جلس صفوان في حديقة فيلته أمام حمام السباحة، أحضر أحد العمال منضدة ووضعها أمامه وفي وسطها ثبت مظلة دائرية، اقتربت ريهام من المكان حيث يجلس زوجها وخلفها خادم يحمل صينية كبيرة مربعة مرصوص فيها العديد من الأطباق وبجانبه خادم أخر يحمل صينية أخرى عليها براد شاي صيني وفناجين ولبانة وسكرية مليئة بسكر مكعبات، وضعا الخادمان الصنيتيت على المنضدة، جلست ريهام على كرسي بجانب صفوان، مدت يدها واخذت قطعة من الخبز المحمص وفردت عليها قطعة من الزبد وبعض من الجبن واعتطها لزوجها، قضم منها قضمة بينما كانت هي تصب له فنجان من الشاي دون سكر، صبت لنفسها فنجان اخر ووضعت فيه نصف مكعب من السكر واذابته حتى اختفى.
أخذت رشفة من فنجانها وتناولت قطعة خبز أخرى وضعت عليها شريحة من الجبن الفرنسي وغطتها بقطعة خبز أخرى واعطتها لصفوان الذي كان قد انتهى من القطعة الاولى، نظر لها وللطعام وسألها:
· ما بتاكليش ليه؟ مش هتفطري؟
· لا مش دلوقتي.. أنا شربت العصير بتاعي قبل ما اصحيك، هشرب شاي وهروح افطر في النادي مع صحباتي.
· وهتسوقي بنفسك واللا اسيب لك ضاحي يوصلك؟
· لا يا قلبي ما تشغلش بالك.. سعيد السواق جاي بعد شويه هيوديني.. انا عارفة إنك بترتاح في سواقة ضاحي.
انهى صفوان افطاره وتناول قهوته، قبل ريهام على وجنتيها عندما اقترب ضاحي سائقه بالسيارة من الممر المجاور لحمام السباحة، ركب السيارة ولوح لريهام مودعًا وغادر ذاهبًا لمدرسة السنطي.
* * *
البعض شعر بألم في معدتهم وأخرون شعروا به في صدورهم.. قلوبهم تتسارع خاصة من عليه الدور ليدخل لمقابلة الأستاذ عبد الحميد.. مر من أمامهم الأستاذ رشيدي يحمد الله في سره ولكن سؤال الأستاذ عبد الحميد يعصف بذهنه.. هذه ليست المرة الأولى التي يسأله فيها عبد الحميد أسئلة من هذه النوعية.. سبق وسأله عن طريقة تجعل الطلاب يحبون مادة العلوم.. خصوصًا أن المدير لاحظ كره الطلاب لها وعدم رغبتهم في تعلمها والأقبال عليها.. بعد طول تفكير من رشيدي أقترح عدة أقتراحات على عبد الحميد.. لم يوافق على ولا واحد منها إلا واحدًا وهو تطوير معامل العلوم في المدرسة لتتناسب مع مقتضيات العصر والاكتشافات العلمية الحديثة.
كانت معامل العلوم في المدرسة قديمة للغاية.. لم تتغير أو تترمم منذ انشاء المدرسة على يد الحاج مسعود السنطي جد عبد الحميد الاكبر.. أنشأها مسعود في نهاية القرن التاسع عشر الميلادي.. كانت وقتها تضارع مدارس أوروبا في التقدم والتحضر والنظم المتبعة داخلها.. وفي وقت قليل صارت قبلة العلم في كل القاهرة بل وفي المملكة المصرية كلها.. لم يتوقف الجد الأكبر عن تطويرها كلما رأى شيء جديد أو سمع عنه أثناء زياراته المتكررة لمدارس وجامعات أوروبا كما أعتاد أن يفعل سنويًا.. ولهذا اكتسبت مدرسة السنطي شهرة أقليمية واسعة.. كان من روادها امراء عرب أصبحوا ملوك وحكام لدولهم فيما بعد.. أهم ما تميزت به المدرسة في هذا العصر وظلت عائلة السنطي تجاهد على استمراره ينتقل من جيل إلى جيل هو الألتزام الصارم في اليوم الدراسي.. كل شيء يتم في موعده المحدد.. موظف مخصوص لض*ب الجرس.. كل مهمته هو بدء وأنهاء كل حصة.. وبدء انهاء اليوم الدراسي.. المدرسة تفتح أبوابها للمعلمين في تمام الساعة السادسة والربع تمامًا وتنغلق في تمام الساعة السادسة والنصف.. الطابور يبدأ في تمام الساعة السابعة وأربعين دقيقة.. وينهتي قبل الثامنة بثلاث دقائق.. تبدأ الحصة الاولى في الثامنة.
