***
رؤوس مبهمة كثيرة بالجوار حالة من الفزع الشديد .. العديد والعديد ينظر إليها ولازالت عيناها عاجزة عن تجميع الصورة، إنسداد أذنها اللحظي جعلها عاجزة عن تفسير ما يدور حولها.. أين أنا؟ تساءلت بداخلها وأجابت بنعم في الحلم بالتأكيد وسأستيقظ بعد قليل ولكن يأبى المحيط تأكيد إجابتها. بدت الوجوه أوضح أصبحت الأذن قادره على تفسير كلماتهم .. بدأت تشعر بألآم شديدة في رسغها وقدمها..
إيملي هل تسمعيني؟ إيملي هل أنت بخير؟ بداخلها ولماذا لا أكون بخير ماذا جمع أهل حارتنا حولي؟ وما هذه الدماء؟ أصبحت الآن قادرة على الترجمة، نعم لقد إصتدمت السيارة وانقلبت أين أمي .. أين أمي ؟ أين والدي؟
- إسمعي يا إيميلي أنت كبيرة ومؤمنة هناك أشياء سيئة تحدث ولكن هذا قدر الله وقد أراد الله لك حياة .. كتبها لك من الآن ستعيشين وتعلمي حكمته في يوم ما ألست مؤمنه بالله؟
= نعم ولكن أين أمي؟
- أنا عاجز تماما عن الرد ولكن ينبغي أن تعلمي قد ماتت أمك يا صغيرتي في الحادثة وقد أخرجناك حية من بين يديها وهي تحيط بك. كان الحادث شديدا لم نستطيع أن نفعل شيئا ولكن الحمدلله أنت بخير.
= أنت تكذب صحيح؟ هذه لعبة؟
- آسف يا ابنتي.
= ووالدي وأختي؟
- كوني قوية يا ابنتي .. إن لله وإن اليه راجعون.
بعض الأيام إنتهاء العالم بها بمثابة جائزة. يوم كهذا عاشته إيميلي كان أفضل أن ينتهي في اللحظة المناسبة. فقدت أهلها دفعة واحدة في صحراء واسعة وهي في الرابعة عشر من عمرها. والآن يتطلب منها أن تولد من جديد الى عالم آخر ليس به أهلها. عالم آخر تخوضه بمفردها. وليس أمامها سوى جيرانها لتكمل معهم الطريق في سيارة أحدهم. كان هذا هو آخر شيء يمكن لإيميلي تقبله حينها. كانت تصرخ لماذا لم أموت مثلهم هل أبقاني الله لأتعذب برؤيتهم. قدري أن أموت مثلهم ولكن لم ترغب أمي. طبيعي أن يكون إيمان الصغيرة الآن مفكوكا. بعد قليل وبعد أن أفاقت ركضت نحو السيارة والتقطت قطعة زجاج م**ور وشقت رسغها. رآها أهل حارتها ركضوا بسرعة نحوها وربطوا على رسغها. وكأن القدر أقسم يومها .. لن تموتين يا إيميلي. ثم بدأوا في تطهير جروحها الأخرى وبعض الإسعافات الأولية لإصاباتها. برغم بشاعة الحادث الا أن بمعجزة إلاهية أولا ثم بدور والدتها آنذاك أخرجوها بجروح طفيفة. بدأوا أهل حارة هيلان يشعروا بنعمة ما هم فيه .. إزدادت كل عائلة حبا لبعضها بعد ما رأوه، وعلموا أن برغم ما هم فيه لا يأتي شيئا في النعم العديدة التي تغمرهم. كما إعتدنا سماعه من يرى بلاء الناس يهون عليه بلاؤه. فتبدل عبوس وجوههم رضاءا .. الا وجه تلك المسكينة إزداد غربة وقهر.
