مدرسة السنطي ( 4 )

3000 Words
وصلت سعاد شركتها قبل كل الموظفين والعاملين معها، فتحت بابها ودخلت على غرفة مكتبها، دائمًا مكتبها نظيف، فعامل النظافة ينظف مكتبها والشركة كلها بعد انتهاء العمل بها في الساعة الخامسة، الشيء الوحيد الذي لم يعجبها هو رائحة السجائر العالقة في سجاد وستائر المكتب، هي من تدخنها ولا تستطيع لوم أحد على هذا، تستخدم أنواع مختلفة من معطر الجو، رشت بعض الزخات من انبوبة معدنية، وشغلت جهاز ينثر عطر للجو كل بعض ثوان، انتعشت قليلًا بعد أن تغيرت رائحة الغرفة. يتعجب من بعرفون سعاد انها تدخن، لا اقصد من عرفوها بعد توليها الإدارة في الشركة التي ورثتها عن أبيها، لكن من يعرفونها منذ طفولتها، كيف تحولت هذه البطلة الرياضية إلى مدخنة شرهة بهذه الطريقة؟! هي نفسها كثيرًا ما تستنكر ما تفعله في نفسها واثر التدخين على صحتها، لكنها تعلل ذلك دائمًا أنها عادة سيئة تخرج فيها ضغوطها التي تعانيها في العمل. لكن حقيقة الضغوط ليست من العمل لكنها عقدة ذنب داخلها تشعر بها لتخليها عن حلمها الرياضي الذي كانت قد بنته على مر سنوات، وتهدم في لحظة قرار سريع اتخذته يومًا ما. ورغم تجاوزها العقد الرابع من عمرها ورغم كل الضغوط التي تعاني منها في حياتها الخاصة وفي العمل؛ إلا أنها مازلت تحتفظ بحيويتها والكثير من جمالها ورشاقتها التي لم تتغير على مر السنوات رغم توقفها عن الرياضة والزواج والحمل والولادة والسن، وربما هذه الحيوية هي الجزء المتبقي من اثر الرياضة فيها. طرقات خفيفة من باب جانبي للمكتب دلفت بعدها امرأة خمسينية رشيقة.. في يدها ملف وبعض الأوراق.. اقتربت حتى التصقت تقريبًا بالمكتب.. ابتسمت والقت على عبد الحميد تحية الصباح.. رد التحية وهو يقلب في الاوراق التي عرضتها عليه نجوان سكرتيرته الخاصة.. عدلت من وضع الطرحة على رأسها وقالت وهي تشبك دبوس فيها: ·       حضرتك النهارده عندنا اجتماع مجلس امناء المدرسة.. الاجتماع الشهري الدوري العادي.. وبناء على الأجتماع السابق وعلى الملاحظات اللي حضرتك حددتهالي قبل كده أنا حضرت برنامج الأجتماع في الورقة اللي في ايد سيادتك دي. القى عليها نظرة سريعة.. لصق عليها ورقة صغيرة كان قد كتب عليها اقتراح عبد المتعال في التنسيق بين التربية البدنية والتربية الموسيقية لعمل تمرينات رياضية راقصة مرحة في طابور الصباح بدلا من التدريبات التقليدية التي يمارسها الطلاب كل صباح وطلب منها إضافتها لجدول أعمال الاجتماع.. شكرها وانصرفت تجهز ما طلبه وتطبع الجدول بعدد اعضاء مجلس امناء المدرسة. دقت الساعة تمام السابعة والنصف وبدأت حافلات المدرسة بلونها الاصفر الزاهي في الوصول وتنزيل الطلاب منها.. في تمام الساعة السابعة وست وثلاثين دقيقة كان قد وصلت أخر حافلة من الخمسين حافلة الخاصين بالمدرسة مما يعني تأخرها لدقيقة واحدة فقط.. لكن هذه الدقيقة تعني الكثير لعبد الحميد مما يعني انه سيجري تحقيق مع