* * *
توقفت حافلة المدرسة أمام عمارة كبيرة، فتح السائق الباب ونزل مشرف الحافلة منها، تناول طفلة من يد خادمة اثيوبية وصعد بها للحافلة، مشى بها في الممر حتى وصل لمقعدها المخصص لها، جلست وعاد يجلس على مقعده بجوار الباب، تفلت السائق ناظرًا في المرآة قبل أن ينحرف بالحافلة جهة اليمين، قال وهو ناظرًا أمامه:
· بقولك أيه؟
· قول يا اسطى..
· في مطعم فول وطعمية في الشارع ده بيعمل سندوتشات فول بالزبدة بس إيه.. عجب.
· وبعدين..
· هو السندوتشات عنده جاهزة يعني هي ثواني بس هتنزل تلقط لنا ست سندوتشات نعض فيهم.. أصل اخوك ما فطرتش النهارده.
نظر المشرف في ساعة يده، هناك متسع من الوقت، وافق على طلب السائق الذي وقف أمام المطعم وفتح باب الحافلة، نزل المشرف منها وتوجه للمطعم، دقيقتان بالتمام وعاد حاملًا كيسين بكل واحد ثلاث سندوتشات، انطلق السائق على مهل وهو يمضغ طعامه متمتعَا بطعم الزبدة الفلاحي في الفول.
* * *
في الطابور الصباحي كل طالب يعرف مكانه بالضبط.. يتدرب لمدة أسبوع قبل بدء العام الدراسي على الوقوف في الطابور في مكانه المحدد له.. أثناء الدراسة يمارس هذا بتلقائية ودون إشراف من أحد.. رغم وجود كل معلمين المدرسة في أرض الطابور إلا أنه نادرًا ما يتدخلون في تنظيم الطابور.. تمرينات صباحية منشطة لمدة خمس دقائق.. يليها إذاعة مدرسية لمدة خمس دقائق أخرى.. يتم فيها تعريف الطلاب بأهم مستجدات الأخبار في الوطن وحول العالم وربما بعض أخبار المدرسة.. كلمة لمدير المدرسة أو للمشرف اليومي لمدة دقيقتين.. ثم السلام الوطني وتحية العلم.. وهكذا ينتهي الطابور ويبدأ الطلاب في الأنصراف لفصولهم وممارسة حياتهم الدراسية.. ظل هذا الوضع حتى الآن رغم ما طرأ على النظم التعليمية في مصر من تدهور لأسباب كثيرة ليست كثافة الفصول وعدد الطلاب الكثير فيها فقط، لكن أيضًا لضياع هيبة المعلم سواء على المستوى الإجتماعي أو الأقتصادي.. إلا إن مدرسة السنطي محتفظة بتقاليدها الموروثة منذ أكثر من قرن.
* * *
وصل حامد إلى حارته الضيقة، تكاد الشمس تصل إلى أرضيتها على شكل بقع متقطعة لا تأثير لها، رطوبة وعفن تشع من حوائط البيوت القديمة المتراصة على الجانبين من شارع بيت حامد، مر فوق بعض الحجارة الملقاة على الأرض بشكل عشوائي ليستطيع أهل الحارة المرور خلال مستنقعات مياه الصرف والعبور من طرف لأخر، طرق باب البيت وانتظر للحظات، فتحت له زوجته التي استيقظت من نومها حالًا، اعطاها قرطاس به بعض أقراص الطعمية وحزمة من الجرجير، تناولته منه وهي تفرك عينيها لتستيقظ، دلف حامد إلى الداخل، وجد صغاره نائمين في كل مكان من البيت الصغير الضيق، لمح بطرف عينه ابنه البكري نائم وفمه مفتوح، حزن كثيرًا عندما قارن بين صورته المعلقة على الحائط وبين شكله الآن، هاجمه السرطان وقضي على نضارة طفولته التي لم تينع قط.