إستيعاب إيميلي بعد لحظات كان جنونا .. الجنون في عالمنا هو ترجمان للإستيعاب الكامل، هو إنهيار للميزان من شدة إعتدال كفته، لن أبالغ حين أقول أن المجانين هم أعقل العقلاء، إن الزي الأبيض هو بديل للكفن الأبيض عندما يعجز العقل أن يحمل الروح على مواصلة المسير، بعضا من الجهل والغفلة يبقينا أصحاء. شيئا من التفكير في المعدة عند الإستيقاظ يجعلنا نمضي يوما آخر وكأن لا شيء بالأمس قد حدث. طريقنا كبشر أعرج، أ**ق هذا الذي ظنها فارغة الصعاب أو يسعى لتكون، خليط الحياة الدنيا لا يمكن أن يخلو من بعض السموم .. هكذا خلقت.. تقبل ياعزيزي، ولم يكن لعقل إيميلي أو غيرها أن يتحمل وي**د في دقات الساعات التالية لما حدث ولكن بوعد الله في كتابه ((ولولا أن ثبتناك)) تحمل عقلها. ثق بأن الله سيتولاك عندما تعجز عن مواصلة المسير.
***
- مالك! ..
= نعم يا أمي .. أنا هنا.
- ألم تستيقظ منذ البارحة؟
= لا أعلم كيف نمت للآن يبدو أنني أرهقت نفسي كثيرا في العمل هذا الإسبوع.
- أخبرتك أن مهنتك هذه ليست سهلة.
= نعم.. نعم. ولكن من مجنون يرفض عمل في منصبي .. دعواتك يا أمي.
- أدعو لك دوما .. ولكن العمل ليس كل شيء لم تعد صغيرا يا بني ستتم الثلاثين قريبا.
= ها هي السيرة مرة أخرى.. بمن أتيت لي هذه المرة يا نوال! إبنة مستشار أم إبنة طبيب.
- الم يخبرك أحد أنك لست خفيف الظل؟
= يا أمي أخبرتك كثيرا لن أتزوج بهذه الطريقة، أريد أن أحب أولا.
- ومن أخبرك أنك لن تحبها، كنت تحب أن تلعب معها كثيرا وأنتم أطفال.. ألن تريد أن تعرف الآن من هي؟
= نلعب ونحن أطفال! من هي؟
- هند .
= هند! بنت الشيخ خالد ! لا لا يبدو أنك لم تأخذي فطورك بعد.
- تناولته يا عزيزي.. وتحدثت مع زينب ويبدو أنها أيضا مرحبة بالفكرة.
= أمي .. ما تقولينه هو آخر شيء يمكن أن يحدث بالعالم.. زواجي من هند وما تخططين له مستحيل ويستحسن أن تنسين هذا حتى لا تضيعين وقتك. هند ! لم أنظر يوما لها سوى أنها كأميرة أو ماجدة . ربما كطاهر أيضا.
= ربما يتطلب الأمر أن تنظر لها بعين أخرى لترى مالا تريد أن تريد أن تراه.
- تقصدين بعينك ولكن صياغتها بشكل أفضل.
= يا بني هند طيبة وقلبها نقي إسمع لي أنا أمك وليا نظرة وأيضا نشأت في بيت محافظ، ونعرف أهلها. كما أنها تحفظ القرآن، سترعاك من بعدي وتصون أولادك لن تجد مثلها، إن كانت أمها صعبة الطباع هذا لن يدوم ستعيش معك هنا.
- حسنا إنها أفضل فتاة على وجه الأرض أهذا يرضيكي ؟ ولكن لن أفكر بها أبدا.. إستريحي يا أمي. وأعتقد أيضا أنها لا تفكر بي هكذا وأن والدتها لها دور كبير في الضغط عليها .. في الآونة الأخيرة كنا لا نطيق تبادل الحديث الآن تريدان أن تزوجونا .. قطع شطرنج أم ماذا نحن؟
= أنا مخطئة..ت**يمك على رأيك سيجعلك وحيد ومعقد قريبا.
