مدرسة السنطي ( 9 )

2915 Words
جلس رشيدي على منضدة في مطعم جذبته رائحة الشواء له، في البداية وضع النادل أمامه أطباق مقبلات مختلفة، في العادة يلتهما رشيدي قبل أن ينتهوا من اعداد طلبه من اللحوم، هذه الليلة لم يطق حتى النظر إلى الأطباق التي كان يشتهيها من قبل، عاود النداء على النادل وطلب منه طلبات أخرى على أن يلفها له ويضعها في أكياس، دفع ثمن ما طلبه وخرج يقف أمام المطعم يطالع المارة بعيون ترى ولا تدرك أو تعي ما حوله. * * * ابعد حامد فتحي ورفع عصاته وهو يشير نحو رجل واقف في الظل لا يستطيع تحديد ملامحه أمام بوابة المدرسة ويحاول فتحها، قال وهو يستجمع شجاعته معتمدًا أن هناك من سيسانده إذا ما كان هناك خطر، فهو وفتحي اثنين والمقتحم الذي يريد أن يدخل المدرسة قبل منتصف الليل بساعة واحد فقط، ولابد أن الغلبة ستكون للكثرة، ولأول مرة يفهم كلمة المتسلل التي يرددها عبد الحميد له كلما شعر بالتقصير منه نحو عمله، إذا هذا هو أول متسلل وهاهو سيقضي عليه ويمنعه من التسلل للمدرسة وهكذا سيتلقى مكافأة تعوضه عن اليومين الخ** الذان خ**هما منه عبد الحميد صباح اليوم، صاح حامد في الرجل وهو يقبض على عصاته بقوة ويرفعها مهددًا: · انت مين وعاوز إيه؟ · إيه يا عم حامد مالك متعصب كده؟! يعرف اسمه ويحدثه دون خوف لابد أنه لص محترف ويريد سرقة أجهزة الكمبيوتر الموجودة في المدرسة أو السبورات الذكية الموجودة في كل فصل، نظر فتحي من طرف خفي بعد أن سمع صوت الرجل وخامره إحساس أنه يعرفه، لاحظ أنه يمسك كيسين بلاستيكين كبيرين، أكمل الرجل كلامه: · افتح يا راجل يا طيب نأكل لقمة سوا. قال فتحي وهو يضحك: · ده الأستاذ رشيدي يا ابو مخ خربان.. اتفضل يا استاذ رشيدي.. لحظة بس هنزل افتح لك البوابة. ليست هذه المرة الأولى التي يحضر فيها رشيدي طعام ويتوجه للمدرسة، يفعلها كلما شعر بالوحدة أو فقدان الشهية وأنه في حاجه أن يكون وسط ناس حتى لو لم يفهموه أو يتكلموا بطريقته ويفكروا مثلما يفكر، هبط فتحي على السلم الحديدي بسرعة وفتح القفل الضخم الموجود على البوابة أ ازاح البوابة قليلًا، دخل رشيدي وهو يبتسم قائلًا: · هو الراجل ده مش هيبطل عبط بقا؟! مد فتحي يده وتناول الكيسين من رشيدي وقال: · حكم القوي يا أستاذ رشيدي.. عبد الحميد بيه عاملنا هسهس في دماغنا.. اتفضل يا أستاذ شرفت ونورت.. شكلك جيبت الكفتة اللي بتحبها. · كفتة وطرب وحواوشي. دخل رشيدي واغلق فتحي البوابة ووضع القفل الكبير مكانه وقفله، علق فتحي الكيسين في مسمار في حائط البرج واسرع واحضر منضدة صغيرة وثلاث مقاعد دائرية صغار، رصهم بجانب البرج واخرج الطعام من الكيسين ونادى على حامد: · انزل يا ابو مخ مهوي الاكل لسه سخن الحق قبل ما يخلص وما يفضلكش حاجه.. ولو فضل هيبقا بارد ومجلّد وملوش طعم. هبط حامد و رحب بـ رشيدي معتذرًا، جلسوا حول المنضدة يلتهموا الطعام ويشربون المياه الغازية التي لم ينسى رشيدي شرائها، قال حامد بعد أن تجشأ: · والله يا أستاذ رشيدي انت جيت في وقتك.. كنت هموت من الجوع.. والنهارده نسيت أجيب معايا أكل من البيت، وزي مانت عارف لا هقدر اسيب البرج ولا في حد يروح يشتري. · الف صحة وعافية على قلبك يا حامد.. كول ؛ كول. قال فتحي وهو يلوك أصبع طرب يتقاطر الدهن منه على ذقنه: · كول انت يا استاذ رشيدي هو مش مبطل لغ. · انا كلت وشبعت الحمد لله. · قولي يا استاذ رشيدي ولا مؤاخذة في السؤال.. انا مليش اسأل يعني.. انت راجل محترم ووظيفتك ومرتبك يفتحوا اجدع بيت ولسه بخيرك وصحتك بمب.. ما تجوزتش ليه لحد دلوقتي؟ ضحك رشيدي ضحكة قصيرة مقتضبة، شعر بأن فتحي كان يشاركه تفكيره، قال وهو يمسح فمه بمنديل ورقي: · نسيت.. نسيت يا فتحي.. نسيت زي مانت نسيت شكل الشارع كده. قال حامد هو يمسح فمه بكم جلبابه: · مش فتحي خرج النهارده يا أستاذ رشيدي! طلع وقعد بره يجي تلت ساعات. نظر رشيدي لـ فتحي مندهشًا وساله لـ يتأكد مما سمعه من حامد: · صحيح يا فتحي الكلام اللي بيقوله حامد ده؟ · اه والله يا استاذ رشيدي.. انا نفسي مش مصدق روحي. · طيب والله بشرة خير.. يبقا في أمل تتجوز اهوه يا فتحي. · طب ما تتجوز انت يا أستاذ رشيدي.. طب تصدق بالله؟ · لا إله إلا الله. · الأستاذة إنبهار مناسبة ليك وست طيبة وحلوة وشكلها محترم رغم اللبس يعني المحزق اللي هي بتلبسه ده بس محترمة وكريمة وسخية زيك كده.. أه والله وبعدين انت ممكن تخليها تغير طريقة لبسـ... لكز حامد فتحي في ساقه عندما رأى الوجوم يخيم على وجه رشيدي، **ت فتحي ولم يكمل كلامه، حامت الفكرة في رأس رشيدي، إنبهار تلك المرأة الفاتنة ذات القوام المشدود، والوجه المليح، هي حقًا مناسبة ولكن رشيدي نسى أن يفكر فيها كما نسى ان يتزوج ونسى أشياء أخرى كثيرة، هل ستوافق إذا ما طلب الأرتباط بها؟ كيف ستوافق أو هو سيطلب طلب مثل هذا وهو لا يعرف عنها شيء، كل ما يعرفه أنها أرملة وأم لولد وحيد، شاب وطالب في كلية الطب، هو حتى لا يعرف اسمه، كما إنها لا تعرف شيء عنه هو أيضًا، وكل ما تعرفه أن مُض*ب عن الزواج، كل زملائه في المدرسة يعرفون هذا عنه، ويعتقدون أنه فعل ذلك عن وعي ورغبة منه، لا يعرفون حقيقة الامر، أن إنبهار لا تفكر في الزواج أو الارتباط مطلقًا وأن شادي ابنها هو محور حياتها ومن أجله تعيش وتتنفس وتعمل، ولا يدركون أن رشيدي لم يُض*ب عن الزواج ولكن الدنيا أخذته وجعلته يلف ويدور كثور في ساقية يشعر أنه يتحرك مع أنه لا يخرج من الدائرة التي يتحرك فيها مهما ضاقت أو وسعت. * * * في صباح اليوم التالي جلس عبد الحميد في مكتبه، لم يتوقف عقله عن التفكير طوال الليلة الماضية، فكر في العقاب المناسب لمن تسببوا في كارثة الامس لدقائق واستقر على العقاب، ابلغه لنجوان التي بدات بدورها في أخذ الخطوات المناسبة لاصدار قرار رفت كل من لهم صلة بما حدث، فلولا اتصال سعاد وحظ حامد وأن مريم لها قدر مكتوب أن تعيش حتى الآن لكان الأمر مختلفًا الآن واكتشفوا جثتها في غرفة تغيير الملابس الملحقة بحمام السباحة. الحفاظ على حياة البشر أهم من الحفاظ على أرزاقهم إذا لم يحترموها ويعملوا جاهدين من أجلها، وقع قرارات الرفت وارسلت نجوان تستدعيهم تبلغهم بالقرار المسبب، وابلغت التأمينات والمعاشات بالقرار مصحوب باستمار 6، كان القرار صادم لكل من شملهم، معلم التربية البدنية المتخصص في السباحة والمشرف على تدريبها في المدرسة، مدرسين الحصص التي تلت حصة التربية الرياضية، مشرف الحافلة المخصصة لنقل