مدرسة السنطي ( 5 )

1995 Words
انهت إنبهار حصتها وعادت إلى غرفة المدرسين، فتحت الباب سبقها رائحة عطرها يزكي المكان، التفت الزملاء والزميلات لها مبتسمين، القت عليهم تحية سريعة، ردوا جميعًا بصوت عال إلا رشيدي همهم برد غير مفهوم لكن رد ضاع وسط صخب الردود الأخرى، توجهت إنبهار نحو مكتبها ووضعت عليه دفاترها، تابعها الزملاء حتى جلست واستقرت، حاولوا جاهدين استكمال احاديثهم أو اعمالهم التي كانونا مشغلوون فيها قبل قدومها، وبقت عيني رشيدي ثابتة على كراسات ودفاتر طلابه يصوبها ويصححها. لم تهتم إنبهار بحفاوة استقبالها، ولم تلاحظ افعالهم أو أفعال رشيدي المعا**ة لهم، كل ما يشغل بالها الآن هو حديثها مع مديرها عبد الحميد، لم تكذب عليه عندما اخبرته أنها لم تسعى للدروس الخصوصية، ولكنها لم تخبره بالحقيقة الكاملة أيضًا، نعم لم تسعى بالدروس لكنها رحبت بها، ولا أحد يعرف سبب هذا ولا حتى ابنها وحيدها شادي الذي استنكر عليها اعطاها دروس خصوصية، فهو وطوال فترة درراسته في المراحل المدرسية المختلفة لم يأخذ ولا حصة واحدة درس خصوصي، اكتفى بما يتلقاه في مدرسة السنطي من حصص وكان بالفعل كاف له أن يحصل على مجموع كبير في الثانوية العامة يعطيه الفرصة كاملة أن يلتحق بالكلية التي حلم بها. * * * انتقل عبد الحميد مصطحبًا رجائي وصفوان إلى غرفة مكتبة.. تبعتهم نجوان تسجل أي ملاحظات ستنتج عن هذا الاجتماع الجانبي الغير رسمي.. جلس عبد الحميد خلف مكتبه بجواره جلست نجوان على كرسي صغير.. على كرسيان أمام المكتب الضخم جلس صفوان ورجائي.. قال عبد الحميد: ·       زي مانتو عارفين إحنا طورنا معمل العلوم على احدث طرق علمية.. ويمكن معمل المدرسة ده مش موجود في جامعات في مصر.. احنا جمعنا أفضل شيء من دول كتير متقدمة علميًا وتعليميًا زي اليابان والمانيا وامريكا والدول الإسكندنافية.. لكن مع كل ده مفيش أي تقدم ملحوظ في مستوى الطلاب في المادة.. تفتكروا ليه؟ هز رجائي رأسه وطلت من عينيه نظرة حسرة، رد صفوان بعد أن تنحنح ووضع ساق على أخرى وقال: ·       بصفتي وزير سابق في الحكومة احب اقولك ومن خلال خبرتي إن الشاطرة بتغزل برجل حمارة.. الموضوع مش موضوع امكانيات خالص يا استاذ عبد الحميد.. وزي مانت شايف لما كنت في الوزارة وباقل الامكانيات قدرت اعمل انجازات محدش قادر يعملها او يكررها لحد دلوقت. قبل ان ينطق رجائي معقبًا على كلام صفوان سواء كان مؤيدًا له أو معارضا له ومهما كان موقفه لما سمعه عن اقتناع أو دونه قال عبد الحميد: ·       ده كلام مش صحيح يا سيادة الوزير.. ناسا مش هتطلع القمر برجل حمار.. ولا زويل الله يرحمه خد نوبل علشان شاطر بس.. الموضوع اكبر من كده.. ولازم نفكر فيه بعيد عن أي كلام بنقوله ونردده من سنين..  لكن عموما شكرًا على رأيك اللي أكيد يحترم.. بس برضو احب اسمع رأي دكتور رجائي بصفته رجل علم.  شعر صفوان بالخجل الشديد من تعليق عبد الحميد على كلامه لكنه لم يعلق كل ما فعله أنه انزل ساقه واخرج علبة سجائره ليدخن.. اشار له عبد الحميد بأنه ممنوع.. اعاد العلبة لجيبه وجلس غير مهتم بما سيقال.. جلس منتظرا انتهاء هذا الاجتماع الطارئ ليذهب بصحبة رجائي لمقابلة الشيخ فتحي. لم يكن رجائي يريد احراج صفوان في كلامه ولكنه أيضًا لا يريد أن ينافقه أو يجامله، بحث عن طريقة تمكنه من عمل هذه الموازنة الصعبه، بدأ رجائي كلامه بسؤال وجهه لعبد الحميد: ·       هو مدرسين العلوم اتدربوا على الأجهزة والمعدات العلمية الموجودة في المعمل؟ ·       لا. ·       طيب هو نظام الامتحانات هيتغير؟ ·       لا. ·       طب قولي بالله عليك إزاي هيتم التطوير اللي عاوزه؟! كانت اسئلة رجائي واضحة ومباشرة وهو ما كان يدور في ذهن عبد الحميد قبل أن يسأله.. لكنه فضل أن يتأكد مما يشعر.. طلب صفوان من رجائي الانصراف استاذنا وغادرا المكتب. سقط في يد عبد الحميد ما يبغاه وما انفق من اجله ما يزيد عن مليوني جنيه في تجهيزات المعامل الجديدة لكن تذكر مقولة كان يكررها ابيه دائما ( ما لا يدرك كله لا يترك كله. ) وعقد النية على تدريب معلمين العلوم على الأدوات والمعدات الجديدة في المعامل مما يعني تكلفة أخرى قد تصل لعشرات الألوف من الجنيهات لكن لا يهم.. المهم هو أن يكون طلابه مميزين وجاهزين للعصر الحديث و بما ذات يوم يكون واحد منهم في يده تغيير الأمور. * * * توجه رشيدي إلى الفصل وطلب منهم الاستعداد ليصطحبهم إلى معمل العلوم، تذمر الطلاب لكن رجائي نظر لهم محذرًا، انصاعوا لأمره دون نقاش، يعلمون ما سيحدث لهم إذا ما وصل أمر تذمرهم لمدير المدرسة، سيستدعي أولياء أمورهم وهذا يعني الكثير، وربما وصل الأمر لحد الفصل النهائي والطرد من المدرسة، وهو ما لا يقبله أولياء امورهم لثقتهم الكبيرة بمدرسة السنطي. وقف الطلاب في طابور وتحركوا في هدوء نحو المعمل، غير مسموح بأي نوع من أنواع الجلبة أو الضوضاء لأن الفصول المجاروة بها مدرسين وطلبة، وصلوا المعمل وتراصوا جول مناضده، فتح رشيدي دولاب خشبي كبير واخرج جهاز منه، وضعه أمامه وبدأ يشرح لهم عن تكوينه واستخداماته، طلب بعض الطلاب أن يشغل رشيدي الجهاز لهم ليروا ذلك بطريقة علمية، ارتبك رشيدي لهذا الطلب، جهاز حديث للغاية ولم يدرسه في كليته ولم يتدرب عليه بعد أن طورت المدرسة المعمل. تحجج رشيدي بحجج واهية غير مقنعة مثل أن الجهاز يحتاج لصيانة أو أن المواد المطلوبة لتشغيله غير متاحة حاليًا وأنه طلبها من ادارة المدرسة ولم تحضرها بعد، لكن داخليًا شعر رشيدي بالاحراج الشديد؛ ما فائدة أن تمتلك سيارة في بلد ليس بها طرق معبدة لها كما أنك لا تعرف القيادة؟ ما العائد أن يكون لك حساب بنكي وأنت لا تملك قرش واحد لتدخره فيه؟ ما المكتسب من تطوير معمل مثل هذا وامداده باجهزة حديثة وتقنية معاصرة والمعلمون لا يستطيعون استخدامها ولا يجيدون التعامل معها؟ هذا الجهاز الذي في يده الآن والذي لو تدرب عليه الطلاب بشكل فعلي وعملي حقيقي سيكتسبون ليس فقط مهارات ومعلومات علمية لكنهم أيضا سيرتبطون بالعلوم ويصبحون محبين لها وهو ما تحتاجه الأوطان حقًا. يدرك رشيدي أن الفن هام وضروي وأنه غذاء للروح، لكنه يعلم تمام العلم أن حتى الفن يحتاج للعلم وللتقنيات الحديثة حتى يخرج للنور بشكل مثالي لا عوار فيه، ليس الفن فقط هو من يحتاج العلم، الأداب أيضًا التي لولا العلم والطباعة لم انتشرت الكتب، يؤمن تمام الايمان أن العلم هو مفتاح وسر نجاح أي أمة كبرت أو صغرت. بعد الحصة اعاد طلابه لفصلهم ورجع مسرعًا لمكتبه، فتح درجه واخرج تقريره الذي كان قد اعده لعبد الحميد من قبل وكتب فيه سطر جديد عن ما ينقص هذا المعمل حتى يكون فعال وحيوي، ليس الأجهزة فقط لكن من يمكنه استخدامها أيضًا. * * * توجه رجائي وبصحبته صفوان للحديقة المدرسية.. مزرعة مترامية الاطراف أشبه بحقل