خرجت أمي من غرفتي فاقده الأمل تماما ولكنها جلست في حيرة ماذا تقول لزينب.. بعد لحظات من تغيير مسار التفكير في رأسي 180 درجة وبعد أن كنت قد كرهت اليوم قبل أن أبدؤه .. أحببته فجأه وإشتعل شيئا في نفسي وحدث مني ما لم يتوقعه أحد ولأكون صادقا ولا حتى أنا. كيف أتت تلك الفكرة الى عقلي وكيف وصل تفكيري لهذه النقطة، ربما طريقة تفكيرنا كبشر في بعض الأحيان مريضة. قفزت من على فراشي في ثوان ..فتحت باب غرفتي بهدوء وعلى طلتي ملامح الخجل والطاعة والنظر في كل شيء ما عدا عين أمي.. إقتربت قليلا ثم قلتها ببطئ شديد حسنا.. ربما أنت محقة قليلا إنني موافق ولن يضر أن نرتب زيارة لأسوان قريبا. الأمر الذي أدهشها لدرجة أنها بدأت تشكك في سلامة قوايا العقلية. لم تريد أن تسألني ماذا حدث حتى لا أعود في كلامي وحمدا لله أنها لم تسأل.
***
كان والد هند بالنسبه لها أبا وصديقا كانت تلجأ له في مواقف كهذه ليتحمل عنها عبء الصد والدفاع أمام زينب. حتى وإن كان أزرة القيادة بيد النساء وأغلب الأمور تتم برغبتهن أو عدم رغبتهن بقليلا من كيدهن، وقليلا من الرغبة في تيسير المركب من جانب الرجال.. الا أنه في حالة الطوارئ لا كلمه تعلو فوق كلمة رجل. ولكن الآن خط الدفاع لدى هند تعرى و أصبحت بمفردها زيادة عن هذا لم تعد بهذه الطاقة لتتحمل ضغوط أخرى من أمها .. فبدت يومها على الأريكة في ساعة عصرية في حالة قريبة من الإستسلام خاطبت نفسها ماذا لو أعدنا التفكير .. لا مستحيل .. لما لا مالك ربما أوسم شاب قابلته وشخصيته جيدة.. حتى وإن كنت لا أحب شاربه هذا.. أيضا بالإضافه لعمله في القاهرة الم تريدي أن تعيشي يوما في العا**ة التي لطالما حلمتي بها، كثيرا ما كنت تقولين أن
القاهرة تتسع أحلاما لا تتسعها بلدي .لماذا تكذبين على نفسك إذا. ألم تحبي كثيرا أن يأتي وتريه وتطولي النظر إليه خلسة. وأنت تكذبين أن لا تطيقي وتصدقين الكذبة ... ولكني أيضا خائفة.. رغم كل هذا لم أشعر بالإرتياح أشعر كما لو أنني لم أعد أعرفه تغير كثيرا عما كنا صغار .. ومن لا يتغير أنت أيضا تغيرتي .. ورغم ذلك أعجب بك مالك.. (أدارت شعرها للأمام بشيئا من أنوثتها) قائلة: طبيعي أن يعجب بي من لا يعجب بي .. لحظة! ماذا دهاني! هل بالفعل أفكر في مالك كزوج!
قاطعت أمها خلوتها وأخبرتها أنهم سيأتون غدا لطلب يدك..عبس وجهها وغضبت وأماءت برأسها موافقة كأنها مغصوبة ولكن عندما ذهبت أمها وأدارت وجهها . ظهر ما كانت تخفيه من الفرح ودقات اللهفه وراء تمثيلها أنها لا تريد.. قفزت سريعا الى غرفتها .. لتنظر ماذا سترتدي. ليس من السهل أن تفهم إمرأة وما الغريب إذا كانت هند في هذا الموقف لم تفهم نفسها
.
علمت زينب تفهم هند من خلال عصفورتها. عمر.. الذي كان يراقب هند دون أن تشعر. زينب دوما على حق هكذا رددت بعد وصولها نبأ عمر.
