في اليوم التالي كان كل شيء مرتبا لم يكن في الأمر صعبا سوى إقناع زينب وهند أن يأتوا الى شارع النصرة في الثانية ظهرا ليكونوا على مقربة من الحدث. لا سيما أنني عانيت حتى أفتح بابا للتواصل معهما مرة أخرى.
إنطلقت بسيارتي لأجلب حمدان حتى وقفنا في الشارع المقصود.. كما كان مرتبا وقفنا بالسيارة نزلت منها وحدي وقمت بقفل الأبواب عليه من الخارج. ثم إختئبت بجانب هند وزينب.
في اللحظة التالية قام حمدان بالإتصال بعم جمال .. وكان كلامه..
- إسمع هذا الحقير الذي أخرجنا مفتاحا له علم بأمري.. وأمسك بي في سيارته انا في شارع النصرة عند التقاطع القريب من بيتك.. تعال بسرعة لتفتح لي السيارة وتخرجني.
= كيف عرف ! قد تخليت عن النسختين سامحني.
- أتظنني غ*ي .. اذ لم تأت لن أحمل الذنب وحدي وسأخبرهم أنك من فعلت ذلك.
= ألم يخبرك أين ذهب؟
- لا ولكن كان يتحدث لأحد وسيغيب ربما لأكثر من نصف ساعة .. هناك وقت هيا!
أغلق حمدان الخط وحدث ما كان متوقعا أتى الفأر ليخرج جبنته من المصيدة .. فتح سيارتي محطا للأنظار.. علمت زينب وهند أخيرا أنني ضحية ذلك.. ولكن لم يعاقب بعد كل من الإثنين الآخرين على خطئهما.
عند وصول عم هند الى السيارة وبعد أن فتح الباب قمت بالظهور أمامهما وأشهرت مسدي في وجههما ليركبا السيارة.. في نفس الوقت كانت الشرطة على مقربة من الوصول ما إن وصلوا قبضوا عليهما متلبسين بجريمة سرقة مع سبق الإصرار والترصد بمفتاحين مزورين أحدهما كان مع عم هند والآخر أعطيته لحمدان كإثباتا لحسن نيتي آنذاك. اما إبنة خديجة الفتاة التي أتى بها جمال تولت أمرها زينب بعد ذلك وأخذت من حبها جانب.
***
عادت إيميلي الى خيمة عم عبدالعزيز ولازلت تسمع كل ليلة مشاداته مع زوجته بسببها ولكن إلى أين تذهب وأين يتخلى عنها، كانت تنام وهي تناجي الله أن ينزع الخوف من قلبها.. تقول كثيرا ما فكرت في الإنتحار مرة أخرى وبطرق تحمل نسبة نجاة منعدمة.. ما كان يمنعني سوى صوت أبي وهو يقول أن المنتحر يدخل النار فخشيت أن يحرمني الله من عائلتي في الجنة كما أنني كنت أسمع صوتا من السماء يناجيني لا تحزني سيزيح الله عنك ما أهمك ويبدل حزنك فرحا ويعوضك عن العالم وقسوته.. كنت أقول بعدها أصبري يا إيميلي أصبري إن الله معنا..
شعور بداخلي لا يحتمل ولكني لا أجد سوى مصادقته لأمضي طريقي.
أكثر من ستين ألف سوري قبالة الأراضي الأردنية موزعين بين عدة مخيمات هذه المناطق تقع ضمن مخططات تنظيم داعش، مما فرض على السلطات الأردنية اتخاذ إجراءات وقائية والحد من إستقبال اللاجئين خوفاً من إستهداف أراضيها من تلك العناصر المتطرفة التي تستغل دخول اللاجئين. كل منا ينتظر دوره في الدخول منذ أسابيع في بيئة صحراوية صعبة بالكاد أن يتقبلها أحد.
عقارب الساعات الصعبة سلاحف، ولكنها تمر . في يوم الخميس جاء عم عبدالعزيز بخبر إنتقالنا داخل الأردن غدا بعد أن أتم إتصالاته.. فرحت كثيرا وإن كانت فرحتي مشوبة ولكن على الأقل سأغادر المخيم وتبدأ حياتي من جديد.. كما أنني حينها كنت أرغب كثيرا في البقاء بمفردي لم أطيق تجمع العائلات من حولي وإحتضانهم لبعضهم كان ذلك يقتلني حزنا على أهلي.