سائق الحافلة والمشرف عليها بعد الطابور مباشرة. توافد الطلاب في زيهم المدرسي الخاص بالمدرسة إلى أرض الطابور في فناء المدرسة الواسع.. لكل مرحلة الوان خاصة.. وقف كل طالب في مكانه المحدد.. بعد أربع دقائق من وصول أخر حافلة متاخرة دق جرس بدء طابور اليوم الدراسي.. تابع عبد الحميد الطابور وهو واقف في مكان مرتفع بعض الشيء وبجانبه نجوان وفي يدها ورقة وقلم تسجل أي ملحوظة يقولها المدير.. انتهى الطابور بفقراته المعتادة وانصرف الطلاب لفصولهم أو لأماكن الأنشطة المخصصة كلًا على حسب جدوله.. تقدم المعلمون طلابهم على فصولهم وبدأ اليوم الدراسي الفعلي الجديد. ذهب عبد الحميد عند شجرة السنط الكبيرة التي زرعها ذات يوم جده مسعود تيمنًا باسم عائلته.. راى برعي ينظف السيارة من الداخل.. لكنه عندما اقترب وجد عقب سيجارة تحت أحدى اطارات السيارة.. انحنى والتقطه و ذهب به حيث يوجد برعي.. وضعه امام عين السائق و قال: ·       كام مرة قولت مفيش تدخين في المدرسة يا برعي؟ ·       يا سعادة الباشا مش انا ده الواد حامد. ·       حامد بيدخن أه وانا عارف بس كاميرات المراقبة عمرها ما جابته وهو بيشرب سجاير في فترة الشغل.. وريني علبة السجاير اللي معاك. اخرج برعي علبه سجائره الموضوعه في جوربه واعطاها لعبد الحميد بيد مرتعشة.. دسها عبد الحميد في جيبه ونظر له نظرة تهديد فهمها برعي على الفور.. تركه عبد الحميد عائدًا إلى مكتبه بينما نفخ برعي في ضيق وعاد يكمل عمله. وضعت زوجة حامد حبتان من الطعمية في رغيف ووضعت فوقهما أعواد الجرجير ولفتهم جميعا على شكل أسطوانة واعطتها لزوجها، قضمها حامد على أربع مرات، مسح فمه بطرف كم جلبابه، عرف القلة على فمه ولم ينزلها حتى أرتوى، تجشأ وطلب من زوجته الشاي، تعرف عاداته وكل طلباته المتواضعة، يشرب الشاي عدة مرات في اليوم لكنه لا يشرب كوب كامل مطلقًا، نصف كوب في المرة كافية له. انهى (خمسينة الشاي) وذهب نحو السرير النائم عليه ابنه المريض، تمدد جانبه واحتضنه برفق، تمنى أن يسمح على شعره مثل أي أب محب لأبنائه، لكنه فقد تاج رأسه في رحلة العلاج المكلفة التي تبتلع معظم دخله من المدرسة، ورغم أن راتبه كبير من مدرسة السنطي إلا أنه لا يكفي علاج فلذة كبده، تن*د ووضع رأسه على الوسادة لينام، فبعد ساعات عليه أن يقف منتصبًا في البرج قابضًا على عصاته ليمنع المتسللين الذي لم يرأهم قط. أنهى تامر بعض التقارير التي طلبتها منه نجوان سكرتيرة عبد الحميد الخاصة، ملفات هامة سيناقشونها في اجتماع مجلس الامناء اليوم، منذ فترة وهو يعمل عليها جاهدًا حتى ينهيها قبل الأجتماع وأخيرا وبعد مراجعتها لغويًا وتدقيقها ضغط على أمر الطبع، اص*رت الطابعة أزيز خافتًا وخرجت منها الأوراق على مهل، تلقاها تامر وقسمها على حسب الموضوع الخاص بها، وضعها في ملفات مختلفة وتجه بها خارجًا من مكتبه متوجهًا نحو مكتب نجوان، لمحته خارج المكتب ابتسمت واشارت له بالاقتراب، قالت