مدرسة السنطي ( 6 )

2897 Words
احتضن برعي علبه سجائره كعاشق عاش مغتربا بعيدًا عن معشوقته لسنين والآن قد حان وقت التلاقي.. انهمر عليها بالقبل وهو يتشمم رائحة التبغ الذي افتقده لعدة ساعات.. بث إليها شوقه على شكل نظرات حالمة وهو يتحسس ورقة السولفان التي تغلفها.. تأمل صور الملكة كليوباترا عليها.. منذ سنين وهو يدخن هذا الصنف المحلي لم يتأمل الرسومات التي عليها.. حتى عندما وضعوا الصور التحذيرية على واجهة العلبة لم يبالي ولم ينظر عليها.. يشتري العلبة.. يذيب قطعة سولفان من غلافها بنار قداحته.. ثم يفض بكارتها ويسحب من العلبة سيجارة تلو الاخرى.. وهاهو ولأول مرة يتأمل ويدقق في رسمة الملكة كليوباترا بتاجها المرتفع فوق رأسها.. اعاد تقبيلها ووضع اصبعه في فتحتها ولفه.. اتسعت الفتحة قليلا طرق على جانب العلبة برفق فـ تزحزحت السجائر الموجودة فيها نحو الفتحة.. طرق على العلبة مرة أخرى من كعبها فـ خرجت سيجارتين من الفتحة مد يده ليلتقط واحد منهما.. انفتح باب السيارة الخلفي فجأة وركب عبد الحميد واغلق الباب بسرعة.. قال عبد الحميد لبرعي بلهجة آمرة سريعة: · بسرعة ارجع بينا على المدرسة نلحق نشوف حل للمصيبة اللي حصلت. ادار برعي محرك السيارة بعد ان اخفى علبة السجائر اسفل مقعده وانطلق بالسيارة عائدًا إلى المدرسة التي غادراها منذ ما يقل عن ساعة فقط.. في الطريق سأل برعي عبد الحميد وهو يهدأ من السيارة عند عبورها فوق مطب كبير: · خير يا سعادة البيه.. هو في إيه؟ · مش خير ابدا يا برعي.. في بنت ما وصلتش بيتها لحد دلوقتي. · يا ساتر يا رب.. تكونش اتخ*فت؟ · الله أعلم.. ربنا يستر. اتصل عبد الحميد على تليفون موجود أمام مبنى الإدارة في المدرسة، لم يتلقى أي رد، اعاد المحاولة ؛ أتاه صوت فتحي مرتجفًا، أمره عبد الحميد بالبحث عن بنت مفقودة في كل مبان المدرسة، لم يفهم فتحي ما سمعه لكنه اطاع امره وبدأ عملية البحث بمساعدة حامد الذي طلب منه فتحي ترك برج المراقبة ومساعدته في البحث.. خاف حامد أن يترك برج المراقبة خاصة بعد أن علم أن عبد الحميد في الطريق للمدرسة.. لكن فتحي أخبره كذبًا أنها أوامر عبد الحميد بنفسه.. هرول حامد على السلم الحديدي للبرج و تفرقا يبحثا في مبان المدرسة المختلفة المتعددة. * * * غادرت سعاد شركتها على عجل، ركبت سيارتها وادارت امحرك، لم تنتظر حتى يسخن وانطلقت مخلفة خلفها سحابة من التراب تلقت بسببها الشتائم والسباب لكنها لم تهتم، في طريقها لمدرسة السنطي تأملت وجوه الاطفال علها تجد حفيدتها، فالصغيرة بعد سفر أمها وضمها لحضانة جدتها تعتبر غريبة عن هذه المدينة الكبيرة التي يمكن أن تبتلع الكثير من في مثل عمرها. راودتها أفكار غريبة أن مريم هذا الكائن النوراني الصغير ستصبح طفلة من أطفال الشوارع، ستقف عند اشارات المرور تتسول بطريقة أو باخرى، أو هي الآن في يد عصابة من عصابات الاتجار بالاعضاء البشرية وبعد ساعات قليلة سيتخلصون من جثتها في أي مكان خرب، فزغت من هذه الفكرة فضغطت على دواسة السرعة غير مترسة باشارات المرور ولا الازدحام المروري في مثل هذه الاوقات ولا بالسرعة المحددة داخل القاهرة. * * * بحث فتحي وحامد في الفصول فصل فصل في غرف الأنشطة وفي الحديقة، كاد حامد أن يقع في حمام السباحة وهو يجري بجواره، دخل غرفة تغيير الملابس وجدها هناك مكومة نائمة في أحد الأركان.. اقترب منها بحذر، هزها برفق، استيقظت ونظرت حولها متعجبة، سألته في برأة طفولية: · أنا فين؟ تنفس حامد الصعداء وساعدها على الوقوف وهو يقول: · الحمد لله وقعتي قلوبنا في ركبنا.. انتِ اسمك ايه؟ · مريم.. هو انا لسه في المدرسة ليه؟! ربت على كتفها واصطحبها للفناء متجهًا نحو برج مراقبته، سمع صوت نفير سيارة عبد الحميد، تركها في وسط الفناء وجرى ليفتح البوابة الحديدية الكبيرة، وقبل أن تدخل السيارة وقف يتقافز في سعادة وهو يهلل فرحًا: · أني لقيتها يا سعادة البيه.. والله العظيم أني اللي لقيتها وهي واقفة في الحوش هناك أهيه. اسرع برعي بعد أوامر عبد الحميد بالتوجه للبنت في منتصف الفناء المدرسي، هبط من السيارة مسرعًا لم ينتظر أن يفتح له برعي السيارة كما هو معتاد، احتضن البنت وسألها و هي وسط ذراعيه: · أنتِ مريم؟ · أه انا مريم يا مستر عبد الحميد.. حضرتك مش عارفني؟ أنا مريم حفيدة سعاد السكري و لسه محولة للمدرسة هنا السنه دي. تذكر على الفور عندما سمع اسم جدتها، سعاد هانم السكري رئيسة أكبر جمعية للدفاع عن حقوق المرأة المطلقة في مصر، هي من حاربت حتى حصلت على الولاية التعليمية لحفيدتها بعد انفصال والديها وتزوجهما. فكر وهو يمسك بيد مريم متوجهًا بها لشجرة السنط القديمة، جلسا تحت ظلها، شاب وشابة يتقاربا ويتعارفا ويدعيا الحب أو ربما فعلا يشعرا به، يتعاهدا على البقاء معًا للأبد، يتزوجا لـ ينجبا طفل أو طفلة بريئة مثل مريم الجالسة بجواره الآن، وعندما يعيشا معًا فعلًا تحت سقف بيت واحد يكتشفا وفجأة ودون سابق إنذار أنهما أخطأ في أختيارهما، بنفصلا بأي طريقة كانت، ثم يعيدا الكرة مرة اخرى.. يبحث هو عن شريكة جديدة وتبحث هي عن زوج جديد، ولكل جديد شروطه ومقتضياته، فـ تذهب بنت مثل مريم إلى عالم أخر مهما كان بها رحيم فـ هو لن يعوضها ابدا عن حضن أمها واهتمام أبيها، انفصل والديها دون اللجوء للمحاكم واتفقا أن تكون مريم في حضانة أمها كما ينص الشرع والقانون، وبعد سنوات وجدت الأم زوج جديد، لكنه مقيم بالولايات المتحدة، تركت ابنتها ورحلت عبر المحيط الأطلسي للقارة الجديدة حيث عالم جديد عليها، وانتقلت مريم لعالم جديد هي الاخرى.. ذهبت لتعيش مع جدتها مما اثار غضب والدها، شن حرب قضائية على حماته السابقة طالبًا ضم ابنته لحضانته، لكنه خسر الحرب وتأكدت حضانة الجدة سعادد السكري لحفيدتها مريم، وبالطبع ولايتها التعليمية عليها، وانتقلت هذا العام فقط لمدرسة السنطي بعد استكمال كل الاجراءات الرسمية والغير الرسمية للمدرسة، وهاهي وفي اول أسبوع لها بمدرستها الجديدة تنام بعد أن بذلت مجهود كبير في تدريب السباحة رياضتها المفضلة.. سهرت بالأمس للتحدث مع امها عبر أحد برامج الأتصال المنتشرة على الانترنت، وفي الصباح لم تكن قد اخذت كفايتها من النوم.. ومع المجهود في تدريب لم تستطع أن تكمل يومها الدراسي فـ نامت في غرفة تغيير الملابس. دائمًا هناك شيء ناقص في النفس البشرية أو زائد عن الحد فـ بالطبع سينقلب إلى الضد.. كان من المفترض أن يدرك أكثر من واحد تغيب مريم وتخلفها.. مدرس التربية البدنية