***
كان مع إيميلي والدتها ووالدها وحنين ومحمد والآن هي وحدها أصبحت مسؤولة من عم عبدالعزيز وأسرته أخذوها معهم في سيارتهم وحاولوا أن يصبروها ويحتوها. كان الأمر شاقا جدا عليهم في كيفية التعامل معها وهذا طبيعي، أرادت دوما أن تبقى وحدها لا تتكلم ولا تسمع.. كان جيدا لو أجابت على شيء بالإماءه، لم يكن الطريق هو أصعب ما في الرحلة إنها البداية فقط. في مرحلة ما كان على السيارات أن تعود ومن ثم على اللاجئين السير على أقدام حتى يصلوا لمخيم الزعتري على الحدود بين سوريا والأردن.
فضل أهالي حارة هيلان السير ليلا، الليل بالنسبة لهم ساتر طبيعي يشعرهم بالأمان من غوائل قوات النظام السوري، على الرغم من انعدام الرؤية وانخفاض درجات الحرارة في هذا الوقت من السنة في الليل. كانت الصحراء الليلية مظلمة ومخيفة. تقول إيميلي أصواتها كانت تشعرني بيوم الحشر، كنت أسير وأبكي في نفس الوقت وفي هذه اللحظة بالذات قد فهمت الدنيا .. الدنيا هي ان تطعن بخناجر من مختلف الجهات ولكن لا مجال للتوقف يجب أن تستمر مهما كان عمق طعناتك.
كنا نسير تارة في **ت وتارة نسبح ونكبر وتارة كان يقطع ال**ت فجأة بكاء الأطفال، أو نداء الأمهات على أطفالهن، أو سؤال بعضهم عن بعض.
وجوه شاحبة أعياها التعب والإرهاق، نساء يلتقطن أنفاسهن بصعوبة بالغة، وكبار في السن لا يستطيعون مواصلة المشي على الأقدام من شدة الإرهاق، وحالة إغماء تحدث كل دقائق وأصوات الدعاء والاستغاثة بالله، كنت أسمعها كلما مر الوقت.
حتى إقتربنا نوعا ما كان الجنود الأردنيون الرجال في إستقبالنا يحثونا على الإسراع في خطواتنا يساعدوا الضعفاء منا لإجلائهم عن الحدود السورية. وجدني أحدهم أعرج قليلا من إصابتي قام بمساعدتي كثيرا.
مع أول خطواتنا إلى الأراضي الأردنية، كان المشهد يجمع بين الفرح والأسى، فرح بوصولنا الى البر ، وأسى على ما تركناه خلفنا من دمار وفقدان للأقارب والأحبة.
التضاد هو الذي يجعل الماكنة تدور لن تنتج عندما يكون كل شيء معك
مخيم الزعتري
في مخيم الزعتري، رأيت صفوفا طويلة من العائلات تنتظر في حرارة الجو الحارقة على أمل العثور على مقاعد في الحافلات لتعود بهم عبر الحدود القريبة حينما يخيم ظلام الليل، ضحايا الحروب ليسوا جثث خامدة فقط. كما أصبح الطلب على وسائل النقل يفوق المتاح منها.
ولكن نحن ليس لنا خيار سوى البقاء، الى ماذا نعود في سوريا والمنازل قد تدمرت واصبحت بلادنا مفحمة من شدة القصف المتوالي. أشعر هنا كما لو أننا عدنا للبدائية صحراء بها مخيمات الحياة أصبحت صعبة لم تعد المهام تنجز بالضغط على أزره ولكن لم يكن أمامنا سوى إعتبار هذا المكان بيتنا الجديد. ربما الإنسان أقدر من غيره على التكيف فهنا تتواجد طرق ترابية بها محال تجارية يطلقون عليها إسم " الشانزليزيه"، حيث يمكنك أن تشتري الآيس كريم، أو الكباب الحار، وتجد محال لغسل الملابس، وغيره من الأشياء الثمينة أيضا إذا كنت تقتدر على ذلك. سألت عم عبد العزيز اذا كانوا قد أخرجوا ذهب وأموال والدي أخبرني بنعم ولكن فضل أن يحفظهم لي هو بدلا من أن يفقدوا مني على حد قوله. قال لي أي شيء تريديه أخبريني وسأجلبه لك ..وعندما كنت أسأله عما اذا كنا سنبقى هنا للأبد كان يقول لي أن في أقرب وقت سوف نغادر المخيم الى داخل الأردن. لم أستريح لكلامه في هذا الشأن، ولكن قليلا من اللامبالاة التي كانت تغمرني جعلتني قادرة على الإستمرار تحت أي ظرف.
