مدرسة السنطي ( 8 )

2999 Words
فتح رشيدي الثلاجة وتجول فيها ببصره، عامرة بكل ما يلزم العاشاء؛ أجبان وأكثر من نوع من المربى، علب الزبادي موجودة بوفرة، ونوعان من الفاكهة، اغلق باب الثلاجة وعاد لغرفة نومه، يشعر بالجوع لكنه كثيرًا ما يعاني من فقدان الشهية، يشتري أفضل أصناف الطعام وثلاجته خير دليل على ذلك، كما إنه طاهي ماهر ويجيد طبخ الكثير من الاكلات المصرية وغير المصرية، في فترة من الفترات كان الطبخ أحدى هوايته، أكتشف بعد فترة أن هذه الهواية لم تعد تستهويه كما سبق، هي محاولة فقط لشغل الوقت أو قتله، ابتعد عنها وتركها ووضع الكثير من الأجهزة التي اشتراها خصيصًا لممارسة هوايته في صناديقها ورفعها فوق رف في المطبخ حتى تراكمت عليها الاتربة. جلس على طرف السرير يفتك به الجوع، فكر قليلًا وأتخذ قراره أن ما يحتاجه أن يكون وسط الناس لتعود له شهيته، ارتدى ملابسه عاقدًا العزم على التوجه لمطعم مشويات والفتك ببضع أصابع الكفتة وشرائح اللحم المشوية على الفحم ولا مانع من أقتناص أرغفة الحواوشي. ظهر صفوان من العدم وفتح الباب بنفسه لفتحي ومد يده يصافحه، ما ان امسك يد فتحي حتى انهمر عليها بالتقبيل، لم يصدق فتحي ما يحدث له، هو قبل قليل كان يعتقد أنه سيذ*ح في هذا المكان والآن مالك هذه الفيلا الفخمة والسيارات الفارهة ينكب على يده يقبلها، استسلمت يد فتحي ليد صفوان من هول المفاجأة، لكنه بعد قليل انتبه لنفسه، سحب يده برفق وسرعة وخفة من يد صفوان وهو يستغفر الله و يقول: ·       ليه بس كده يا صفوان باشا؟! مبلاش تركبنا ذنوب يا حبيبي. ·       انت شرف*نا ونورتنا يا مولانا.. حصلت الف بركة والله.. وجه حديثه لضاحي: ·       روح انت يا ضاحي دلوقتي بس خليك قريب علشان تبقا ترجع مولانا من مطرح ما جيبته. ·       أوامرك يا سعادة الباشا. انطلق ضاحي بالسيارة وذهب بها حيث اعتاد أن يتركها تحت مظلة كبيرة يركن تحتها سيارات صفوان المتعددة وسيارات زوجته وابناءه، نزل من السيارة وأخذ يفكر في كلام فتحي، كونه ينصحه بطاعة أمه والزواج مرة أخرى أمر لا شبه فيه، لكن حديثه عن ان عمله سيتوقف وينتهي عند الباشا شغل تفكيره، كيف ولماذا؟ و مع ذلك تاكد أن بالفعل رزقه في هذا المكان اوشك على الانتهاء. كعادتها عنما يعاندها النوم قررت سعاد قراءة أي رواية أو كتاب حتى يغلبها النعاس ويسقط من يدها، هذه المرة اختارت رواية لكنها لم تقرر أي نوع من أنواع الروايات، ذهبت نحو مكتبتها ومدت يدها واخذت منها رواية، ومع اول صفحة فيها طالعت خاطرة قصيرة: بضعك أنا فلا تتأخر على بضعك ببعضك... إلضم فتات نفسينا واصنعنا عقدًا  يزين جيد الأيام... احمل آمالي وازرعها في صلاة؛ دعيها ترتفع بخشوع مراهق  تتوق فرحًا للمسة يد*كي ولو مرة؛ وبعدها لن يدعو بأمل آخر. عاودتها صورة يدها غارقة في يد عبد الحميد، هل كان كاتب هذه السطور معهم أو مطلع عليهم؟ عجبًا للكتاب يكتبون ما يحسه الناس ويشعرون به بدقة بالغة ربما عجز أصحاب هذه المشاعر عن وصفها بهذه الدقة. بدأت في قراءة الرواية ومع كل صفحة تنهيها أو تبداها تعود مرة أخرى للخاطرة وتعود يد عبد الحميد تحتضن يدها، اغلقت الرواية وجدت وجه عبد الحميد على غلافها يبتسم لها، وضعتها بجانبها وتوجهت نحو المرآة تطالع تجاعيد بدأت تظهر حو ل عينيها وشفتيها، وضعت كريمات علاجية وعادت تكمل روايتها وتعاودها دقائق قضتها في مدرسة السنطي مع مالكها عبد الحميد. وقف فتحي ينظر حوله على الأشجار والنباتات النادرة في حديقة صفوان، كان يعتقد أن لا حديقة أجمل من حديقة المدرسة لكن هاهي حديقة صفوان تتفوق عليها عشرات المرات في السعة وفيما هو موجود فيها من أنواع واصناف، وقف صفوان امامه عاقدًا يديه تحت بطنه منتظرًا تلقي أي أمر منه، لكن فتحي لم يتكلم، قال صفوان في تأدب جم: ·       مولانا يحب نقعد جوا واللا نقعد في الجُنينة هنا؟ انتبه فتحي وقال: ·       أي مكان بعيدًا عن ابن زهيرة. اندهش صفوان وسأل: ·       وعرفت اسم امه كمان؟! هو اللي قالك مش كده؟ ·       اساله لو كان قالي. ·       بركاتك يا مولانا بركاتك يا شيخ فتحي.. يبقا نقعد الناحية دي بعيد عنه وبعيد عن كل اللي موجودين. قالها وهو يشير ناحية غابة صغيرة تحتل الركن الشرقي من حديقة فيلته، توجها معًا وجلسا تحت شجرة ضخمة مرصوص تحتها كراسي ضخمة مريحة، تربع على أحدهما وجلس صفوان على كرسي أخر بجانبه، فتح صفوان فمه ليتكلم، لم يعطيه فتحي الفرصة وقال: ·       عارف يا صفوان بيه انت جايبني هنا ليه.. الخيانة جاتلك من اقرب الناس ليك. ·       تقصد مراتي يا مولانا؟ ·       مراتك ايه بس يا راجل طيب انا بتكلم عن الوزارة.. شوف اقرب واحد ليك مين وانت هتعرف مين اللي زرك ومهمزك واللي بسببه اتشلت من الوزارة. صاح صفوان وهو يض*ب مخدع الكرسي الجالس عليه بقبضة يده: ·       والله كان قلبي حاسس.. هو ابن الكلب اللي نضفته من موظف في جنينة الح*****ت وخليته مدير مكتبي في وزارة الزراعة.. بقا كده يا مدبولي الكلب.. طب والله العظيم ورحمة أبويا وأمي... قاطعه فتحي وهو يشير له بالهدوء: ·       متقدرش تعمله حاجه يا صفوان بيه لإنه مسنود دلوقتي وبقا عاضمة ناشفة.. وخلي بالك الكلب ده لسه له ديل وبينقله اخبارك لحد دلوقتي. ·       مين؟ **ت فتحي لثواني، كان مستمتعًا بالنار المتقدة في عيني صفوان، هو كفتحي لا يعرف ماذا يقول لكنه تنبأ بحدسه أن صفوان يريده ليعرف سبب خروجه من منصبه وكيف يعود له، حدثه كلام عام فكر فيه عندما كان في برج المراقبة في صحبة حامد، والآن هو متأكد أن علاقته بصفوان ستتوثق أكثر وعليه أن يتخلص من ضاحي حتى تصبح علاقته بصفوان لا تقلقه، كرر صفوان سؤاله مرة أخرى عدة مرات قبل أن يجيبه: ·       اللي طلبت نقعد بعيد عنه. ·       ضاحي؟! مش ممكن.. مستحيل. رفع فتحي كتفيه غير مكترثًا بما يقوله صفوان فتاكد لصفوان أن ضاحي جاسوس وعين لمدبولي غريمه، وقف والشرر يتطاير من عينيه وصاح: ·       والله لاقتله ابن الزانية ده. شده فتحي برفق واجلسه: ·       وتفتكر مدبولي هيسيبك بعدها.. انت تطرده وتخلص منه. ·       اطرده علشان يروح يشتغل علني مع مدبولي يا مولانا؟! ده انا هشرب من دمه الزفر ابن الواطيين. ·       مش هيروح يشتغل معاه ولا هيقدر يوري وشه لمدبولي وهيرجع بلدهم ومعنتش هتشوف وشه تاني. ·       انت متأكد من اللي بتقوله ده؟ وقف فتحي ولبس بلغته و قال في ثقة: ·       جرب وانت تشوف وساعتها هتعرف مين هو فتحي.. انا كده عرفتك نص اللي انت عاوزه.. لما تنفذ اللي قولت لك عليه هعرفك النص التاني.. يللا لازم ارجع المدرسة تاني عندي ورد لازم اعمله وصلاة قيام.. اسمحلي بقا. ·       بكرا يا مولانا لا الليلة.. الكلب ده يوصلك المدرسة ويرجع واقسم بالله ما هيبات فيها. اؤمى فتحي مؤيدًا وتحرك نحو السيارة في الطرف الاخر من الحديقة تشيعه نظرات الإعجاب من صفوان. عاد شادي بعد أقل من ساعة من مكالمة أمه له، جلست انبهار على منضدة الطعام في احدى غرف منزلها، تناولت كوب زبادي وقطعة من الفاكهة، تناست قلقها على وحيدها ومسحت فمها ويدها بمنديل ورقي سحبته من علبة موضوعة امامها، نادت على شادي ابنها الوحيد، لم يرد عليها من المرة الأولى اعادت النداء وهي ترفع كوب الزبادي وطبق الفاكهة من على المنضدة وتحملهما وتتوجه نحو المطبخ، لن تحضر له العشاء ووضعت حساء العدس في التلاجة كعقاب له، رد عليها وهو خارج من الحمام يلف وسطه بمنشفة وشعره الطويل مهوش على رأسه، تقابلا في منتصف المسافة في الطرقة الموصلة بين الحمام والمطبخ، شدته من شعرة مداعبة وقالت له: ·       عملت ايه في التدريب يا وحش؟ ·       زي الفل يا مامي بس سيبي شعري بقا.. و بعدين يا ميس إنبهار افتكرتك هتساليني عن الكويز اللي خدته في الكلية النهارده مش عن التدريب أو عن تأخيري بعد التمرين. قبلته من جبينه بعد أن وضعت ما في يدها في حوض المطبخ وقالت: ·       كويز ايه يا بطل اللي اسالك عنه انا عارفة إن ابني حبيبي شطور والجي بي بتاعه هيرتفع عن السنه اللي فاتت.. انا نفسي بس ت**ب البطولة المرة دي علشان تبقا المرة الرابعة على التوالي وأكيد تأخيرك مع الكابتن كان علشان كده. ضحك شادي ضحكة عالية، نظرت له أمه متعجبة وقالت: ·       بتضحك على إيه يا واد؟ ·       نفس كلامك السنه اللي فاتت.. قلد شادي أمه في طريقة كلامها وحركات وجهها ويديها: ·       انا نفسي ت**ب البطولة المرة دي علشان تبقا المرة التالتة على التوالي.. فاكرة يا مامي؟ ·       فاكرة يا روح مامي. وضعت إنبهار ذراعها على كتف شادي وضمته إلى حضنها واكملت كلامها وهما في طريقهما لغرفة المعيشة: ·       انا مليش غيرك يا شادي.. انت راجلي وسندي.. ربنا يخليك ليا ويباركلي فيك.. النهارده حصلي موقف وحش قوي في المدرسة. ·       خير يا حبيبتي حصل إيه؟ حكت له ما صار بينها وبين عبد الحميد مالك المدرسة الخاصة التي تعمل بها وتوقيعها على تعهد بعدم اعطاء دروس خصوصية مرة أخرى، قال شادي لها وهو يقبل يدها: ·       والله عنده حق.. دروس بس إيه يا مامي.. يا شيخة ريحي روحك شويه.. وبعدين هو احنا محتاجين فلوس الدروس دي؟! دي كانت شغلاكي عني على فكرة.. طب إيه رأيك انا مبسوط من اللي حصل ده بقا. ·       اخص عليك.. مبسوط فيا وفي الاحراج اللي حصلي يا وحش. ·       لا خالص يا مامي.. مبسوط إنك خلاص مش هتدي دروس وهتفضيلي بقا. ·       أهيه حاجه كانت بتشغل وقتي يا شادي بدل ما هرجع من المدرسة مش عارفة اعمل ايه. ·       اعملي كيك يا قطة. ·       دمك تقيل يا واد.. انا بتكلم جد دلوقتي انا برجع من المدرسة وانت بتكون يا في الكلية يا في التدريب والبيه لسه راجع اهوه.. تقدر تقولي هعمل ايه في الوقت ده كله. طرقع شادي باصبعيه وقال وهو يعيد ترتيب شعره: ·       ترجعي تكملي الدكتوراة يا قمر انت. نظرت له و**تت لبرهة، ابتسمت وجذبته نحوها، احتضنته، اسندت رأسها على ص*ره وتنفست بهدوء وهي مغمضة العينين. جلس رشيدي على مقهى في شارع من شوارع الدقي القريب من منزله، فضل أن يقضي بعض الوقت عليه قبل أن يتوجه للمطعم ويتناول وجبته، جلس وحيدًا يتابع المارين والسيارات التي تتحرك ببطء احيانًا وفي عجلة حين أخر، شاشة التلفاز القريبة منه حيث يجلس تبث مبارة من الدوري الأسباني، مجموعة من الشباب التفوا على شكل صفوف غير منتظمة أمام الشاشة، بعضهم ارتدوا قمصان رياضية مخططة بالأزرق والاحمر والأخرون ارتدوا قمصان بيضاء، لم يفسر هذه الظاهرة لكنه اعتبرها صرعة من صرعات الشباب المنتشرة هذه الأيام، لكنه لاحظ صخبهم وتفاعلهم مع المبارة، يصيحون مشجعين أو مستهجنين كل لحظة تقريبًا، شاب يقفز ويحرك رأسه وكأنه يض*ب الكرة بها ويصيح مستهجنًا: ·       بالهيد يا حمار.. كورة زي دي تتلعب بالهيد.. رد عليه شاب أخر يبدو أنه من مشجعي الفريق المنافس: ·       يا عم اقعد بقا.. والله ما هتشوفوه تاني. لم يعي رشيدي عماذا يتحدثا الشابين، وما هو الذي لن يرأه مرة أخرى، ظل يراقبهم في **ت مندهشًا من حماسهم الزائد، كل هذه الطاقة مهدرة في مشاهدة مبارة لـ كرة القدم، لا عائد ولا فائدة منها عليهم أو على بيوتهم أو بلادهم، حاول أن يجد تفسير لذلك، لم يجد إلا الفراغ، كل هؤلاء الشباب يعانون من الفراغ ووقت لا يعرفون كيف يقضونه في شيء هادف مفيد لهم سواء ماديًا أو عقليًا، هو لا ينكر فضل الرياضة وأهميتها و هو نفسه من مشجعين