* * *
عندما وافق عبد الحميد السنطي على مقترح رشيدي أرسل يخاطب مدارس أوروبا وأمريكا وبعض دول شرق أسيا.. تعرف على شكل المعامل في تلك البلاد.. ونفذ ما علمه بالضبط.. ومع ذلك بقى الطلاب على ما هم عليه من عدم أقبال على دروس العلوم.. لم يفهم عبد الحميد لذلك سببًا ولم يجد له تفسير.. لكن رشيدي عنده تفسير مقبول من وجهة نظره لكنه خائف أن يقوله لمدير المدرسة.. فكر أن يكتبه على شكل مذكرة أو تقرير ويقدمها له.. لكنه خشى أن يغضبه تقريره لأنه سيظهر العوار في إدارة المدرسة.. قرر أن يكتبه ويحتفظ به في درج مكتبه ولا يطلع عليه أحد.. وها هو الآن يواجه مشكلة أكبر.. سؤال يعلم أبعاده وإن أظهر عدم معرفته أو فهمه.. كيف نطور العملية التعليمية برمتها لا مادة العلوم فقط؟
سيفكر في هذا الامر مليًا وسيكتب أقترحاته في عريضة وسيضعها بجانب تقريره عن معمل العلوم و كفى المؤمنين شر القتال.
* * *
جلست مريم بجانب جدتها على المنضدة الواسعة، كان الارهاق واضحًا على وجه مريم الصغيرة لعدم حصولها على قدر كاف من النوم الليلة الماضية، حاولت سعاد أن تطعمها بيدها ولكن مريم لم تأكل أكثر من نصف بيضة تقريبًا ولم تكمل كوب الحليب بالعسل الذي أمامها، ارادت سعاد أن تكمل مريم أفطارها قبل وصول حافلة مدرسة السنطي الذي سيقلها، لم يحالف الحظ سعاد وحضرت الحافله في موعدها، امسكت الجدة يد حفيدتها وذهبت بها نحو باب فيلتها الصغيرة في التجمع الخامس، اطمئنت عليها أنها سلمتها للمشرفة وجلست البنت في مقعدها المخصص، لوحت مريم لسعاد في **ل، ابتسمت لها جدتها وقبلتها وتحركت الحافلة على مهل ثم اسرعت تدريجيًا، تابعتها سعاد حتى اختفت تماما من أمام ناظريها، توجهت للداخل نحو مظلة كبيرة تقف تحتها سيارتها البيضاء الفارهة، ضغطت على جهاز التحكم من بعد الخاص بالسيارة، فتحت الباب وبدأت رحلتها نحو شركة الأستيراد والتصدير الخاصة بها.
* * *
جلس تامر خلف مكتبه، أمامه ملف واحد لطالب من المرحلة الإعدادية، فتحه وراجع كل البيانات المدونة في أوراقه، الأب رجل أعمال كبير حاصل على درجات علمية في إدارة الأعمال من أكثر من جامعة داخل وخارج مصر، الأم تعمل مذيعة في إحدى قنوات الإذاعة المعروفة، الدخل المادي مرتفع للغاية، الابن مشارك في فرة تمثيل مسرحية حرة، والتحق بأكثر من ورشة من ورش التمثيل، المشكلة التي من أجلها تم استدعائه لتامر كأخصائي إجتماعي في المدرسة هي طريقة قصة شعره، ومعاملة زملائه بفظاظة لا تخلو من العنف أحيانًا.
