على الساعة السابعة..كانت هزان تمتطي سيارة باريش و ينطلقان معا إلى المطعم الذي كان قريبا من الساحل..جلسا متقابلين فقال باريش" هزان..اسمحي لي أن أعبر لك عن اعجابي الشديد بك" قالت" تقصد طريقتي في اللعب؟" أجاب" كل شيء..طريقتك في اللعب..جمالك..موهبتك..أناقتك..أنا معجب بكل ما فيكي" ابتسمت و قالت" شكرا لك..هذا من لطفك" طلبا الأكل و انتظر النادل لكي ينهي وضع الأطباق أمامهما لكي يواصلا حديثهما..قال" قد تستغربين ما سأقوله..لكنني أشعر برغبة كبيرة في التعرف عليك و التقرب منك أكثر..أنا أعمل كمصور فوتوغرافي و أسافر كثيرا..و ما يحدث لي معك يحدث للمرة الأولى..و أنت؟ هل أنت مرتبطة بشخص ما؟" هزت رأسها بالنفي و أجابت" كلا..لا وقت لدي لخوض علاقات..أنا منهمكة في دراستي و لعبتي المفضلة..لا أعارض تكوين صداقات..لكنني لا أسمح بأكثر من ذلك" وضع باريش الشوكة و السكينة من يده و قال" فهمت..اسمحي لي إذا بأن أكون صديقا لك..و اتركي تطور علاقتنا على الوقت..ما رأيك؟" قالت" هذا شرف لي..أتمنى ألا تنزعج من كلامي..لكنني خيرت أن أكون صريحة معك منذ اللقاء الأول" ابتسم و قال" على العكس..لقد زادت صراحتك من اعجابي بك" ثم مد يده و رفع كأس نبيذه و هو يقول" نخب صداقتنا إذا" رفعت هي أيضا الكأس و ابتسمت..لكن..سرعان ما ماتت الإبتسامة على شفتيها عندما رأت ياغيز و جيمري يدخلان من باب المطعم..سمع باريش صوت ياغيز فالتفت سريعا و ابتسم و هو يقول" يا لها من مصادفة..ها هو مدربك و خطيبته قد جاءا إلى هنا أيضا" شربت هزان كأسها و قالت" نعم..يا لها من صدفة غريبة" تقدم ياغيز و جيمري ناحيتهما عندما أومئ لهما باريش..وقفت هزان و صافحت جيمري ثم وضعت يدها في يد ياغيز و هي تقول"أهلا و سهلا كوتش" ضغط على أصابعها بخفة و تفحص بعيونه البلورية فستانها البنفسجي ذي الفتحة الواسعة من حيث الص*ر و الذي يلتصق بجسدها مظهرا تفاصيله ثم قال" مرحبا هزان" قالت جيمري" ها قد تعرفت عليك أخيرا هزان هانم..لقد حدثني باريش مطولا عنك" ابتسمت هزان و قالت" سررت كثيرا بمعرفتك" أجابت" و أنا أيضا..شكرا لك" نظر باريش إلى ياغيز و قال" ما رأيكما أن تنظما إلينا؟" هز ياغيز رأسه و قال" لا..لا نريد أن نزعجكما" أصر باريش قائلا" لن تزعجانا..لسنا غرباء عن بعض..تفضلا" و أمام اصراره سحب ياغيز الكرسي و جلس بجانب هزان فيما جلست جيمري بجانب باريش...
