..عانقت جيمري باريش مطولا و هي تقول" أهلا و سهلا باريش..لقد اشتقنا اليك كثيرا" قال" ..شكرا زوجة أخي..و أنا أيضا" ثم نظر إلى المائدة و صاح بحماس" اوووه..ماهذا..سلمت يداك..أكاد أموت من الجوع" قالت" تفضل إذا" و جلس الجميع حول الطاولة يتناولون طعام العشاء..
في غرفتها..رفعت هزان صوت الموسيقى كعادتها و أخذت تغني و ترقص..تلك هي طريقتها المفضلة في مواجهة أي أمر يصعب عليها مواجهته..كانت تفعل ذلك عندما كانت صغيرة..عندما تسمع صوت شجار أمها و أبيها المتواصل..و عندما كانت ترى الإنهيارات العصبية التي تصيب أختها الكبرى..أختها نازان..تلك التي عشقت و قضى العشق على حياتها..تلك البريئة التي هربت من مشاكل المنزل إلى حبيب تمنت أن تجد لديه الأمان الذي هي بحاجة إليه..لكنها لم تجده..بل وجدت عذابا زاد من عذابها..وجدت ألما و دموعا و معاناة..وجدت كذبة حب دفعتها إلى إنهاء حياتها..نعم..قتلت نفسها خلال إحدى النوبات العصبية الحادة التي كانت تمر بها..فإشتد رعب هزان من كلمة حب..فهي لم ترى منه سوى الجانب المظلم و المدمر..في أعماق نفسها يكمن خوف أ**د من أن تنتهي حياتها بسبب الحب..بسبب أخذها للحياة و للأمور بجدية تزيد عن حدها..لذلك تواجه الحياة و مشاكلها بالضحك و الغناء و اللامبالاة..تجد في ذلك قوة و ثباتا..و تلتجئ إلى لعبتها المفضلة لكي تفرغ فيها كل جهودها و غضبها إذا غضبت من شيء ما..شعرت بدمعة ساخنة تسيل على خدها سارعت إلى مسحها بكف يدها..و عوضتها بابتسامة عريضة على شفتيها..حياتها الآن عبارة عن لهو و مزاح و مراهنة..باعتبار أنها ستعيش الحياة لمرة واحدة فقط..و لا يوجد سبب يدعونا إلى تضييعها فيما لا يعني..أخذت ترقص بقوة محاولة طرد صورة ياغيز من عقلها ..أصبح يشكل خطرا عليها..يشغل تفكيرها و يتراءى أمام عينيها في كل لحظة..يسوءها أن يتجاهلها و ألا يعيرها اهتمامه..تريده أن ينظر إليها بتلك الطريقة الملتهبة التي نظر بها إليها عندما وقعت فوقه..تريده أن يتحدث معها بتلك النبرة الدافئة و المحبة..لكنه بعيد..و لن تسمح هي بأن تخسر الرهان..و لن تسمح له بأن يبتعد عنها..جلس ياغيز صحبة باريش و جيمري يشربون النبيذ..سألت جيمري" ايي باريش..ما هي أخبار القلب لد*ك؟ ألم تجد في إحدى سفراتك من نجحت في سرقة قلبك؟" هز رأسه بالنفي و أجاب" كلا..لم أجد..كلها كانت علاقات عابرة و بلا معنى" صمت قليلا ثم أضاف و الإبتسامة تعلو شفتيه" لكنني أعتقد أنني وجدت هنا ما بحثت عنه كثيرا هناك" وضعت جيمري كأسها على الطاولة و سألت بحماس" و كيف ذلك؟" رمقه ياغيز بنظرة باردة و قال" انه باريش..ألا تعرفين اندفاعه و مبالغته؟ ثم يكون الأمر مجرد إعجاب و ينتهي قبل أن يبدأ" ارتشف باريش رشفة من نبيذه و قال" هذه المرة..لا اعتقد..لدي إحساس داخلي بأن هذه المرة ستكون مختلفة..هزان لا تشبه سابقاتها..انها مميزة جدا" قالت جيمري" و من تكون هزان؟" رد" لاعبة في فريق كرة السلة..يدربها خطيبك..فتاة جميلة و موهوبة..استطاعت أن تلفت انتباهي بمجرد رؤيتي لها..أعتقد أنك محظوظة لانك مرتبطة بهذا الرجل..فأنا شخصيا أستغرب ألا تنجح فتيات الفريق الجميلات في لفت انتباهه" وضعت جيمري يدها على يد ياغيز و قالت" حبيبي ياغيز لا يرى غيري..رجل مثالي و مخلص..يحترم ارتباطه و المرأة التي يحبها..انه يعتبر اعضاء الفريق تلميذاته ..لذلك مستحيل أن ينظر إليهن بعين زائغة..