دخل عبد الحميد شقته الواسعة عالية السقف، وحيدًا كما هي عادته بعد انقضاء العمل في مدرسته، توجه لغرفة الطعام وجد الأطباق مرصوصة على المنضدة ومغطاه بقطعة قماش نظيفة، غادرت مديرة منزله في موعدها في تمام الساعة السادسة والنصف، تأخر عن موعد عودة المعتاد بأكثر من ساعتين، رتبت له وجبته وعادت لبيتها.
جلس ليتناول وجبته، رفع قطعة القماش عن الطعام، داعبت رائحته الذكية انفه، لكنه لا يشعر بأي رغبة في الطعام، لم يتناول شيء منذ أكثر من ست ساعات عندما تناول وجبته المخصصة من طعام المدرسة، يحرص على تناولها كل يوم لعدة اسباب، منها تشجيع للطلاب على تناول الطعام الصحي الذي يعد لهم في مطبخ المدرسة، ولكي يراعي الطباخ ضميره ويؤدي عمله باتقان حيث أن عبد الحميد هو من يغرف لنفسه من الأواني الكبيرة التي طبخ فيها الطعام، يشعر بالجوع لكنه هناك شيء أخر يشغله اهم من احساسه بتقلصات معدته وامعاءه، عيني سعاد تطارده وعطرها يلاحقه وصوتها الشجي يملأ أذنيه ملمس يدها البض وهي تصافحه مازال يشعر به، تحسس يده ووضعها على انفه يشتم عطرها، سأل نفسه مندهشًا من حاله: " كيف يحدث هذا يا عبد الحميد؟! أتريد أن تتذوق طعم الخيانة مرة أخرى؟! ألم يكفيك ما عانيته مع زوجتك القديمة؟! " هي أول حب له، عرف معنى الحياة على يديها، وِلد من جديد يوم قا**ها وتعرف عليها، تزوجا وعاش معها أسعد أيام حياته ليكتشف أنها على علاقة مع حبيبها القديم، سأل نفسه لماذا وافقت على الأرتباط به إذا كان قلبها مع رجل أخر؟ لم يجد إجابة مقنعة إلا الطمع والجشع الذي لوث قلبها وطمث عقلها فـ قررت الجمع بين ثروته وسعادتها في أحضان رجل أخر.
* * *
ظل فتحي في مكانه في برج المراقبة كما هو لم ينبس بكلمة ولم يعد حامد يهتم بوجوده معه في برج المراقبة بل أنه للحظات كثيرة نسى أنه موجود ولم ينتبه لوجوده إلا إذا التفت لفعل شيء ما فيراه ويتعجب أنه هنا وكأنه يرأه هذه الليلة لأول مرة، انتفض فتحي فجأة عندما سمع صوت ألة تنبية سيارة ينطلق بالقرب من سور المدرسة، وصوت ينادي باسمه، وقف و طل من البرج، سيارة زرقاء في لون البحر ليلًا تقف أمام البوابة، القى نظرة سريعة عليها و قلبه يدق يكاد يقفز من ص*ره، تحسس مسبحة أبيه في جيبه، نزل على السلم الحديدي بهدوء، وقف عند البوابة مترددًا في الخروج، راقبه حامد من برج المراقبة غير مدرك أو فاهم ما يحدث، شيء يشبه المعجزة يحدث أمام عينه، فتحي الذي لم يخرج من بوابة المدرسة منذ سنين طويلة ومنذ قدومه من قريته والتحاقه بالعمل في المدرسة لم تطئ قدميه شارع والآن وبمحض ارادته ورغبته يريد أن يخرج، لكنه خائف كـ مسجون اعتاد السجن ولم يعد يطيق الحرية.
لف فتحي شملة كانت ملقاة على كتفه غطى بها وجهه، فتح البوابة ووقف على اعتاب الشارع، طفل لا يعرف العوم وسيلقي نفسه في البحر هكذا شعر، تأكد من أن وجهه مغطى تماما عدا عينيه، خطى أول خطوة خارج بوابة المدرسة، توقف للحظات قليلة ثم هرول نحو السيارة، فتح الباب الامامي للسيارة ورمى بنفسه على المقعد بجانب السائق، تنفس الصعداء، حاول تمالك نفسه، نظر للسائق وقبل أن ينطق بكلمة أراد أن ينزل لكن السيارة انطلقت ولم يعد في يده الهروب أو التراجع، هذه الملامح يعرفها جيدًا أنه ضاحي زميل كتاب القرية وابن عم القتيل الذي تسعى عائلته للأخد بالثأر منه، ظل صامتًا طوال الطريق، يفكر في المؤامرة التي حاكها له صفوان و رجائي ليقع في شباك الثأر الذي هرب منه لعشرات السنين.