ما كانت إيميلي في حاجه اليه حقا في ذلك التوقيت هو آخرون يمرون بنفس ظروفها فقدوا اهلهم أيضا.. حتى تتخلص من شعور: كيف للعالم أن يتصرف وكأن شيئا لم يحدث..
كان ينبغي للعالم أن يحزن مثلها ولكن لم تكن حينها على يقين أن العالم لا يهمه أمرك يا ابنتي سيستمر ويتجاهلك كأن لم يكن بالأمس فقدان.
الرحلة الثانية كانت على وشك الإقتراب حدثت بعض الأمور التي لم أستطيع تفسيرها ولكن بدت وكأن الإنتقال للداخل لن يتم ولكن بعد ساعتين جاء الفجر .. جهزنا أغراضنا ولم يكن وجه زوجة عم عبدالعزيز يريدني رغم محاولات إخفاء ذلك منها تعاطفا معي مازالات بشر أيضا لذلك كنت أسامحها هي أيضا في ظروف سيئة وتحلم كل يوم ببر الأمان.. سيرنا على الأقدام في منتصف الليل حتى وجدنا السيارة انتقلنا بها.. وبدء فجر جديد.. رغم كل ما حدث الا انا هذا اليوم تحديدا وانا في سيارة أخرى أطل من النافذه على جمال الأردن أنزل الله سكينة على نفسي وقلبي لم أشعر بها من قبل.. كنت أقول لنفسي حسنا أيام شهور سنوات سأحياها واطوف العالم كله.. ثم انتقل الى أهلي في الجنة أخبرهم ماذا رأيت كيف كنت متفوقة وناجحه كم كانت الحياة مثيرة.. كيف كانت عادات الشعوب.. ستبقوا دوما معي ستحضرون تكريمي وزفافي.. سأجعلكم فخورين بي وتتعجبون كيف كنت على قدر المسؤولية.. أحبكم جميعا دعوت الله أن يجمعني بهم في حياة لا حزن فيها ولا شقاء.
وصلنا بالسلامة الى منزل كان يخص الرجل الذي قام بتوصيلنا وله علاقة بعم عبدالعزيز .. وبعد أن إسترحنا.. بدء التفكير والتخطيط في تأسيس حياة جديدة هنا .. أولها يبدأ من الحصول على عمل، لم تكن أجرة المنزل تعطينا مساحة للراحة، بالإضافة أن الأموال معنا لن تكفي يومين. غادر عم عبدالعزيز المنزل ليبدأ رحلة البحث عن عمل بأموال جيدة.. كنت ألح عليه ليأخذني معه حتى يوافق.. اليوم الأول كان سيئا جدا لم نحصل على عمل مناسب له .. إما ساعات قليلة والمقابل بخس وإما ساعات كثيرة جدا والمقابل لا يتناسب معها. اليوم الثاني فالثالث حتى وجدنا عمل رائع في مطعم يملكه رجل كبير .. عرض عليه عم عبدالعزيز عمل المأكولات السورية في مطعمه.. سبق تجاري لا ينافسه فيه أحد. بمقابل جيد جدا كما أن لنا نسبة في المبيعات.. تحمست للغاية وأحببت الأمر خاصة أنني أحب إعداد الطعام.. لم يكن ليوافق أن أعمل معه وأساعده الا بعد أن أقسمت له أنني أعمل ذلك حبا وليس لشيء آخر. أحببت عم عبدالعزيز كنت أرى فيه دائما شيئا من حنان والدي.. يوما بعد الآخر قمنا ببيع الكثير والكثير كانت الأعداد تزداد على مطعمنا وتتوافد بطريقة جعلتنا نريد خمسة آخرين على الأقل للعمل معنا. ولكن بارك الله في صحتنا وسرعتنا.. أيضا موقع المطعم كان ممتازا، لم نحتاج سوى أن يجرب أحدهم الخلطة السورية الساحرة، والأصابع الشامية، ثم يتولى هو دور الدعاية. كنا نحضر الأطباق للجالسين والأكياس السريعة لل**برين، وطلبة الجامعات والمدارس وأيضا نحضر طعام للعزومات وللأفراح وأعياد الميلاد أصبح لنا سيط كبير.. كانت بيني وبين عم عبدالعزيز طاقة إيجابية كبيرة تجعلنا لا نشعر بالإرهاق والرغبه في مواصلة العمل .. بل اللهفه للذهاب إليه كل يوم.. الأمر الذي جعل زوجته أخيرا تتقبل وجودي نوعا ما.