المشرف على تدريب السباحة الذي لم يفطن لتخلفها عن الرجوع للفصل وهو يُصل الطالبات ويعيدهم للفصل، مدرس الحصة التي تلي التدريب كيف لم يكتشف أن عدد طالباته ناقص واحدة أثناء تدريس حصته، مشرف الحافلة في أخر اليوم لم يكتشف أن عدد طلابه المسئول عنهم ناقص واحد ومع ذلك انطلق بالحافلة دون مراجعة كشوف الأسماء والتأكد من وجود جميع الطلاب، ما ينقص كل هؤلاء ليس الراتب الكافي، فـ هم يقبضون أول كل شهر راتب يعتبر خرافيًا مقارنة بزملائهم في المدارس الأخرى.. ولا اللوائح فقد وضعها عبد الحميد وأجداده من قبل بطريقة محكمة حتى لا يتعرض أي فرد في المدرسة سواء من الطلاب أو العاملين لأي نوع من أنواع الخطر، ما ينقصهم هو مرعاة الضمير في عملهم، لو كل واحد منهم كما يأخذ حقه يعطي ويؤدي واجباته ما حدثت مشكلة.. لكنها نفوس جبلت على الاهمال والتواكل.. شرد عبد الحميد وقارن بين معلمين وعاملين في المدرسة هم اصلا كانوا طلاب في هذه المدرسة من قبل، تقاريرهم السنوية دائمًا ممتازة، لم يص*ر من واحد منهم أي مخالفة، ولم يجدوا أي صعوبة في تنفيذ والالتزام بلوائح المدرسة الخاصة وبقرارات الوزارة، فكر لماذا هم هكذا بينما تص*ر كل المشاكل من عاملين لم يتعلموا أو يدرسوا في المدرسة. * * * عاد حامد لبرج المراقبة واغلق فتحي البوابة خلف السيارة، وقف حامد كجندي يحمي حدود وطنه منتبهَا، فقائده الأكبر موجود خلفه وربما يراقبه الآن، لو لاحظ أو شاهد أي خلل سيكون الجزاء مرير وهو في حاجه لكل مليم لعلاج ابنه. افاق عبد الحميد على سيارة فورد بيضاء كبيرة تقتحم جلسته مسرعة وتقف فجأة، هرولت مريم الجالسة بجانبه عندما هبطت من السيارة جدتها سعاد السكري، نظر لها عبد الحميد؛ هي بالفعل تستحق لقب هانم، في بداية عقدها الخامس لكن من الصعب بل من المستحيل أن تخمن عمرها الحقيقي.. تبدو أقل بكثير من عمرها.. رشيقة كفتاة عشيرينية، بشرتها البيضاء صافية كلؤلؤة استخرجت حالا من محارتها، شعرها الناعم القصير منسدل على كتفيها يعانقهما في حنان وألق، شفتيها كريزتين بريتين وقليل من النمش المحبب يغطي وجنيها كحبة فراولة طازجة، وقف عندما اقتربت منه، صافحها، كانت ثائرة لحد كبير لكن بمجرد أن ارتمت مريم في حضنها هدأت وظهر جمال ملامحها، قالت له بصوت مبحوح من أثر البكاء الظاهر في عينيها الخضروان الواسعتان: · حضرتك متعرفش مريم بالنسبة لي إيه.. دي مش مجرد بنت بنتي؛ حفيدة وخلاص.. لا دي روحي اللي مخلياني عايشة لحد دلوقتي.. واللي حصل خلاني افقد اعصابي واكلمك بالطريقة دي في الفون.. بس صدقني ده مش طبعي. · واضح يا سعاد هانم.. بس ما ينفعش نتكلم هنا.. اتفضلي في مكتبي.. وجه كلامه لـ فتحي الواقف ليس بعيدًا عنهم قائلًا: · افتح المكتب للهانم وشوف قهوتها إيه.. اعاد النظر في عينيها النجلاوتان وقال لها: · اتفضلي حضرتك على المكتب وانا جاي معاكي. اخبرت فتحي بقهوتها السادة المغلية وتبعت عبد الحميد للمبنى الاداري وفي يدها حفيدتها تحتضنها في ود وحنان. فتح رئيس العمال مكتب عبد الحميد.. اشار لها عبد الحميد بأن تتقدمه.. دخلت وبجانبها مريم وتبعهما صاحب المكتب ومدير المدرسة ومالكها، اغلق فتحي الباب وذهب يعد لسعاد هانم قهوتها. جلس الثلاثة في صالون