طلب باريش أنواعا أخرى من الأكل كان يعرف أن ياغيز و جيمري يفضلان تناولها ثم انهمك الجميع في أكل مالذ و طاب مع تجاذب أطراف الحديث..قالت جيمري" آنسة هزان ..لقد قصر باريش في وصفك لي..أنت أجمل من الوصف بكثير" احمرت وجنتا هزان خجلا و قالت" شكرا سيدة جيمري..هذا من لطفك..أعتقد أن الكوتش محظوظ بارتباطه بإمرأة جميلة مثلك" ابتسمت جيمري و قالت" شكرا لك عزيزتي..و أنا أيضا محظوظة به..سمعت أنك أفضل لاعبة في فريق كرة السلة..أتمنى أن أشاهدك و أنت تلعبين..مع أنني لست من هواة هذه الرياضة صراحة..أحبذ السباحة و التنس أكثر" قال ياغيز" لم يبقى الكثير على البطولة..و ستكونين قادرة على مشاهدة هزان و هي تلعب في مباريات رسمية و قوية" قالت" ان شاء الله" ثم التفتت إلى باريش و سألت" و أنت ؟ ماذا قررت؟ هل ستستقر هنا أم ستعود إلى السفر من جديد؟" هز كتفيه و أجاب" لا أعلم..هذه المرة أشعر برغبة في البقاء لأطول فترة ممكنة في البلاد..و ربما تحدث أشياء جديدة في حياتي تجبرني على الإستقرار..قد يحدث هذا قريبا..من يعلم؟" و نظر إلى هزان خلال كلامه..نظر ياغيز إليه ثم إليها..ضج رأسه بأسئلته..ترى هل فتحت له المجال لكي يتقرب منها؟ هل ستكون بينهما علاقة في قادم الأيام؟ هل سيحتمل رؤيتهما معا؟ ..رفع كأس النبيذ إلى شفتيه و احتساه دفعة واحدة..حرك ساقه تحت الطاولة فلامست ساقها..شعر بتيار كهربائي يصعق جسمه بسبب تلك اللمسة البسيطة..عيونه استرقت النظر إلى فخذيها اللذان شف عنهما الفستان بسبب ارتفاعه إلى ما فوق ركبتيها عند الجلوس ..مشهد مغري أشعل النار في جسمه و جعل الدماء تغلي في عروقه..
كان ياغيز يحاول السيطرة على نفسه و على كل الأفكار الغريبة التي كانت تتدافع نحو عقله بمجرد اقترابه منها..إذا تحركت إلى الأمام بدا له عنقها الرقيق ذي البشرة البيضاء الناصعة يدعوه إلى لمسه و تمرير شفاهه عليه..و إذا لامس النبيذ شفاهها استبدت به رغبة ملحة في تذوق طعمهما و تقبيلهما..و إذا تراجعت إلى الخلف ارتخت فتحة الفستان و أظهرت اكتناز ن*ديها و نفورهما و أغرته بمتعة ما بعدها متعة ..اعترف لنفسه بأن هذه الفتاة المميزة نجحت في ايقاظ شياطينه النائمة و في جعله يفكر بطريقة لا تشبهه و لا تتماشى مع مبادئه..أنهى الجميع عشاءه فقال باريش" ما رأيكم أن نذهب إلى الملهى و نواصل سهرتنا هناك؟" قال ياغيز" أنا متعب و سأذهب للنوم في منزل والدي" قالت هزان" و أنا كذلك..أفضل أن أعود في وقت مبكر إلى المنزل..فكما تعرفون أنا في فترة امتحانات و السهر سيؤثر سلبا علي..قد نفعل ذلك في وقت لاحق" قال باريش" حسنا إذا..هيا سأوصلك" لكن هاتفه رن و إذا به أمام دعوة لا ترد للالتحاق بأصدقاءه في الملهى..قال ياغيز"اذهب أنت..لا مشكلة..سأوصلها أنا..جيمري أتت بسيارتها ذاتا" حاولت هزان الإعتراض لكنه أصر..اقترب من خطيبته و قبل خدها و هو يقول" ليلة سعيدة حياتي" ابتسمت و قالت" تصبح على خير حبيبي" ..