له وهي تمد يدها لتستلم منه الملفات: ·       كنت خايفة ما تلحقش تخلص. ·       لا اتطمني يا مدام نجوان كله خلصان ومطبوع حضرتك تقدري تبصي عليهم برضو. ·       أكيد هبص.. تعبتك يا مستر تامر.. انا عارفة إن الشغل كان كتير عليك بس هانت كام يوم وترجع الاخصائية الاجتماعية من اجازة الوضع وتستريح. ·       ولا يهمك يا مدام نجوان.. استاذن علشان لازم اروح اقابل راغب في المسرح. ·       اتفضل وسلم لي عليه.. قوله إزيك يا فنان. ضحك تامر ضحكة قصيرة ولوح لنجوان مودعًا وغادر مكتبها متوجهًا للمسرح، دخل المسرح الكبير، وجد خشبته خالية والستارة مرفوعة وال**ت يخيم على المكان، جال تامر ببصره وجد كل مقاعد المسرح فارغة، لكن بعد التدقيق لمح الجزء العلوي من رأس راغب، قال وهو ينزل الدرج بين مقاعد المسرح: ·       مستخبي ليه يا فنان؟ فاكر إني مش هجيبك يعني؟! رفع راغب رأسه والتفت للخلف، ابتسم عندما وجد من يكلمه تامر، شابين في نهايات العرشينات، تجمعهما نفس الظروف فكلاهما ليسا من القاهرة ويعيشا معا في غرفة واحدة مؤجرة، اشار له راغب بالاقتراب: ·       تعالى يا عم المصلح الاجتماعي.. هو هنا وفي السكن. ضحك تامر وهو يقترب من صف المقاعد الجالس في وسطه راغب وقال: ·       معلش يا نجم استحمل المعجبين بتوعك شويه.. جلس تامر بجوار راغب وجده يقرأ في مسرحية في يده، سأله وهو يشير للكتاب الذي في يده: ·       ده النص الجديد اللي هتعمله في المدرسة؟ اغلق راغب الكتاب الذي في يده وعرض الغلاف على تامر، قرأ عنوانه (في حضرة جودو ومجموعة مسرحيات قصيرة)، قال راغب: ·       لا دي تقيلة على الولاد هنا.. انا النص عجبني قوي قولت ممكن اخد سكتش من الاسكتشات القصيرة نعملوا هنا.. بس المشكلة إني مش لاقي حد ينفع. ·       حلو.. اهو انا جايلك علشان كده. وضع راغب الكتاب على المقعد بجانبه الجهة الاخرى ونظر مليًا لتامر منتظرا منه أن يكمل كلامه، قال تامر: ·       في ولد موهوب جدا اسمه سميح بس مشكلته إنه معجب بممثل معين وبيقلده في كل حركاته.. بس هو فعلا كويس.. عاوزك تشوفه.. لو ينفع ضمه للفرقة. وقف راغب مسرعا ومسك يد تامر وسحبه برفق متوجهًا به خارجًا لرؤية سميح. مر عبد الحميد على الفصول في مباني المدرسة التعليمية المختلفة.. الطلاب في فصولهم والمدرسون يشرحون لهم كلًا في مادته.. ذهب إلى الملاعب وجد أكثر من فصل هناك في مراحل مختلفة ومعلمين التربية البدنية يعلمونهم ويدربونهم رياضات مختلفة.. اتجه بعدها إلى حديقة المدرسة وجد فتحي هناك يمارس بعض أعمال الفلاحة المحببة له تحت إشراف مشرفين التربية الزراعية.. تفقد الأحوال وقاده فتحي ليريه تكعيبة العنب التي أوصى بها من عام مضى.. امتدت وغطت مساحة كبيرة من فوقهم.. مازل غالب أوراقها خضراء وإن كان قد بدء العجز يدب فيها.. اخبره فتحي بكل فخر بأن الصيف القادم سوف تمتلئ بالعناقيد.. سيكون محصولها كاف للتوزيع على معظم العاملين