مريم مع زملائها، اخرستهم المفاجأة لكنهم تجمعوا على مقهى خارج المدرسة يتدارسوا الموقف، اتصل احدهم بمحامي يعرفه، أخبره أن موقفهم ضعيف ولا أمل لهم في العودة للعمل، كل ما يمكن الحصول عليه هو بعض التعويضات التي لن تغطي تكاليف القضية بأي شكل، ونصحهم بالأعتذار لمدير المدرسة والمحاولة معه للرجوع عن قراره، أو البحث عن وظيفة أخرى في مكان أخر، يعلمون علم اليقين أن عبد الحميد لن يتراجع فاتفقوا على الأخذ بالنصيحة الثانية وتفرقوا كلًا في درب من دروب الحياة. * * * اعلنت نجوان عن حاجه مدرسة السنطي الخاصة لشغل وظائف حددتها في إعلان رسمي نشر في الجرائد الرسمية الثلاث، انهالت على المدرسة طلبات التقديم، عقد عبد الحميد لجنة مكونة من نجوان وعبد الستار لتصفية المتقدمين لشغل وظيفة معلم التربية الرياضية تخصص سباحة، وتولت نجوان وحدها الإشراف على تصفية الطلبات المقدمة لوظيفة مشرف الحافلة، واشتركت مع إنبهار في تصفية المتقدمين لوظيفة معلم دراسات إجتماعية حيث كانت هناك حصة واحدة فقط قبل حدوث ما حدث مع مريم وكانت للمادة التي تشرف عليها إنبهار وهكذا اجتمع الثلاث؛ نجوان وإنبهار وعبد الستار للعمل لمدة ثلاث ساعات وانتهوا أخيرًا من اختيار ثلاث في كل وظيفة يختار منهم عبد الحميد في النهاية فرد واحد مناسب لكل وظيفة. * * * اعلنت المدرسة عن الرحلة المقرر قيامها لمدينة الفيوم، عرف رشيدي و إنبهار بـ أمر التكليف بكونهما مشرفان تعليميان على الرحلة، فرح رشيدي بهذا التكليف واعتبره بشرة خير لما تحدث فيه بالأمس فتحي، هل صحيح ما يشاع عن فتحي وبركاته؟ ربما سيصدق رشيدي هذا الآن، هو رشحها له للزواج وهاهي وجدان تبلغه بأمر التكليف، ثلاث أيام بلياليهم سيكونا معًا، فرصة جيدة للتقرب منها ولمعرفتها واكتشاف شخصيتها أكثر، وفرصة ممتازة ليعرفها بنفسه، لربما تتغير في الأمور أمور ويتذكر أنه لابد أن يتزوج، ولتشعر هي بأنها لابد أن تهتم بحياتها الخاصة، فـ ابنها شادي طالت فترة بقاءه معها أو قصرت لابد أنه مفارق، سيتزوج وسيصبح له حياته الخاصة المستقلة، ومهما زارها أو ودها واتصل عليها فحتما ستشعر بالوحدة والملل. لم يكن إحساس إنبهار مماثل لإحساس رشيدي، لأنها لا تعرف ما يجول في خاطر رشيدي؛ هذا أولا، وثانيا هي تشعر بعدم الرغبة وليست في نفس حماسة رشيدي لهذه الرحلة، كيف لها أن تترك ابنها شادي ثلاث أيام وحده في المنزل وأن لا تراه كل هذه المدة، هذا يعتبر بالنسبة لها أمر مميت. بعد أن انتهت من فرز وتصفية طلبات الالتحاق لوظيفة معلم الدراسات كان قد تبقى أربع أيام لقيام الرحلة، اشترك الطلاب وتجهزوا، جلست أمام مكتب نجوان صامتة حتى تنتهي من مراجعة بعض رسائل البريد الإلكتروني المقدم من بعض دور الأزياء المصرية مستفهمين عن طبيعة الزي الموحد المطلوب للمدرسة، كانت نجوان قد انهت حصصها واجتماعها مع جماعة البيئة والسكان، انتظرت حتى تفرغت لها نجوان وقالت لها: · مدام نجوان أنا أسفة جدًا بس مش هقدر اطلع الرحلة دي. · ليه بس يا أستاذة إنبهار؟! دي فرصة تغيري جو وتطلعي برا شوية عن جو المدرسة والروتين. · انا عارفة ده والله.. بس عندي ظروف عائلية تمنعني من ده.. وبعدين في مدرسين دراسات كتير يقدروا يطلعوا الرحلة دي وانا اقدر ارشح لحضرتك واحد منهم. · بلاش الكلام ده يا حبيبتي.. انا عارفة ظروفك.. أكيد تقصدي شادي. · بالظبط كده. قامت نجوان وجلست في الكرسي المقابل لإنبهار وقالت: · انا هشرب نسكافية.. تشربي معايا؟ هتشربي خلاص. نادت على العامل الواقف على باب مكتبها والمخصص لمكتب عبد الحميد مدير المدرسة وطلبت منه أن يطلب لهما مجان من النسكافية، عادت للحديث مرة أخرى مع إنبهار: · بصي يا حبيبتي.. شادي معدش صغير.. ده بقا راجل ملو هدومه.. هو في سنه ايه دلوقتي؟ · رابعة طب. · ما شاء الله.. يعني كلها سنة واللا اتنين ويبقا دكتور قد الدنيا والله أعلم هيجي له تكليفه فين.. يعني بمزاجك أو غصب عنك هيسيبك علشان يشوف مستقبله. انزعجت إنبهار من كلام وجدان لكنه الحق وهي لم تفكر فيه من قبل، عاجلًا أو أجلا سيتركها شادي ويبعد عن حضنها، ستعيش دون أن ترأه لأيام و ربما لأسابيع، سيتزوج وتلك الضحكة التي سمعتها عندما اتصلت به وقت تأخيره وطريقة حديثه معها ربما دليل على اقتراب النهاية، سيكون هذا هو الموت المحقق لها، كيف كبر هذا الطفل وسيغادر أحضانها؟ كيف لها أن تعيش دون أن تعطر انفاسه منزلها؟ لم تتقبل الفكرة لكنها الحقيقة وإن كانت مرة لا تطاق. أكملت وجدان حديثها: · يعني الرحلة دي فرصة ليكي وله علشان تتدربوا على المستقبل.. صدقيني أنا بقول ده لمصلحتكو.. شوفي انا ممكن اقنع عبد الحميد بيه بإنه شادي يجي معانا كمشرف طبي للرحلة.. يعني مش بس هيبقا جنبك لكن كمان هبقا له مكافأة مادية... قاطعتها إنبهار: · مش مهم الفلوس خالص.. هو هيطلع مشرف ببلاش.. ولو عاوزة يدفع اشتراك الرحلة كمان يدفعه انا معنديش أي مانع. فتحت إنبهار حقيبة يدها واخرجت حافظة نقودها، وقبل أن تفتحها أخذتها منها نجوان وواعادتها للحقيبة مرة أخرى وقالت: · اشتراك ايه اللي شادي يدفعه بس يا إنبهار؟! عيب الكلام اللي بتقولي ده.. شادي زي ابني بالظبط.. انت ناسية إنه في يوم من الأيام كان طالب هنا في المدرسة؟ وعمره ما نادا عليا إلا طنط نجوان.. هو بيعتبرني خالته وانا معتبراه ابني.. الفكرة مش فكرة اشتراك وفلوس ومكافأة وكلام من ده.. الموضوع أكبر من كده.. صدقيني طلوع شادي الرحلة أمر سهل جدا.. هيبقا مشرف طبي على الرحلة.. وفرصة لتواصل اجيال المدرسة ببعضهم.. وكمان ممكن يعمل تمارين الصباح للطلبة لإنه بطل في السباحة ومش بس كده ده ممكن يتدرب كمان سواء في وادي الريان أو في بحيرة قارون.. **تت وجدان للحظة ثم اكملت: · بس صدقيني ده مش في مصلحتكو.. لازم تجمّدي قلبك شويه.. وتتدربي على إنه هيسيبك في يوم من الأيام.. فكري وبلغيني بقراراك.. ماشي يا ستي؟ أومات إنبهار بالموافقة، شربت المشروب الساخن الذي قدم لها، لم تعرف له مذاق، كانت مرارة تنبؤات وجدان شديدة المرارة، تغلبت على كل طعم للقهوة أو السكر. * * * انتهي عبد الحميد من الاطلاع على التقارير المقدمة من نجوان وإنبهار وعبد الستار، حدد موعد لمقابلة الذين تم اختيارهم في نفس يوم الرحلة، لكن قبل أن يبلغ وجدان بقراره لمعت فكرة في عقله، امسك هاتفه المحمول واتصل على سعاد، رن الهاتف طويلًا ولم يتلقى أي رد، واخيرًا بعد أن يأس جاءه صوت شعر أنه أتي من بعيد، من غابات مليئة بعصافير