* * *
جلست سعاد على أريكة كبيرة في غرفة المعيشة مرتدية قميص حريري أحمر فوق روب أ**د وفي يدها مج من مشروب القهوة الفرنسية التي تدمنها، سندت ذراعها على المخدع ومالت بجانبها عليه ومددت ساقيها على الأريكة تشاهد مبارة في لعبة التنس، تذكرت أيام شبابها في نادي الصيد عندما كانت بطلة من أبطال الجمهورية في هذه اللعبة، وكيف تنبأ لها مدربيها سواء في النادي أو المنتخب بمستقبل مشرق وأنها ستكون لاعبة دولية كبيرة وستحقق مركز متقدم من العشر الأوائل على مستوى العالم، كانت وقتها صغيرة لم يتعدى عمرها الستة عشر عام، حياتها أُختزلتها في التنس والدراسة، أحبت تلك الرياضة التي تحتاج للياقة بدنية عالية وسرعة رد فعل مما أ**بها فيما بعد قدرة على التحمل ولباقة في الحديث، لكنها كأي فتاة لها قلب ينبض، يسعى للحب، يشتاق لشخص يرويه من حبه وحنانه واحتوائه، احبت زميل لها في المنتخب، وبادلها هو أيضًا هذا الشعور، كانت تنظر معسكرات المنتخب السنوية أو الشبه سنوية حتى ترأه وتتبادل معه مشاعرها، لم يكن عضو معها في نادي الصيد لكنه كان في نادي أخر قريب منه، نادي الجزيرة، يتقابلا سرًا في الحدائق العامة المنتشرة في تلك المنطقة، يتحدثان عن طموحهما الرياضي ومستقبلهما المهني بعد أن دخلت الجامعة الأمريكية لتدرس إدارة أعمال حتى تتمكن من مساعدة أبيها في شركته الكبيرة، لكن ودون أي مقدمات وجدت نفسها المالكة الوحيدة لشركة ضخمة بعد وفاة والدها الذي كتب لها الشركة بعقود مسجلة.
غرقت في العمل حتى أخمص قدميها وابتعدت عن حبيبها الذي لمع نجمه في الرياضة وحاز على بطولات عديدة، لكنه في الواقع لم يكن بنفس موهبتها ولم يحقق أكثر من بطولات محلية وأقليمية وحقق مراكز متقدمة قاريًا، بعدت عنه وابتعد هو الأخر منشغلًا بالرياضة التي أصبح فيها مدربًا ومعلقًا شهيرًا في القنوات التلفزيونية.
انقطعت أخبارهما عن بعض إلا ما ندر من الأخبار التي تداولتها الصحف عن بطولاته أو عن نجاحها في عملها، تزوج بزميلة أخرى وانجب طفلين هما الآن من نجوم هذه الرياضة، كم تمنت أن يصبح لها زوج وأن يكون أولادها أبطال مثلها ومثله، لكن كل أحلامها ذهبت هباء، لا هي اصبحت البطلة العالمية المنتظرة، ولا هي تزوجته وانجبت من يكمل مسيرتها الرياضية.
تزوجت من مجالها شاب لطيف وسيم ابيه يمتلك شركة مقاولات كبيرة ذائعة الصيت والشهرة، مهندس أوكل له أبوه إدارة الشركة وبرع في تحقيق المكاسب المادية للشركة حتى تحول إلى آلة تعرف كيف تجذب القرش وتستثمره.
مال يتزوج مال فـ انجبا فتاة لا أحد يهتم بها، عاشت حياة مدللة مرفهة لكن ينقصها الكثير، ينقصها الحضن الدافئ والقبلة الحانية والنصيحة الرشيدة، وذات يوم تضاربت مصالح الأبوين فـ قررا الانفصال في هدوء و استمرت الحرب الاقتصادية بينهما على أشدها، لم يخسر أحد منهم شيء لكنهما اضافا عدة ملايين إلى أرصدتهم البنكية وغرقت ابنتهم أكثر في بحر التيه، كبرت ودق قلبها وارتبطت بمن تحب، تزوجا وانفصلا ولكن هذه المرة كانت مريم هي ثمرة هذا الزواج.
