4- الفصل الرابع

3203 Words
لم أكن أفكر حينها سوى في تهديدات رجال حمدان، عيني تراقب الآتي والراحل.. آملا أن يمر اليوم بخير .. حتى وجدتها فتاة العزاء..وكأنها تظهر في التجمعات فقط لم أكن أتخيل أنني سأراها مرة أخرى، كانت أصغر حجما وسنا من التي رأيتها ولكن بالتأكيد هي بذات الملابس المهملة.. بذات الوجه الأبيض الملائكي وتلك العيون البريئة ولم تكن بذات الوقار .. رأيتها تدخل ولا تنظر سوى للمائدة تأكل دون شكليات.. وكأنها لم تأكل منذ سنة.. لن أتركك تختفي هذه المرة. حتى أعلم من أنت. خجلت من نظراته وتحليقه بي! فقررت الذهاب فورا! رأيته يتقدم نحوي.. إلتفت للخلف وزدت في السرعة.. سيمسك بي لأني أكلت من الطعام دون دعوة. ثم نادى علي. - إنتظري! = بارتباك: آسفة جدا.. لم أأكل منذ أيام وانا وحد.. - لا عليك لا توجد مشكلة .. أنت ضيفة علينا وهذا واجبنا نحوك. = شكرا.. مبارك لكما.. - ما إسمك؟ = أنا إيميلي. أستأذنك. - لحظة إنتظري...مهلك.. لا تذهبي الى أي مكان أريد أن أتحدث لك عندما ينتهي الحفل. أرجوك. كان الكلام مازال في فم مالك وإيميلي تقف أمامه .. لا تعلم ماذا يكن يريد عريسا في ليلة زفافة من طفلة ضائعة. علامات إستفهام كثيرة تجول في ذهنها..أصوات الطبول والأعداد الكثيرة تسبب لها المتاعب .. وقفت مرة أخرى وكأنها مجمدة تأبى عضلاتها إستقبال إشارات من عقلها حتى تتحرك . .تغيرت ملامحه فجأة أمام عينها، بدأت تشعر بخوف شديد نبضات قلبها تزداد.. إقتربت خطوات الثالث رويدا رويدا من خلفها لا يراه أي أحد سوى مالك.. كان يسير خلسة في الظلام وكأنه خيال يضع يده على شيء داخل ملابسه في ظهر إيميلي.. مثلها تماما كان مالك في حالة من التوهان لم يستطيع التحرك وإنقاذ الموقف .. وكأنه يعلم أنها نهايته وهذا قدره لا أحد يستطيع أن يهرب من قدره.... في لمح البصر إنقطعت الكهرباء ثم أطلق الرصاص .. حالة هلع وفزع وصراخ تنتشر في العرس، سقطت إيميلي .. وسقط مالك أرضا في دماؤه .. هرب القاتل ولم يعد له أثر. فكرة السباق بين البشر فكرة غ*ية .. هذا الذي فاز في السباق لم تكن لديه طاقة للإحتفال كما قال زيغ زيغلر مهمتنا في الحياة ليست أن نسبق غيرنا، بل أن نسبق أنفسنا ** - سيدتي! هل أنت بخير؟ = نعم ولكن لا زلت أشعر ببعض الألم في ظهري. خاصة كلما حاولت الحركة - هذا الألم طبيعي نتيجة الجراحة.. كنت تحتاجين تدخل سريع. سأعطيك بعض المسكنات القوية ليزيل هذا الألم نهائيا. = هل سأكون بخير؟ - نعم.. تمت الجراحة بنجاح، كانت معقدة قليلا ولكن لا تقلقي بعد شهرين فقط من العلاج الطبيعي ستعودي لممارسة الحياة بشكل أفضل. = شكرا من أعماق قلبي أنا ممتنة لك. - هذا واجبي.. ولكن إعذريني هل لد*ك أي أقارب نستطيع الإتصال بهم؟ = لا أنا وحيدة هنا، لم يتبقى لي أحدا من أهلي لدي بعض الجيران ولكن لا داعي لأقلقهم. - من الممكن أن نصبح أصدقاء أليس كذلك؟ = بالتأكيد من دواعي سروري. - حسنا، سأكون بالجوار والممرضة ستراقبك، اذا إحتجتي أي شيء بلغيها على الفور. خرجت من غرفة السيدة ماري وانا في غاية السعادة، كان ذلك أفضل شيء أنهي به اليوم، رؤية الحياة تعود مرة على وجه أحدهم هو مص*ر سعادتي وبهجتي. أستطيع الآن أن أوقع مغادرتي وأعود لمنزلي، إشتقت لسماع الموسيقى العربية وإحتساء الشاي في هذا الطقس البارد. ولكن قبل العودة لمنزلي تذكرته، وأرغب بشدة في إرسال رسالة اليه جلست على مقهى تايم هورتنز في آخر تقاطع يسبق منزلي وطلبت الشاي. وقمت بإعطاء هاتفي للنادل وأخبرته أن يشغل أغنيات فيروز في المقهى.. بدأت القائمة بأغنية تذكر آخر مرة شفتك سنتا. بتذكر وقتا آخر كلمة قلتا. وما عدت شفتك. وهلّق شفتك. كيفك إنت؟ . بدت علامات الإعجاب تظهر على وجه كل الجالسين حتى وإن كانوا لا يفهمون شيئا الا أن صوتها العذب قادر على نشر السعادة في قلوب البشر كلما أكبر كلما يزداد حنيني لأوقات الماضي نعم يشعر المرء بالحنين في جميع فترات عمره ولكن عادة ما يترجم هذا الحنين في صور خاطئة، قليلا من التركيز ستجد نفسك أمام السبب الحقيقي في ذلك الشعور. . عزيزي مالك.. أحدثك من أبعد مكان بالعالم ..الآن في هذا الوقت .. السقيع يمسك أصابعي عن الكتابة ولكن لازال قلبي طليقا، تذكرتك ووجدتني لا أستطيع أن أحجم رغبتي في مراسلتك كما إعتدت أن أفعل ..لا زال لك في قلبي الكثير.. أتعلم؟ لا زلت أبحث عن العطر الذي يذكرني بك كل حين.. إعتدت على إعادة ذكرياتي بحاسة الشم..هذا المنديل الذي أعطتني إياه في يدي الآن يحمل ذكراك معي. وكذلك رسمتك لي أحتفظ بها، وإن كانت تشبهني وأنا صغيرة أكثر من الآن. لا أعلم لماذا أكتب لك ولكن دعني أكمل دون وجهه.. هنا أستطيع أن أحيا بسلام.. لا حروب لا هجرة، لا مجال لأن ي**ر قلبي مجددا.. وجدت ذاتي في دراستي وعملي.. أدرس الطب، أحببته وتفوقت فيه.. لدرجة أنني أداوم في مستشفى خاص كفترة تدريب وبراتب جيد كحالة إستثنائية نتيجة إبهارهم بسرعة تعلمي. لم يعكر صفوي سوى شيئين .. الإسلاموفوبيا، الناس أحيانا لا يحبون أن تكون ناجحا، ولكن عندما تنجح الجميع يحبك. والوحدة.. ولكن تلك الأخيرة إعتدت عليها، لم أعد أخاف من كوني لوحدي بعد الآن، رفقة الح*****ت الأليفة ليس بأمر سيء. قد أكون **رت قلبك بإختفائي ولكن صدقني لم أكن قوية، لم يعد في كتفي عظمة لتحمل حبة رمل..لم أكن لأحتمل صفعة أخرى.. الفراق كان بلائي .. مرر فمي لسنوات وأخذ مني كل جميل. كنت أحارب دون أن تعلم..هناك أشياء كثيرة حدثت لا تعلم عنها شيء ولكن كن متأكدا.. أنني لم أكن لأرحل إلا لعظيم قد وقع. أنا تلك المهاجرة الرحالة بين القلوب والأوطان .. ليس لي قلبا بقى معي ولا وطن يمكن أن أعود إليه. ولكني الآن وبعد أعوام من التخبط أشعر أنني هادئة..أرى شيئا من حكمة الله في ما حدث.. توفت عائلتي أمامي ولم أستطيع إنقاذهم.. كنت على وشك أن تموت أمامي أيضا وأنا عاجزة عن مساعدتك.. ربما إنقاذ روح أحدهم يشفي جرحي..