طرقات سريعة قوية على باب المكتب المعلق عليه لوحة كُتِبَ عليها الأخصائيين الأجتماعيين، انزعج تامر من صوت الطرقات، اغلق الملف وقال بصوت عال:
· أدخل.
دخل سميح بخطوات متأنية وقد رمى كتفيه للخلف قليلًا ويطوح بذراعيه أثناء المشي، وقف أمام مكتب تامر، وضع كفيه متباعدين على المكتب، نظر سميح مباشرة لتامر وقال وهو يعوج فمه في بعض الحروف:
· خير يا مستر تامر؟ انت عاوزني في حاجه لا مؤاخذة؟!
وقف تامر هو الأخر ازاح يدي سميح من على مكتبه وهو ينظر مباشرة في عيني سميح وقال:
· انت اللي كنت بتخبط على الباب بالطريقة دي؟
· اه يا مستر بس مكنتش اعرف إن الباب خشبه ضعيف كده.. ده عامل زي ما يكون طبلة يا جدع.
· جدع؟!
· سوري يا مستر...
قاطعه تامر قائلًا:
· انت عارف انت هنا ليه؟
· لا.. ليه؟
اشار تامر على شعر سميح وقال وهو ينظر لشعره باشمئزاز:
· علشان ده.. علشان شعرك.
· أه.. ماله بقا؟
· القصة دي غريبة ووحشة قوي ومش عاجبة مدرسين المدرسة ولا زمايلك في الفصل.
· بس عجباني أنا.. وده شعري أنا.. وشكلي أنا.. عارف يا مستر تامر دي حلقة شعر مين؟ وانا دافع فيها كام؟
· كام؟
· ميتين وخمسين جنيه وحياتك.. وبعدين دي قصة نمبر ون...
قاطعه تامر مرة أخرى سائلًا بسخرية:
· مين يا سيدي؟!
· Number one.
قالها وهو يرفع سبابتيه ويحركهما في حركة دائرية، ابتسم تامر في سخرية أكثر وقال:
· ودي حلقها في أنهي فيلم بقا إن شاء الله؟
· أخر فيلم يا باشا.. انت ما شفتوش واللا إيه؟ ده مصر كلها اتف*جت عليه.
· بص يا سميح أولا وقبل كل شيء انت لازم تتكلم باسلوب غير كده.. ده مش اسلوب واحد في مدرسة محترمة واهله بيصرفوا عليه قد كده.
شعر سميح بالخجل نسبيًا وطأطأ رأسه قليلًا، شعر تامر أنه على بداية الطريق الصحيح، سأل سميح:
· انت مخطط تطلع ايه لما تكبر؟
· بابا عاوزني اشتغل معاه في شركاته.
· انا بسألك انت عاوز ايه.
· انا عاوز ابقا ممثل.
· فننان يعني؟
· اه.. بس بابا مش مو...
قاطعة تامر:
· وهو في فنان حقيقي يعمل اللي انت عاملة ده.. أو بيتكلم بالطريقة دي؟
· اه نمبر ون.
ابتسم تامر في هدوء واشار لسميح بالجلوس، نظر له سميح متعجبًا، هذه ليست المرة الأولى التي يستدعيه فيها تامر ومن قبله الاخصائي الاجتماعي السابق ولم يُسمح له بالجلوس ولا مرة، اشار سميح للكرسي الوحيد الموجود أمام مكتب ليتأكد أن تامر يريده فعلًا أن يجلس، هز تامر رأسه له مؤكدًا.
* * *
دخل معظم المعلمون مكتب الأستاذ عبد الحميد.. تلقوا التوجيهات والأرشادات والملاحظات.. خرجوا يحمدون الله على ستره لهم أمام عبد الحميد وانصرفوا مسرعين لتنفيذ ما طلبه منهم قبل بدء الطابور.. لم يتبقى سوى الأستاذة إنبهار مدرسة مادة الدراسات الاجتماعية في الصفوف الإعدادية.. أربعينية متأنقة.. شعرها ال**تنائي ينسدل على كتفيها الرقيقين.. تسبقها رائحة عطرها الجذاب.. دخلت مكتب عبد الحميد تدق على أرضيته بكعبها العالي.. القت تحية الصباح كما فعل كل من قبلها ولم ينظر لها عبد الحميد وهو يرد كما فعل مع من سبقوها.. لم يلفت انتباة رائحة عطرها الفواح ولا صوتها الناعم المملوء بالأ***ة ولا ن*ديها النافرين رغم سنها ولا مؤخرتها المستديرة البارزة من جونلتها الضيقة.
