انهى برعي سيجارتين بعد الواحدة التي دخنها مع حامد، جمع أعقاب السجائر لكنه لم يجد غير عقبين أثنين، بحث عن الثالث لكن دون جدوى، حفر حفرة صغيرة بجانب الشجرة ودفن ما وجده، نفض يديه من التراب وفتح باب السيارة، استخرج أكثر من فوطة صفراء وبدأ في تنظيف ومسح السيارة، تأكد أن كل شيء على ما يرام بعدها توجه نحو البوفية واعد لنفسه كوب من الشاي، تمنى أن يدخن سيجارة لكن منبهات الحرائق منتشرة في كل مكان، لو فعل ما يريد ستصير فاجعة في المدرسة ويظن الطلاب والعاملون في المدرسة أن هناك حريق.
صحيح أنهم مدربون على التعامل مع مثل هذه المواقف، ولن يتأذى أحد، لكن بكل تأكيد سيكتشف عبد الحميد سبب ما حدث وعندئذ ستنهي خدمة برعي له، وهي خسارة لا يستطيع أن يتحملها مهما كانت رغباته.
* * *
توجه تامر إلى مسرح المدرسة بعد رحيل سميح وتوجه للطابور كي يخبر راغب أن يختبر سميح ويضمه لفريق التمثيل، لكنه وجد المسرح مغلق وراغب لم يحضر بعد، اتصل به هاتفيًا، اخبره أنه في الطابور سيتابع الاذاعة لربما يكتشف أحد من الطلاب له صوت والقاء يصلح للاداء المسرحي، انهى تامر المكالمة بعد أن اخبر راغب أنه يريد مقابلته لأمر يخص **يم عمله، اتفقا على أن يلتقيا في المسرح بعد انتهاء الطابور الصباحي.
* * *
لم يكذب حدس إنبهار فيما فكرت فيه قبل أن ترد على سؤال الأستاذ عبد الحميد مدير مدرستها ومالكها.. لابد أن هذه الأسطوانة التي وضعها في درج مكتبه عليها صور لها وهي تعطي دروس خصوصية وربما فيديوهات أيضًا.. تعلم جيدًا أنها لن يستخدمها **ند قانوني لرفدها من وظيفتها لكنها تعلم أيضَا أنه سيجد ألف طريقة قانونية لفعل هذا.
قالت و هي تنظر للارض:
· يا أستاذ عبد الحميد.. أنا ما طلبتش من حد أديله دروس خصوصية.. ولا ضغطت على حد ياخد عندي.. ولا كان عندي نية أصلًا أدي دروس.. لكن أولياء الأمور ضغطوا عليا كتير جدًا علشان أعمل كده.. حضرتك ما تتخيلش ولا تتصور كام مكالمة جات لي من أكتر من ولي أمر علشان اوافق وادي عيالهم درس خصوصي.. في الأول رفضت وبشدة كمان.. لكن واضح إن الدروس الخصوصية الأيام دي ثقافة مجتمع...
· تقصدي أيه بثقافة مجتمع يا أستاذة إنبهار؟
· قصدي إن ولي الامر لو ابنه ما خدش درس خصوصي بيحس بالتقصير تجاه ابنه.. ثم في حاجه تانية مهمة جدًا.
· حاجه واحدة بس؟!
· الحقيقة حاجات مش حاجه واحدة.. بس أهمهم إن نظم الأمتحانات غريبة وعجيبة ومش ماشية مع المناهج اللي الوزارة بتحدثها.. إحنا لو افترضنا يا أستاذ عبد الحميد مثلًا إن مناهجنا اللي بندرسها فعلا حديثة ومناسبة للعصر هتلاقي الامتحانات متخلفة وبتتحط وتتعمل بطريقة القرون الوسطى.
يعلم عبد الحميد هذا جيدًا ويدركه تمامًا لكن نظام المدرسة ولوائحا لا يمكن أن يتخلى عنها مهما كانت الظروف المحيطة.. يختار طلاب مدرسته بمنتهى الدقة ويحرص على عمل مقابلات مع الطلاب ومع أولياء الامور.. يرفض الكثير رغم قدرتهم المادية على دفع مصاريف المدرسة المرتفعة والتي يصفها البعض بالمبالغ فيها والخرافية.. لكن عبد الحميد مؤمن أنه يقدم خدمة مختلفة ومغايره لكل ما تقدمه مدارس الوزارة سواء حكومية أو خاصة.. الأنشطة تمارس بفعالية.. المعامل محدثة وتعمل رغم فشلها في الهدف الذي من اجله حدثها.. معلمون المدرسة في كل مرحلها الأربعة يختارهم بدقة مبالغ فيها.. ليس في المستوى العلمي فقط لكن أيضًا على المستوى المهني والتربوي والاخلاقي والنفسي.. كل شيء يجب ان يكون مثاليًا في مدرسته.. لكن دائمًا هناك شيء أو أشياء ناقصة خارجة عن يده ولا يستطيع حلها.