الكناري، القت عليه السلام مرحبة باتصاله، رد التحية وعلى وجهه ابتسامة واسعة كأنه يراها أمامه، بعد بعض الجمل التقليدية المعروفة والسؤال عن الأحوال أخبرها بأمر الرحلة المزعم عقدها، وأنه يقترح بل يتمنى أن تشترك فيها حفيدتها مريم، رفضت سعاد مباشرة طلبه بأدب، لكنه حاول عارضًا عليها مرافقتها وأنها فرصة لطلاب المدرسة التعرف على بطلة من بطلات مصر في لعبة التنس وأنه هذا سيكون حافز لهم للتفوق الرياضي لا الدراسي العلمي فقط. ترددت سعاد لبعض الوقت ولكنها أدركت بحدسها الانثوي أنها إذا وافقت سيرافق عبد الحميد الرحلة، واعتبرتها فرصة للتعرف على رجل والتقرب منه كشخصية محترمة يشار لها بالبنان وتعتبره وسائل الاعلام والصحافة أنموذج للنجاح التربوي بل أن بعض الاحزاب ترشحه ليكون وزير للتربية و التعليم. وافقت سعاد على شرط أن يرافقهم الرحلة، كان هذا ما ينويه عبد الحميد بالفعل لكنها الآن سهلت عليه المهمة، تنحنح قبل أن يعلن موافقته على طلبها، انتهت المكالمة بوعد للقاء قريبًا أمام بوابة المدرسة. غمرت السعادة عبد الحميد، سعادة يشوبها القلق الناتج عن مرارة ذكرياته القديمة، لكنها في النهاية أضافت لوجهه ابتسامة نضرة تعجبت منها نجوان عندما استدعاها ليخبرها بقراره بالاشراف على الرحلة بنفسه، انتهزت نجوان الفرصة وعرضت عليه ما دار في الأجتماع بينها وبين إنبهار، وافقها الرأي وأنه في الحالتين لا مانع عنده وإن كان يتمنى أن توافق إنبهار على الحضور بمفردها متفقًا في الرأي مع نجوان. * * * قضت إنبهار باقي اليوم تفكر في كلام وجدان، هو عين الحق وكبد الحقيقية، هي من قضت حياتها وزهرة شبابها تفني نفسها لتعيش مع شادي وحدهما رافضة كل من تقدم للزواج منها بعد وفاة والده سيأتي اليوم الذي يتركها فيه ويرحل بعيدًا عنها، فكرة مزعجة حد الموت لكنها لا مناص منها، هي ذات يوم أخذت شاب من حضن أمه، لم تحرمها منه لكنها امتلكته بعد أن كان ملكية خاصة بامراة أخرى، طلبت حماتها أن يعيشوا جميعًا في بيتها الواسع الكبير، لكنها رفضت لأنها تريد أن تكون مستقلة، أن تكون ملكة على عرش بيت الزوجية لا وصيفة لامه، ساعدت أبو شادي كثيرًا وحفزته لـ زيارة أمه، وذهبت معه كل الزيارات تقريبا، وعندما مرضت حماتها لازمتها كابنه لها، مات زوجها في حادث مؤلم، صارت زوجة مكلومة والاخرى أم حزينة، ومع كل هذا رفضت أن تعيش معها في البيت الواسع الكبير، وهاهي الأيام تدور واقترب فلذة كبدها من أن ينهي دراسته ولابد أنه سيفكر في الارتباط والزواج، سيتركها وحيدة ينهشها الوقت ويهزمها الزمن، اتصلت على وجدان تعلمها بموافقتها على الرحلة دون شادي وصوتها يتقطع من اثر النشيج، هدأت من روعها نجوان قدر المستطاع، انهت المكالمة وانفجرت إنبهار في البكاء. دست رأسها في الوسادة لتكتم صوت بكائها عن شادي، لم يسمعها ولم يشعر بص*رها الذي يحترق لمجرد التفكير أنه ذات يوم سيبعد عنها. * * * فتح رشيدي حقيبة كبيرة وضع فيها ملابسه وأشياء أخرى يعلم أنه سيحتاجها وأشياء أكثر يتوقع احتياجها، للمرة الأولى في حياته يشارك في رحلة لمدة ثلاث أيام، لم يشارك في رحلة من قبل حتى لو كانت ليوم واحد؛ عندما كان طالبًا في المدرسة أو الجامعة لم يكن معه