين،ودفعت الباب بـ همجية كالعادة..فـ وجدتها تنتهي من صلاتها،ودون إلقاء نظرة واحدة عليها كأنها شفافة فيما ألقت ميادة نظرة مُزدرية مُفعمة بالاستخفافِ منها،ثم غمغمت ببسمة ساخرة:
_صلي يا حبيبتي صلي،ياكش ربنا يقبل توبتك قبل ما تروحيله!.
رفعت لها عيناها واللتا كانتا يومًا ما متوهجتان على ع**ِ الانطفاءِ والذبول البيّن،بـ استغراب فـ أكملت بـ خبثٍ مدروس:
_أصل أخوكِ كَلِم أخوالِك ،وعلى بُكرا الصُبح هيبقو هنا!.
جزِعت ياسمين إثر اعترافها..وأحست كما أنها تقف فوق قدم واحدة،لا شيء يُذكر لـ تستند عليه..صحيح أنه قال أنهُ سيفعل ذلك،إلا أن كان هناك شُعاع أمل ضئيل يُخبرها بـ أنهُ مجرد حديث فارغ،قلبهُ لن يُسعفهُ لـ يفعل ذلك...إن كان الموت وشيكًا،فـ على الأقل لا تموت وهي في مُذنبة في نظرهِ،لا يجب أن تظل صورة أختهُ العاصية المُتجردة من كلِ المبادئ والأخلاق التي رباها عليها عالقة في ذهنه.
سألتها بـ صوت مبحوح خافت:
_هو صلاح جه..؟
_اه جه.
أجابتها بـ تلقائية،فـ تحركت الأخيرة للخارج تنشد غرفةُ أخوها،وميادة في أعقابها تصيح بـ تبرم:
_انتِ كمان ليكي عين تروحي تتكلمي معاه!.
كان الباب مفتوحًا بالأساس،فـ وَقِفت عند أعتاب الباب وتمتمت بـ عاطفة أخوية مكتومة:
_صلاح.
كاد أن يسقط في النوم لولا صوتها المحفوظ الذي اخترق سمعهُ،وهو منذ ثلاثة أيام لم يسمعهُ..سرت كهرباء غريبة في جسدهِ،وهناك نفورًا غريبًا اجتاحهُ..كيف تجرأت وذهبت إليه هكذا؟!،وكأنها غير مُخطئة..وكأنها ياسمين التي ظن أنه يعرفها،وكأنها مازالت الصغيرة التي تولى تربيتها.
_انتِ ايه اللي جابك لهنا؟!.
هتَف بها واثبًا فجأة بـ ملامح ونبرة تعاهدا على بثِ الرهبة في نفسها،وهمت بالحديث ولكنهُ سبقها هاتفًا بنبرة أعلى:
_مش كفاية طلعتِ....،كمان ليكي عين تقفي قُصادي!.
_أنا مظلومة!،انت فاهم غلط.
هذا ما استطاعت فقط التفوه به بـ نبرة باكية ثقيلة مُحملة بالقهر،وهنا صرخ فيها مُستخدمًا قوة يدهُ لـ يدفع بها للخارج:
_مش عايز اسمع حسك،ولا أشوف خلقتك دي تاني..اطلعـي برا.
وأغلق الباب في وجهها بـ قوة،وبقت ياسمين وحيدة بالخارج بعد بقاءُ ميادة بالداخل،فـ تركت لـ دموعها الحُرية بالانسياب..فلا طريقة أُخرى للتعبير عن الشعور سوا بالبكاء،ولا طريقة لـ فكِ هذه القيود الغير مرئية المُطبقة على عنقها..فلا هي تخنقها،ولا هي تترك لها حُرية التنفس.
_عمتو انتِ بتعيطي؟!.
عبر الصوت الطفولي لـ أذنيها،فانزلقت بنيتاها لـ ترى ابنهُ الأصغر ينظر لها ببراءة تُناسب عمرهُ الذي لا يتخطى السبعُ أعوام،فـ رفعت أصابعها الرفيعة تتحسس وجنتيه قائلة بـ حنوٍ:
_لأ يا حبيبي أنا مبعيطش.
_على فكرة أنا اتخانقت مع بابا عشان ض*بك،وخا**تهُ كمان .
قالها الواد بـ عبوس،فـ غزت بسمة لطيفة محياها وهذا الولد أحيى ذكرى قديمة في عقلها..كان نفس الموقف،حينَ قال لها صلاح ذات الكلام حين صفعتها أمها لـ وجنتها حين تسببت بـ حرقِ القميص الخاص بـ والدها،هذا الصغير هو الأقرب إلى قلبها..فـ إنه يُذكرها كثيرًا بـ أخيها حينما كان في مثلِ سنهِ.
