الفصل الأول(1)
كانت تركض بسرعة كبيرة وكأنما هناك وحش يحاول أن يُمسك بها ، تركض أسفل ذاك المطر ، تركض وتهب الرياح عليها ؛ فيتراجع شعرها للوراء ، كانت تركض وهي تنظر للوراء بين كُل فترة وأُخرى خائفة وغير مُستعدة لمُلاقاة ما تخشاه ولم تنتبه لتلك الصخرة التي أوقعتها أرضًا على الطريق لتقف أمامها سيارة سوداء **واد ذاك الليل المطير كادت أن تصدمها لولا أن ضغط سائقها على فرامل السيارة لتُحدث صريرًا صاخبًا في هذا الليل الهاديء ،
نزل من سيارته بهيبته الكبيرة ، كان الغضب يتطاير من عينيه ؛ فلقد كان يومه مليئًا بالكثير من الأحداث التي لا تُعجبه وجاءت تلك المتهورة التي كاد يصدمها لتختم هذه الأحداث
تحدَّث بغضب وهو يقترب منها : أنتي يا بت أنتي ! أنتي مفكره نفسك في الملاهي عشان تجري كده ؟!
ثم أردف باستغراب : هي مش بترد ليه ؟!
اقترب منها حتى نزل لمستواها وجدها مطأطأة الرأس كالمُغشى عليها
تجرَّأ ورفع يده ليرفع ذقنها ، ليجدها تلتقط أنفاسها بصعوبة بالبالغة ورغم خدوش وجهها إلاَّ أن ذلك لم يُخفي جمالها الذي صَدم ذلك الشاب ليُزيح وجهه للجهة الأُخرى ويتنهَّد بهدوء بينما هي كانت تلهث وكأنها تصارع خروج روحها من جسدها .
التفت أدهم إليها وتحدَّث وقال : أنتي كويسه ؟
لم تتحدث بأيّ كلمة ، كانت تلهث فقط بسرعة كبيرة كأنَّها تشهد آخر لحظات عُمرها
ثم أردف : طب تعالي أود*ك المستشفى شكلك تعبان أوي
لم يتلقَ أي رد فما كان منه إلاَّ أن تأفف من هذا الحال الذي لا يتناسب مع توقيته
قال بتأفُّف : اللهم طولك ياروح
انحنى ليحملها على مضض لتصبح هي صياحًا أزعجه للغاية فهو بطبعه لا يُحب الصوت العالي .
صرخت بهيستيرية : سيبني سيبني متلمسنيش !
ليُغشى عليها بين ذراعيه مُعلنة عن فقدها لوعيها .
ليتحدث بغرابة : مالها البت دي ؟!
لييتن*د باستسلام ويحملها مُتجهًا نحو سيَّارته ليضعها في الكُرسي الخلفي وانطلق بها إلى أقرب مشفى .
بمجرد أن انطلقت السيارة حتى وصل بعض الرجال مُرتدين مَا يُسمَّى بالجلباب ، ظلوا يلهثون مِن شدة ركضهم خلف تلك الفتاة العنيدة قائلين :
الرجل الأول : هربت ، ياسين بيه مش هيعجبه الوضع !
الرجل الثاني : نعمل إيه أكتر من إكده ، كان يحكمها هو !
الرجل الثالث : خلاص كفاياكم مناقره !
الرجل الرابع : أنا شايف إننا نرجع ونخبِّره ونشوف هيجول أيه
الرجل الأول : عندك حق أنا الجو بتاع مصر مش عاجبني ومش هنلاجيها بسهوله !
ــــــــــــــــــــــــــ
في المشفى وقف أمام الفراش الذي تغفو عليه تلك المُتهوِّرة كما وصفها ليُقاطع تفكيره صوت الطبيب الذي دلف للغُرفة .