وضعت دفتر التحضير الخاص بها أمام عبد الحميد مفتوح على دروس اليوم التي ستدرسها.. اغلقه عبد الحميد ونحاه جانبًا.. أشار لها بالجلوس.. جلست وشدت جونلتها في محاولة فاشلة لمدارة جزء كبير من فخذيها الذان انكشفا عندما جلست.. نظر لها وسألها مباشرة:
· بقالك كام سنة شغالة معانا يا أستاذة إنبهار؟
· أربع سنين يا سعادة المدير.
· أربع سنين وسبع شهور واتنين وعشرين يوم بالظبط يا أستاذة.
· حضرتك أدرى طبعا يا أستاذ عبد الحميد.
فتح عبد الحميد أحد أدراج مكتبه واخرج أسطوانة مدمجة ( CD ) ووضعها في جهاز كمبيوتر ووصله بالشاشة الكبيرة بدلًا من كاميرات المراقبة.. قال لها قبل أن يدير الأسطوانة ويعرض ما عليها:
· كل الفترة دي ومعرفتيش إن الدروس الخصوصية ممنوعة في المدرسة.. دي مش بس في المدرسة دي في الوزارة كلها؟!
· هي صحيح الوزارة منعاها لكن مدرسين الحكومة تقريبًا بيدوا دروس خصوصية يا سعادة المدير سواء في بيوتهم أو في بيوت الطلبة أو في مركز متخصصة وبعضها مرخص كمان.
· أيوه كلامك صح بس مدرسين الحكومة وحتى مدرسين المدارس الخاصة ما بياخدوش مرتبات زي اللي بتاخدوها هنا.. هو مرتبك مش ما كفيكي؟
تنحنحت إنبهار قبل الرد على السؤال.. تعلم جيدًا أن راتبها يكفيها ويفيض منه.. وأنها تعيش حياة كريمة تصل إلى حد الرفاهية من راتبها.. سيارتها حديثة وبيتها كبير واسع في أرقى أحياء القاهرة ابنها مشترك في نادي ذو سمعة طيبة لا يستطيع أحد دفع أشتراكه إلا إذا كان رجل أعمال أو لص محترف.. ملابسها وملابس شادي ابنها المسئولة عنه بعد طلاقها من زوجها ماركات عالمية.. كل صيف تقضي معظمه في شالية تتمتلكه في أحدى القرى السياحية على البحر الأحمر.. هي حقًا تعلم أنها ليست في حاجة للدروس الخصوصية.. قالت في هدوء مفتعل محاولة الحفاظ على رباطة جأشها:
· بالع** يا أستاذ عبد الحميد المرتب بيكفيني وبيفيض كمان الحمد لله.
· طيب ليه بتدي دروس خصوصية؟
فكرت إنبهار في الأنكار لكنها تراجعت في اخر لحظة عن هذا.. فهو إذا وجه أتهام او لوم لأحد يكون متأكد مما يقوله وإذا اتخذ قرار لن يتراجع عنه.. وهي مهما بحثت عن وظيفة لن تجد وظيفة ولو في مجلس الوزراء تمنحها مثل هذا الراتب الذي أقل ما يوصف أنه سخي.
قالت بعد فترة **ت وجيزة:
· انا عمري ما فكرت أدي دروس خصوصية وده مش معناه إني بنكر.. لا أنا فعلا بدي دروس خصوصية بس لازم حضرتك تعرف الأسباب وبعدين تص*ر حكمك اللي يريحك ضميرك كمدير لمدرسة عريقة زي دي وكإنسان عايش معانا في نفس المجتمع ونفس الظروف.