ثَنت ركبتيها لـ تكون في مثلِ طولهِ،ورددت بـ ابتسامة ودودة:
_لأ يا بودي مينفعش بعد كدا تزعق لبابا خالص ولا تخا**ه...دا بابا يا حبيبي وبيحبك اوي.
_بس هو مش بيحبك إنتِ،عشان كدا ض*بك..
اجابتهُ كانت عفوية طفولية،لكنها قدرت على جعل الدموع تطفوا بـ كثرة في حدقتيها،وبعد لحظات تمتمت بـ ذات الدفء ويقين عجيب:
_متقولش كدا،بابا بيحبني اوي وانا متأكدة من دا،يلا روح إلعب مع اخواتك.
واعتدلت بـ وقفتها عائدة أدراجها لـ جُحرها الخنيق،وراحَ الصغير يعود هو الآخر لـ إخوتهِ.
وبعد مرور بضع ساعات في غرفةِ ميادة وزوجها،أخذت تُخرج ثيابها لـ تستحم والهاتف فوق هاتفها تُثبته عبر كتفها المرفوع..فـ ألقت نظرة على زوجها النائم،ولكنهُ كان مُتيقظًا في الحقيقة..شادرًا مغمض العينين،فـ قالت :
_كلمت أنا أخوالها الصعايدة دول ياما،وعلى بُكرا الصُبح قالو هيبقوا هنا..خلينا نخلص منها بقى،واحدة زيها تستاهل الدبح..وأهي هتنوله.
_بتقـولي إيـه..؟!.
انتفضت مذعورة إثر صراخهُ فيما نهض صلاح مُكفهر الوجه،ناقمًا على فعلتها الغ*ية،والتي لم تستشيرهُ فيها فزعق فيها:
_انتِ بتتصرفِ من دماغك؟!،انتِ سألتيني انا هعمل كدا ولا لأ!.
تَلبَكت وسرى الخوف بـ أوصالها،فـ هي لم تتوقع أبدًا أن تكون ردة فعله بـ هذا الشكل..ظنت أنهُ سيدعمها،لكنه لم يفعل،فـ قالت بتوتر ملحوظ:
_ما هو انت كنت هتعمل كدا بردو،انا بس..بس عجلت.
إحمر وجهه سخطًا مُتعديًا لـ آخر مراحل غضبهِ،فـ صاح:
_مين قـالك؟!،مين قالـك اني هعمل كدا!،دي أُختي انا..أقولها اللي انا عايزه حتى لو مكُنتش ناوي أعمل كدا.
دُهشت ميادة بـ شدة،لم تتوقع أن يكون كلامهُ مجرد تراهات ولن يفعل منهُ شيئًا ...يبدو أن قلبه لم يسمح له أن يضحي بـ ش*يقتهِ حتى وهي مُذنبة.
_أنا هعمل ايه دلوقتي؟!.
همهم بـ ضياع بعد عودتهُ قاعِدًا،في حين بقت زوجتهُ صامتة لا تتحدث..هي الأُخرى لا تعلم ماذا سيفعل،لم يكن يرغب في تركها لـ أقاربها لـ يتصرفوا بها كما يشائون،كان فقط مجرد كلام خرج أثناء غضبهُ..مقصده بث الرعب في نفسها،ولكن وبسبب ميادة وأفعالها المُتسرعة أصبح بين المطرقة والسندان..لا هو قادر على حماية ياسمين من بطشهم،ولا تسليمها لهم على طبقٍ من ذهب.
_طلاق تلاتة يا ميادة لو عرفت إنك اتصرفتِ تاني مرة من دماغك،ومن غير ما ترجعيلي..لـ تبقي طالق.
شهقت مُتفاجئة من تهديدهِ الص**ح بـ تطليقها هكذا،وراقبتهُ بـ أعين مغلولة وهو يُغادر الغرفة بلا علمٍ لـ وجهتهِ.
.......
خطى المدعوا بـ يونس إلى الغرفة الأصغر بالنسبةِ لـ باقي الغرف رغم وسعها،وهي المكتب الخاص به.
رفع الحاسوب فوق الطاولة،والسماعات تستقر بـ أذنيهِ بينما يهز ساقهُ بـ نفاذ صبر،وعيناه مُشخصتان في الصورة المُضاءة أمامه،حتى تنبهت حواسهُ لصوت رجولي تسلل لـ أُذنهِ يُغمغم قائلاً:
_أنا معنديش وقت،واللعبة طولت..تخلص على لؤي،وأهو تبقى كل حاجة خلصت معاه.