الطبيب : حضرتك تبقى أيه للمريضه ؟
جاوب بهدوء : مبقاش حاجه أنا كنت سايق العربيه لقيتها ظهرت قدامي ووقعت
الطبيب : طب حضرتك متعرفش اتعرضت للض*ب ولا لا ؟
جاوب باستغراب : ض*ب ؟ ، لا معرفش ، خير ؟
الطبيب : في آثار على أيد البنت وشعرها مش مظبط ، ده غير حالتها وحالة لبسها ، احتمال الطب الشرعي يتدخل عشان نكشف عن حالتها ، لإن ظاهر إن فيه محاولة ض*ب واعتداء عليها
جاوب الآخر : معرفش حاجه بصراحه ، أنا عاوز أدفع التكاليف عشان عندي شغل
الطبيب : أتفضل آخر يمين
ــــــــــــــــــــــــــ
في الصباح التالي استيقظت من نومها بألم لتضع يدها فوق رأسها الذي كأنه تهشَّم عند مُقارنة ألمها ، لتنتبه المُمرضة عليها التي كانت تُعدِّل مِن سرعة المحلول المُعلَّق في يدها .
الممرضة : صحيتي ! الحمد لله . نمتي كتير أوي من الساعه 12 للساعه 9 قلقتيني أوي يا
جاوبت : ياسمين
الممرضة بابتسامة : ياسمين ، اسمك حلو
ياسمين : شكرا
الممرضة وهي تناولها حقيبة تسوق : الشنط دي فيها لبس ليك لو حبيتي تبدلي هدومك لما المحلول يخلص
ياسمين : مين اللي جابه
الممرضة : اللي جابك هنا
ياسمين بخوف : متعرفيش مين ؟!
الممرضة : لا
ياسمين : طب لو سمحتي فكي لي الحاجات اللي في أيدي دي
الممرضة : أكيد لا طبعا المحلول لسه مخلصش ولازم تقعدي النهارده كمان هنا
ياسمين برجاء : أرجوكي أنتي متعرفيش ظروفي أيه ، أنا محتاجه أمشي ، متجادليش معايا
الممرضة باستسلام : خلاص حضرتك أمضي إقرار على نفسك إنك المسئوله عن حالتك
ياسمين : طب روحي هاتيه على ما ألبس ، بسرعه أرجوكي
الممرضة بتعجب : حاضر
ــــــــــــــــــــــــــ
ارتدت ياسمين ملابسها لتنظُر حولها كأنَّها تبحث عن شيء ما لتصرُخ بعدها .
ياسمين بهلع : الشنطه ! الشنطه بتاعتي فين ؟!
دلفت الممرضه : أهي اتفضلي كانت في أوضة الأمانات
ياسمين وهي تأخذها : الحمد لله ، مش عارفه أشكرك أزاي
الممرضة : لا شُكر ولا حاجه ، اتفضلي الإقرار امضي عليه
ياسمين وهي تأخذه من يدها : هاتي أمضي
ــــــــــــــــــــــــــ
في أسيوط تحديدًا في فيلا عائلة الشهاوي الكبيرة ، ظل ذاك الشاب يسير ذهابًا وإيابًا والغضب يتملَّكه ولا يقدر على أن يُسيطر عليه .
ياسين بغضب : يعني أيه هربت منكم ، بقى بنت تقدر عليكم ! عال والله ! أنا مش مشغل رجاله عندي ده لو مشغل حريم كانوا عرفوا يجيبوها في لحظه !
الرجل : والله يا ياسين بيه احنا كنا خلاص ه
ياسين بمُقاطعة : خلاص مش عاوز أسمع ولا كلمة ، من دلوقت تطلعوا على مصر وتجيبوها من تحت الأرض ، فاهم !
الرجل : أمرك يا ياسين بيه
ــــــــــــــــــــــــــ
وصل إلى المشفى ليطمئن عليها ، فهو بالفعل قلق من حالتها المريبة تلك ولا يُنكر فضوله نحوها ، ليوقف الطبيب الذي تحدَّث إليه بالأمس .
تحدَّث إلى الطبيب : البنت اللي جبتها أمبارح فقات ولا لسه ؟
الطبيب : مشيت يابشمهندس أدهم
أدهم مضيقاً حاجبيه : نعم ! مشيت أزاي ؟
الطبيب باستسلام : مضيت إقرار إنها المسئولة عن حالتها ومشيت
أدهم : طب وحالتها ؟
الطبيب بأسف : مع الأسف يا بشمهندس حالتها مش كويسه لإن المحلول مخلصش والمفروض هتاخد غيره كمان ، ده غير إنها في حالة اجهاد تام
أدهم : خلاص حصل خير .
