bc

مدرسة السنطي

book_age16+
14
FOLLOW
1K
READ
professor
wife
like
intro-logo
Blurb

ملخص

اسم الرواية : مدرسة السنطي

الكاتب : خالد الدزار

تبدأ احداث الرواية بوصول عبد الحميد السنطي لمدرسته الخاصة التي يمتلكها و ورثها عن أجداده ، اشتهرت المدرسة بسمعتها الطيبة بين أولياء الأمور و المعلمين على حد سواء لأنها تطبق أعلى معايير الجودة في التعليم و تميزت بأن تخرج منها أناس ذو شأن على مر أجيال طويلة .

مع دخول عبد الحميد المدرسة نتعرف على طبيعته الجافة و طريقته في الإدارة التي تتميز بالحزم المبالغ فيه مع عمال المدرسة و رئيسهم فتحي و حارسها حامد و حتى سائقه الخاص برعي ، نتعرف على طريقة إدارته من اجتماع يعقده قبل بداية كل يوم دراسي مع معلمين المدرسة ، من خلال هذا الاجتماع نعلم الكثير عن رشيدي مدرس العلوم و عن إنبهار مدرسة الدراسات الإجتماعية .

إنبهار الأربعينية التي جصلت على الطلاق و من بعده انطلقت في حياتها ، نجحت في الحصول على ماجيستير و أن تلتحق بالعمل في المدرسة التي تعتبر حلم للكثير و ذلك ليس فقط لسمعتها لكن أيضًا لرواتبها العالية جدًا ، اوقفت إنبهار حياتها الخاصة على ابنها شادي الطالب في كلية الطب في سنواته الأخيرة .

رشيدي الذي كان يعمل في مدارس حكومية قبل التحاقه بالعمل في مدرسة السنطي ، كافح و جاهد لكنه نسى نفسه تمامًا ، سرقته السنون و الآن و هو يقترب من الخمسين يريد أن يرتبط و يتزوج و يعيش حياته الطبيعية .

عبد الحميد هو الاخر مض*ب عن الزواج بعد خيانة زوجته الأولى له منذ عقود ، كرس حياته كلها للعمل التبروي و لمدرسته ، و في ذلك اليوم يعقد اجتماع لمجلس امناء المدرسة و من خلاله نتعرف على رجائي دكتور في كلية التجارة و رغم تعليمه إلا أنه يعتقد في فتحي العامل في المدرسة أنه ذو كرامات و أنه رجل بركة ، يخبر صفوان الوزير السابق بذلك ، يطلب صفوان من فتحي أن يساعده للعودة إلى منصبه .

ينتهي اليوم الدراسي لكن قبل دخول عبد الحميد بيته الذي يعيش فيه وحيدًا تتصل عليه ولية أمر تخبره بأن حفيدتها لم تعد حتى الآن ، يقرر العودة للمدرسة و يتصل على فتحي و يطلب منه البحث عن مريم الطالبة المفقودة ، يساعده حامد حارس المدرسة ويجدها نائمة في غرفة تغيير الملابس الخاصة بحمام السباحة ، يلتقي عبد الحميد بسعاد جدة مريم و يتعرفا .

لا أحد يعرف شيء عن فتحي ، غامض للغاية ، له غرفة خاصة في المدرسة يقيم فيها ، لكن الحقيقة أنه هارب من الثأر الذي يطارده في قريته في الصعيد ، يرسل صفوان ضاحي سائقه ليحضر فتحي لفيلته ، يتعرف فتحي على ضاحي ؛ فهو من العائلة التي تريد أن تقتله ، لكنه يتمكن من التخفي و عند صفوان يقنعه بأنه لابد ان يتخلص من ضاحي و يطرده من العمل لأنه وراء ضياع منصبه ، و عند العودة يقنع ضاحي بأنه يجب أن يعود لقريته حيث ينتظره الخير الوافر ، و بالفعل يتم هذا .

في رحلة لمدينة الفيوم يشرف عليها عبد الحميد بنفسه و تشارك فيها سعاد بعد دعوة لها منه شخصيًا لمرافقة حفيدتها ، يتقاربا و تطور علاقتهما سريعًا ، على جانب أخر رشيدي يتوهم أنه يحب إنبهار و يطلب من عبد الحميد مديره مساعدته للارتباط بها ، لكن عبد الحميد ينصحه بانها غير مناسبة له .