أجابهُ صوت آخر مترددًا:
_أيوا يا باشا بس فكرك يعني يونس دا هيسكت!،هيقلبها علينا.
_يبقى يقلبها..وهو كان ذنبنا إن ابن عمه عربيته انفجرت..؟!.
انفعل يونس وخرجت منه سبة نابية بـ صوت غير خفيض،وبعد لحظات تعرف فيها على التفاصيلِ التي يحتاجها أغلق الحاسوب بقوة ووجههُ مُتجهمًا أحمر كأن هناك حمم بُركانية خلف جلدهُ.
شرع في اختيار اسمٍ مُعين على هاتفهِ ووضع الهاتف فوق أذنهُ ينتظر الرد الذي أتاه بعد لحظات،فـ غمغم بـ جدية:
_لؤي ، تعالالي دلوقتي حالاً..عايزك .
بـ مرور الدقائق التي أصبحت كثيرة وصل لُـؤي والضجر باديًا عليه مُتذكرًا نبرة ابن عمهُ التي لم تكن تُبشر بالخير،وطلبهُ له بالتعجلِ في الوصول.
اتجه أولاً بـ إلقاءِ التحية على زوجةِ عمهِ التي جلست معها امرأة غريبة لم يلقِ لها بالاً.
_إزي حضرتك يا طنط..؟
قالها بـ احترام مُصافحًا إياها؛ لـ تجيبه بـ نبرة لطيفة:
_أنا تمام يا لؤي،انت عامل اي يابني؟.
_انا تمام..عن إذنك عشان يونس عايزني.
أومأت موافقة،فـ ذهب وكأنه انتظر منها الإذن في حين سألت تاليا بـ صوت عادي وفضول:
_مين دا يا ماما؟!
_دا لؤي يا حبيبتي،يبقى ابن عم يونس..بس زي أخوه .
همهمت مُتفهمة وتابعت شرب العصير البارد المُنعش.
دلف لُؤي مكتب يونس واتجه للجلوس أمامهُ فورًا ثم سأل مُستفسرًا بـ فضول وحيرة:
_انا أهو يا يونس،مشهبتقولي في ايه بقى.؟!
بدا على ملامح يونس الوسيمة اكفهرارًا غريبًا يعلم الأخير تمامًا أنهُ لا يكون هكذا..إلا وإن كان الأمر جللاً،فـ تضاعفت حيرتهُ وهمّ بـ إعادة سؤالهِ بـ قلق مبرر إلا أن يونس استبقهُ بـ قولهِ القاطع:
_سامر..أص*ر فرمان التخلص منك!.
عم السكون للحظات حتى جاء سؤال لؤي الهادئ تمامًا:
_عرفت منين.؟!
تشكلت ابتسامة ساخرة على ثغرهِ لم تظهر أسنانهُ البيضاء تزامنًا مع قولهِ بـ حدة مقصودة:
_ما انت لو تفوق من اللي انت فيه دا كنت عرفت!.
خرج زفيرًا مُشبعًا بالقنوط من شفتي لؤي،ولم يُعلق على حديثهِ الساخر الذي اعتادهُ،فـ أجابهُ يونس :
_لو نسيت أفكرك،فون سامر وكل حساباته متهكرة..واحنا اللي مهكرنها.
تذكر لؤي الآن تلك النقطة..هما بالفعل مُسيطرين على حسابات سامر أجمع؛ لـ يُغمض عينيه ذات اللون الأخضر الفاتح بـ كرهٍ دفين،وحقد..ظهرا ظهور الشمس في كبدِ السماء حين تمتم بـ سوداوية:
_ورحمة أبويا لـ أندمه على اليوم اللي اتوَلد فيه،أنا سايبه..وحسابهُ بيتقَل..إنت اللي مانعني إني أخد حقي يا يونس.
بدا على الأخير رزانة،وعقلٌ يحسب كل خطوة يخطوها وتوابعها..على ع** ابن عمهِ ذي التصرفات الطائشة التي ستُودي به إن ترك لها العنان؛ لـ يقول بنبرة عميقة هادئة تستفز لؤي:
_لو هتاخد حقك بـ طريقتك دي يبقى متاخدهوش أحسنلك يا لؤي،انت ال**بان في الآخر..ودي كلمة مني،وانت عارف اني مبرجعش في كلمتي.
أعطاه نظرة ثقة،ولم يتكلم..الصبر ليس من شيمهِ للأسف،ولكنه مُضطرًا.