كانت بداية ممتازة إزداد المرتب وإزدادت نسبتنا.
ولكن العالم دائما ما كان يرفضنا وكأننا العقبة التي ستعطل سير الكوكب..في يوم ما جاء بعض الأفراد وكشفوا عن أوراقنا.. وتم نقلنا الى مركز الشرطة كنا نعامل بطريقة غير آدمية دون أي إعتداد ب*روفنا.. يعد أيام أصبح حتميا علينا مغادرة البلاد. غرباء كنا وغرباء أتينا .. لا تسعنا الأوطان مهما إتسعت.
إسودت وجوهنا مرة أخرى بعد أن كانت وردية.. تحدث عم عبدالعزيز مع الرجل الذي أدخلنا الى الأردن ولم يكن أمامنا سوى دولة واحدة فقط على الخريطة وهي مصر.. ولكن الدخول الى مصر لن يمكن سوى بطريقة قانونية كغيرها من الدول.. فالدولة المصرية تشترط الحصول على تأشيرة دخول مسبقة للسماح لنا بالعبور لأرضها. ونحن على علم بالأعداد التي حاولت الحصول على تأشيرة وفشلت الأمر معقد جدا.. فبات حتميا دخولنا الى السودان أولا عن طريق وسيط يعمل هناك على علاقة به.
كان جيدا تلك الأموال التي جمعناها حيث كانت تذكرة السفر الى السودان رسميا مئتان وخمسون دولار للفرد ونحن عددنا سبعة ثم من السودان الى حدود مصر خمسمائة دولار بطريقة غير رسمية بعد التفاوض مع الوسيط الموجود هناك والذي سيتولى تهريبنا داخل مصر.
تم الإتفاق مع الوسيط ولم يتبقى لنا سوى حجز تذاكر أقرب طائرة الى السودان تحت رقابة السلطات الأردنية..
من سوريا الى الأردن الى السودان الى مصر، لم أحلم يوما أن أزور دولة أخرى، الآن وفي أيام قليلة أزور ثلاثة، ولكن ب*روف ليست جيدة أبدا. وما خفي كان أعظم، ماذا بعد مصر إن وصلنا بالسلامة. الى متى سنظل نطوف العالم! دعنا نرى خبايا القدر.
مع خطواتنا الأولى داخل الخرطوم استقبلنا في المطار رجل يدعى عثمان وهو يعمل لدى الوسيط انتقلنا معه بسيارة مكيفة الأمر الذي يبشر ببساطة الرحلة ولكن لم تبقى البشرة مدة طويلة.. وصولنا بعد ساعتين الى مزارع ماشية على حدود الخرطوم وهذه كانت مرحلة التخزين كأننا عجول تجهز لتهريبها.. ولكن لم يبقى لدينا حلول أخرى .. على حد قوله أننا سنبقى في هذه المزرعة 12 ساعة ولكن أصبحت 36 ساعة بعد ذلك.. فوجئنا حينها أننا لم نكن بفمردنا هنا عائلتين غيرنا وشابا وفتاة في أول زواجهما.
بعد الإنتهاء من تجهيزات السفر تم نقلنا في سيارة (ربع نقل). وذهبت معنا سيارات أخرى فارغة.. وبدأت رحلتنا من الخرطوم الى مدينة بورتسودان الساحلية مسافة تقدر بثمانمائة كم تقريبا.. وفي كل منطقة نمر بها يقوم المهربين بتجميع آخرين من مختلف الأماكن الأمر الذي استغرق يوما بالكامل. كنا نعامل كالعبيد لا يمكن للسيارة أنت تقف لقضاء الحاجة او لأي سبب آخر الا عندما يقرروا هم او ليقوموا بتحميل مهاجرين آخرين. كما أن الوضع في هذه السيارات كان سيئا جدا.. ذاك الشاب الذي كان مع زوجته عندما قام من مكانه كان على أعتاب السقوط من السيارة لولا أن لحقه عم عبدالعزيز.