تنتهي الرحلة و قد اتفق عبد الحميد و سعاد على الزواج سرا حتى لا تفقد حضانة حفيدتها و لافعل يتم ذلك لكن موقف عبد الحميد يصبح حساس للغاية بعد توليه منصب وزير التربية و التعليم و تحدث الكثير من المفارقات .

بعد سفر ضاحي لقريته و انتظاره للخير الذي ٤تنبأ به فتحي و لم يجده يقرر زيارة القاهرة مرة أخرى و زيارة فتحي لينول البركة ، لكن هذه المرة يكتشف شخصيته و يخطط لقتله ، في نفس الوقت يشعر صفوان بالحنق هو الاخر على فتحي الذي يجدونه مقتولًا و تدور الشبه حول ضاحي لكن الحقيقة تظهر بعد ذلك مع الأحداث .

chap-preview
Free preview
مدرسة السنطي ( 1 )
سور عالي طويل فوقه خمس صفوف من الأسلاك الشائكة فوق بعضها علقت بهم ملابس مختلفة، بنطال جينز ممزق يرفرف على الصف الأخير من الأسلاك.. على بعد أمتار فردة حذاء رياضي عالقة على الصف الثالث من السلك الشائك.. بعد عدة أمتار برج مراقبة يرتفع عن السور والأسلاك بمترين على الأقل.. جلس فيه حامد مرتديًا جلباب بلدي واسع.. بجانبه عصا سميكة طويلة ملقاه على الأرض.. كان حامد شبه نائم تداعب عينيه لمعة شمس الساعة السادسة صباحًا. فتح عينيه وجد سيارة مرسيدس سوداء واقفة أسفل البرج.. انتبه مذعورًا ووقف حاملا عصاته بشكل متواز مع جسده النحيل ساندًا اياها على كتفه اليسار وممسكًا بها من اسفلها بيده اليسرى.. تحركت السيارة بهدوء نحو البوابة الكبيرة.. صاح حامد بصوت مرتفع: · يا فتحي.. يا فتحي.. افتح البوابة لعبحميد بيه. هرول فتحي وكرشه خارجًا من قميصه القصير يهتز أمامه نحو البوابة الكبيرة.. وضع المفتاح في القفل الكبير.. اداره وفتحه.. نزعه من المزلاج الضخم وشد المزلاج إلى اليمين وفتح البوابة الضخمة.. صوت صريرها نبه كل العمال بالداخل.. وقفوا من تحت الأشجار التي كانوا نائمين تحتها وانتشروا في المكان.. يحملون اكياس قماشية كبيرة يجمعون فيها الأوراق وعلب العصير الفارغة وأكياس بلاستيكية استقرت لساعات على الأرض. فتح فتحي ضلفتي البوابة عن أخرهما.. تهادت السيارة ودخلت منها توقفت تحت شجرة سنط كبيرة في أحد أركان المكان.. نزل برعي السائق بسرعة وفتح الباب الخلفي لها.. وقف العمال أنتباهًا عندما وضع الأستاذ عبد الحميد قدمه اليسرى على الأرض.. تلته القدم الاخرى ووقف منتصبًا بجوار السيارة.. تحرك خطوة أو خطوتين.. اغلق برعي الباب بقوة.. نظر له عبد الحميد والشرر يتطاير من عينيه.. قال بصوته الأجش وهو يمسح شاربه الغليظ: · بشويش يا حمار على باب العربية.. كام مرة قولت لك بشويش.. وأنت زي البغل ما بتفهمش.. عشرين سنه شغال معايا وكل يوم بتاكل نفس المطبات.. ده انت حتى لو حمار كان زمانك حفظتهم.. وبرضو كل يوم تقفل باب العربية كده.. إيه مفيش مخ خالص؟! نظر برعي للأرض في خجل وقال: · انا أسف يا عبحميد بيه.. والله دي... قاطع عبد الحميد برعي وهو يخطو مبتعدًا عن السيارة دون أن ينظر إليه: · كل يوم تقول أسف وتعمل نفس اللي بتعمله.. مخصوم منك يومين. صك برعي وجه وقال وهو يكاد يبكي: · دول تالت يومين الشهر ده.. وإحنا لسه اتنين منه يا باشا. · علشان غ*ي وما بتفهمش. قالها عبد الحميد واتجه نحو برج المراقبة.. هبط على سلمه الحديدي حامد وفي يده