انا أثق به" ابتسم باريش و قال" ثقتك في محلها زوجة أخي" ثم وقف و قال" شكرا لك على العشاء ..لقد كان رائعا..و الآن عن اذنكم..تصبحون على خير" وقف ياغيز و هو يقول" دعني أوصلك" هز باريش رأسه و قال" لا..لا داعي لذلك..سأطلب تا**ي..شكرا لكما على كل شيء..تصبحان على خير" و خرج بعد أن ودع صديقه و خطيبته..أخذت جيمري تجمع الأطباق فيما استلقى ياغيز على الأريكة واضعا ذراعه تحت رأسه..لم يعد قادرا على اخفاء انزعاجه من اهتمام باريش بهزان..يرى فيه امرا مبالغا فيه..أمرا يبعث فيه مشاعر غريبة..مشاعر قوية..قاسية..موجعة..و مؤلمة..مشاعر تؤرقه و تجبره على الوقوف أمامها عاجزا عن انكارها و تلافيها و عن أخذ خطوة واحدة في اتجاهها..قلب يقول انسى كل شيء..كل الحدود و الحواجز و العراقيل..و تقدم..خذ أنت زمام المبادرة..و تحمل النتائج..و عقل يرفض ذلك رفضا قطعيا..و يضع أمامه كل الإعتبارات التي تجعل حياته عادية و تجبره على الخضوع و التعايش مع الموجود..اقتربت منه جيمري لتسأله ان كان يرغب في شرب شيء..فأغمض عينيه متظاهرا بالنوم..لأنه يعلم داخل أعماقه أنه لا يستطيع أن يكون معها هذه الليلة..و لا يريد أن يجرحها..فتراجعت إلى الخلف و أطفأت الأنوار..
قضت هزان اليومين المواليين في التحضير لإمتحاناتها صحبة بهار في المنزل..لم تخرج و لم تذهب إلى أي مكان..حتى إلى الجامعة..و في اليوم الثالث..نظرت من نافذة غرفتها إلى الجو الماطر ..تعشق هذا الطقس..ارتدت معطفها الأ**د الطويل و لفت عنقها بوشاح وردي يناسب القميص الذي ترتديه..ثم احتذت حذاءها الطويل و حملت حقيبتها و خرجت..ركبت سيارتها و انطلقت إلى الجامعة..اجتازت امتحانا امتد على مدى ساعتين ثم خرجت صحبة بهار..جلستا معا في مقهى الجامعة تحتسيان الشوكولاطة الساخنة..سألت بهار" اخبريني..كيف كان الإمتحان؟" أجابت" ممتازا..لقد ساعدني طقس اليوم على التركيز و الإجابة بالطريقة المناسبة..أعشق المطر....انظري..إلى زخاتها التي تنقر زجاج النافذة كلحن موسيقي رائع..و اشتمي رائحة الأرض..هذه أكثر رائحة تبعث السعادة في قلبي" وضعت بهار يدها على يد صديقتها و قالت" أعلم ذلك عزيزتي..ما رأيك أن نفعل شيئا مختلفا معا هذه الليلة؟ ليس لدينا امتحان غدا..ما رأيك؟" صمتت قليلا ثم أجابت" تمام..موافقة" ..خرجتا معا و توجهتا إلى المكتبة لتأخذا بعض الكتب و عند خروجهما..التقتا بياغيز و باريش يدخلان إلى الجامعة..حيت هزان و بهار مدربهما بحركة من رأسيهما ثم همتا بتجاوزهما عندما سأل ياغيز" هزان..بهار..كيف كان امتحانكما؟" أجابت بهار" ممتاز كوتش" نظر ياغيز إلى هزان التي تعمدت أن تجيب ببرود و اقتضاب" حسنا.. هذا جيد" تقدم منها باريش و سأل" هل لد*كما امتحان غدا؟" أجابت" لا" ابتسم بسعادة و قال"حسنا اذا ..هل تقبلين دعوتي على العشاء؟ و ربما نواصل السهرة في مكان آخر بعد ذلك؟ ماذا قلتي؟" نظرت مباشرة تجاه ياغيز كأنها تبحث عن تأثير ذلك السؤال في وجهه لكنه أصر على التصرف ببرود و لامبالاة و تظاهر بالحديث مع بهار كأن أمر خروج هزان من عدمه مع باريش لا يعنيه..ابتسمت و أجابت بصوت مسموع" تمام..موافقة" قال باريش بحماس" هذا رائع...سأمر لاصطحابك على الساعة السابعة" قالت" اتفقنا..يناسبني ذلك..إلى اللقاء" ثم تحركت مبتعدة رفقة بهار فيما وجد ياغيز صعوبة في ازدراد ريقه بسبب تلك الغصة التي استقرت في حنجرته..