النادي الأهلي لكنه لا يتابع كل مباريات الفريق في الدوري المصري أو الكأس أو بطولات أفريقيا، ولا يهتم إلا بمباريات محددة بـ عينيها، يشاهد إذا كان وقته يسمح بذلك، أمَ إذا كان هناك شيء مهم مكلف به أو هو من ألزم نفسه به لا يهتم مطلقًا بالمبارة وربما لا يتابع النتيجة ولا يسأل أحد عنها وإن عرفها تكون بمحض الصدفة ليس إلا. فكر لو أن هذا الشباب عنده عمل أو وظيفة، هل سيجدون كل هذا الوقت والشغف لمتابعة مباريات كرة القدم؟ إجاب على سؤاله داخله إنه بالطبع لا ؛ فهم في الصباح سيكونوا في عملهم مشغولون وعند المساء سيكونوا متعبون من العمل وسيفضلون الراحة عن مشاهدة المبارة مهما كان من طرفيها، ولو شاهدوها لن يكونوا بنفس هذا الحماس المهدر للطاقة المكبوتة داخلهم، هو نفسه عندما يشاهد مبارة للأهلي يجلس مسترخيًا يستمتع بما يشاهده دون انفعال أو عصبية، هل هو فرق السن؟ لا ؛ فـ منذ شبابه ومن بعد تخرجه من الجامعة تسلم عمله في وزارة التربية والتعليم كـ معلم لمادة العلوم في إحدى مدارس القاهرة الإعدادية، من الصباح وحتى ينتهي من عمله في المدرسة والدروس الخصوصية التي يمقتها لكنه مضطر لها يكون فقد كل طاقته وكل ما يحتاجه هو الطعام والنوم، ظل هكذا ينتقل من حصة إلى حصة ومن منزل إلى منزل حتى واتاته الفرصة والتحق بـ مدرسة السنطي وتوقف تمامًا عن الدروس الخصوصية، شعر وقتها أن الله استجاب لدعاءه وأنه قريب منه، شكر الله وحمده. لكنه ولأول مرة يشعر بالوحدة، لأول مرة يلحظ أنه وحيدًا، من قبل كان وسط طلابه معظم ساعات اليوم، الآن وبعد انتهاء اليوم الدراسي لا يجد شيء يعمله إلا القراءة أو الجلوس على المقهى يتأمل ويحلل ويخرج بنتائج ويتنساها عن عمد حتى يجد ما يشغل باله في الأيام القادمة. اخذته الحياة ونسى نفسه، نسى أن يتزوج، أن يؤسس بيت يكون له عش هادئ يتواجد بين اركانه حتى لا يشعر بالوحدة، أن تكون له زوجة مؤنسة تسليه وتهتم به وتؤنس وحدته، لكن هل فعلا نسى أم هو من احجم عن الزواج وهرب منه؟ سؤال يكرره داخله ولا يريد أن يجيب عنه صراحة. ابتسم عندما اقترب النادل منه، سأله رشيدي وهو يشير نحو شاشة التلفاز الكبيرة المعلقة على الحائط وعلى الشباب المصطفين أمامها: ·       هو في إيه يا مروان؟ ·       ده الكلاسيكو يا أستاذ رشيدي. ·       يعني إيه الكلاسيكو ده؟ ضحك مروان ضحكة قصيرة لا من جهل زبونه الدائم لكنه ضحك و صرخ عندما احرز فريق هدف، عاد لرشيدي بعد احتفاله بالهدف لـ يرد على سؤاله: ·       الكلاسيكو يعني ماتش بين ريال مدريد الملكي وبين برشلونة البرشا.. معقول حضرتك مش متابع الدوري الأسباني؟ ·       وحياتك ولا المصري. مد رشيدي يده في جيبه أنقد مروان بعض النقود وأخذ منه الفاتورة، لم ينسى أن يترك له بقشيش، خرج يهز رأسه متحسرًا على الشباب وعلى وجهه ابتسامة سخرية مريرة ذاهبًا في طريقه للمطعم. توجه صفوان لزوجته مباشرة بعد مغادرة فتحي مع ضاحي ليوصله، لاحظت الغضب على ملامحه، تعرف زوجها جيدًا رغم أنه يعمل في السياسة وهم إناس يتميزون بوجوه خالية تمامًا من الانفعالات والأحاسيس وكما يطلق عليهم علماء علم النفس (بوكر فيس) إلا إن صفوان يخلع هذا القناع في منزله، ويصبح شديد العصبية وكأنه يعوض ما فاته عندما كان يرتدي القناع، اقتربت منه واحتضنته، يحبها وهو بين ذراعيها طفل صغير، لا يمكن لأحد أن يتخيل أن صفوان باشا الوزير السابق الذي كان مجرد ذكر اسمه في الوزارة أو في أي مصلحة تابعة لها قريبة كانت أو بعيدة يثير الرعب في نفوس الموظفين هو مجرد طفل كبير عندما تحتضنه ريهام زوجته، يهدأ وربما يبكي، تتركه حتى ينتهي وتسأله سؤال واحد معتاد: ·       مالك في إيه؟ وهنا يبدأ في بث همومه وشكواه: ·       تخيلي إن مدبولي اللي خليته بني آدم وله كينونة هو اللي ورا خروجي من الوزارة؟! ·       انت متأكد من الكلام ده؟ نظر لها مغاضبًا لتشكيكها في كلامه، واعتبره دفاع عن شخص ابعده عن منصبه وهدم مستقبله السياسي الذي خطط له بكل دقة حتى يصل في يوم من الأيام لأعلى منصب حكومي وينادونه معالي الدولة السيد رئيس الوزراء، ربما من حقها الدفاع عنه لأنه من اقربائها، ليس من قريب  لكنه في النهاية ينتمي لعائلتها وهي من رشحته ليعمل معه، ولولا ذلك ما عرفه. قال وثورته تعود: ·       انتِ بتدافعي عنه يا ريهام؟! أه يا ستي متأكد ومش أي حد اللي عرفني.. ده الشيخ فتحي بنفسه. ·       والله يا رجائي انا مش عارفة ومش مصدقة اصلًا إن واحد زيك بكل تجاربه ومناصبه ومعارفه يصدق واحد دجال زي اللي انت بتقول عليه ده. ·       ده مش دجال.. ده راجل بركة جاوبني قبل حتى ما سأله.. طب تصدقي إنه عرف اسم ضاحي من غير ما حد يقوله؟! ابتسمت ريهام وهي تربت على ظهر زوجها صفوان، جلست واجلسته بجانبها، وضعت رأسه على ص*رها ولفت ذراعيها حوله، قالت بصوت هادئ حنون: ·       يا صفوان يا حبيبي انا مش بدافع عن مدبولي ولا يهمني في حاجه.. انا كل اللي يهمني مصلحتك انت.. انت وبس يا حبيبي. ·       طب عارفة مين اللي كان بيبلغه أخبار البيت هنا؟ ·       مين؟ ·       ضاحي. ·       لا مستحيل.. ضاحي؟! ده انت بتقول إن ابوك هو اللي مربيه. ·       اه جه هنا وهو عنده تمانتشر سنه، كان ما يعرفش الالف من كوز الدرة.. اتعلم السواقة و اتنجر وبقا بني آدم.. وفي الأخر ي**ني ابن الكلب. ·       طب اهدأ بس يا قلبي.. وناوي على إيه؟ رفع صفوان رأسه نحوها وقال: ·       هغوره يرجع بلده تاني.. ولو فضل هنا في القاهرة مش هرحمه. ·       يستأهل. قالت كلمتها الأخيرة لأن قريبها الآن بعيدًا عن تفكير زوجها ولا يخطط للأنتقام منه، اعاد رأسه على ص*رها وقال وهو يهمس لنفسه بصوت مسموع: ·       و بعد كده افضالك يا مدبولي. ربتت على ظهره وتقلصت عضلات وجهها انزعاجًا لعودته مرة أخرى ذكر مدبولي الذي لابد أنه سيلقى انتقامًا قاسيًا شديدًا من زوجها. ركب حامد السيارة بجانب ضاحي، غطى وجهه كما فعل في طريق الذهاب، لاحظ شرود ضاحي والغم ي**و ملامحه، قال له بعد أن اطلق بعض كلمات الذكر: ·       بص يا اسطى ضاحي.. نظر له ضاحي وعينيه زائغتين ورد باحترام وتبجيل: ·       نعم يا مولانا. ·       طبعا انا قولت لك قبل كده إن عيشك انقطع عند صفوان باشا. هز ضاحي رأسه مؤيدًا والحزن يستولى على كل مشاعره، اكمل فتحي حديثه: ·       لكن اللي مقولتهوش إنك لما ترجع بلدكو ربنا هيفتحها عليك من وسع وهت**ب قد اللي بتاخده من صفوان باشا مرتين تلاتة. تهلل وجه ضاحي بما سمعه، قال وقد تغيرت ملامحة تماما: ·       بتتكلم جد يا مولانا؟ ·       وجوازتك التانية دي هتبقا وش السعد عليك.. انا بقولك الكلام ده ليه؟ ·       ليه يا سيدنا؟ ·       علشان أول لما صفوان باشا يقولك مع السلامة خد ديلك في اسنانك وارجع بلدكو. مد ضاحي يده وسحب يد فتحي يقبلها وهو يردد: ·       الله يزيدك يا مولانا.. الله يبارك لك يا سيدنا. يقبل يد هي السبب في طرده من جنته التي عاش فيها أكثر ثلاثين عام، ولكنه الأمل الكاذب الذي يعشمه به جعله يقبلها ولو طلب من تقبيل قدميه لفعل، لم يتوقف ضاحي عن الدعاء طوال الطريق حتى وصل للمدرسة، توقفت السيارة أمام البوابة الضخمة للمدرسة، اطل حامد برأسه من البرج يراقب السيارة التي توقفت فجأة أمام البوابة في الساعة الحادية عشر، تأكد أنها ليست سيارة عبد الحميد، عاد برأسه للخلف قليلًا ولكنه ظل يراقب السيارة حتى نزل منها فتحي ورأه يدس ظرف كبير في جيبه، انطلقت السيارة مبتعدة، فتح فتحي البوابة الضخمة ودخل واغلقها خلفه، صعد مرة أخرى على سلالم البرج الحديدية، صافح حامد واحتضنه وقبله من وجنتيه، تعجب حامد من تغير أحوال فتحي في ثلاث ساعات تقريبًا، كام مهمومًا قلقًا قبل أن يذهب والآن هو سعيد فرح يكاد يطير من السعادة، مد فتحي يده في جيبه تحسس الظرف وازاحه قليلًا حتى لامست أصابعه النقود التي منحته له سعاد هانم السكري، اخرجها وقسمها بينه وبين حامد، قال له: ·       انت اللي لقيت البت وانت أولى مني بالفلوس دي.. انا عارف إنها ادتك اكتر مني.. وعارف إن مصاريف علاج ابنك تقطم الضهر بس برضو انت محتاج هدمة نضيفة بدل الجلابية اللي انت لابسها دي.. الفلوس دي تشتري بيها غيارين ليك.. لو مش هتشتري بيهم اللي بقولك عليه.. هاتهم وانا اتصرف واشتري لك. احتضنه حامد بقوة، ضمه لص*ره والدموع تسقط من عيونه، ظل هكذا للحظات.
Free reading for new users
Scan code to download app
Facebookexpand_more
  • author-avatar
    Writer
  • chap_listContents
  • likeADD