كانت السيارة تسير مسافات طويلة بين الدروب الجبلية والصخور بسرعة كبيرة حتى لا تتعرض للرصد من قبل قوات حرس الحدود السودانية والأمن السوداني أو قطاع الطرق الذين يقومون بخ*ف المهاجرين وطلب فديه أو بيعهم أعضاءا.. ذلك على حد قول التابع عندما سألناه ويا ليتنا لم نسأل كانت الرحلة مرعبة تحمل مخاطر أكثر من أي مخاطر سابقة. وفي كل خطوة نتقدمها نقول ماذا فعلنا بأنفسنا، الخوف يملأ وجوه كل من في السيارة ولكن الوضع بالنسبة لي لم يكن بقدرهم حدث كل شيء معي ماذا يمكن أن يحدث أسوء مما حدث
ما الأسوء من الموت؟ ..
أن لا تموت ..
نعم ذلك الوسط سيء جدا. ذلك المستحيل الذي نأمله.. لا يتحقق ولا نيأس. نبقى في المنتصف بين التخلي والمضي.
بعد ساعات بدأنا نسمع صراخا وحوارا حادا يدور بين السائق والدليل في المقعد الأمامي.. علمنا بعد ذلك أن هناك عصابة من قطاع الطرق بالأمام يحضرون لنا كمينا لي**قونا ويذ*حونا.. بسرعة شديدة لف السائق وغير إتجاهه وبدأ يسير في مناطق لا تسمح بالقيادة فيها أبدا.. كنا نتخبط بالخلف من شدة إرتطام السيارة بالصخور مع سرعتها بالطبع كادت أن تنقلب بنا أكثر من مرة.. هيا ذات اللحظة نفسها وذات الذعر والخوف ونداءات الإستغاثة والإستشهاد التي سمعتها.. لم أستطيع الثبات أنا والعديد من الضعفاء والتمسك بشدة في إطار السيارة.. كان الأقوياء منا يمسكونا بيدا ويتشبثون بيدا كادت أن تتمزق.. ولكن هذة المرة هدأت السيارة ولم تنقلب بنا بعد أن عبرت مرحلة الخطر وإبتعدت بمسافة عن أعين اللصوص.
ماذا يريد العالم مني! لماذا يتمسك بي لهذه الدرجة التي يكون فيها الموت على أطراف قدمي ولكن يرحل و يأبى أن يسحب روحي منها.
بعد عناء وصلنا أخيرا الى الشريط الحدودي بين مصر والسودان هنا انتهى دور الوسيط السوداني وسياراته عند وصولنا لنقطة التلاقي الأخرى في مثلث حلايب وشلاتين.. بالاتفاق مع الوسيط السوداني قام مثيله المصري بإستلامنا ونقلنا الى سيارات أخرى ربع نقل أيضا ولكن هذه المرة مصرية.. ثم انطلقنا لنعبر الحدود المصرية .. سيرنا داخل ممرات جبلية لفترة طويلة حتى لا يلتقطنا قوات حرس الحدود المصرية كنا على وشك الهلاك من شدة الإعياء والرهبة.. قد مر علينا في تلك الرحلة ما يقرب من يومين ونصف.. لم يكن المهربين يعطونا مما لديهم ولو متنا ظمئا وجوعا على إعتبار أن رحلتهم ذهاب وعودة ..هذا جزء من الإتفاق لم يبقى معنا من المياة سوى لابتلال الريق .. بمرور ساعة كل منا يشرب شرفة من غطاء الزجاجة ثم أصبحت الرشفات المتبقية محفوظة لمن يهلك أولا.. وهكذا، أما الطعام فكنا نستعيض عنه بأدوية (الفيتامينات) التي كانت مع عائلة أخرى.
لا أعلم الى الآن كيف نجوت ومن معي، ربما نحن بصدد أعجوبة قد حدثت على الحدود المصرية السودانية. وأخيرا قد وصلنا الى حدود أسوان قالها عم عبدالعزيز ونحن منهكين جعلتنا هذه الجملة البسيطة في غاية الفرح..
-ماذا عن مصر يا عمي هل هي جميلة كما يذاع؟
= نعم! القاهرة والإسكندرية تحديدا مدن ساحرة، سنزور كل الأماكن وسنزور الأهرامات إن شاء الله.