أو حديقة فاكهة كبيرة.. برع مهندس في تقسيمها واظهارها بمظهر جمالي فاتن.. وتبارى فتحي ومشرفي التربية الزراعية على زراعتها وغرس أفضل وأندر أنواع الأشجار والنباتات.. قسم خاص لصبار و أخر للنباتات العطرية و أرض واسعة مليئة باشجار الزينة في مقا**ها أشجار فاكهة مختلفة.. انتشر الطلاب في الحديقة البعض يلتقط الحشائش الضارة الموجودة في التربة وأخرون يروون أحواض الزرع وبعضهم يضع السماد.. وقف رجائي يتأمل ما يراه.. قال لصفوان: ·       شايف الجمال يا صفوان بيه.. الولاد والبنات دول استحالة يقطعوا شجرة في يوم من الايام.. مش ممكن ابدا يضروا البيئة اللي عايشين فيها.. كل ده من غير شعارات و لا كلام كتير.. اتعودوا يزرعوا و يرعوا اللي بيزرعوه و يشوفوا بـ عينهم النتيجة.. و ده كافي جدا يخليهم محترمين لما يكبروا. ·       أه مظبوط.. فتحي فين بقا؟ لم تكن الحديقة لتلفت انتباة رجل مثل صفوان رغم كونه رجل زراعي من الطراز الاول، فحديقة فيلته رغم أنها أصغر من حديقة المدرسة إلا أن بها نباتات نادرة لا توجد في أي حديقة في مصر، حصل عليها في رحلاته قبل وأثناء تواجده في الوزارة. بحث رجائي عن فتحي لم يراه توجه نحو أحد المشرفين على الحديقة وسأله عنه.. قال له أنه الآن في مطبخ المدرسة يشرف على نظافته قبل تقديم الوجبات للطلاب.. توجها للمطبخ لكنهما لم يستطيعا الدخول.. ارسلوا في طلبه حضر خرج لمقابلتهم بعد أن اطمئن على كل شيء واخبر مشرف التغذية بجاهزية المكان لاستقبال الطلاب. تنحى به رجائي في مكان بعيد واخبره بطلب الوزير السابق وبالمبلغ الذي سيعطيه له وبالسيارة التي ستكون تحت أمره حتى ينهي مهمته.. فكر فتحي كثيرًا في العرض.. سنين لما يرى فيهم الشارع.. لا يرى غير الموجودين في المدرسة.. عندما يحل الليل ويأتي حامد للحراسة في البرج يجلس تحت البرج ويقضيا الليل في حكاوي مل من حكيها ومن شكوى حامد لضيق ذات اليد بسبب مرض ابنه.. يحكي له حامد أحيانًا ما يراه في الشوارع.. السيارات، المترو، الانفاق والكباري، الناس وما يحدث منهم وبينهم.. يتعجب حد الاندهاش كطفل صغير يرى الدنيا من حكايات جدته.. ما يسمعه من حامد يشبه الأساطير بالنسبة له.. قرر أن يوافق على اقتحام هذه المغامرة ورؤية العالم حتى لو من خلف ستارة او من خلال زجاج السيارة الأمامي. تمنع في البداية قائلًا حججه القديمة وانه لا يريد الاختلاط والتلوث حتى يبقى بكر كما هو ويحافظ على المنح التي وهبها الله له.. لكن بعد الحاح رجائي وافق واظهر امتعاضه لكنه من داخله سعيد بتجربة جديدة كطفل ستلمس قدماه الأرض لاول مرة ويمشي.. اسرع رجائي نحو صفوان وابلغه بقرار فتحي.. لوح له صفوان شاكرًا واشار له أن السيارة ستمر عليه في الساعة السادسة.. سأله فتحي بصوت مرتفع: ·       وهرجع أمتى يا صفوان بيه؟ رد صفوان بصوت مسموع: ·       الفيلا نص ساعة من هنا.. وقول هتقعد معايا ساعة.. يبقا على تمانية تكون هنا في المدرسة تاني.. سلام. لوح بيده مودعا وابتعد موليا ظهره لفتحي مصطحبا رجائي الذي شكره على موافقته لأجل خاطره وانصرفا تاركين فتحي يحلم بساعتين انتظرهما لأكثر من عقدين من الزمان. * * * تناول الطلاب غذائهم في مطعم المدرسة.. طعام صحي مكتمل العناصر مناسب لكل فترة عمرية لا يخلو من الطعم الجيد والذي اعتاد الطلاب عليه وكثيرًا ما يطلبونه من اهاليهم في بيوتهم.. احبوا تلك الاصناف التي يقدمها