اخرج عبد الحميد الأسطوانة المدمجة من جهاز الكمبيوتر واعاده للدرج واشار لها أن تكمل حديثها.
* * *
جلس سميح وهو يشعر بنوع من الاحترام لذاته، انع** على احترامه لتامر، قال تامر وهو يستعرض ورقة في ملف سميح بعينيه:
· بص يا سميح.. الفن رسالة.. رقي.. اخلاق.. الفن مش بس للمتعة لا ده لازم يسمو بأحاسيس المتلقي ومشاعره وعقله وروحه.. انت فاهم انا بقول ايه طبعا.
· اه طبعا حضرتك.. بس نمبر ون فنان واعماله...
قاطعه تامر وهو يشير له بأن يدعه يكمل كلامه بعد ان رفع عينيه من على التقرير الذي كان يطالعه في ملف سميح:
· انت ليه كل ما اكلمك تقولي نمبر ون نمبر ون وكأن مفيش على الساحة غير نمبر ون وبتوع المهرجانات.. فرضًا أنه غلط في حاجه يبقا خلاص تبقا قاعدة ويبقا هو ده الفن وهم دول الفنانين.. لا يا سميح.. الفن اولًا بيسموه القوة الناعمة.
· يعني ايه القوة الناعمة دي يا مستر.
ابتسم تامر في رضا لأنه شعر باهتمام سميح لما يقوله، أجاب عن سؤال سميح:
· القوة الناعمة دي يعني إزاي بلد معين تسيطر على شعوب تانية بثقافتها بس.. ثقافتها هي السلاح اللي بتستخدمه علشان تبقا مسيطرة على وجدان ومشاعر الشعوب التانية.. والفن ده نوع من أنواع الثقافة.
· هو في انواع ثقافة تانية غير الفن؟
ابتسم تامر ابتسامة أكبر لرغبة سميح في المعرفة، قال:
· الثقافة يعني كل ما يخص المجتمع يا سميح.. طريقة لبس الناس.. أكلهم.. شربهم.. فنهم.. حتى طريقة كلامهم ولغتهم.. وحاجات تانية كتير.. مصر قوتها الناعمة كانت متمثلة في مين يا سميح؟
· مين يا مستر؟
· فنانينها زي أم كلثوم وعبد الحليم ومحمد فوزي اللي عمل السلام الوطني لدولة الجزاير مثلا.. تخيل إن في نادي في المغرب.. نادي كورة اتسمى على اسم فيلم لأم كلثوم!
· نادي إيه ده؟
· الوداد.. الوداد البيضاوي على اسم فيلم وداد لأم كلثوم.. في الوقت ده كان الفنانين بيقدموا فن راقي.. سواء في الموسيقى أو التمثيل او النحت والرسم.. حتى الرياضة كمان ساعدتنا ننشر ثقافة مصر في كل البلاد المحيطة بينا.. عرفت ليه بقولك الفن أخلاق يا سميح؟
هز سميح مفكرًا وسأل تامر بصوت متردد:
· يعني حضرتك عاوز تقولي إن اللي بيقدمه نمبر ون مش فن؟
· حتى لو فن ده مش معناه إن احلق شعري بشكل مش لطيف علشان هو كان طالع في دور بلطجي مثلا وحالق الحلقة دي.. وما ينفعش امشي مشية البلطجي اللي كان بيمثلها.. ولا اتكلم بطريقته.. لأن ده دور بلطجي وانت مش بلطجي.. انت حد كويس ومن عيلة ومحترم وفوق كل ده فنان.
· يعني حضرتك شايفني فنان بجد؟
· طبعا فنان وهكلم مستر راغب يضمك لفرقة المسرح بتاعت المدرسة وتورينا ابداعك بقا يا نجم.
ابتسم سميح ابتسامة واسعة وشكر تامر كثيرًا، طلب من تامر الذهاب لحضور طابور المدرسة وأن يعده بحلق شعره حلقة مناسبة له، وعده سميح وخرج مهرولًا على الطابور يحلم بدوره الذي سيسنده له راغب في مسرحية المدرسة الجديدة.