شوقني جدا حديثه عن مصر وأهلها.. فليجعلها الله بداية جيدة.
توقفت السيارات وإنتهى دورها والآن علينا أن نسير خطوات أخرى داخل البلد وما إن وصلنا الى المحطة قمنا بتغطية وجووهنا نحن والرجال كان يتخفون بقبعات الرأس قدر المستطاع وبعدها كان الإتفاق على أن نستقل جميعنا القطار المتجه الى القاهرة في الدرجة الإقتصادية المزدحمة بطريقة متفرقة حتى لا تتم ملاحظتنا من قبل رجال الأمن والإشتباه فينا بالمحطة، أو على متن القطار .
***
لم تعد نفسي صافية نحو هند حتى وإن كان الإدعاء قويا الا أننا مر علينا فترة طويلة في الخطبة على الأقل كانت تراهن على حبي لها وأن تتصرف كشيء من لا يمكن أن يص*ر مني هذا. ورغم ذلك لم أستطيع المضي في الخصام طويلا.. إشتقت لها كثيرا وإشتقت أيضا لأسوان لذلك لم أعتذر عن دعوة الغداء من زينب.. قطعت أجازة من عملي وعدت مرة أخرى .. كان غداء زينب حيلة متوقعة لتلطيف الأجواء..
- قاس جدا أنت عندما تأخذ على خاطرك؟
= بالطبع لا ولكن إنتظرت منك أن تصدقيني وتكذبي إدعائاتهم .. إنتظرت أن تدافعي عني .. كنت وحيدا آنذاك.. إحتجت بشدة أن تعززي صفي.
- أعلم أني مخطئة.. ولكن أقسم لك أنني منذ رأيت تلك الفتاة لم أقدر أن أتمالك أعصابي.. تلك اللحظة التي تشعر وكأن أحدهم **ر لوحا على رأسك فعجزت عن التفكير.. لم يكن عقلي فقط يا مالك بل قلبي أيضا.. مالك أنا أحبك جدا .. ولن أستطيع يوما ان أتحمل أن ت**ر قلبي .. أنت كل ما لي بعد والدي ..لو تعلم ماذا تعني لي لخجلت من نفسك على كل لحظة فراق.
= أعلم يا هند وهذا ما جرني لك مرة أخرى.. ربما ما حدث إيجابيا.
- ألم تشتاق لعودة خاتمك في إصبعك مرة أخرى؟
= لا الحقيقة.
- حسنا ولا انا .
= إنتظري إنتظري .. متسرعة جدا أنت ..إشتقت كثيرا. في تلك المناسبة ما رأيك لو سرعنا الأمر قليلا لم أرى أننا بحاجة للإنتظار...
- لا أعلم.
= ماذا بك؟
- لا أعلم إنقبض قلبي وتذكرت والدي للحظة.. كنت أتمنى ان يراني في عرسي.
= هند.. والدك في قلوبنا وسيحضر معنا.. هل تظني أنه لا يرانا هو يرانا ويسمعنا! وستشرق عيناه فرحا بك.
= حسنا! أعتقد أنني سأكون جاهزة مع مطلع الشهر القادم.
- جيد..ستكوني ملكة يومها.
= وأنت أيضا يا مالكي.
قبل العرس بيومين .. إستعد كل بيتي للذهاب الى أسوان مرة أخرى كما إتفقنا سيكون العرس في اسوان وإحتفالا آخر في القاهرة حتى نقسم البلد نصفين كما يقال.. لم أرى أبي وأمي بهذا الترابط منذ مدة كبيرة مضى عليهم وقت كثير دون أن يقفا بجوار بعضهما وبينهما هذا الود .. لو كنت أعلم لكنت تزوجت منذ زمن.. أميرة وماجدة وطاهر أيضا أحببت رؤيتهم معي .. منذ مدة طويلة وكل منا في عالم آخر .. خاصة بعد إنشغالي في العمل.. ركبنا السيارة وقد إنقطع نفسي من السفر بها لذلك تركت زمام الأمور لطاهر الذي أدهشني بسرعة تعلمه .. الأجيال كلما تتعقاب كلما كانت أذكى .. لا أعلم بعد 50 سنة كيف سيكون حال الأطفال.. نحن لم نكن أطفالا أبدا.