بالمدرسة.. هز عبد الحميد رأسه مغتبطًا وربت على كتفه وأخبره بأن إذا وصل إنتاجها لحد معين سيكافئه بمنحة كبيرة.. نحمس فتحي من كلام مديره واعتبر وعده تعويضًا عن الخصومات التي يتلقاها. اسرع راغب وتامر في ممرات المدرسة متوجهين نحو فصل سميح، قابلا عبد الحميد في إحدى الممرات سألهما عن وجتهما، أخبره تامر باختصار عن الأمر، شد من أزره وبارك ما يفعلوه، يؤمن عبد الحميد بدور الفن وأهمية الأنشطة بكل تصنيفاتها في المدرسة وأنها السبيل ليس فقط لاكتشاف المواهب المختلفة ولكنها تساعد الطلاب على التخلص من الكثير من طاقتهم وتعطيهم فرصة لتخطي الكبوات التي يمرون بها. وصل تامر وراغب لفصل سميح، تقدم تامر وطرق الباب طرقة خفيفة، سمع صوت إنبهار من الداخل تطلب من الطارق الدخول، فتح تامر الباب ودخل الفصل، القى التحية على إنبهار ثم لطلاب الفصل، بحث بعينيه عن سميح والتقت عيناهما، ابتسم سميح ولمعت عينيه عندما لمح راغب خارج الفصل، اشار تامر على سميح وهو يستأذن إنبهار ليأتي معه، قالت إنبهار وهي تؤمئ بالموافقة: ·       اتفضل يا سميح مع مستر تامر. وقف سميح وتوجه مع تامر خارجًا من الفصل بعد أن شكر إنبهار واغلق الباب خلفه، اسرع نحو راغب وعلى وجهه ابتسامة عريضة، بادله راغب الابتسامة واشار له وهو يقول: ·       انا مش كنت قولت لك تعالى قبل كده؟ ·       اه يا مستر. تدخل تامر في الحديث قائلًا: ·       الله! انتو تعرفوا يعض؟ رد راغب: ·       أه السنه اللي فاتت حد كلمني عليه بس للأسف بقا الكورونا عطلت كل مشاريعنا. ·       طب اسيبكو بقا مع بعض واروح مكتبي اشوف شغلي. صافحهما تامر وغادر متوجها لمكتبه، وضع راغب ذراعه على كتف سميح وتوجه به متجهًا نحو المسرح وهما يتحدثان حديث خافت مشروع لم يكتمل من العام الماضي. عاد عبد الحميد إلى مكتبه جلس واخرج علبه سجائر برعي.. هو ليس ضد التدخين ويؤمن تماما بأن هذه حرية شخصية.. هو نفسه أحيانًا يدخن نرجيلة في المقاهي إذا ما ذهب لهناك.. لكنه يحارب بكل طاقته منع التدخين في مدرسته حتى لو في الهواء الطلق.. فالطلاب صغار وربما يقتدون بعم برعي كما ينادونه.. بل هو ربما من يشجعهم على التدخين لضمان حصوله على سجائر من الانواع الفاخرة إذا ما وقع أحدهم في شبكة التدخين. اقترب موعد اجتماع مجلس الامناء وبدأ والياء الأمور أعضاء المجلس في التقاطر والتوافد على المدرسة.. كان أول الواصلين دكتور رجائي.. بحث عن فتحي ليتبرك به.. وجده مازال في حديقة المدرسة.. أخذه على جنب الحديقة وسأله: ·       فاكر بنتي الكبيرة يا مولانا؟  