عصاته.. وقف ضاممًا قدميه رافعًا رأسه لأعلى فاردًا كتفيه ونافخًا ص*ره الضعيف قدر المستطاع الذي تظهر ضلوعه من تحت جلده بوضوح.. ارتفع جلبابه عنه فبان قصره.. حاول أن يشده لأسفل لكنه لم ينجح في أن يغطي ما انكشف من ساقه حتى قبل الركبة بقليل.. اقترب منه عبد الحميد.. ارتجفت ساقي حامد النحيفتين.. واهتزت العصا المثبته على كتفه.. تقلصت عضلات وجهه خوفًا من عبد الحميد.. لف عبد الحميد حول برعي لفتين وهو يعاين هيئته.. قال له وهو يقف في مواجهته: · كنت نايم يا حامد.. نايم أثناء أوقات العمل الرسمي.. عارف ده معناه إيه؟ هز حامد رأسه نافيًا: · والله ما كنت نايم يا عبحميد بيه.. انا بس عيني غفلت لحظة. · يعني بتكدبني يا حمار؟! انا واقف تحت البرج وشايفك يا جحش وانت نايم في العسل.. وفي الاخر كل أول شهر عاوز تاخد ماهيتك. شعر حامد أن راتبه سيصاب بسوء بعد لحظات قليلة.. قال وهو يربت بيده اليمنى على ص*ره مترجيًا ومتوسلًا عبد الحميد: · أول وأخر مرة يا سعادة البيه. · أول مرة زي أخر مرة يا حمار.. مش يمكن وانت نايم في حد من الاعداء اتسلل ودخل؟ · هيدخل منين بس يا باشا؟! ده السور ارتفاعه يجي تلاتة متر... قاطعه عبد الحميد في حدة: · بقالك أكتر من اتناشر سنه شغال هنا ومش عارف ارتفاع السور؟! السور ده انا اللي م**مه ارتفاعه تلاتة متر واتنين وسبعين سنتي.. والسلك الشايك ده أنا مستوردة من برا.. يعني السور بالسلك الشايك يبقوا اربعة متر وخمسة وسبعين سنتي. · طيب يا باشا هو في حد يستجرأ يدخل... · بتسلل يا حمار. · هو في حد يستجرأ يتسلل من السور ده.. ده حتى البوابة اعلى من السور بالسلك.. يعني مفيش حد ممكن يطلع من عليها. · انت رأيك كده؟ هز حامد رأسه موافقًا.. قال عبد الحميد وهو يلف مرة أخرى حول حامد ويضبط وضع العصا: · يبقا أنت كده ملاكش أي لازمة ونوفر مرتبك أحسن. · لا يا بيه مش قصدي. نظر عبد الحميد على أقدام حامد وأشا ر للبلغة التي يلسها في قدميه وقال: · يبقا تسكت خالص وتخرس.. مش ملمع مركوبك ليه يا جحش؟ نظر حامد لقدميه.. صرخ فيه عبد الحميد محذرًا: · لما اكلمك متتحركش. · حاضر يا باشا.. أوامرك يا عبحميد بيه. · مخصوم منك يومين انت راخر.. يوم علشان نمت.. ويوم علشان الصرمة اللي في رجليك مش متلمعة. تركه عبد الحميد وهو واقف كتمثال برونزي تنع** عليه أشعة شمس صباح شهر سبتمبر.. تأكد من ابتعاد عبد الحميد وذهب نحو برعي.. التفت برعي حوله في ذعر حتى تأكد أنهما في مأمن ولا يستطيع عبد الحميد أن يراهما.. أخرج علبة سجائره هزها بقوة وض*ب على كعبها.. وضع سبابته داخلها ووسع فتحتها.. اخرج سيجارتان.. اعطى واحدة لحامد وأشعل الثانبة.. قال وهو يضع القداحة في جيبه: · سور واسلاك شايكة وبوابة ولا بوابات القلعة.. كل ده في مدرسة ليه؟! رد عليه حامد وهو يضع السيجارة خلف أذنه: · يا سيدي واحنا مالنا.. المهم خ**لك كام يوم النهارده؟ · يومين.. وانت؟ · زيك. وقف فتحي خلف عبد الحميد وأشار لهما أن يتفرقا.. هرول حامد لبرج المراقبة واختفى برعي خلف السيارة جالسًا الق*فصاء. مر عبد الحميد بين العمال وخلفه فتحي رئيسهم والمشرف عليهم.. سبقه فتحي بخطوتين وانحنى يرفع كيس بلاستيكي من أرضية فناء المدرسة.. ركله عبد الحميد في مؤخرته حتى كاد أن ينقلب على وجهه.. استدار فتحي ووقف مرتبكًا لا يعرف ما الخطأ الذي وقع فيه حتى تصيبه مثل هذه الركلة.. قال عبد الحميد وهو يشير بيده للعمال: · انا مش معينك ومشغلك هنا وبتاخد مرتب قد كده على قلبك علشان تلم ورق وأكياس وزبالة من الحوش.. انت شغلتك هنا تشرف على البهايم دي وتشغلّهم.. انت لو شايف شغلك كويس مكانش زمان في فتفوتة ورق على الأرض.. المفروض انكو بتبدأوا شغل الساعة خمسة الصبح.. والساعة دلوقتي ستة وعشرة.. يعني المفروض أجي الاقي الحوش بيرق من النضافة. هز فتحي رأسه موافقًا رغم أن نظرات عينيه تدل على أنه لم يستوعب حرف واحد مما قاله مديره في العمل ومالك المدرسة الخاصة التي يعمل فيها. استدار عبد الحميد و اتجه نحو المبنى الإداري للمدرسة في أحد اركان الفناء وخلفه هرول فتحي.. قال عبد الحميد: · مخصوم منك يومين.. ومن كل عامل يوم. · اشمعنى انا يومين يا باشا وهم كل واحد يوم؟! لم يجبه عبد الحميد ودخل المبنى وخلفه رئيس العمال.. صعد درجات المبنى ومسح بيده على سور السلم ليتأكد من عدم وجود أي اتربه عليه.. نظر في يده وجدها نظيفة.. قال وهو يمشي في الممر المؤدي لمكتبه: · الواد منصور المسئول عن نضافة المبنى ده باين عليه ولد نشيط وعنده ذمة.. يوم مكافأة. اسرع فتحي يفتح له باب غرفة مكتبه.. دخل عبد الحميد وجلس على مكتبه الضخم.. اخرج دفترين كبيرين من أحد الادراج.. على غلاف الأول مكتوب دفتر المكافأت.. سجل فيه بقلم حبر اخرجه من جيب بدلته بخط واضح ( يوم مكافأة لمنصور العامل لاتقانه عمله وتفانيه فيه. ) وقع تحته وكتب تاريخ اليوم.. اغلقه واعاده لمكانه.. فتح الاخر وكتب ( يومان خ** لكل من حامد وبرعي و فتحي و يوم واحد لكل عمال المدرسة لاستهتارهم في العمل. ) وقع تحت القرار الإداري وأغلق الدفتر واعاده في بطن الدرج مكانه و اغلقه.. نظر لفتحي و قال له: · دقيقتين بالظبط وتكون القهوة بتاعتي قدامي.. الساعة دلوقتي ستة وتلاتشر دقيقة.. القهوة تكون هنا الساعة ستة وربع بالتمام والكمال.. الساعة ستة ونص تدخلي الافندية والهوانم مدرسين المدرسة واحد واحد باسبقية الوصول.. مفهوم؟ هز فتحي رأسه موافقًا.. قال له عبد الحميد بصوت آمر: · يللا واقف ليه.. اتحرك. خرج فتحي بسرعة من غرفة المكتب وهو يلعن اليوم الذي رماه من الصعيد إلى هذه المدرسة ولولا الثأر الذي يطارده ما ترك بلدته ولا وافق أن يعمل كعامل في مدرسة وهو يمتلك أفدنة في قريته.. لكنها في النهاية أنسب مكان يختبئ فيه من مطارديه.. ومبانيها المحاطة المحصنة بتلك الأسوار العالية والأساك الشائكة وأبراج المراقبة تشعره بالأمان.. فهو منذ دخل هذه المدرسة والتحق بالعمل فيها لم يغادرها قط.. لم يخرج من بوابتها و لو لمرة واحدة.. لا احد يعرف سره ولا عبد الحميد نفسه الذي اعتبر ما يفعله فتحي إخلاص في العمل ساعده أن يرقيه ويصبح رئيس للعمال ومشرف عليهم بعد وفاة الرئيس السابق في حادث مؤسف عندما سقط من فوق سطح المدرسة عندما كان يشرف على تنظيف خزانات المياة هناك. يحضر له العمال طعامه واحتياجاته الخاصة من الخارج.. وعندما يسأله أحد منهم عن سبب ملازمته للمدرسة وعدم الخروج منها يرد عليهم