ما يكفي لدفع قيمة الأشتراك، وعندما تخرج وعمل في وزارة التربية والتعليم ارتبط بمواعيد الدروس الخصوصية وكانت مقدسة بالنسبة له لذلك رفض الاشراف على الرحلات التي عرضت عليه في المدارس التي عمل فيها. الوضع الآن محتلف والحماسة طاغية عليه، أول رحلة في حياته وسترافقه فيها ولمدة طويلة نسبيًا امرآة شعر فجأة أنه يحبها، نعم يحبها وربما كان يحبها من قبل لكنه لم يفطن لهذا، هكذا كان يفكر وهو يدندن مقطع من أغنية لأم كلثوم، اغلق الحقيبة ووضعها بجانب باب قته ولم ينسى أن يضعها فوقها معطف ربما يحتاجه، ربت على المعطف والقى نظرة أخيرة على الحقيبة وعاد لسريره ومازالت أغنية أم كلثوم تتردد داخله ويدندنها بل**نه: الليالي الحلوة.. والشوق والمحبة.. من زمان والقلب شايلهم علشانك.. دوق معايا الحب.. دوق حبة بحبة.. من حنان قلبي اللي طال شوقه لحنانك. امتزجت سعادة برعي بالاندهاش والتعجب، عبد الحميد بيه بنفسه يبادره بتحية الصباح بل ويمد يده ليصافحه، أي يوم هذا؟! هل اقترب يوم الساعة حتى يرى برعي الابتسامة الوضأة تنير وجه عبد الحميد، مد برعي هو الاخر يده مصافحًا غير مصدق، قبلها بعد المصافحة واغلق باب السيارة الخلفي بعد أن ركب عبد الحميد. تكمن سعادة برعي أن عبد الحميد سيعطيه اجازة مدفوعة الراتب لمدة ثلاث أيام بعد سويعات قليلة، سيذهب في إحدى حافلات المدرسة مراقبًا لرحلتها المتجهة للفيوم، ثلاث أيام لن يستيقظ مبكرًا، ثلاث أيام سيسهر مع اصدقاءه على المقهى، ثلاث أيام سيجلس فيهم مع أولاده يداعبهم ويداعبوه دون خوف من الاستيقاظ متأخرًا، ثلاث أيام ولياليهم سيقضيهم مع زوجته التي لا يقترب منها إلا أيام الجمع والأجازات الرسمية والتي معظمها يستدعيه فيها عبد الحميد للذهاب للمدرسة لاتمام بعض عمليات الصيانة أو متابعة بعض الأعمال الإدارية، ثلاث أيام سيدخن فيها كما يشاء دون خوف أو رقيب أو كاميرات تنقل لـ عبد الحميد الدخان المتصاعد من خلف شجرة السنط، ثلاث أيام لم يحصل عليهم من قبل طوال فترة عمله مع عبد الحميد التي وصلت لأكثر من عشرين سنه حتى الآن. لكن سر اندهاشه أنه خلال تلك الفترة الطويلة لم يبادر عبد الحميد ولو مرة واحدة بالقاء التحية عليه، دائمًا برعي يلقي عليه التحية ويسمع ردًا عبارة عن غمغمة غير مفهومة، يعتبرها برعي ردًا على تحيته، وربما لا يسمعها ويكتفي عبد الحميد بهز رأسه للأمام مرة واحدة، لا يجد برعي لهذه الهزة تفسير؛ هل هي غضب أم رد على تحيته؟ لم يصافحه عبد الحميد ولو مرة واحدة قط. يتذكر برعي أنه في أول عمله مع عبد الحميد مد يده ليصافحه ذات صباح، نظر له عبد الحميد وركب السيارة وتركه مادًا يده، اغلق يومها برعي باب السيارة وتعلم الدرس، لكن هاهو عبد الحميد بذات نفسه يمد يده ليصافحه وليس هذا فقط بل يبتسم، ابتسامة لم يرأها برعي مطلقًا لم يحلم أن يراها. انطلقت السيارة في طريقها للمدرسة، الشوارع شبه فارغة في هذا الصباح الباكر، حاول برعي أن يكون حريصًا وهو يمر فوق المطبات، لا يريد أن يعكر مزاج الجالس في الخلف في يوم مثل هذا.
Free reading for new users
Scan code to download app
Facebookexpand_more
  • author-avatar
    Writer
  • chap_listContents
  • likeADD