أشار لإنبهار أن تكمل حديثها و هويسجل ما تقوله من ملاحظات في ورقة صغيره أمامه.. هذه ليست أول ورقة ولن تكون اخر ورقة.. جمع الكثير من الملاحظات ودققها وراجعها عدة مرات وسجلها في دفتر كبير.. هو على يقين أن هذا الدفتر يحل كل مشاكل التعليم.. لكنه يحتفظ به كما يحتفظ الأستاذ رشيدي بمقتراحاته وتقريراته.. لو ذهب به إلى أي مسئول مهما كان منصبه سيفتح النار على نفسه وعلى مدرسته.. مما يعني انها ستتعرض وبجرة قلم للقفل.
قالت إنبهار مستكملة حديثها:
· الغش يا أستاذ عبد الحميد...
انتفض عبد الحميد عندما سمع كلمة الغش.. قال وهو يلوح بالقلم في يده.
· مدرستنا ما فيهاش غش يا أستاذة انبهار.
اؤمات إنبهار موافقة على ما قاله المدير واردفت قائلة:
· مدرستنا ما فيهاش بس باقي المدارس فيها حضرتك.. عارف سيادتك ده معناه إيه؟
يعرف ما تقصده.. ويفهم معناه.. لكنه لا يدير كل مدارس البلد.. هو يدير مدرسة السنطي فقط لكنه اظهر اهتمامه بما تقوله إنبهار.. رد على سؤالها بسؤال:
· إيه؟
· معناه إن ولادنا هنا مظلومين.
· إزاي؟
· يعني في طلاب في مدارس تانية بتجيب درجات احسن منهم رغم أنهم ما بذلوش نص المجهود اللي ولادنا وبناتنا هنا بيبذلوه.. تفتكر حضرتك ده عدل؟!
قالت سؤالها الأخير بانفعال شديد.. ورغم أن عبد الحميد لا يقبل الصوت العالي مهما كانت الظروف ويعتبره مخالفة جثيمة في حق طلابه إلا إنه تقبله بص*ر رحب من إنبهار.. ربما لإنه يشعر بالمرارة من هذا الامر ويحاربه قدر استطاعته.. قال لها وهو يخرج ورقتان مكتوبتان وجاهزتان من قبل ووضعهما أمامه:
قال عبد الحميد و هو يعرض الورقتين عليها:
· دول ورقتين هتوقعي على واحدة منهم على حسب اختيارك.
· إيه دول حضرتك؟
لوح بالورقة الأولى في يمينه:
· ده اقرار وتعهد بالتوقف عن الدروس الخصوصية واعتبار اللي حصل إنذار نهائي.
· والتانية؟
لوح بالورقة الاخرى في يسراه:
· دي استقالة.. استقالتك وغير مسببة.. يعني تقريبًا بتتنازلي عن كل حقوقك المادية المتعلقة عندنا.. تختاري إيه؟ اليمين واللا الشمال؟
لم تفكر إنبهار ولو للحظة واحدة.. مدت يدها وتناولت الإقرار والتعهد ووقعت عليه بعد أن قراته.. اعادته لعبد الحميد الذي فتح دفتر تحضيرها واطلع عليه ووقع في أعلى صفحات دروس اليوم واعادة إليها.. تناولته من يده ووقفت منصرفة.. قال لها بعض الملحوظات على نوعية ملبسها لم تبدي إنبهار أي اعترض عما قاله.. تفهمت رأيه ورغبته على الرغم من أن هذا ضد شخصيتها تمامًا الرافضة حد الكره التدخل في شئونها الخاصة وهي تعتبر ملابسها من هذه الأمور التي لم تسمح حتى لزوجها السابق طليقها الآن التدخل فيه.. لكن عبد الحميد اختار الوقت المناسب لاصدار اوامره على شكل توجيهات مباشرة.
غادرت إنبهار وهي تتنفس الصعداء.. عندما تقدمت للعمل بهذه المدرسة من خمس سنوات تقريبًا ملأت أستمارة تقديم طويلة من عدة صفحات.. كتبت فيها معلومات كثيرة ليس فقط على المستوى المهني لكنها على المستوى الشخصي.. كان اشبه بملف تقديم لكلية عسكرية حتى أنها طنت أن المباحث والمخابرات ستتقصى عنها إذا ما كانت من ضمن المرشحين لهذه الوظيفة.. لم يجد عبد الحميد أي شيء سلبي في أوراق إنبهار حتى حالتها الإجتماعية كمطلقة لم تثير انتباه.. ما الفرق بين رجل أو امراة يحملا لقب مطلق أو مطلقة.. اهتم أكثر بشهادتها العلمية.. حاصلة على ماجستير في التاريخ المصري القديم وتسعى للحصول على الدكتوراة.. راجع التواريخ وجد أنها حصلت على ما حصلت بعد طلاقها.. فسر هذا بأن زوجها كان حجر عثرة في طريق علمها.. أجرى معها ومع غيرها أكثر من مقابلة شخصية.. قيم فيهم كل شيء.. الشيء الوحيد الذي لم يعجبه فيها هي طريقة ملبسها.. لكنه تجاوز عن هذا لشهادتها العلمية ولباقتها واتقانها للمادة التي تدرسها.. يعلم متى يمكنه أن يطلب منها تغيير طريقة ملبسها.. انتظر أكثر من أربع سنوات حتى لاحت الفرصة وهاهو يستغلها أفضل استغلال.