ربما أكثر من عانى الفقدان، أقدر من غيره على محاربته. ولكن بالنسبة لي لم أكن أحتمل فقدان آخر هذا مؤذي جدا، لذلك إختفيت، ولا أنوي أن أتعلق مرة أخرى بأحد. عزيزي مالك، هند تحبك كثيرا وتغار عليك.. أعلم منذ أول يوم رأيتها أنها قادرة على إسعادك ورعايتك، وهذا يطمئن قلبي الصغير. ولا تخف علي أيضا، أن سعيدة هنا.. معي زميلاتي السوريات منهن والأجانب.. لغتي الإنجليزية الجيدة ساعدتني على التأقلم سريعا. الحياة هنا أيضا متقدمة جدا..والطبيعة خلابة.. والنقاء البيئي في قمته. ربما الدراسة شاقة نوعا ما ولكن لا بأس إعتدت على ذلك يوما بعد الآخر.. أتعلم؟ اليوم ساعدت في أنقاذ سيدة في عقدها الأربعين، كانت جراحتها معقدة وخطيره وتحمل مخاطر كبيرة كشلل دائم، ولكن حمدا لله نجحنا. أخبرتني أنها وحيدة وليس لها أحد سوى جيرانها الا أنها لم تبدو أبدا حزينة لأجل ذلك .. أترى الوحدة ليست بأمر سيء.. بالتأكيد لديها ذكريات جيدة يتونس بها قلبها، سأكبر أنا أيضا وستكون لدي ذكريات كثيرة وجميلة، في النهاية أتمنى أن أموت في فراشي هادئة ساكنة دون أصوات صاخبة وإستغاثات دون صراخ وإستشهاد دون دماء منثارة حولي، سريرا بلا خوف يعذب فؤادي ويأبى الرحيل.. ثم غايتي الأولى والأخيرة التي صبرت بها منذ سنوات وأصبر بها الآن و*دا، وهي عودتي بين أهلي وتجمعنا مرة أخرى في عالم غير العالم. من يعلم ربما قبل ذلك تكون لي عائلة وأطفال مثل أطفالك المذهلين. لا أريد أن أطيل عليك وأيضا لن أخفي عليك أصابعي لم تعد قادرة على المواصلة، سأتذكرك دائما وأتمنى أن يجعل الله مما تتمناه نصيبا وافرا. إستمر .. إزرع دوما واجني .لا تتوقف ولا تدع الحياة تهزمك يوما، ستكون بخير وبأفضل حال. أعطاك الله مما أعطيتني حبا وحنانا وعطفا رعاك الله مثلما رعيتني وانا في أحلك أيامي. وداعا يا أرق قلبا قابلته.. وداعا مالك. لطالما كانت ولازالت علاقة الشعب السوري بنظيره الكندي قوية ومتآصلة على مر السنين.. في ظل الأزمات المتوالية التي عاشتها بلدي الحبيب .. هاجر العديد من السوريين الى كندا بعد الكثير من التشعب في الأراضي العربية. وانا كغيري تم مناقشة وضعي بشكل خاص للهجرة الى هنا. وتم الموافقة على هجرتي.. ترددت كثيرا في المجيء ولكن كان قراري في الأخير. دراستي للطب لم تكن سهلة أبدا .. ولكني أفنيت كل وقتي فيها.. أذهلني التطور الرهيب الذي وصل اليه مهارة وذكاء العالم هنا.. ربما لو كانت السيارة إنقلبت بنا في أوتاوا -عا**ة كندا-.. لكانت عائلتي معي الآن.. ولكن هذا هو القدر، قدر الله وما شاء فعل.. أتمنى أن يصبح الوضع في وطننا العربي مثلهم.. كفانا حروبا إنتهى العالم منها منذ سنوات ووفر هذه الجهود في التطور والتقدم وجعل الحياة أفضل. كفانا سفكا في دماء بعضنا ونشعر بالغيرة مرة واحدة فقط منهم ونصل لما هم عليه.. ليس لهم أذرع ولا عقول زائدة.. مثلنا مثلهم .. ينتابهم جميع المشاعر الإنسانية من ملل وإحباط ووحدة وإكتفاء . الفرق بيننا وبينهم فقط في جملة واحدة.. أين أوجه طاقتي؟ . هم يضعون سياسات تبني لا تهدم .. يأخذون منك كل طاقتك ويضعوها في المكان الصحيح. لا يحتاجون جنديا أكثر من مهندس.. لا يحتاجون دبابة أكثر من مخترع .. لا مكتبة أكثر من مقالات. لا فقه في كل شيء أكثر من التخصص. لا يحتاجون إعلاميا سياسيا أكثر من نبأ جيد. أما نحن فلا نبالي إلا بعديمي القيمة، كلما علت قيمتك كلما كنت مهمشا كما قالت والدي ذات يوم ضعوا القادة الفاسدة مع الشعب المملوء بالإثم، ثم شاهد كيف تتحول بقاع الأرض الى جحيم.. عدت الى المنزل وما إن دخلت الشقة هجمن على صديقاتي اللاتي رزقني بهن الله. علياء سورية أتت من لبنان وهانا ودانا التوأم الأمريكي.. تعرفنا على بعضنا في هذة السكن.. كل واحدة منا شقت طريقها بيدها. علياء: قررنا الآتي: لن نتركك الليلة حتى تخبرينا ما حدث مع مالك. دانا: لا يهمنا إن كنتي متعبة أم لا. كفاك من حجة كل يوم ..قضي الأمر. - حسنا إتفقتن علي.. وإنتهى أمري أليس كذلك. هانا: نعم.. هيا في غضون دقيقتين تكوني بدلتي ملابسك وسننتظرك في شقتنا. - حسنا إذبهن سآتي . في ذلك اليوم الذي وصلت فيه الفرح كنت قد أتممت الخامسة عشر.. كان إحتفالا لا بأس به.. وكالعادة كل ما كنت أضع قدمي في مكان تحدث مصيبة .. حتى بدأت أن أشك فعلا في أن قدمي شؤم. تلقى مالك الرصاصة وهو أمامي.. وكان الرامي خلفي ولكنه لم يخطئ الهدف رغم إنقطاع الأنوار..إلتف الحضور حول مالك ونقلوه سريعا الى المستشفى..كانت الرصاصة قريبة من قلبه، لم أستطيع أن أتركه ذهبت معهم الى غرفة العمليات.. لم تتركني عينه حتى أغمضت..أشفقت كثيرا عليه، يبدو طيب لم أعلم لماذا أراد أحدهم أن يقتله. كانت والدته تكاد أن تنشق أربع من خوفها على إبنها، ووالده وإخوته وزوجته هند أيضا كانت تبكي عليه بحرقة.. الكل يعتريه الحزن الا إمرأة واحدة كانت تقف بالجوار تحني فمها وكأنها تتحسر على حظها علمت بعد حين أنها والدة العروس.. لم أفهم اللهجة التي كانوا يتحدثون بها لم تكن كالتي حدثني بها مالك ليست لهجة مصرية أعلم اللهجة المصرية من المسلسلات.. لدرجة أنني قد بدأت أعتقد أننا لا زلنا في السودان .. ثم إكتشفت أنها اللهجة النوبية. بدأت هذه المرأة الساخطة تطرد الناس من قاعة الإنتظار.. هيا لا داعي من وجودكم سنخبركم بأي جديد.. حتى وجدتني .. نظرت الي بإستغراب.. أخاف*ني بشدة وقالت لي -ألم أقول لا أريد أحد هنا! ماذا تنتظرين! = عفوا لا أفهم ما تقولي! - من أين أنتي يا بنت؟ - من سوريا.. جئت من الحرب ووجدت نفسي في العرس. = حسنا، هو بخير إذهبي لأهلك. خرجت من المستشفى وجلست بالأسفل .. إنتظرت ساعات وساعات نمت على أريكة بالإستقبال من شدة الإرهاق وإستيقظت ولا توجد أنباء حوله. لم أود الرحيل قبل الإطمئنان عليه.. كرهت الموت لطالما كان قريب مني.. وأخيرا رأيت الطبيب الذي أجرى الحراجة ركضت اليه وسألته بقلب مرتعش.. أسكنه كلماته.. الجراحة نجحت سيكون بخير ولكن سيبقى أيام معنا حتى يتم شفاؤه.. شكرت الله وإبتسمت إبتسامة بلهاء بعد أن غمرني الفرح، ذهبت وأنا على الباب نادى: - آنستي ..