وصلنا في الرابعة فجرا أنزلنا الحقائب وعلى قدر الإرهاق على قدر ما كنا قادرين أن نتوقف عن الضحك من نكات ماجدة وتعبيرات وجهها وهي تقلد لنا بعض الأشخاص طوال الطريق .. عندما فتحت الباب وجدنا المنزل مقلوبا رأسا على عقب بدا وكأنها حالة سرقة ولكن لا يوجد شيئا ي**ق هنا .. علمت بأنها لم تكن سرقة عندما وجدت ورقة مطوية على ظهر الطاولة إختبئت قليلا ثم فتحتها .. وجدت مكتوبا عليها............ " الأ**د لا تأكل الجبن " ........علمت فورا من الفاعل جن جنوني وكان لزاما علي أن أخبر الجميع لإلغاء الفرح والخروج من هذه البلد في أسرع وقت .. لن يستكين هذا الجبن ولن يستكين عم هند .. الثأر هنا يجري فالدماء كجري الفهود.
أرسل حمدان رجاله لترك هذه الرسالة وبالتأكيد هم على علم بموعد الزفاف.
قابلت هند وزينب في اليوم التالي وأخبرتهما بما حدث ..
- يجب أن نلغي إقامة العرس هنا.. الوضع اصبح خطيرا لو كنت وحدي لما همني ولكن لن أخاطر أبدا وأنتم معي.
هند : نعم أو على الأقل نأجل يا أمي.
زينب: أي جنون تتحدثون عنه لن تلغى افراح.. علينا العار إن فعلتما .. هل تظنون أننا في اوروبا هنا .. هل تعلمون أنكما توردان الفضائح على مسامع الناس .. لن أسمح أن يقال عنا نصف كلمه بسبب تهديدات طائشة.
- يا أمي ليس هناك أي فضائح لا سمح الله الأمر أننا سنجعله فرحا واحدا في القاهرة لا بأس ب**ر بعض العادات من أجل سلامة الكل.
- كما قالت هند .. لا داعي أبدا للمخاطرة. وأنا أعدكم بأن أفعل ما تودون تعويضا.
- زينب: لم أظنك جبانا! أتخشى تهديدا أهوجا من هذا الحداد، ماذا سيقول الناس عن زينب وإبنتها .. أنظر هيا كلمة واحدة ولن أعود فيها لن ترى إبنتي مرة أخرى إذ لم يقام الزفاف في موعده.
- انا : تعلمين جيدا أنني لست جبانا ولو كنت بمفردي كنت أحرقت منازلهم على ما فعلوه. ولكن أنتم وأهلي في رقبتي الآن وليس هناك وقت لأتم إتصالاتي وتأمين الزفاف .. إن لم نلغيه على الأقل نقوم بتأجيله. ليس هناك داعي للمجازفة يا أمي يجب أن نحتم عقلنا بعض الشيء.. ستكون الأنظار مشغولة والأعداد كبيرة هذة أنسب فرصة لهم، ولن يتركوها تمر خاصة أنهم يعلمون أنني سأذهب بعدها وأبقى في القاهرة.
زينب: يا بني فكر في الأمر قليلا .. لو كان شخصا ينوي قتلك هل سيخبرك بذلك لتأخذ حذرك لو كان طفلا لما فعل.. لن أعود في كلمتي إذ لم يتم العرس في موعده غدا .. فانسى الأمر برمته، هيا إدخلي غرفتك وأنت فكر في ما قلته وأجبني الليلة بقرارك.
تفريغ بحرا بملعقة كان أهون من تليين عقل زينب حينها. النجاح لدى البعض هو المثاليه وفقدان شيء يعني فشلهم.. وهي كانت من هؤلاء.. لو أخبرت أهلي حتما لن يأتوا ولن يرضوا أبدا أن أقيم عرسا هنا.. إتصلت بزينب وأخبرتها على موعدنا نجتمع إن شاء الله. لم أستطيع ليلة زفافي أن أنام من القلق والتفكير بدلا من السعادة .. لن يمر هذا اليوم بخير أبدا.
جلسنا ننتظار القطار على الرصيف رقم ثلاثة .. الأعداد هنا كبيرة جدا! إتفقنا على أن نتفرق حتى لا نثير أي شكوك وعندما يأتي القطار نستقل عربات مختلفة ثم نلتقي في العربة الأخيرة.