بعد لحظات..وجدت هزان نفسها في سيارة ياغيز..معه..لوحدهما ..صمت قاتل ساد بينهما..نظرات مسروقة و خاطفة..توتر رهيب ..و كلام مكبوت في أعماق القلوب و بين الشفاه..قطعت هزان الصمت الذي طال بينهما بقولها" خطيبتك جميلة و مميزة كوتش..لقد سرني كثيرا التعرف عليها" رمقها بنظرة باردة و قال" شكرا لك" صمت قليلا ثم أضاف" و أنت؟ لابد أنك سررت بالتعرف على باريش؟" هزت رأسها و أجابت" نعم..انه شخص محترم و لطيف..يكفي أنه صديقك المفضل" التفت إليها و سأل" و ما وضع علاقتكما؟ هل اتفقتما على شيء ما؟ لأن باريش يتكلم بشكل جدي للمرة الأولى في حياته" ابتسمت و قالت" أخبرني أنه معجب بي و يريد أن يتعرف علي أكثر" قال " و بماذا أجبته؟" نظرت مباشرة في عينيه و سألت" و هل تعنيك إجابتي؟ ثم لماذا تهتم لحياتي الخاصة؟" أجاب" لأنك ببساطة لاعبة في فريقي" ضحكت و هي تقول" و هل تعامل كل اللاعبات بنفس الإهتمام؟" ابتلع ريقه بصعوبة و قال" أعتذر ان كنت قد تجاوزت حدودي و تدخلت فيما لا يعنيني..كل ما في الأمر أنني رأيت حماس صديقي المفضل لعلاقتكما و هذا ما شجعني على السؤال..أعتذر من كل قلبي" تمنت أن تسمع منه إجابة أخرى..أن يطابق كلامه ما يدور في عقلها و ما يحاول قلبها اقناعها به..تمنت أن يكون خلف ذلك الإهتمام و تلك الأسئلة إعجاب خفي و غيرة مجنونة..لكنه خير الإختباء خلف شخصية المدرب المثالي و الذي لا يرضى لنفسه التورط في علاقة مع لاعبته..عاد الصمت يخيم عليهما..وجدا في الصمت و السكوت ملاذا لهما لكي يهرب كل واحد فيهما من أحاسيس مختلطة يعيشها للمرة الأولى..و بعد لحظات..أوقف ياغيز سيارته أمام منزل هزان التي قالت" شكرا كوتش على التوصيلة" هز رأسه و قال" العفو..أتمنى لك ليلة سعيدة" أجابت و هي تحاول فك حزام الأمان" تصبح على خير كوتش" مالت هزان بجسمها و أخذت تجذب الحزام علها تنجح في فتحه لكن دون جدوى..نظر هو إلى وجهها الذي انع** عليه ضوء السيارة الخافت و زاده جمالا..قالت بصوت مضطرب" أعتقد أنه عالق" وضع يده على يدها و مال نحوها و أخذ يحاول فكه..اقترب وجهه من وجهها..أنفاسه الحارة لفحت بشرتها و أدخلت الإضطراب عليها..رفعت نظرها نحوه..عيونه البلورية اكتست لونا كاللهيب..و تعلقت بشفاهها المكتنزة..لحظات تواصل روحي و كلام لم تقله الشفاه..وجدت هزان في هذا القرب فرصة لكي تتأكد من تأثيرها عليه فقربت شفتيها منه و همت بتقبيله لكنه وضع يده على كتفها و أرجعها إلى الوراء و هو يقول" هزان..ما هذا؟ ماذا تفعلين ؟"