انتبهت سعاد أخيرًا لحياتها، جلست تحاسب نفسها، تكتب ما لها وما عليها، ماذا **بت وماذا خسرت، وجدت أنها **بت كل شيء وخسرت نفسها وابنتها الوحيدة التي قررت السفر مع زوجها الجديد لعالم جديد يسمى أمريكا، وتركت لها ابنه اعتبرتها سعاد هي مصباح الأمل لتستعيد نفسها التي خسرتها لسنين طويلة.
رشفت رشفة من القهوة ونظرت حولها في غرفة معيشتها الواسعة في فيلتها بالتجمع، صورها في مراحل عمرها المختلفة معلقة على الجدران، هذه وهي تحمل كأس القاهرة وتلك صورة لها في نيروبي وهي تحمل ميدالية افريقيا الذهبية والتي هناك في أول مشاركة أوليمبية لها وحصولها على الميدالية البرونزية، صور وصور وصور.. بطولات وكئوس وميداليات وأوشحة وأنواط؛ لكن أين سعاد، أين الأصل؟ سألت نفسها هذا السؤال كثيرًا بعد كل أجتماع للجمعية النسوية التي ترأسها وكانت تدعمها زوجة رئيس الجمهورية في وقت من الأوقات، لم تجد إجابة إلا في عيون مريم، تلك الطفلة التي لن تسمح أن تكون نسخة منها أو من أمها.
انتبهت من شرودها على صوت رنين هاتفها المحمول، ابتسمت عندما رأت اسم عبد الحميد على الشاشة، راجعت كل ما حدث بينهما قبل ساعات قليلة، مصافحته لها بيدة الكبيرة التي احتوت يدها كعصفور صغير، نظراته وهي جالسة في مكتبة، اهتمامه بمريم وكأنها جزء منه، سماحه لها بالتدخين وهي تعلم علم اليقين كما هو متشدد في تنفيذ لوائح المدرسة، لكن محاولته الحفاظ على اللوائح وإيجاد طريقة يراها هو رسمية ومرضية لها أعجبتها.
ردت عليه، مكالمة قصيرة يطمئن عليها وعلى الصغيرة، تن*دت بعد انتهاء المكالمة وسألت نفسها: " منذ متى و عبد الحميد يهتم بأولياء الأمور هذا الأهتمام؟!" تعرفه جيدًا فـ ابنتها تعلمت وتخرجت من مدرسته، تعرف طريقة معالجته للأمور، هذا الرجل به شيء غريب هذه الليلة، شيء لم تعتاده ولا تعرفه، لكنها تحسه وتشعر به، أنهت قهوتها وذهبت لغرفة مريم تطمئن عليها، وجدتها غارقة في النوم، ذهبت إلى غرفتها، مددت على سريرها الوثير، امسكت رواية (الجاشنكير) رأت صورة محمد علي باشا على الغلاف، ابتسمت ابتسامة خفيفة، لا تعرف لماذا تعتقد أن عبد الحميد به شبه من محمد علي؛ ليس في الشكل بالطبع فـ عبد الحميد لونه قمحي وعيونه سوداء ولا علاقه له بالشكل أو الملامح الخاصة بحاكم مصر الألباني، لكن هناك تطابق كبير بينهما في الشخصية، ربما عبد الحميد يجهز الآن لمذ*حة قلعة جديدة لمن ارتكبوا هذا الخطأ في حق مريم.
ضحكت كثيرًا عندما مر بخاطرها تلك الفكرة، فتحت الرواية وبدأت تكمل احداثها التي تعلقت بها خاصةً علاقة حب أحمد وعائشة.