لحظة إنتظري .. هلى أنت إيميلي؟! = نعم! هل تعرفني؟ - هامسا : يبدو أنني قمت بمصيبة للتو.. لا ولكن كان المريض كان يردد إسمك كثيرا في غرفة العمليات..وعندما كان في الجراحة كان يعافر بشدة معنا وهذا ساعدنا كثيرا.. لم يكن يريد أن يموت، كان هناك شيء يريده بشده.. تصرفت بتلقائية .. زوج يأتي مع زوجته بزي الأفراح .. طبيعي أن تكون زوجته هي إيميلي أخبرتها بذلك لكي تكون بجواره في العمليات ولكن صعقتني عندما أخبرتني أن إسمها هند، ولا أحد من أهله يدعى إيميلي. اعتقد أنني عكرت الأجواء في الأعلى.. لا أعلم على أي حال يبدو أنه يهمك أمرك كثيرا، ربما كنت سببا قويا في بقاؤه. - متى يمكنني زيارته؟ = أعتقد أنه أصبح بخير الآن.. ولكن لا أفضل أن تصعدي الآن.. .. إنتظري قليلا حتى تقل الزيارات. - حسنا . = أعلم أنه ليس من شأني ولكن هل تعرفي مالك؟ - لا.. لا أعرفه وهذا مايدهشني! كنت في العرس بطريقة عارضة.. رأيته يتقدم نحوي ويسألني عن إسمي وأخربني أن لا اذهب لأي مكان هناك شيء يريد أن يخبرني به بعد العرس. = شيء محير جدا.. ولكن على أي حال.. سأخبرك عندما يتاح الوقت المناسب لتزوريه. - حسنا .. شكرا لك ماذا تريد مني يا هذا المالك! ما هو السر الذي تريد أن تخبرني به.. ولماذا انا تحديدا؟.. الفضول يقتلني، كما انني سئمت الإنتظار.. كنت جائعة أيضا وهذه المرة لا توجد أفراح حولي، عدت الى أريكة الإستقبال وقلت لنفسي لا عليك سيرزقنا الله.. مرت ساعة فقط ورأيت فرحا في المستشفى أصوات تهليل وتصفيق وزغاريط تأتي من الأعلى وبعد قليل نزل رجل مهرولا غير قادر على التحكم في تحركاته أو وجهته من شدة السعادة والنشوة.. خرج وعاد بعد قليل معه صناديق وأكياس كثيرة وبدأ يوزع طعاما كثيرا ومشروبات على كل الأطباء والممرضات والموجودين وكان كريما جدا عندما أتى إلي قال لي بإبتسامة عريضة هذه أشياء بسيطة هدية مولودي الجديد وقيام زوجتي بالسلامة.. ذهبت الى طبيب سألته ما القصة؟ أخبرني أن زوجته وإبنه كانا يمران بلحظات عصيبة في غرفة العمليات ولادتها كانت مستعصية كنا على وشك أن نفقد الإثنين. وبعد قليل كان علينا أن ننقذ أحدهما .. القانون يعطي الأولوية للمرأة وأخبرناه بذلك. ثم إستطعنا إنقاذهما معا لم نحتاج الى التضحية بالمولود ولكن الله كريم. يا الله لم أرى جمالا في حياتي بقدر إدخال السعادة والحياة الى قلب إنسان، اللحظة الجنونية التي كان بها جعلتني أريد أن أكون طبيبة، وأيضا كانت المرة الأولى التي أدخل فيها مكان منذ تلك الأزمة ولا تحدث مصيبة بل فرح وإستشراق.. ومن يومها لم أرى نفسي سوى بهذا المعطف الأبيض، بمكان كهذا. جلست أأكل من رزق الله الذي لا يهمل نملة في جحرها فكيف يمكن أن ينساني. ثم جلست أغوص في أحلام اليقظة سأكون طبيبة جيدة يوما ما، لا تحرمني يا الله من هذا الشعور. - يكفي هذا اليوم، لأنني سأنام بالفعل وأنا أحكي، تصبحن على خير يا فتياتي أراكن غدا. هانا: هل تعلمين أنك سخيفة؟ - نعم أعلم (مازحة) .. الى اللقاء . لم أنم بالأمس وهذا ما أثر على تركيزي في اليوم التالي.. كان يوم طارئ من الدرجة الأولى العديد من الإصابات بمختلف درجاتها.. لم يكن ذهني صافي أبدا .. ردات فعلي بطيئة جدا ..حدث مني خطأ في غرفة العمليات أمام أعين الفريق والطبيب القائد.. خطأي لم يغفره نجاحاتي السابقة هنا ولم يغفره تداركه بعد حين وقيام المريض بالسلامة.. لم تحول محاولات البعض في الدفاع عني دون الصيد في الماء العكر.. تنتشر رائحة العنصرية مهما حاولوا إخفاؤها.. بعد مناقشات بين أعضاء مجلس الإدارة ص*ر قرارا برفدي. وعدم تدريبي وإدخالي هذه المستشفى أو غيرها في كندا بأكملها حتى يكون معي درجة دبلوم على الأقل. أعلم جيدا أن خطأي لم يكن السبب.. الضغط يجعل غير المؤمن يتخلى عن إسلامه وعروبيته. وهذا لن يحدث مهما كانت حجم المواجهات. خرجت مهزومة ولكني سأعود يوما . عدت للمنزل خائبة، مضى على وجودي أمام التفاز ليلتان.. شقتي أصبحت سلة قمامة كبيرة.. حالتي أصبحت مذرية، لم أكن أتجاوز ذلك الا بصديقاتي لم يتركوني وحاولن كثيرا التخفيف عني. كنا نخرج ونسهر كثيرا جعلوني أشعر ب*عور السند الذي غاب عني كثيرا.. جعلهم الله سبب في إعادة طاقتي. أنرت مرة وقررت أن تكون ردة فعلي إيجابية أدرس أكثر وأتعلم أكثر وأتطرق لمناطق في بحر الطب لم أكن قد وصلت لها سهمي سيصل مرماه عاجلا أم آجلا، شئت أم أبيت، أحببت أم كرهت .. وضع رأسك أمامي لن يمنعه. إختارت نفسك الخبيثة أن تصيبك أسهمي وكان أمامك أن تشاركني الإنجاز. كل ما إستصغرت شأنه، واستهزأت بقدرته .. ستقف أمامه مطأطئ الرأس. . عدنا في الليل سويا وأكملت لهن ما حدث بعد ذلك.. رأيتهم وأنا في الإستقبال يخرجون أخيرا ويعودون الى منزلهم..لم أنتظر إذن الطبيب صعدت الى الطابق الثالث كانت أخته فقط موجودة بجانبه.. قابلتها وطلبت منها زيارته فسألتني عن إسمي وعندما علمت أماءت رأسها ها أنت إيميلي إذا لا أعلم ماذا يدور هنا ولكن حسنا إدخلي.. سنتحدث غدا . سأذهب لأجلب بعض المخبوزات والعصائر.. تركتني أخته ثم تقدمت نحو سريره كان في غفوته.. إقتربت حتى جلست على كرسيا بجواره.. فتح عيناه تدريجيا حتى أستطاع أن يجمع من أكون أعلم هذه اللحظة.. ثم قال بإبتسامه خفيفة: - ها أنتي أخيرا. = علمت من الطبيب أن حالتك تتحسن..لا أعلم ماذا أقول ولكن كنت أود أن أطمئن عليك. إعتدل قليل ثم قال - أعلم أنك تتساءلين بغرابة عن سبب رغبتي في الحديث معك.. قبل أن أخبرك يجب أن تعلمي أنني قد طفت البلاد لأجدك.. أستأذنك أن تعطيني هاتفي من على الطاولة.. - حسنا ... تفضل. = لحظة سأريكي شيئا ما .. إنظري - هذه أنا! تبدو أكبر سنا ولكن تشبهني كثيرا! من رسمها؟ = أنا، قصة طويلة وغريبة بعض الشيء كان يتحدث وهو يتألم ولكن لم أستطيع أن الجم فضولي أردته أن يخبرني. - ما هي؟ إقتحمت الممرضة الغرفة وقالت يكفي هذا اليوم.. إزدادت الزيارات عن الحد المسموح به. - إنتظري أرجوك. = دعيها أنا بخير. إذا سمحت يا آنسة تفضلي، الطبيب منع الزيارات، هذا وقت الراحة لم يأخذ قسطا كافيا من الراحة اليوم. خرجت وأنا أحترق لمعرفة القصة.. ولم أستطيع أن أبرح ساكنا .. بقيت أطوف يمينا ويسارا بالأسفل وأنا أفكر .. لن تجعلني أدخل وربما قد تطلب لي الأمن و*دا سيأتون ولن أقدر أن أنفرد به مرة أخرى ليس هناك فرصة سوى الليلة، الحياة لا تعطي الفرص مرتين. قررت بجنون أنني سأدخل له مرة أخرى صعدت.. كانت أخته نائمة بجوار باب الغرفة.. والممرضة لازالت على مكتبها تراقب لا تريد أن تبرح مكانها. علمت إسمها ونزلت مرة وقمت بجلب لترين من المياة الغازية التي أهداني إياها الرجل المنتشي في النهار لم أقوم بعد بفتحها، قابلت الساعي وأخبرته أن يعطيها لهنادي .. إختبئت وراقبت حتى جاء بالقارورة لها .. هنادي: ما هذه لم أطلب شيئا! الساعي: قابلت فتاه أخبرتني أنها توزع عصائر وقالت أنها مجانية لك، لمجهودك مع المرضى. - النزلاء لطفاء جدا اليوم. = نعم صحيح، ولكنها لم تعطيني شيئا. - ربما نست لا تكن وقحا. (ضاحكة) إنتظر خذ كوبا من هذه. = لا شكرا أنا أمزح الطبيب منعني منها أنا بالأسفل إن إحتجت شيئا. - حسنا إغلق أنوار الممر في طريقك يا عم أحمد. نزل الساعي وإنتظرت أراقب هنادي وهي تملأ معدتها بإستمتاع.. ثم بدأت تشعر بعدم الإرتياح ولم يمض كثيرا حتى تحركت أخيرا وذهبت للحمام. دخلت بهدوء للغرفة .. كان نائما لم أستطيع أن أوقظه ولكن لا حلول بديلة، قلت في نفسي سأهمس في أذنة مرة واحدة إن ام يستيقظ سأذهب. - مالك.. * لما يسمعني .. ولم أقدر عن التوقف مالك .. أتسمعني .. انا إيميلي.. = كيف دخلت. - لا عليك تصرفت. آسفة أني أيقظتك. = لا عليك، كنت سأستيقظ بعد قليل. - هل تشعر بأي آلام؟ = خفيفة لا تقلقي.. أعطوني مسكنات قوية. - حمدا لله. = إذا جئتي لأخبرك.. حسنا سأبدء معك من تلك الليلة.. كنت أعيش في اسوان وانا صغيرا حتى إنتقلنا للقاهرة .. توفى الشيخ خالد فكان واجبا أن نأتي العزاء.. رأيتك هناك ولكن كنت تبدو أكبر من الآن.. توقفت أنفاسي عندها.. كانت هي المرة الأولى التي أشعر بخفقان قلبي.. نظرتي في عيني ونظرت في عينك. ثم رحلت.. عشت أياما كثيرة كالمجنون أبحث عنك في كل مكان هنا ولكن لا أثر ولا خبر. نسيت الأمر وعدت لعملي وقد فكرت بطريقة ربما تشعرك بالخوف مني قليلا.. في يوم عارض عرضت علي أمي الزواج من هند إبنة الشيخ خالد .. لم أكن أبدا أشعر بشيء تجاهها لذلك عارضتها بشدة. ولكن عندما إعتقدت أن إقامة فرح في البلدة سيجعلك تأتين كما أتيت الى العزاء لذلك وافقت. لن أخفي عليك نسيت أمرك ولم أعد أتذكرك.. بدأت التأقلم مع هند وأحببتها وكان كل شيء مثالي الا هذه الرصاصة.. حتى أنني في الفرح لم أكن أنتظرك بل كنت أنتظر الثأر مني. ثم ظهرتي أمامي إنقلبت كل أوراقي وتجمدت متسائلا: هل يمكن لخيال أن يصبح حقيقة.
Free reading for new users
Scan code to download app
Facebookexpand_more
  • author-avatar
    Writer
  • chap_listContents
  • likeADD