شعرت هزان ببرودة تعتري جسدها و قشعريرة تسري في أوصالها..ماتت الكلمات على شفتيها و لم تعد تعرف ماذا تقول..نجح ياغيز في فك حزام الأمان فأبعدت هزان نظراتها عنه و تمتمت" شكرا..كوتش..أعتذر..أنا..آسفة" واصل ارتداء قناع الجدية و البرود و رد بلهجة صارمة" لا تنسي أنني مدربك..أنت تعتبرين تلميذتي..يجب أن نحافظ على هذه العلاقة الحيادية و المحترمة..لا أريد لهذا الشيء أن يتكرر مرة أخرى..لو سمحت" للمرة الأولى منذ زمن تنتابها رغبة مريرة في البكاء..تريد أن تسمح لدموعها التي تحرق مآقيها بالإنهمار على خديها..لكنها نجحت في السيطرة على نفسها و قالت بنبرة فعلت كل ما بوسعها لكي تبدو هادئة" كن على ثقة بأن ذلك لن يتكرر أبدا..اعتبر ذلك خطأ من تلميذتك الصغيرة..و أتمنى ألا يفسد ذلك علاقة الإحترام التي تجمعنا" هز رأسه و قال" لا تقلقي..لم يحدث شيء..ليلة سعيدة" لم تقل شيئا..فتحت الباب و نزلت..و ما ان ابتعدت عن السيارة حتى أطلقت العنان لدموعها..دون صوت..دون نحيب..دون نشيج..دموع صامتة..تعبر عن خيبة الأمل التي أصيبت بها..لكنها عادت و قالت لنفسها..مالذي كنت تنتظرينه منه؟ ..هو رجل مرتبط؟ و هو مدربك؟ هل كنت تنتظرين منه أن يسمح لك بالتمادي معه؟ ..تحركت هزان نحو غرفتها و هي تمسح تلك الدموع التي تأبى أن تتوقف..
بعد نزول هزان..بقي ياغيز متوقفا بسيارته أمام منزلها..يتابعها بعيون كئيبة و حزينة..بنظرات تقول" هذا ما يجب أن يحدث" ..نعم..هذا ما كان عليه فعله..أن يسيطر على نفسه..على هذه الأحاسيس الغريبة التي يشعر بها..على هذا الإعجاب الذي يوشك أن يتحول إلى شيء آخر يقحمه في صراع هو في غنى عنه..سيجد نفسه وقتها أمام ضرورة مواجهة نفسه..و مواجهة أهله..و مواجهة خطيبته..سيحتقر نفسه لأنه تورط مع لاعبة في فريقه..و هذا سؤذي سمعته و سمعتها..و هو لا يرضى ذلك..لكنه متعب..مرهق..من هذه المقاومة التي تكلفه الكثير..من هذه الإرادة التي تجعل منه رجلا عاجزا..و منافقا..يفعل ع** ما يريده..لقد أراد حد الإحتراق أن يقبلها..أن يتذوق رحيق شفتيها..أن يلامس تلك الشفاه الشهية..أن تشتبك شفاهه مع شفاهها..و أن تختلط أنفاسه مع أنفاسها..أن يرقص لسانه مع لسانها..لكنه قاوم تلك الرغبة و بشدة..سيفعل الآن كل ما بوسعه لكي يتخلص من هذه المشاعر و أن يدفنها في قلبه قبل أن تتفاقم و تدفعه إلى الجنون و إلى فعل ما يناقض عقله و مبادئه و أخلاقه..تحرك ياغيز بسيارته عائدا إلى المنزل..في غرفتها..أخذت هزان الهاتف و اتصلت بصديقتها بهار..قالت" افرحي ..أنت ربحتي" سألت بهار بقلق" ماذا ربحت؟" أجابت" الرهان..لقد خسرت الرهان..الكوتش صدني و وضع لي حدا لا يجب أن أتجاوزه..أنت ربحت" صمتت بهار للحظات..لقد انتبهت إلى نبرة صوت صديقتها الحزينة و التي تحتوي على الكثير من خيبة الأمل..قالت" صديقتي العزيزة..انسي الأمر..لقد كانت لعبة سخيفة و انتهت..المهم أن نواصل التركيز على امتحاناتنا..ثم نتفرغ للتدريب و للبطولة الوطنية..هزان..عزيزتي..أنت أقوى مما تتوقعين..لا تتأثري بما حدث..و اعتبريه تجربة قصيرة..خذي منها العبر و اضحكي كعادتك..اتفقنا" ابتسمت هزان رغم الدموع التي لمعت في عيونها و قالت" معك حق..سنلتقي غدا..تصبحين على خير " و أنهت المكالمة..