* * *
اطفئت إنبهار الموقد ورفعت غطاء الأناء، تصاعد البخار الساخن منها مندفعًا حارًا، وضعت الغطاء بجوار الوعاء، امسكت ملعقة وغمستها في حساء العدس وأخذت منه القليل فيها، نفخت فيه ليبرد قليلًا وتذوقته، احضلات علبة الملح ونثرت بعض منه فوق الحساء، قلبته وتذوقته مرةأخرى، ابتسمت بعد أن تأكدت من طعمه ومقدا الملح المناسب الظاهر طعمه قليلًا كما يحب شادي معظم طعامه، العشاء جاهز الآن، حساء العدس وخبز محمص وطبق من سلطة خضراء كبير، وجبة متوازنة ستمنح ابنها طبيب المستقبل الدف والطاقة اللازمة لمواجهة برد ليلة شتوية، غطت الوعاء واحكمت غلقه وخرجت من المطبخ، القت نظرة على ساعة الحائط، تأخر ما يزيد عن ساعة عن موعد رجوعه من تدريب النادي، حاولت أن تهدأ من روعها، لكن وبعد دقيقة واحدة لم تتحمل، اتصلت به، سمعت صوته وتنفست الصعداء، قال له بصوت منخفض:
· الو.. أيوه يا ماما في حاجه؟
· طب قول مساء الخير الأول.مساء الخير يا ماما..
· بتتكلم بصوت واطي كده ليه؟ هو انت فين؟
سمعت صوت ناعم بجواره يضحك بصوت مرتفع ثم سكت جأة وصوت كرسي يحتك بأرضية وصوت خطواته، عاد يكلمها بصوت طبيعي:
· في النادي.. انا في النادي.
· بتعمل إيه لحد دلوقتي عندك في النادي؟! التمرين خلص من أكتر من ساعتين.. انت كويس.
نفخ شادي في ضيق وأجابها:
· اه يا حبيبتي بخير.. خلصت تمرين وقعدت مع صحابي والكابتن شويه.
شعرت بالضيق هي الأخرى من طريقة كلامه، قالت بعصبية:
· طب يللا يا دكتور، انا عملالك شوربة العدس اللي بتحبها...
قاطعها:
· اتعشي انتِ يا ماما.. انا اتعشيت ومعلش علشان في موضوع الكابتن بيكلمنا فيه.. هيخلصه وارجع.. بس انا اتعشيت في النادي.. باي يا حبيبتي.
انهى المكالمة وعاد ليجلس بجانب جويرية.
القت هاتفها المحمول على مقعد في غرفة المعيشة ورمت بجسدها بقوة كحجر يسقط على الأريكة، امسكت الريموت كنترول هزته واعادته مكانه، وقفت واستردت هاتفها من على الكرسي، دخلت غرفة نومها وهي تقسم أنها لن تتناول العشاء حتى لو عاد وطلب منها مشاركتها.
* * *
لم تتوقف السيارة التي ركبها فتحي منذ قليل، يسمع من العاملين في المدرسة أن السيارات تتوقف لأوقات طويلة في الأشارت المرورية، ظل ينتظر إشارة مرورية توقف هذا السهم المارق الذي يركبه حتى يتمكن من النزول والهروب من مصير هرب منه أكثر من عقدين، لكن يبدو أن ما سمعه ممن يعملوا معه في المدرسة مجرد هراء أو حجج واهية إذا ما تأخروا عن مو**يت العمل والتي لا يقبلها عبد الحميد بأي شكل من الأشكال، انحرف ضاحي بالسيارة في طريق جانبي، اختفت الإضاءة خلف السيارة، طريق مظلم طويل لا ينيره إلا مصابيح السيارة الأمامية أو مصابيح السيارت في الطريق المعا** عندما تبهر عيونه الإضاء فيغمضهما من شدة النور، سأل فتحي نفسه: " هل تعودت على الظلام و لم تعد تطيق النور؟ هل أصبحت الحرية بالنسبة لك شيء مقيت تكره كما يكره الأحرار الع****ة و السجون؟" لم يعثر على إجابه في تلافيف عقله الذي ظل مشغولًا بما ينتظره عند صفوان، ترى من سيجد ويرى هناك؟ هل سيقتلونه مباشرة أم سيعذبونه قبل ذ*حه؟ ألا يكفيهم عذاب استغنائه عن حريته والذل الذي ذاقه في حياته؟ انتبه على صوت ضاحي صديق الطفولة القديم وهو يقول:
· انا سمعت عن كراماتك كتير من صفوان باشا يا مولانا..
" تبًا لك يا ضاحي يا ابن زهيرة، تسخر مني و أنت تقودني إلى مذ*حي"، هكذا حدث فتحي نفسه، لم ينظر له ولكنه هز رأسه متأثرًا وكأنه يصدقه، أردف ضاحي قائلًا والخجل ي**و نبرات صوته:
· والله يا مولانا عندي مشكلة كده بسيطة بس منغصة عليا حياتي.. معلش هوجع دماغك بس ادينا بنتسلى في الطريق..