وهو يداعب باصابعه مسبحة ابيه أنه يخاف من الف*نة ويخشاها.. ذات يوم جادله أحد العمال الشباب وقال له: · طب ما الف*نة موجودة في المدرسة.. المدرسات الموجودين في المدرسة دول مش ف*نة واللا ايه يا عم فتحي؟! رد عليه وهو يغمض عينيه ويهز رأسه كدرويش: · الف*نة اللي تجي لك لحد عندك غير الف*نة اللي تسعى لها يا ولدي.. وبعدين الف*نة مش نسوان وحريم و بس.. روح يا ابني شوف شغلك وسيبني في ملكوتي. كانت تلك الحركات التمثيلية التي اتقنها فتحي تنطلي على جميع العاملين في المدرسة من مدرسين ومدرسات وإداريين وإداريات وعمال.. حتى زوار المرسة من الموجهين اعتبروا عم فتحي كما ينادونه ولي من أولياء الصالحين.. ووصل الأمر إلا حد التبرك به من البعض.. الوحيد الذي لم تنطلي عليه هذه الحركات هو عبد الحميد الذي يعامله كما يعامل باقي العاملين تحت أمرته.. ذات يوم حذره ولي أمر مما يفعله مع فتحي.. ضحك بصوت عالي اهتزت لضحكته جدران غرفة الاجتماعات الملحقة بمكتبة وقال له: · انت صدقت يا دكتور رجائي شوية الحركات اللي الاهبل ده بيعملهم.. ده ع**ط وبيستعبط يا راجل. انكر رجائي ما سمعه واستغفر و حولق وقال له عن مواقف كثيرة حدثت له مع فتحي يستشهد بها على بركاته.. كيف أن فتحي عرف مجموع ابنته في الثانوية العامة قبل ظهور النتيجة بأيام كثيرة.. بل واخبر رجائي بالكلية التي ستلتحق بها أيضَا.. وعندما كان عنده مشكلة في العمل.. اخبره فتحي بها.. ودله على من يفتعلها.. واخبره بطريقة حلها.. والعجيب أن الطريقة التي اقترحها نجحت نجاح باهر.. من وقتها ورجائي يعتبره مرشده في الحياة.. لا يتخذ قرار دون الرجوع لفتحي والاخذ بمشورته.. وصل الامر أنه سأله هل ينجب مرة أخرى كما تطلب زوجته منه أم لا.. اغمض فتحي عينيه وهز رأسه بقوة حتى تخيل رجائي أنه سيغشى عليه.. بعدها أخبره وهو مغمض العينين ويشير بيده بعلامات غامضة غريبة: · لا بلاش يا دكتور رجائي الواد هيطلع مش*ه. اخبر رجائي زوجته بقرار فتحي واقتنعت تماما ولم تعد تفتح هذه السيرة مرة أخرى وتنازلت عن حلمها أن يكون عندها ولد ليأخي بناتها الثلاث لأن فتحي قال ما قاله. * * * دخلت ريهام غرفة نومها وفي يدها مج من النسكافية اعدته بنفسها ولم تعتمد على الخدم الموجودين في الفيلا، تعرف مقدار السكر المطلوب لمثل هذا المج وتضعه، لن يمانع صفوان زوجها أو يعترض لو كن من اعده أجد الخادمين وربما لم يعرف أيضًا لكن ريهام تشعر بسعادة بالغة عندما تعد له مشروبه الصباحي بنفسها، كما أنها لا تعد أي شيء من طعام أو شراب غيره، فهناك طاهي وسف*جي والكثير من الخدم يتقاضون مبالغ ضخمة شهرية لخدمتها هي وزجها صفوان الوزير السابق. منذ أن أُقيل من منصبه وهو في حالة مزاجية غير معتدلة، حقق كثير من النجاحات في وزارة الزراعة التي كان يتولاها، عالج الكثير من المشاكل التي ورثها من الوزراء السابقين، ورغم ذلك وبجرة قلم أجبروه على الاستقالة، يشعر بأن أقرب من كانوا يساعدوه هم من خانوه، وينتظر اليوم الذي يعود له سلطته لينتقم من مدبولي قريب زوجته. وضعت المج على الكومود بجانب السرير، اقتربت من زوجها وقبلت جبينة، فتح عينيه رأها مبتسمة، حركت سبابتها برفق على أنفه، قالت له في دلال بعد أن توجهت نحو الشباك تفتحه: · قوم بقا يا **لان.. انت ناسي إن عندك اجتماع النهارده؟! · يا شيخة انت بتسمي ده اجتماع يستاهل اصحى له؟ تعلم ريهام أنه على حق، فما فائدة وقيمة اجتماع مجلس أمناء مدرسة مهما كانت قيمتها لوزير سابق، لكنها كل ما تريده أو تبغاه أن يخرج من قوقعته التي فرضها على نفسه منذ خروجه من وظيفته. لم تيأس ريهام من مراوغة صفوان وعادت إلى السرير وجلست بجانب زوجها الذي غطى وجهه بالبطانية الخفيفة، سحبت البطانية من على وجهه وداعبته في دلال حتى استيقظ وقعد على السرير بجانبها، قال لها بغضب مصطنع: · عاوزة إيه يا ريهام؟ · تقوم تنور الدنيا وتخرج تروح الاجتماع يستفيدوا من خبرتك. · طيب.. طيب.. روحي هاتي لي النسكافية بتاعي. مدت يدها واحضرت المج من على الكومود واعطته له: · اتفضل يا سيدي.. اظن كده ملاكش حجة. امسك صفوان المج من يدها ونظر لها مبتسمًا ابتسامة المغلوب على امره، وقفت وتوجهت نحو غرفة اللبس الموجودة في احد أركان غرفة النوم الكبيرة، تخيرت بدلة وقميص ورابطة عنق وعرضتهم عليه، هز راسه غير مكترس معلنا موافقته، وضعتهم بجانبه على السرير وجلست تطالع كتاب في يدها، نظر صفوان نحوها وسألها: · بتقرأي إيه ده؟ · مجموعة مسرحية. · اسمها ايه؟ · في حضرة جودو. · في حضرة جودو؟! مش المفروض في انتظار جودو بتاعت صامويل بيكت؟ عرضت عليه الغلاف وقالت: · ده الجديد بقا ياسيدي.. كاتب مصري بس حلوة قوي.. هتعجبك.. بس أخلصها الأول. صفوان ينظر لها مهتما ويأخذ أخر رشفة من النسكافية ويضع المج الفارغ على الكومود ويتوجه نحو الحمام، ريهام تكمل قراءة حتى ينتهي صفوان من حمامه ويخرج، تساعده على ارتداء ملابسه، يقف أمام المرآة تبتسم له ريهام وهي ترش عليه رذاذ العطر الفرنسي الغالي. * * * استيقظ شادي من نومه، توجه نحو غرفة أمه لم يجدها فيها، نظر في الساعة المعلقة على حائط غرفة المعيشة وجدها تجاوزت السادسة، عرف أنها ذهبت لعملها في مدرسة السنطي، توجه نحو المطبخ وجلس إلى المنضدة الموجودة في منصفه، رفع الغطاء المعدني الفضي اللامع عن طبق السندوتشات التي أعدتها له أمه إنبهار قبل مغادرتها. لم تنسى إنبهار أن تعد له ساندوتشات البيض بالبسطرمة التي يعشقها من صغره، لم يتغير عشقه للبيض والبسطرمة حتى أصبح طالب بالصف الرابع من كلية الطب البشري، ولم تتوقف أمه عن شراء البسطرمة والبيض واعدادها لهم كل صباح تقريبًا على هيئة سندوتشات قبل مغادرتها لعملها، بجانب الطبق وجد كوب حراري به الشاي بحليب الذي يشربه كل صباح مع أفطاره. اخذ رشفة من الشاي وامتزج طعمه الحلو مع مذاق البيض المملح بملوحته البسطرمة، يستمتع شادي دائمًا بالخلط بين كل المتناقضات، حتى أن الله وهبه في شكله بعض المتناقضات، شعره الخشن وعيون زرقاء مع بشرة حنطية، لكن هذه المتناقضات منحته الكثير من الجاذبية بين زميلاته في الكلية. اغمض شادي عينيه وهو يمضغ الطعام الممزوج بالشاي الحليب في تلذذ وهو يدعو بداخله لأمه بطول العمر والصحة والعافية، رن هاتف محموله وظهر على الشاشة اسم (جويرية) وضع باقي ال**ندوتش في الطبق ومسح يده في منديل ورقي ورد عليها ملهوفًا. * * * عاد فتحي بالقهوة في وقتها المحدد وضعها