شعر فتحي بنوع من أنواع الغرور عندما سمع من دكتور رجائي كلمة مولانا.. دكتور رجائي رجل العلم والذي يدرس في جامعة القاهرة في كلية تجارة مادة محاسبة تكاليف ينعت فتحي بمولانا.. هذا الرجل الذي يرتدي حلة ربما اشتراها من إحدى سفرياته في الخارج وقميص يصل ثمنه لعدة مئات ويضع نظارة شمسية على عينيه مثل التي يستخدمها رئيس الجمهورية وحذائه تمنه كاف لشراء قيراط أرض في بلدهم ما بالك بسيارته يصف فتحي بهذا اللقب العظيم.. فمن الطبيعي أن يصيبه الغرور ولو لثواني.. أغمض فتحي عينيه ورجع برأسه للخلف قليلا وهزها خفيفًا وقال: ·       دكتورة رغد.. دي خلاص هتتخرج وهتبقا أشهر دكتورة أطفال في مصر. صاح رجائي مكبرًا عدة مرات انتبه الطلاب والمشرفين والتفتوا نحو الذي يطلق صيحات التكبير وهو يخ*ف يد فتحي ليقبلها لكنه نزعها منه في تواضع مصطنع وهو يردد: ·       أستغفر الله العظيم.. أستغفر الله العظيم.. انت عاوز تشيلني ذنوب ليه بس يا دكتور؟! ·       انت عرفت انا عاوز اسألك فيه يا شيخ فتحي قبل ما انطق.. الله أكبر.. الله أكبر. ·       ليه يا دكتور فتحي انت كنت عاوز تسال عن إيه؟ ·       كنت عاوز اقولك إنها خلاص هتتخصص بعد النيابة وتحضر الماجستير بتاعها وهي محتارة بين أطفال و عظام.. تقوم أنت ما شاء الله عليك ترد على سؤالي قبل ما اساله. اخرج رجائي كومة من النقود ودسها في جيب فتحي رفض فتحي في البداية لكن مع ت**يم دكتور رجائي وافق حتى لا يأخذ على خاطره.. ودعه رجائي وعلى وجهه ابتسامة مستبشرة.. غادر الحديقة وفي طريقه لمكتب عبد الحميد اخرج هاتفه المحمول واتصل على زوجته يخبرها بما حدث.. لم تصدق نهاد زوجته ما تسمعه لولا إنه أقسم لها أغلظ الأيمان بأن هذا ما حدث.. وأنه لو حكى له أحد ما حدث ما صدقه مثلها. دخل مكتب نجوان وقفت تستقبله.. صافحته بحرارة وطلبت له قهوته التي يفضلها.. حكى لها ما حدث مع فتحي ناعتا إياه بنعوت كثيرة.. لمح نظرة الشك في عينيها.. اقسم لها هي الأخرى أن هذا ما حدث مؤكدًا أنه رجل بركة وطاهر.. تظاهرت نجوان بتصديقه على أنه بركة وطاهر لكنها في قرارة نفسها لا تصدق هذا مطلقًا وكيف لها أن تصدق وهي من تعلمت في جامعات أوروبا العريقة.. وادارت شركة أبيها لعدة سنوات ونجحت في هذا نجاح منقطع النظير ولولا طمع شركاء أبيها وتعاونهم مع بعض المسئولين في الحكومة وقتئذ لكانت الآن تمتلك أكبر شركة أستيراد أخشاب في مصر وربما على مستوى شمال أفريقيا والشرق الأوسط أيضًا.. ضاقت بها الدنيا لكن عبد الحميد عرض عليها العمل معه براتب مجز.. نعم هو ليس كما كانت ت**ب من تجارتها في الأخشاب لكنه كان ومازال أفضل عرض عرض عليها.. والحقيقة أن عبد الحميد عرف قدرها منذ البداية ولم يعاملها على أنها مجرد سكرتيرة تنظم أعمال المدرسة.. لكنه عاملها على أنها أحدى قيادات المدرسة واعطاها بعض الصلاحيات القلية والتي تتناسب مع وظيفتها. وضع عامل القهوة أمام رجائي وبعد أن شكره حكى له ما صار في مقابلته الأخيرة مع فتحي البركة الطاهر.. أيده العامل طمعًا في رضا الدكتور رجائي وربما يصل هذا الرضا للسيد المدير فيمنحه علاوة استثنائية مثلا أو يغفر له ذلة في العمل.. يبدو أنه عامل جديد بالمدرسة ولا يعرف أن لا كلام يفيد مع عبد الحميد وأن الشيء الوحيد الناجع معه هو العمل ثم العمل