صغير ملحق بالمكتب، وضعت سعاد ساق على ساق وقدمت اعتذارها لعبد الحميد مرة أخرى.. قال لها وهو يبتسم: · بالع** يا هانم المفروض إن أنا اللي اعتذر عن الخطأ الغير مقصود اللي حصل وكوني على ثقة و يقين إن اللي غلط هياخد جزاته وإن غلطة زي دي مش ممكن تتكرر تاني.. وارجوا ان حضرتك تقبلي اعتذاري بشكل عملي ومصاريف مريم للترم التاني هو اعتذار رسمي من المدرسة. ابتسمت سعاد فـ ظهرت اسنانها كاحجار كريمة رصت بعناية فائقة، دخل فتحي يحمل صينية عليها فنجان القهوة وكوب ماء بارد وكأس عصير لمريم.. وضع الصينية على المنضدة في منتصف الصالون ووقف ينتظر أوامر عبد الحميد.. شكره وطلب منه الانتظار خارج المكتب.. ثم قام عبد الحميد بنفسه يعطي سعاد فنجان قهوتها وكأس العصير لحفيدتها.. اخرجت سعاد علبة سجائرها من حقيبة يدها.. تلفتت حولها تبحث عن مطفأة سجائر فـ لم تجد، ابتسم عبد الحميد متوددًا وقال: · في الحقيقة التدخين ممنوع منعًا باتًا في المدرسة.. لذلك مفيش طفايات.. لكن طبعًا النهارده هعتبره يوم استثنائي لسببين؛ الأول أن حضرتك شرفتينا للمرة التانية مع إني دي أول مرة أشوف حضرتك؛ وثانيا إننا مش في أوقات العمل الرسمية فـ ممكن حضرتك تولعي سيجارتك وتدخني بمنتهى الحرية.. سيادتك ممكن تطفي في الصينية لو تحبي. اعادت سعاد السيجار للعلبة ووضعتها في حقيبة مرة أخرى وقالت: · لا مفيش داعي.. أنا من اكتر الناس اللي بيحترموا القانون واللوائح.. وبما إن التدخين ممنوع يبقا ممنوع ومش هدخن.. أما بخصوص مصاريف مريم فانا بشكرك على اللافتة اللطيفة دي واعتذار المدرسة مقبول بس المصاريف هتندفع برضو لإن حضرتك مكبرتش الموضوع واتصلت على البوليس مثلا. · والبوليس كان هيعمل إيه غير اللي اتعمل.. و الحمد لله إننا لقيناها وإنها بخير. · باباها لو عرف موضوع زي ده ممكن يستغله ضدي في المحكمة ويطلعني غير أمينة على حضانتها.. أرجوا إن محدش يعرف حاجه عن اللي حصل.. هو صحيح مين اللي لقاها؟ · حارس المدرسة اسمه حامد أكيد حضرتك شوفتيه في البرج اللي جنب البوابة. · الحقيقة إني كنت في حالة يرثى لها.. ومكنتش واخدة بالي من أي حاجه.. انا نفسي مش عارفة أنا وصلت بالعربية هنا إزاي ومعملتش حوادث. حمد الله على أن مكروه لم يصيبها.. شربت قهوتها وودعته.. صافحها مودعًا وخرجت من المكتب.. أوصلها فتحي حتى سيارتها وفتح لها الباب.. اعطته بعض النقود.. ركبت السيارة وتوجهت عند البوابة وتوقفت عندها.. اشارت لحامد بالهبوط.. هبط مسرعًا.. اعطته مبلغ ماليًا أكبر من فتحي وشكرته وذهبت عائدة بحفيدتها إلى منزلها. * * * فتح رشيدي باب شقته، قابلته الوحدة على بابها، نظر حوله وكأنه يستكشف المكان الذي يعيش فيه من أكثر من خمس سنوات، كل شيء في مكانه كما تركه في الصباح الباكر قبل ذهابه للمدرسة وربما منذ فرش هذه الشقة بهذا الأثاث من سنوات تبلغ عدد أصابع يده، كل شيء نظيف حوله ومنظم، لكنها تفتقد للحياة التي اعتاد أن يعيشها في بيت عائلته، ورغم أن لا وجه للمقارنة بين شقته الواسعة وأثاثها العصري وبين بيت عائلته المتواضع الضيق وأرضياته المفروشة بالحصر البلاستيكي إلا أنه يشعر بالحنين له وللطبلية مجتمع عليها هو وأخوته وأخواته يأكلون من طبق واحد وربما