تمر الأيام ولا جديد سوى أن بعض المخيمات قاموا بإستبدالها بمقطورات ولكن لم تكن بالعدد الكافي ليساع كل من في المخيم ولا حتى سعت ربعنا، ونتيجة لإصرار السوريين على عدم الحاجة الى خدمات أمنية امام رجال الشرطة لإعتقادهم أنهم لن يبقوا كثيرا هنا مر علي يومان كالكابوس.
في أول ليلة كنت أسمع ما يدور بين عم عبدالعزيز وزوجته بشأني حينما ظنوا أنني قد غلبني النعاس ولكن لم أكن قد نمت بعد.
- ماذا سنفعل بها؟ ألا يكفينا عددنا وما نحن فيه؟
= وماذا تريدين مني أن أفعل وهي يتيمة وقد مات كل أهلها؟
- أنت تعلم جيدا أن تكاليف الهجرة وتعلم قدرتنا الأدهى لو أننا اضطررنا للسفر خارج الأردن..
= وما إقتراحك يا أم أيمن أتريديني أن القيها وأخبرها أعتني بنفسك. لم تكن تلك طباعنا ولم ننشأ يوما على قلة الأصل.
- أنا لا أقول نكون بلا رحمة ولكن أنظر .. هناك عائلات غنية نخبرها بوضعنا واننا لن نستطيع تكفلها وندعها تذهب مع أحدهم. عمليا هناك من هو أقدر على مساعدتها أفضل منا وهي ليست صغيرة وستدرك الموقف بالتأكيد.
= ولكني قد أخبرتها أن أموال أهلها معي حتى لا تشعر أنها ثقيلة.
- حسنا غدا إطلعها على الحقيقة.
في اليوم التالي دعاني عم عبدالعزيز وألقى على أذني ما انتظرته طول الليل لم يكن هناك أموال أو ذهب في الحادثة لم يجدوا سوا أثار أموال إندلع فيها النار وربما البعض قد سرق..رغم وجود 4 جثث الا أن البعض لا يفكر سوى في الغنيمة.. ذهب بعد قليل الى عائلة حالها ميسر قليلا وأخبرهم ماحدث لي.. وبعد ساعة قد أتى وبالفعل إتفق معهم على الذهاب اليهم.
- سامحيني يا ابنتي! الأمر خرج من يدي.
= لا عليك يا عمي فعلت ما بوسعك.
= إذا أردتي أي شيء لا تخجلي من القدوم إلي لازلنا بالجوار صحيح؟
- نعم سأفعل.
= هناك شيئا آخر.
- أعلم يا عمي طبيعي الا يوجد أموالا في ذاك الحريق.
= آسف يا إيميلي .. خذي هذه الأموال معك.
- لا صدقني لن أحتاج إذا أردت سآتي وأخبرك.
= حسنا إعتني بنفسك جيدا .. وداعا.
لم تكن إيميلي قادرة على إظهار خوفها من معاشرة هؤلاء الأغراب.. حتى لو فعلت! ماذا سيحدث أمها قد ماتت ومات والدها وأختها ليس هناك بعد الآن من تركض اليه لتخبره أن العالم قد خذلني.
كان خوف إيميلي من عدم ترحيب هذه العائلة الجديدة بها كبيرا.. ولكن سرعان ما ارتاحت نفسها بعد ترحيبهم وإحتضانهم لها.. كانوا ودودين جدا. قالت ربما كان القدر يعلم الأصلح لي.