والاخلاص فيه.. وما دون ذلك هراء بالنسبة له.. رشف رجائي رشفة من القهوة ومدحها.. شكرته نجوان على مجاملته اللطيفة.. دخل صفوان المكتب.. ضمه عبد الحميد لمجلس الأمناء بصفته من المهتمين من التعليم.. رافقه حرسه الخاص حتى باب مكتب نجوان السكرتيرة.. أشار له صفوان بالتوقف وانتظاره في الخارج.. وقفت نجوان مرحبة بالزائر وهب رجائي واقفًا وصافحه بحرارة وما أن جلس وقبل أن تقدم له نجوان مشروب الضيافة قص عليه رجائي ما حدث مع فتحي.. تعجب صفوان مما سمعه.. مال على رجائي وهمس له دون أن تسمعه نجوان.. طلب منه تدبير مقابلة له مع فتحي خارج المدرسة.. أخبره رجائي بأن فتحي لا يخرج خارج أسوار المدرسة مطلقًا وأن هذا هو سبب بركاته أنه لا يختلط بالناس.. عرض صفوان مبلغ ضخم لفتحي وأن سيارة خاصة بستائر سميكة على الشبابيك ستأخذه وتعيده إلى المدرسة.. وهناك في فيلا صفوان لن يختلط بأحد ستكون حجرة مكتبة مجهزة لاستقباله والجلوس معه ولا أحد غيرهما سيحضر.. وعده رجائي بابلاغ فتحي بالعرض ومن ثما ابلاغ صفوان برأيه النهائي.. هز صفوان رأسه وقبض على يد رجائي مترجيًا أن يمارس عليه كل الضغوط التي تمكنه من الموافقة. عاد راغب للمسرح وجلس في نفسه مكانه السابق عندما أتى له تامر لكن هذه المرة جلس بجواره سميح، كانت عينه معلقة على خشبة المسرح، نظر له راغب وسأله: ·       بتحب المسرح يا سميح؟ ·       بحب التمثيل بكل أشكاله يا مستر راغب. ربت راغب على كتف سميح الجالس بجواره وسأله: ·       ليه؟ ·       ليه إيه يا مستر؟! مش فاهم قصد حضرتك! ·       ليه بتحب التمثيل يا سميح؟ تنحنح سميح وهو ينظر لراغب وقال: ·       بقدر من خلاله أطلع كل اللي جوايا.. كل دور بعمله ببقا انا الشخصية اللي بمثلها.. المخرج بتاع الفرقة اللي كنت شغال معاها قالي إني بتقمص الشخصية وبتركبني. عرض راغب عليه نص من كتاب في حضرة جودو اسمه (ساذج جديد) واشار له أنه سيؤدي دور الممثل1 وراغب نفه سيقرأ معه دور الممثل2، ابتسم سميح وبدأ يقرأ بعينيه النص ويقلب الصفحان محاولًا فهم النص، سأل راغب عدة أسئلة عن ابعاد الشخصية مما أعجب راغب به أكثر، اجابه وانطلقا معًا يقرأ النص، ابهره اداء سميح الصوتي وطلب منه الصعود للمسرح وصعد معه وبدأ يقرأن ويتحركان على المسرح، شعر سميح أن روحه تحلق في سماء المسرح وكأنه خلق من طين ممزوج بتراب المسارح. امتلأ مكتب نجوان بالسادة والسيدات أعضاء مجلس امناء المدرسة.. اقتربت الساعة من الحادية عشر.. دعتهم جميعًا إلى غرفة الاجتماعات.. وقفوا جميعًا وتبعوها.. دخلوا الغرفة الواسعة في وسطها منضدة أجتماعات كبيرة محاطة بكراسي جلدية بنية.. أمام كل كرسي لوحة مكتوب عليها اسم العضو.. جلس كل فرد في مكانه.. دقت الساعة الحادية عشر.. انفتح الباب الرئيسي ودخل رئيس مجلس الامناء الاستاذ عبد الحميد.. حياهم وصافحهم فردا فردا.. جلس على رأس المنضدة وجانبه جلست نجوان تسجل الاجتماع على جهاز لوحي