طباخ متخصص في الأطعمة الصحية تحت أشراف مشرف الأغذية الذي درس هذه الأمور ومعه شهادات معتمدة.. نظفوا المطعم بعد أن انتهوا وعادوا لممارسة باقي يومهم الدراسي بين الحصص والأنشطة. احساس بالشبع دون تخمة، طاقة جديدة ضختها الوجبة في شرايينهم، امتلأت البطون دون خمول للعقول، متعتهم بعافية جيدة وزادت من مناعتهم، لطالما امن عبد الحمد واسلافه بالحكمة القائلة العقل السليم في الجسم السليم لكنهم لم يكتفوا بترديدها وطبقوها عمليًا، لكل طالب ملف غذائي خاص به وعلى اساسه تقدم له الوجبة المناسبة التي تتماشى معه على حسب النشاط الذي يمارسه والرياضة التي يلعبها وبما يتناسب مع سنه وإن كان عنده حساسية من نوع معين أو صنف محدد من أصناف الطعام. انتهى اليوم الدراسي في تمام الرابعة وبدأت الحافلات في رحلة العودة.. قال مشرف الحافلة المتأخرة في الصباح متذمرًا للسائق: ·       يعني الدقيقة دي هي اللي تجيب الديب من ديله؟! ·       أنا عارف يا أستاذ محمود إيه التحاكيم الفارغة دي؟ بس متوصلش للخ** اللي خدناه ده.. هو صحيح الأستاذ عبد الحميد بيعوضنا في المكافأت بس برضو الخ** بيوجع يا أستاذ محمود. ·       أه والله بيوجع ويحرق قوي كمان.. المهم بكرا مش عاوزين نتاخر بقا مش ناقصة خ** والنبي. هز الأسطى عباس رأسه موافقًا وسكتا عن الكلام بعد أن بدأ الطلاب في التوافد وركوب الحافلة.. تأكد محمود من أن جميع الطلاب موجودين وعدهم أكثر من مرة وراجع عليهم من خلال كشف معه اسمًا اسمًا وطالب طالبًا.. بعد أن تأكد واطمئن أنهم كلهم موجودين اعطى اشارة البدء للأسطى عباس فانطلق على مهل وفي حرص بالحافلة. * * * تأكد عبد الحميد من انتهاء اليوم الدراسي بعد أن قدم له مشرفي الادوار تقاريرهم.. غادر جميع العاملين المدرسة وكان اخرهم عبد الحميد.. وقف فتحي على البوابة المفتوحة منتظرًا مرور السيار بقيادة برعي.. قفل البوابه خلفه وجلس تحت برج المراقبة يتحدث مع حامد كالعادة منتظرًا السيارة التي ستقله لفيلا صفوان. وصل عبد الحميد بيته بعد أن اعاد علبة السجائر لبرعي الذي كاد أن يحتضنها، نزل من السيارة وقبل أن يدخل من الباب رن هاتفه.. ظهر الرقم مكتوب اعلاه اسم ولية أمر لطالبة في المدرسة.. حدثها لكنه لم يفهم شيء من كلامها كل ما سمعه كان صراخ وبكاء و ولولة. * * * لم تصل مريم من المدرسة، علمت جدتها سعاد بهذا الامر من مكالمة تليفونية اجرتها الخادمة عندها كما اعتادت أن تفعل كل يوم لتطمئنها على وصول حفيدتها، تأخرت مريم عن موعد وصولها خمس دقائق كاملين قضتهم الخادمة واقفة أمام بوابة الفيلا لتستلم البنت من مشرف الحافلة التي لم تمر حتى من الشارع أو تظهر، ابلغت سعاد على الفور، تلاعب الشيطان بعقل سعاد، هل حاول أبوها استردادها بطريقة ملتوية فخ*فها؟ أو ربما فعل هذا وسيعيدها بعد أن يؤكد للمحكمة أن الجدة سيدة الاعمال مشغولة عن ابنته بمكتبها واعمالها وغير أمينة على الوصاية والولاية عليها وهكذا يمكنه بسهولة استرداد مريم لتصبح تحت ولايته هو وهذا شيء لا يمكن أن تتحمله سعاد ولا تقبله مطلقًا بل تعتبره هزة عنيفة قوية لمركزها الأجتماعي ومعول هدم في جمعيتها الاهلية، لم تتمالك نفسها واتصلت على الفور بمدير المدرسة مباشرة.
Free reading for new users
Scan code to download app
Facebookexpand_more
  • author-avatar
    Writer
  • chap_listContents
  • likeADD