أمامه وانصرف دون أن ينبس ببنت شفة.. رشف عبد الحميد منها رشفة قصيرة ليتأكد انها كما يحب وعلى مزاجه الخاص.. وضع الفنجان في طبقه وامسك بريموت كنترول وضغط على زرار التشغيل به موجها إياه نحو شاشة كبيرة في مواجهة مكتبه.. لحظات وبدات تضيئ ثم ظهرت عليها مستطيلات كل مستطيل يعرض ما تصوره إحدى كاميرات المراقبة.. اختار مستطيل منه فملأ الشاشة كلها.. اخذ يسجل في ورقه أمامه اسماء المعلمين والموظفين ووقت دخولهم من بوابة المدرسة بالدقيقة والثانية.. انهى قهوته في تمام الساعة السادسة وعشرين دقيقة.. استمر في متابعة الشاشة والتسجيل في الورقة حتى الساعة السادسة والنصف.. ظهر فتحي على الشاشة أمامه وهو يغلق البوابة.. لكن قبل أن يقفلها تمامًا تمكنت الأستاذ إنبهار من الدخول.. طالع عبد الحميد ساعة الحائط المعلقة وسجل في الورقة.. تأكد من أن فتحي أنهى غلق البوابة.. اعاد وضع الشاشة على ما كانت عليه عندما فتحها. * * * ينتهي عمل حامد عندما يبدأ عمل الأخرون، ذهب عبد الحميد لبرج المراقبة وجد حامد واقفًا فيه.. اشار له بالنزول والذهاب بالتوقيع بالانصراف من خلال جهاز الب**ة التي اقترحته نجوان ذات مرة لضبط مواعيد حضور وانصراف العاملين في المدرسة. اسرع حامد نحو أحد الاجهزة الموجودة في مدخل المبنى الإداري.. ضغط على الأزرار رقمه الوظيفي الخاص ووضع إبهامه وتحرك خارجًا من بوابة المدرسة توجه نحو محطة الأتوبيس القريبة من المدرسة ووقف منتظرًا مرور الأتوبيس الذي يمر بالقرب من الحي العشوائي الذي يقطن فيه، يشعر فيه بالراحة والامان ولا يعرف لماذ يطلقون عليه صفة عشوائي، الناس هناك اهل مروة رغم صخبهم وسبابهم، ورغم الصرف الصحي الطافح في الشوارع والحشرات العائمة على وجهه والرائحة العفنة الناتجة من تلك المياة الأسنة، لكنه اعتاد على كل هذا منذ أن ترك البراح في قريته هربًا ممن اراد افقاده إنسانيته، احتفظ بها رغم أنها مهدرة حيث يعيش مع زوجته وابنه المريض وبعض الأولاد الذي يرأهم أفضل وأذكى من كل طلاب مدرسة السنطي التي يدفعون فيها عشرات الألوف ليتعلموا. * * * عاد فتحي مهرولًا من عند البوابة ووقف أمام مكتب عبد الحميد وهو ينهج ويلتقط أنفاسه بصعوبة.. سمع ساعة المكتب من الداخل تدق معلنة أن الوقت الآن السادسة والنصف.. طرق طرقة خفيفة على الباب وفتحه ليدخل الأستاذ رشيدي حاملا في يده دفتر تحضير دروسه.. دخل بخطوات بطيئة متثاقلة مترددة.. نظر له عبد الحميد.. شعر رجائي بقشعريرة باردة تسري في جسده الضخم.. اقترب قليلًا من المكتب و القى تحية الصباح محاولا التبسم في وجه مديره.. رد عبد الحميد واسند يديه على مكتبه ووقف.. لف ووقف أمام المكتب مقابل رشيدي الذي كان على بعد ثلاث خطوات منه تمامًا.. تفحصه عبد الحميد جيدًا.. أشار إلى حذائة وقال: · شيء جيد يا أستاذ رشيدي أن جزمتك متلمعة.. ثم أشار إلى يديه وقال و هو يلوي شفتيه في ق*ف: · بس بص على ضوافرك كده.. طويلة.. متقصتش يجي من أسبوع تقريبًا.. أنت قدوة لتلاميذ وطلاب المدرسة.. هيقلدونك سواء بارادتهم أو من غير وعي منهم.. ضوافرك لما تكون مقصوصة ونضيفة الطلاب هيقصوا ضوافرهم من غير كلام مننا أو اوامر.. الكرافتة اللي لابسها جميلة ومناسبة للون البدلة حاجه حلوة وإيجابية تانية أهوه.. دقنك محلوقة.. كله على ما يرام ما عدا حاجه واحدة. تحسس رشيدي جيب حلته وشعر بجسم معدني فيه.. مد يده واخرجه.. قال وهو يعرضه على عبد الحميد: · القصافة معايا.. هاقصهم قبل الطابور يا أستاذ عبد الحميد. هز عبد الحميد رأسه وأردف قائلًا: · طب لو حد من الطلبة كان قابلك وانت في الطريق للمدرسة مثلًا؟ أنت قدرة جوا و برا المدرسة.. بعد كده لازم تيجي المدرسة على سنجة عشرة. أومئ رشيدي بالموافقة.. عاد عبد الحميد ليجلس خلف مكتبه.. تقدم رشيدي ووقف أمام المكتب مباشرة.. أشار له عبد الحميد بالجلوس.. جلس رشيدي على احد المقعدين الموجودين أمام المكتب بعد أن فتح دفتر تحضيره ووضعه أمام المدير على المكتب.. القى عليه نظرة سريعة متفحصة.. وقع على تحضير درس اليوم وكتب التاريخ.. اغلقه واعاده لرشيدي.. اخذه وهم بالوقوف.. قال له عبد الحميد: · عندك حصتين بس النهارده.. هتعمل ايه في باقي اليوم؟ · وحدة تدريب لمدة حصة.. ومسابقة بين طلاب الصف التاني الإعدادي في مادة العلوم لمدة حصتين.. والحصتين اللي فاضلين في المكتبة. ابتسم عبد الحميد للمرة الأولى منذ استيقاظه وبالرغم من أنها ابتسامة مقتضبة لكنها في النهاية ابتسامة اضافت لوجهه مسحة من الوسامة التي يفقدتها.. اطمئن رشيدي عندما رأها.. سأله عبد الحميد بعد أن تراجعت ابتسامته واختفت: · تفتكر يا أستاذ رجائي ايه اللي ناقص المدرسة علشان تبقا مثال لكل المدارس؟ · والله يا استاذ عبد الحميد المدرسة زي الفل... قاطعة عبد الحميد: · يعني المرتبات معقولة؟ تمهل رجائي في الرد محاولًا فهم قصد مالك المدرسة من سؤاله و قال: · حضرتك بتدينا مرتبات زي مرتبات دول الخليج وده في حد ذاته شيء مش موجود في أي مكان في مصر لا حكومة و لا خاص. نظر عبد الحميد نظرة ثاقبة لرشيدي الجالس على طرف الكرسي أمامه جعلته يتزحزح للخلف دون إرادة منه ويسند ظهره على مسند الكرسي كأنه يحاول الابتاعد عن تلك النظرات التي تكاد تخترقه.. قال عبد الحميد وهو ينظر في ساعته: · واضح إنك مفهمتش سؤالي يا أستاذ رشيدي.. المدارس مش مدرسين ومرتبات بس.. عموما فكر في سؤالي كويس جدا.. ولو لقيت إجابة تعالى قولهالي في الحال. أشار له عبد الحميد بالأنصراف وأكمل قائلًا: · اتفضل انت يا رشيدي في حفظ الله.. اشوفك في الطابور.. بس متنساش تقص ضوافرك أول ما تخرج من المكتب.. ومترميش الضوافر على الأرض.. حطها في أي سلة من السلال الموجودة.. مع السلامة. وقف رشيدي وحمل دفتره وغادر المكتب بسرعة حمد الله أن مقابلة اليوم مرت بسلام دون أي خسائر تذكر.. خرج رأه باقي الزملاء في الخارج.. وجهه شاحب وأسفل جفونه يتقلص بطريق لا إرادية منه.. شعروا جميعًا بألم في مناطق مختلفة من أجسامهم.

editor-pick
Dreame-Editor's pick

bc

ظُلَأّمً أّلَأّسِـدٍ

read
2.9K
bc

حكاية بت الريف

read
2.0K
bc

قيود العشق - للكاتبة سارة محمد

read
8.0K
bc

"السكة شمال" بقلم /لولو_محمد

read
1.0K
bc

شهد والعشق الأخر

read
1K
bc

زوجة عشوائية

read
2.4K
bc

عشقها المستحيل

read
16.6K

Scan code to download app

download_iosApp Store
google icon
Google Play
Facebook