في يدها.. بدأ عبد الحميد في مناقشة جدول الاعمال.. رحلة خلوية لمدة ثلاث أيام.. وافق جميع الاعضاء عليها واستقروا على أن تكون في الفيوم ويرافق الطلاب معلم تاريخ يشرح لهم تاريخ الفيوم عبر العصور ومعلم علوم على دراية بالجيولوجيا يحدثهم عن علم طبقات الأرض في الفيوم.. رشح عبد الحميد رشيدي كمعلم للعلوم وإنبهار كمعلمة للتاريخ.. وافقوا بالاجماع وانتقلوا على النقطة التالية. تدريبات رياضية راقصة على موسيقى تعزفها فرقة موسيقى المدرسة.. ابدت إحدى الموجودات اعتراضها كون هذه التدريبات راقصة.. قالت في حدة معترضة: ·       يعني إيه راقصة يا أستاذ عبد الحميد.. هو احنا مدخلين عيالنا المدرسة وبندفع قد كده علشان نعلمهم الرقص والمسخرة. اعترض عبد الحميد على كلمتها الاخير وأنها لابد أن تتراجع عنها قبل مناقشتها تأسفت السيدة.. عاد عبد الحميد لهدؤه نسبيا وقال: ·       راقصة دي مش معناها هز وسط يا مدام نجيحة.. راقصة يعني حاجه خفيفة.. تمرينات رياضية على ايقاع يا حاجه نجيحة.. حاشى لله إن يبقا في مدرسة السنطي مسخرة.. ثم إن كل المدرسين وانا كمان هعمل التمارين دي مع الولاد.. ها لسه معترضة؟ ·       مبدئيًا لا مش معترضة بس برضو هرتاح لو شوفت بعيني... قاطعها عبد الحميد و هو يشير لنجوان لتسجيل ملحوظة جانبية: ·       يا مدام نجوان خلي الاستاذ عبد المتعال بعد ما يدرب أول مجموعة على التمارين يسجل فيديو وتبعتيه على مجموعة واتساب بتاعت مجلس الأمناء. نظر نحو الحاجه نجيحة وقال: ·       ولما تشوفيه أنا متأكد إنك هتوافقي ويمكن تيجي كل يوم الصبح تعمليه معانا كمان. ضحكت نجيحة وكل الحضور.. وافق المجلس على تلك النقطة بشكل مبدئي وستكون الموافقة النهائية بعد الفيديو وسيبلغونها على واتساب. انطلقوا بعدها للنقطة التااية من جدول الأعمال.. وهي توحيد زي لمعلمين ومعلمات المدرسة.. فكرة طرأت على عقل عبد الحميد ليتسنى له ضبط ملابس بعض المعلمين والمعلمات الغير راضي عنها.. طال النقاش في هذه النقطة واتسع كثيرًا لكن في النهاية تم الاتفاق على اختيار زي موحد لائق ومناسب للرجال وأخر للنساء.. على أن يكون هناك أكثر من موديل يناسب جميع الأذواق والاعمار.. وافق عبد الحميد على اقتراح صفوان الوزير السابق وطلب من نجوان تجهيز ملف كامل لعرضه على المعلمين والمعلمات في اقرب اجتماع لهيئة التدريس في المدرسة.. و تجهيز عرض على الباور بوينت فيه صور لموديلات حتى يتسنى لهم مطالعتهم ويكون من السهل اقناعهم بالمبدأ الجديد الذي سيسنه عبد الحميد في مدرسته. انتهى الاجتماع وطلب عبد الحميد من الحضور البقاء لمن يريد البقاء لمناقشة أمر ما خارج جدول أعمال الاجتماع.. انصرفوا جميعًا متحججين بأعمالهم وأشغالهم ولما يبقى منهم إلا أثنان؛ صفوان و رجائي.
Free reading for new users
Scan code to download app
Facebookexpand_more
  • author-avatar
    Writer
  • chap_listContents
  • likeADD