يتشاركون في رغيف واحد أيضًا، لم يخلو البيت ابدًا من الصوت على مدار الأربعة والعشرين ساعة،دائمًا هناك شخص أو أكثرمستيقظ، الأخرو الكبار يسهرون الليل يستذكرون دروسهم مختلسين هدوء الليل كفرصة لهم لفهمها، وأمه التي تستيقظ قبل الفجر تعد الفطور وتحلب بقرتهم وتعلفها، وأبوه الذي يستيقظ قبل الفجر بقليل عندها يستيقظ البيت كله ليصلون الفجر؛ الذكور في المسجد والأناث في البيت، يجتمعون على الطبلية يتناولون الأفطار ويبدأ يوم جديد، تقضيه أمه وأخواته بين تنظيف وعجن وخبز وطبخ وغسل وغيره من أعمال المنزل، وأبوه وأخواته في الحقل يرتبون ويجهزون ويجمعون بعض الخضروات المزروعة على حدود حقلهم، وقبل السابعة والنصف يكون كل شيء تقريبًا قد تم وعاد الأولاد للبيت استعدادًا للذهاب إلى مدرستهم. حتى الشقة التي سكن فيها في بداية حياته العملية عندما كان يعمل في الحكومة كان بها روح عن هذه الشقة المنمقة، شباب ولكل واحد منهم مواعيد مختلفة للعمل، وكل واحد منهم من محافظة مختلفة وفي مهنة مختلفة، من يعمل في مطعم أو من يشغل وظيفة محاسب في شركة أو معلم مثله، لكنهم لا يتوقفون عن الثرثرة وربما يصل الأمر لحد الاحتدام عند النقاش بينهم. جلس رشيدي وابتسم عندما تذكر تلك المشاكل البسيطة التافهة من وجهة نظره الآن؛ وكيف كان يعتبرها شيء لا يغتفر ولا يسمح به، اعاد رأسه للخلف وتن*د وفي داخله يتردد صوت صائحًا: "ياريتها دامت." * * * جلس عبد الحميد في مكتبه لدقائق بعد أن غادرت.. شعر بأن هناك شيء جديد يداعب روحه.. دم جديد يندفع في شراينه.. بالتأكيد سيراجع الكثير من حياته عندما يعود إلى منزله.. خرج من المكتب وتوجه حيث برعي وسيارته.. ركب السيارة وظل صامتًا طوال الطريق حتى وصل أمام بيته.. نزل ونظر لبرعي واشار له بالانصراف.. انطلق برعي بالسيارة في شوارع جاردن سيتي.. ومع أول منعطف و تأكده من ابتعاده عن عيون و رؤية عبد الحميد اخرج علبة سجائره واشعل سيجارة ونفخ دخانها وهو يشعر بشوق شديد ومتعة كبيرة افتقدها لساعات طويلة. * * * صعد فتحي برج المراقبة وجلس إلى جوار حامد، حصر حامد النقود التي اعطتها له زائرة ما بعد اليوم الدراسي.. سعد بها ووضعها في جيب خفي في سرواله الداخلي.. نظر لرفيقه و سأله: · الست دي كريمة قوي.. هي إديتك كام؟ اخرج فتحي النقود وحصرها واخبره دون اهتمام، لاحظ حامد تغير ملحوظ على فتحي.. غير مهتم بما اعطته له السيدة كبقشيش أو كحلاوة العثور على حفيدتها وهو شيء لم يعتاده من فتحي المعروف عنه حبه للمال وادخاره في مكان خفي في غرفته التي اعطاها له عبد الحميد كمحل اقامة له حتى لا يغادر المدرسة، سأل حامد فتحي الذي كان ينظر من خلال برج المراقبة للشارع منتظرًا شيء ما: · مالك يا فتحي يا اخويا مش عوايدك يعني؟ · هي الساعة كام دلوقتي؟ · حوالي سبعة ونص.. مالك يا صاحبي في ايه؟ · مالي؟! مانا زي الفل اهوه. · انت ولأول مرة من ساعة معرفتك تطلع برج المراقبة وتبص على الشارع، وكمان ولأول مرة مش مبسوط بالفلوس اللي خدتها النهارده مع أنها كتير. قال جملته الأخيرة وهو يتلمس ثروته في جيبه الخفي بينما فتحي يراقب السيارات المارقة بجانب سور المدرسة بسرعة، قال وهو يبعد نظره عن الشارع وكأنه تذكر شيء ما وظهر على ملامح وجهه الخوف وتقلصت عضلاته: · هي العربيات دي بتجري بسرعة كده ليه يا حامد؟ الناس مستعجلة على إيه؟! نظر له حامد نظرة ذات مغزى.. فهما الأثنين يقضيا جزء كبير من النهار وكل الليل معًا تقريبًا، يتحدثا دون انقطاع وطالما شعر حامد أن فتحي يخفي شيء ما داخله، حاول كثيرًا معرفته لكن فتحي دائمًا ما كان يراوغه كما يفعل الآن أو يلتزم ال**ت.. سأل فتحي صديقه حامد وهو يجلس الق*فصاء في ركن من اركان البرج: · الساعة كام دلوقتي؟ تعجب حامد من سؤاله عن الوقت، وماذا يهم الوقت بالنسبة له، ولماذا يهتم به وهو يعرف أن فتحي لا يعد الشهور فلماذا الآن يحسب الدقائق، هناك شيء غريب في هذا الرجل هذه الليلة، سأله حامد: · أنت مستني حد الليل واللا ايه؟ · اه في ناس معرفة كده هيعدوا عليا. · ناس معرفة؟! وعرفتهم أمتى دول؟ · معرفة قديمة يا أخي وانت مالك. ظلل ال**ت على برج المراقبة ونزلت ستائر الليل تظلل القاهرة، توهجت عمدان النور بمصابيحها الصفراء تنير الشوارع وتوهجت كشافات المدرسة البيضاء تضيء فناء المدرسة من الداخل، نظر فتحي نحو الضوء الأصفر في الشارع ؛ شعر بغصة في قلبه لم تذهب إلا عندما نظر للون الكشافات الأبيض، عادت الطمئنية نسبيًا له، حاول حامد **ر ال**ت بينهما و شرع في تجهيز الشاي في غلاية صغيرة موضوعة في ركن من أركان البرج، سأل فتحي: · هتشرب شاي معايا؟ هز فتحي رأسه بالنفي ولاذ بال**ت محتميًا من تطفل حامد وهربًا من مخاوفه، اعد حامد كوب شاي واشعل نصف سيجارة كانت معه، رشف من الشاي رشفات متلذذ بطعمه المر كما اعتاد أن يشربه، نفث دخان سيجارته في الهواء، تبدد الدخان بسرعة، نظر لفتحي وجده متقوقع على نفسه دافسًا رأسه بين ركبتيه، هز رأسه متعجبًا ورشف رشفة طويلة تلاها نفس عميق من سيجارته التي انتهت، رماها وجلس يراقب الشارع صامتًا. * * * خرجت نعمات من غرفتها وتوجهت نحو غرفة معيشة شقة أخيها حيث يوجد جهاز التلفاز، وجدت وساك زوجة أخيها ممدة على كنبة تشاهد كرون أطفال وبجانبها طفليها مسمتعين بمشاهدة حلقة من حلقات (توم وجيري)، جلست على مقعد وثير يعتبر مكانها المفضل عند مشاهدة التلفاز، التقطت الريموت كونترول من على المنضدة وغيرت القناة تبحث عن فيلم مصري قديم يكون أبيض وأ**د، زام أولاد أخيها غاضبين، لم تهتم وظلت تقلب بين القنوات حتى حصلت على قناة بها مبتغاها، وضعت الريموت كنترول على المنضدة ونظرت لوسام وطفليها محذرة، صاح أكبرهما في عمته: · إيه يا عمتو.. قلبتي ليه؟! ردت نعمات دون النظر إليه: · بس ياض اقعد ساكت او قوم نام في أوضتك؟ وضعت وسام يدها على فم ابنها لي**ت ويتناقش مع عمته نعمات، تعرف ظروفها وما مرت به في حياتها ولا تريد لماساتها أن تتكرر، قامت وحملت طفليها ودخلت بهما إلى غرفتهما، وضعتهما في السرير وبقت معهما حتى ناما، اغلقت أنوار والغرفة وعادت تجلس مع نعمات تتابع معها الفيلم، سألتها قبل أن تجلس إن كانت تريد أن تعد لها كوب شاي أو أي مشروب أخر، رفضت نعمات في حدة مشيرة لها أنها ت**ت حتى تتابع الفيلم الذي تحفظه عن ظهر قلب.
Free reading for new users
Scan code to download app
Facebookexpand_more
  • author-avatar
    Writer
  • chap_listContents
  • likeADD