* * *
انهى شادي افطاره وتوجه للحمام، تحمم سريعًا بماء بارد كعادته حتى في أيام الشتاء شديدة البرودة، خرج والمنشفة حول وسطه، فتح هاتفه المحمول ودخل على تطبيق أحد شركات السيارات الأجرة وطلب رحلة، أتاه الرد بأن السيارة ستكون تحت العمارة خلال خمس دقائق، لبس شادي ملابسه في غرفته وخرج متجهًا نحو الباب، مد يده بطريقة تلقائية بجانب فازة موضوعة على رف قريب من باب الشقة، سحب بعض الأوراق النقدية التي تركتها له إنبهار ودسها في جيبه وخرج، وقف على باب العمارة لدقائق وتوقفت أمامه سيارة أوبر طلبها بعد مكالمة جويرية له، فتح الباب وركب، لحظات وانطلقت السيارة في طريقها لجامعة القاهرة، لم يتحدث شادي مع سائق أوبر الشاب، فتح هاتفة المحمول وتابع حسابه على الفيسبوك، كتب بعض التعليقات المرحة لأصدقاء العالم الأزرق، وتفاعل مع منشوراتهم واغلق التطبيق، فتح تطبيق واتساب وبدأ حوار مع جويرية، نسقا مواعيدهما معًا على أن يلتقيا في وقت مناسب لهما بين المحاضرات المختلفة بينهما، أنهى الحوار بحرفين (ب ح) واكملت له هي الكلمة (ب ك).
* * *
استدعى عبد الحميد كبير معلمين التربية الرياضية واخصائية الصحافة والإعلام في المدرسة لمراجعة فقرات الطابور المدرسي الذي اقترب.. وقف كابتن عبد المتعال في زيه الرياضي وبجانبه الأستاذة نعمات الباجوري بفستانها الواسع وحجابها يغطي شعرها.. تناقش مع عبد المتعال عن التمرينات التي ينوي تدريب الطلاب عليها هذا الصباح.. واقترح عليه أن يجهز تدريبات راقصة مرحة بعد ذلك.. بل طلب منه أيضًا أن يدربه عليها ليمارسها مع طلاب ومعلمين المدرسة كل صباح بعد ذلك.. وعده عبد المتعال بأن تكون هذه التدريبات جاهزة الأسبوع القادم وأنه سيدرب الطلاب عليها في حصص التربية البدنية.. وطلب أن يص*ر المدير قرار بالتنسيق بين التربية الرياضية والتربية الموسيقية في هذا الشأن.. وافق على الفور عبد الحميد وكتب ملاحظة عبد المتعال في ورقة امامه.. عرضت عليه نعمات البرنامج الإذاعي وفيديو للبروفة النهائية التي عملتها مع الطلاب في نهاية اليوم الدراسي بالأمس.. هز رأسه في حبور وطلبهم الانصراف للاستعداد لليوم الدراسي الجديد الذي اوشك على البدء.
* * *
وقف سميح في مكانه المخصص في الطابور، حاول بكل الطرق والوسائل تغطيه شعره لكنه فشل، شعر بأنه فعلًا غير مناسب له وأن يشبه هؤلاء الشباب الذين لم يسعدهم الحظ والظروف وتلقوا قادر من التعليم فعملوا في أي مهنة أو حرفة، يحترمهم سميح لكنه لا يريد أن يصبح أو يكون مثلهم.
شعر سميح أن كل طلاب المدرسة ومعلميها بل والعمال يطالعون شعره ويسخرون منه، إذا ما رأه معلمة تميل على معلمة أخرى وتحدثها في أمر فهي لابد تحكي لها عن شعره وتضحك داخلها عليه، حتى الإذاعة المدرسية ستحكي ويتحدثون عنه؛ وإلا لماذا اختاروا هذا الحديث النبوي الذي ينهى فيه عن القزع، لابد أنها تعاليم تامر يريد أن يحاصره من كل اتجاه.
انتهى الطابور وبدأ الطلاب في الانصراف من الحوش متوجهين لفصولهم على شكل صفوف منتظمة، مشى سميح في الصف حاملًا حقيبته المدرسية على ظهره ورأسه مطاطأ ناظرًا للأرض حتى لا يلمح في عين أي أحد نظرة تهكم أو سخرية أو استهتار.