جلسوا معي وتناولونا الغذاء وحدثوها عن أحلامها وماذا تنوي فعله بعد الإستقرار. رغم إلحادهم لم يفقدون إنسانيتهم ولكني دائما كنت أرى أن عدم وجود إله، هي النتيجة الأغبى على مر العصور لمعادلات ونظريات ضخمة تنتهي من حيث بدأت. الأمر أشبه بصعود الف طابق لترمي ورقة ثم تنزل مرة أخرى لإلتقاطها.
تقول إيميلي: في الليلة التالية لم أستطع النوم من كثرة التفكير والحزن وفقداني لأهلي لم يكن عقلي رحيما ولا القدر ولا أذني التي بدت تسمع خطوات تقترب من المخيم قرب الفجر.. فزعت بشدة عندما رأيت 4 رجال مغطيين وجوههم يهجموا علينا لم أنتظر ركضت من الخوف حتى أمسكني أحدهم من الخلف بقوة وقام بوضع شريط لاصق على فمي وربطني من يدي وقدمي وفعلوا ما فعله مع عائلتي الجديدة سرقوا جميع الأشياء من الخيمة لم يدعوا حتى هاتفا واحدا وقرب هروبهم نظر الي هذا القذر الذي قام بالامساك بي.. بنظرات مرعبه.. قرأت بالطبع ما يدور عقله النجس إقترب مني قليلا ثم حاول التحرش بي زادت انتفاضاتي ومحاولاتي لإبعاده وأنا مكتفة.. لازال قلبي يؤلمني عندما أتذكر هذه اللحظة.. لازلت أدرك وحشية العالم وقسوته يوما بعد الآخر.. قديما حاول الإنسان أن يطور الحياة البدائية لتكن آمنه فوضع الح*****ت المفترسة في أقفاص، ولكن نسى أن ينضم لها.
لم يستطع النيل مني، رغم أنني مكتفه لم أسكن لحظة مكاني وعندما ضاق وسعه قام بض*بي بخرطوم المياة أكثر من مرة على رأسي حتى أفقدني وعيي.
أعتقد أنني إستيقظت هذه المرة بطريقة أفضل من التي كانت منتظرة.. رآهم بعض الأهالي وهم يركضون من الخيمة وأنا ملفوفة في جلباب على كتف أحدهم ففزعوا وقام برميي وواصلوا الركض ولم يلحق بهم أحد أو ربما خيف أن يلحق بهم أحد.
عندما إستيقظت وجدت الكثيرين حولي للمرة الثانية وأخبروني ما حدث وما إن دخلت الخيمة بعد أن هدت الأجواء لم أقابل العائلة بهذا الود الذي وجدته في البداية بل إنقلب إلى كره ومقت وأصبحت أنا وجه النحس وقدم السوء أصبحت منبوذة.. لذلك لم يتأخروا في إعادتي لعم عبدالعزيز في اليوم التالي. ربما كانوا محقين عندما أتواجد بمكان تحل ا****ة عليه هل كتب لي الله في الحياة دور المنبوذة والشؤم؟. نعم ما قالته إيميلي صحيحا في البداية.. الملحد لا يفقد إنسانيته ولكنه يتفسخ من الإيمان.
وكتبت قبل أن يغمض جفنها: كل الأشياء تسوء من حولي وانا مثلها .. منهكة تماما لا أستطيع المضي والإستمرار، قلبي أضعف من ذلك بكثير جدا ولأول مرة لا ألومني على ضعفي.
فما الحل ؟؟ أين المخرج ؟؟ اليس لكل شيء نهاية أين نهاية هذه المعاناة ؟ لن يجيبني احد كالعادة وسأنام كالعادة واستيقظ كالعادة لأسأل نفسي كالعادة أين النهاية.
***
- ها نحن هنا.. هل تصدقين؟ كنا أمس نلعب معا والآن كبرنا وسنتزوج.