هاجمني شعور لأول مرة.. شعور أن الحياة سريعة جدا الجميع يركض ولا أعرف لماذا يركضون وقفت بمفردي تائهه متسائله أين أنا!.. ماذا يحدث هنا! . إمرأة في السبعين من عمرها تحمل على رأسها مالا يسع قدرة شابان عفيان .. فتيان في ربيع عمرهم بوجوه رجل تسعيني حاملين أحلام سلكت طريقا أشبه بتعاجيده فلم تجد مخرج لها..
أتى القطار ولازلت ثابته مكاني عاجزة عن الحركة والإستيعاب.. سرعة الحركة زادت الضعفين حولي الجميع يهجم نحو الأبواب .. ماذا يوجد خلفها يستحق هذه الحروب.؟ هل القاهرة جميلة لهذه الدرجة! .. اصطدم أحدهم بي جعلني أفيق للحظات تقدمت نحو باب العربة .. الوصول الى الداخل مستحيل ..بعد لحظات الجميع أصبح على متن القطار .. رجل كبير ينادي من الداخل هيا يا ابنتي إصعدي هيا أعطيني يدك .. صافرات النداء الأخير تشق أذني .. تحرك القطر ولا أتحرك .. أصبحت المحطة فارغة لم يتبقى غيري .. تزداد سرعة القطار وأزداد ثباتا في الأرض .. لم أعلم الى الآن لماذا لما أصعد لعربة القطار .. هل كان إحساسي بأنني ثقيلة على عائلة عم عبدالعزيز .. هل كان خوفي من الإزدحام .. لا أعلم .. لعله القدر.
بعد دقائق جلست في منضدة الإنتظار.. كنت خائفة جدا كنت وحيدة للغاية .. من لي هنا!؟ بكيت بشدة ولم أستطيع كعادتي أن أكتم على قلبي وأمسك عن دموعي.. تمر الساعات وانا جالسة لا أعلم ماذا كنت أنتظر ولكن لماذا أقطع إنتظاري.. لم يكن في الحقيقة إنتظارا كانت حياة أخرى.. لن يحدث شيئا منذ الآن لن تناديني أمي للغداء .. لن يهاتفني أبي ليسألني لماذا تأخرتي .. لن تأتي صديقاتي لنذهب في نزهة، حتى لن يناديني عم عبدالعزيز لنخوض رحلة أخرى. هل يمكن أن يعود ليأخذني؟ ولكن كيف؟ لن يقف القطار وإن وقف لن يعود يبحث عني أبدا. إنتهى الآن كل ما يربطني بسوريا.
بعد أن جفت عيني من البكاء كنت قد وصلت لحالة من فقدان الإحساس بالمكان والزمان .. غادرت المحطة ثم بدأت أطوف بلا وجهه، هذا الضياع يعصر قلبي كل ما أتذكره.. هذا العالم لم ولن يكن ليشعر بنملة. عند غروب الشمس كنت أموت جوعا.. من أين أجد طعاما لم أعتاد أبدا على التسول. فضلت أن أموت ولا أمد يدا لأحد. سرت نحو أصوات غناء وطبول بدون وعي .. كان عرسا بقاعة قريبة ..تقدمت بين الداخلين والخارجين .. أخذتني قدمي نحو المائدة .. أشكال وألوان من الطعام .. خراف مشوية وحمام ودجاج مشوي وكل ما تشتهيه الأنفس.. لمعت عيناي لم أستطيع أن أتمالك نفسي وصلت للمائدة وبدأت أأكل دون أن أعطي إهتمام لأحد .. رغم إلتهامي للطعام بشراهة ظننت عندما إكتفيت أنني سأرفع عيني لأجد كل ما في العرس ينظر الي .. ولكن على النقيض لم يشعر حتى أي فرد بوجودي .. الا شخصا واحدا كان آخر من يمكن أن يلحظني وهو العريس .. لم يلحظني فقط بل كان ينظر إلي بطريقة مبالغ فيها .. بدأت اتساءل ماذا به! نظرت خلفي لم يكن هناك أحد.. تمر دقائق ولا يمتنع عن التحليق بي وكأنني شخصا يعرفه.. بدأت العروس تلحظ وبدأت تنظر الي! وتهمس في أذنه.. ماذا هناك!.