ــــــــــــــــــــــــــ
في فيلا السيوفي ، اجتمعت العائلة على طاولة الإفطار ليتحدَّث كبير العائلة
سالم(عم أدهم) : أدهم هييجي النهارده يا سيف ولا أيه ؟
سيف : أيوا يا بابا أنا كلمته النهارده الصبح وقال أنه هيبقى موجود على العشا
نرمين بصراخ وهي تخرج من المطبخ : أطلع يا قليل الأدب
سالم باستغراب : هي أمك بتزعق كدا ليه ؟
سيف بقلة حيلة : أكيد وسيم عمل مقلب من مقالبه البايخه تاني .
وسيم بمرح : يا أم وسيم فرفشي كده !
نرمين وهي تُشير له بالملعقة الكبيرة في يدها : امشي من قدامي بدل ما أحدفها فيك !
سيف : خلاص أهدوا كده ، عمل أيه يا ماما ؟
نرمين : البيه بيقول لي ما تاخدي بابا وتطلعوا شهر عسل وتعيدوا الزمن من جديد !
سيف وهو ينظر لشقيقه : أيه دا يا وسيم ؟ جبت الجرأه دي منين يا قادر !
وسيم بحزن مصطنع : الحق عليا ، بفكر في مصلحتهم
نرمين بحرَج : ما تتكلم يا سالم قول حاجه !
سالم بمرح : والله أنا معنديش مشاكل ، الولد عنده حق فعلاً .
نرمين : والله أبنك طالع لك فعلا ، أنا راحه أكمل شغلي ، الكلام معاكم خساره .
سيف موجهًا حديثه لوسيم : عيش حياتك ، أدهم جاي النهارده
وسيم بمرح : البوس جاي oh no واحشني أوي .
سيف : ما تسترجل يا وسيم ولِم نفسك
وسيم وهو يُزيح سيف : يا عم أوعى كده من وشي أنا طالع أشوف بيبه المجنونه اللي زيي في البيت ده
سيف وهو يسحبه من ياقته : تعالى هنا ، بيبه مين ؟
وسيم : حبيبه يا سيف أبعد عني بقى
سيف : مش عيب تدخل عليها الأوضه يا قليل الذوق
حبيبه وهي تهبط الدَّرج : صوتكم عالي كده ليه ؟
وسيم بفرحه وهو يبتعد عن سيف : بيبه ! نورتي الصبح يا حب
حبيبه بتعجُّب ممزوج بابتسامة : حب ؟
سيف : لم نفسك يا وسيم
وسيم : ملكش دعوه أنت ، أنت غيران أني بهزر مع بيبه وأنت لا
شعر سيف بالاحراج وفي داخله يتوعد لشقيقه الغ*ي الذي لا يدري ماذا يخرج مِن فمه .
سيف بحرج : أنا رايح أشوف شغلي .
خرج سيف من باب الفيلا وبمجرد خروجه ، اتجهت حبيبه نحو وسيم بضيق .
حبيبه وهي تلكم وسيم في كتفه : يا أخي بطل بقى الهبل ده !
ثم صعدت إلى غرفتها
وسيم لنفسه : هو محدش طايقني هنا ليه ؟
ــــــــــــــــــــــــــ
كانت تركض وتنظر حولها كأنها تبحث عن شيءٍ ضائع ، تغطي شعرها عن طريق الغطاء الملحق بسُترتها
وفجأه وقعت أنظارهت على أحد الهواتف العمومية ، لتضغط على بعض الأزرار وتنتظر بتلهُّف الرد مِن الجهة الأُخرى .
ياسمين برجفه : ألو ، عمتي ، أنا ياسمين ، الحقيني ، مش قادره أتكلم دلوقتي على التليفون ، حاضر هحاول أوصل بسرعه على قد ما أقدر قولي لي العنوان !
ــــــــــــــــــــــــــ
بعد ساعتين وصلت إلى مرادها ، أمام فيلا أشبه بالقصر ، كانت عمتها " سعاد الجندي " تقف أمام البوابه تنتظرها وما أن رأتها ياسمين حتى اتجهت نحوها ثُم ارتمت في أحضانها تبكي بشدَّة على ما مَرت بِه .
ــــــــــــــــــــــــــ
يُتبع....