= يوما بعد الآخر أصدق ولكن هل ترى أننا سنتزوج عن حب أم بطريقة الأهل؟
- الإثنين .. أعتقد انهم كانوا المرآه التي رأينا فيها حقيقة حبنا لبعض، ولكن ما أنا متأكد منه انني أحبك كل يوم أكثر من الذي قبله وأتلهف بشدة ليوم زفافنا.
= وانا ايضا .. لا أعلم متى تعلقت بك لهذا الحد وكأن الله أرسلك لتعوضني عن والدي..أتعلم ما هو أكثر شيء أحبه فيك ؟ حنانك.. أشعر بجوارك أنني إبنتك وفي أحيان أخرى أنني أمك.
- من جانبي لن أعطي مسميات ولكن أنت أفضل ما حدث لي في عمري وهبتيني حياة وحب كنت إقتربت أن أفقد الأمل أن أقابل مرأة أحبها بحثت في كل الأنحاء ولم أعلم أنها قريبة مني لهذا الحد .. أحبك جدا.
أحببت هند وكان هذا آخر شيء في العالم يمكن أن يحدث..لم أكتشف بجهلي مدى جمالها من الداخل والخارج إلا الآن .. نعم في لحظة جنون إعتقدت أن إقامة عرس في أسوان سيأتي بالفتاة التي كنت أتخيلها كما أتت في العزاء.. ولكن لم أعد بحاجه لخيالات ربما هذه الخيالات كانت يد القدر التي دفعتني نحو هند.. عجيب القدر في تخطيطه وأساليبه وعجيب أيضا النصيب عندما يأتي يجذبك من ظهرك اليه كطفل صغير.
أتيت على إثر رسالة تركتها لي هند، دخلت منزلهم وأنا أشم رائحة الحريق تفوح منه، إستقبلني عمها وكأنه انتصر أخيرا في شيء ما .. نظرت صوب زينب التي كان على وجوهها غضب على أعتاب الإنفجار..بدا ذلك من حاجبها الذي كان مرفوعا لأعلى لم تقابلني ذاك اليوم كعادتها بإبتسامة الأم عندما ترى ولدها، أما هند كانت جالسة مصدومة وتأبى أن تنظر في عيني .. تساءلت بخوف ماذا هنالك؟ ما إن بدء عمها في الكلام قاطعته والدتها بحدة إنتظر أنت..
- لماذا لم تخبرنا أنك على علاقة بفتاة أخرى من البلدة؟
= أثارة إندهاشي واستفزازي .. انا لا علاقة لي بأحد.
- اذا ما رأيك بهذه ، أليست هذه نسخة من مفاتيح سيارتك؟
= بالطبع لا، هل لأنها بذات العلامة أنها مفاتيحي.
- حسنا! فلنذهب معك وتجربها بالخارج الآن.
= نعم! نجربها.
اقتربت من أن أفقد عقلي عندما وجدت السيارة تفتح أمامنا .
= لمن هذه المفاتيح؟
- فتاة أتت الينا بالأمس، كانت منهارة جدا وأخبرتنا أنك على علاقة بها منذ سنتين.. وأعطتنا الدليل أنك نسيت معها نسخة من الذي بيدك.
= إنها تكذب ! ليست لي أي علاقة بها واجهوني بها وسأثبت لكم أنها تكذب! .. هند هل أنت تصدقين؟ أجيبيني لا تذهبي.
- أخذت علينا عهد ألا نخبر إسمها لأحد وأنت تعرف عهدنا، ربما العا**ة تغير الناس. عاملتك كولدي ولكنك لا تستحق.
= أقسم أنني لا أعرف تلك ال..
* يكفيك هذا وثقنا بك وكنا على وشك أن نعطيك إبنتنا لولا أن الله قد كشف حقيقتك ستعطيك والدة هند كل ما لك عندنا ولا نريد أن نراك مرة أخرى.
خسرت معركة ولكن لم أخسر حربا طوال عمري، عملي في التحقيق الجنائي علمني حس الخداع والمصائد. لم أستغرق وقت كثير حتى أعلم من أخذ مفاتيحي وقام بإستخراج نسخة منها ولكن يظل اللغز المحير كيف أثبتها عليه. نعم جانبا مني أراد إظهار الحقيقة من أجل هند، ولكني أشتعل نيرانا عندما يتلاعب بي أحد.. لم أكره في حياتي سوى الظلم بطرفيه بطش الظالم و**رة المظلوم.