نظر له فتحي واظهر اهتمامه لكنه لم ينطق، اكمل ضاحي كلامه وهو ينظر للطريق المظلم الطويل:
· بقا أنا امي ربنا يديها الصحة والعافية م**مة إني اجوز تاني بعد مراتي الاولانية الله يرحمها.
" أمازالت زهيرة حية ترزق؟!" تسأل فتحي بداخله مستنكرًا، كانت صديقة مقربة لأمه ترى هل أمه مازالت هي الاخرى حية ترزق كرفيقتها قبل ان يدب بين العائلتين العداء؟ اشار فتحي لضاحي أن يكمل، قال ضاحي مترددًا:
· وأنا الصراحة والامانة لله عاوز اتجوز تاني.. الراجل منينا ميقدرش يعيش من غير حرمة زي مانت فاهم وواعي..
حرمة! ماذا تعني كلمة كهذه بالنسبة لفتحي؟ هو من قضى زهرة شبابه لا يعرف عن الحريم إلا شكلًا خارجيًا ومظهر لا يتناسب مع ذوقه الصعيدي، لم يلمس امرأة أو يقبلها و لو لمرة واحدة، لا يعرف شيء عن الاحضان والتقبيل إلا من الأفلام التي يشاهدها على جهاز التلفاز الصغير في حجرته، لم يجرب م****ة امرأة ويشعر بسخونة جسدها تلامس جسده، لم يرى م**ل او ن*د أنثى إلا مرة واحدة في فيلم إباحي شاهد مقطع منه على هاتف برعي ذات يوم، يومها تكدر وتعكر مزاجه، لدرجة أن قرر أن ينهي الحصار الذي فرضه على نفسه ويعود لبلدته ويتزوج وليحدث ما يحدث، لكن في هذه الليلة نام واستحلم، استيقظ هادئ البال صافي الذهن ولكن ظل المشهد الذي راه عالقًا في ذهنه لأيام، بعدها عرض عليه برعي مشاهدة مقطع جنسي اخر لكنه رفض بشدة هذه المرة، تعجب برعي من رفضه وهو من كان في المرة السابقة كطفل رضيع مفطوم من الرضاعة منذ ساعات قليلة، تحجج وهو يشهر مسبحة أبوه في وجهه بإن ما حدث لا يجوز أن يحدث مع رجل طاهر مثله وأنها ذلة شيطان ولن تتكرر مرة أخرى، لكن برعي لا يعرف أن فتحي ولمدة أيام طوال لم يتوقف عن ممارسة العادة السرية بشراهة بسبب هذا المقطع، والآن ضاحي يريد أن يستشيره في زواجه مرة أخرى، قال فتحي له مشجعًا وهو يغير من لهجته ويتحدث باللهجة القاهرية التي اقتنها:
· وايه المانع يا اسطى متتجوز واهو منها ترضي الست الوالدة وتعمل حاجه انت نفسك فيها.
· مفيش مانع يا مولانا ولا حاجه بس أمي عاوزاني اتجوز من البلد حدانا في الصعيد وارجع بقا و استقر هناك.
· عين العقل والله.
· طب وشغلي مع صفوان باشا يا مولانا؟ ده بيعاملني كأني حد من قرايبه اه والله.
· رضا امك اهم من رضا صفوان وكده او كده ايامك عند صفوان معدودة.
· ليه يا مولانا؟
اشار فتحي لضاحي بال**ت و قال له بنبرة حاسمة:
· مات الكلام.
هزت الكلمتين ضاحي، أمسك المقود بكلتا يديه وقبض عليه ونظر للأمام ولم يلتفت أو ينطق مرة أخرى حتى وصل لفيلا صفوان.
توقفت السيارة أمام باب الفيلا الداخلي، باب خشبي ضخم بلون الجوز، الأشجار تملأ الحديقة، ورائحة الياسمين تفوح في المكان، اشار ضاحي لفتحي ان يتفضل وينزل من السيارة، مد فتحي يده نحو اوكرة باب السيارة لكن قبل أن تصل يده إليها حدثت مفاجأة لم يتوقعها فتحي.