لم يكن أمام علاقتي بهند عقبات سوى عمها، أرى في عينه دائما نظرات عدم الرضا خاصة وأنه ليس مرحب بفكرة خروج هند من أسوان وذهابها معي الى القاهرة. تمسكا بعاداتنا وتقاليدنا لم يكن يحبني أبدا ولولا أن والدتها زينب لكن أبدى إعتراضه علنا، كما يذاع دائما في الأنحاء عندنا تريد زينب شيء لا أحد يقف أمامها. ولكن حجتها تزلزلت ومعها نظرتي في عين هند.
ذهبت سريعا الى الشيخ سعيد ملجأي هنا ورويت له الموقف بالكامل وكما توقعت كان الحل عنده هذه المرة ولم أترك منزله دون جدوى .. أخبرني عن شابا هنا إسمه حمدان يقوم بتقليد المفاتيح بطرق عديدة..لا يحتاج سوى قطعة كالصابون تحمل آثار التعرجات..ولكن حذرني الوضع هناك لا يسمح لك أن تحصل على ما تريد بسهولة.. أخبرته لا تقلق
ذهبت الى منزلي وقمت بجلب مسدسي ثم الى العنوان المحدد، منطقة حرفية مليئة بالأسلحة الجميع هنا يعرف بعضه جيدا.. كما وصفه لي الشيخ عرفته من الوهلة الأولى شابا قويا لديه محل لصناعة المفاتيح وغيرها كما له عصبه يعملون لديه.
انتظرت حتى قدوم الليل وأخيرا أصبح بمفرده قمت بض*به من خلف رأسه وأفقدته الوعي ووضعته في السيارة حتى أفاق بعد معاناه من التهديد إعترف بكل شيء وأخبرته أن يأتي معي الى منزل هند ويخبرهم الحقيقة .. وعندما... .
لا لا مستحيل لن يتم الأمر بهذه الطريقة .. سأخسر بذلك جولتين حتى وإن إستطعت أن أخرج به عنوة من هذا المكان .. لن تصدق زينب وهند .. كان علي إيجاد حل آخر.. وجدت يدا وضعت على السيارة وانا أراقب حمدان مع صوت غليظ في أذني ..
- من أنت؟..
= أنا قريب حمدان وأريده في مصلحة.
- حسنا.. إنتظر. لا تتحرك.
ذهب الى حمدان وأشار له على سيارتي ترك ما في يده وأتى لي فتحت له باب السيارة وجلس..
- ماذا تريد؟
= ألم تثير شكوكك علامة هذه السيارة؟ كما لو كنت إستخرجت مفتاحا لها منذ يومين مثلا.
- لا أعلم عن أي شيء تتحدث.. ويبدو أنك فارغا.. إنطلق من هنا بدل أن أجعلك تندم على مجيئك..
= لحظة لحظة .. إنتظر .. أعلم ما حدث بينك وبين عم جمال.. وسواء أنت أو هو سأوقع بكم.. ولكن فكرت في الأمر.. انا لا أريد سوى أن أثبت خدعة عم جمال لأهل بيته.
- لا أعلم عن ماذا تتحدث.
= أعتقد أن عشرة الآف جنيها ستجعلك تعلم. لم آتي عدوا أتيت صديق.
- ولكن عم جمال عندما يعلم أنني أوقعت به لن يتركني!
= لن توقع به من الأساس .. ولن تكون شريكا معي في هذا وفي المقابل عشرة الاف.
- لن أوقع به كيف! اذا ماذا سأفعل لك.
= تكون قطعة جبن.
- ستحزن كثيرا لو جئت لتسخر مني.
= لم أسخر.. قد وضعت خطة محكمة دورك فيها بالفعل هو قطعة الجبن.
..