مدرسة السنطي ( 16 )

2019 Words
تنفس فتحي الصعداء وعليه الآن الاستعداد لزيارة صفوان، ذهب إلى الحمام الملحق بغرفته، خلع ملابسه وتحمم، جفف جسمه الأسمر النحيف وارتدى بنطال وقميص هذه المرة، كان فيهما اشبه بشاب من سبعينات القرن العشرين، ذهب نحو البرج والقلق يتملكه من القادم القريب. لمحه حامد الواقف في برج المراقبة، لم يتعرف عليه في البداية، اعتقد أنه أحد الحرفيين تأخر عن الخروج مع زملاءه، قرر أن يوبخه لكن عندما اقترب فتحي نسبيا من حامد تعرف عليه من مشيته المميزة، صاح من موقعه قائلًا: · ايه اللي انت عامله في نفسك ده ياض يا فتحي؟ ضحك فتحي وهو ينظر لحذاءه الأ**د اللامع ذو الكعب العالي والبوز العريض، قال لحامد: · دي الموضة يا جاهل.. إيش فهمك انت في اللبس؟! · على فين العزم إن شاء الله؟ · معارفي القدام اللي كنت عندهم المرة اللي فاتت من كام يوم. ابتسم له حامد ابتسامة غامضة، واشاح وجهه بعيدًا عنه وعاود النظر للشارع قابضًا على عصاته الطويلة، لم يطل الأمر طويلًا، التفت حامد لفتحي الذي جلس على درجة من درجات السلم الحديدي للبرج وسأله: · انا قلقان قوي يا فتحي.. · عليا؟ · لا.. على شغلي.. تقدر تفسر لي معناته إيه اللي حصل النهارده؟ ليه السلك الشايك يتشال؟ مش يمكن بكرا يشيلوا البرج ويستغنوا عني؟ لم يهتم فتحي كثيرًا بما يشعر به حامد، رغم أن تفكيره يعتبر شبه منطقي، اليوم تخلصوا من السلك الشائك الذي كان علامة مميزة للمدرسة لمدة تقارب الربع قرن، والسور مدهون بالوان زاهية، لماذ لا يهدمون البرج غدا ويتشرد حامد ويصبح عاطل عن العمل، كان كل ما يشغل تفكير فتحي هو هل خطته التي رسمها ستنجح مع رجل مثل صفوان كان في يوم من الأيام وزير؟ مما يعني أنه ليس بالشخص السهل، لكنه خُدع المرة السابقة بسهولة، صدق فتحي ونفذ كل ما طلبه منه، هز فتحي راسه مفكرًا وهو يتمتم ويهمس لذاته: " البني آدم بيبقا غ*ي وع**ط لما حد يكلمه عن حاجه بيحبها حتى لو كان كل كلامه غلط، ويتعصب ويتنرفز وممكن يصور قتيل لما تكلمه في حاجه هو مش عاوزها حتى لو كان كل كلامك صح.. سبحان الله. " * * * تجمع الطلاب حول هيكل عظمي ضخم لحوت منقرض، شرح لهم رشيدي اجزاء الهيكل ومشى وهو يشرح لهم ويشير على كل جزء يتكلم منه، بدء من الرأس وصولًا إلى الذ*ل، وعقد مقارنة بين الحوت الحالي الموجود وبين هذا المنقرض موضحًا الفرق بينهما، بعدها قالت إنبهار للطلاب: · يعني ايه معنى إن في حوت وسط الصحراء هنا يا ولاد؟ المفروض يبقا في البحر مش في الصحراء كده. قالت نعمات وهي تضحك بصوت عال: · معناه إن الحيتان كانت بتطير.. طارت من البحر ونزلت هنا.. ومعرفتش ترجع البحر تاني وماتت يا حرام. هذه المرة نظر عبد الحميد لنعمات نظرة محذرة **تت بعدها في الحال، لاحظت سعاد نظرته، تأكدت أن هذا هو الرجل الذي تأمن على نفسها معه، تجاهلت إنبهار تعليق نعمات وقالت: · طبعا ميس نعمات بتهزر.. التفسير الحقيقي هو إن البحر كان واصل لحد هنا وابعد من هنا كمان، يعني إحنا دلوقتي واقفين في قاع البحر، يعني في يوم من الأيام من ملايين السنين كان البحر هنا وكان في انواع مختلفة من الحياة فيه، منها الحيتان دي وانواع الاسماك التانية اللي شرح عنها مستر رشيدي في الحفريات قبل كده.. لكن البحر راح فين؟ و ليه؟ ردت طالبة من المرحلة الثانوية: · أكيد انحسر بس ليه بقا دي ما عرفش. · بالظبط يا غادة برافو عليكي، هو فعلا انحسر.. والبحر اللي بنتكلم عنه هو البحر الأبيض المتوسط الموجود في شمال مصر.. اتحسر ليه انا هقولكو.. اللي حصل برضو من ملايين السنين إن الصفائح الأرضية تصادمت مع بعضها وده نتج عنه أنهم ركبوا فوق بعض مما أدى لأرتفاع اليابس وطبعا مع ارتفاع الأرض تراجعت المايه اللي في البحر.. لكن في ح*****ت معرفتش او مقدرتش تتراجع مع المايه وفضلت في قاع البحر اللي بقا مكشوف أو بقا ضحل ونشف من الشمس وماتت واتحجرت بعد كده وعملت الحفريات اللي موجودة حوالينا هنا في وادي الحيتان. بدأت الشمس في الانسحاب من السماء، تلونت السماء بلون أحمر قاني انع** على رمال الصحراء فاعطاها هيبة وجمال مختلف، حضر أحد المسئولين عن المحمية وطلب منهم الانصراف شاكرًا لهم زيارتهم ومحافظتهم على المكان والتزامهم بتعليمات المحمية الطبيعية، عادوا سيرًا على الأقدام إلى الحافلات، متعبين مجهدين من السير ومن السباحة واللعب في وادي الريان، ركبوا الحافلات وجلسوا يتحدثون في هدوء. هذه المرة تركت سعاد مقعدها المحدد لها وجلست بجوار عبد الحميد، قد تكون المرأة غنية، أو تحتل أعلى مناصب السلطة لكنها تبقى أنثى؛ تحب أن تنتمي لصاحب الضلع الذي خلقت منه، تريده وتتقرب منه، يمنعها خجلها من التصريح بحبها أو اعجابها لكنها داهية تستطيع أن تدفعه للتصريح وتتظاهر بالمفاجأة، قال عبد الحميد: · مريم انسجمت قوي مع زمايلها. · اه جدا.. الغريب بقا إنها بتحب مصاحبة اللي أكبر منها. · لاحظت ده فعلا.. سعاد.. متهيألي مريم محتاجة أب كمان. ابتسمت سعاد في خبث محبب وقالت: · طب مهي باباها عايش وموجود وبتشوفوه.. ده بيزورها على طول تقريبا كل اسبوع.. وساعات بتخرج معاه وفي الصيف بتبيت عنده.. مش معنى إن حصل طلاق بينه وبين بنتي إني هنكر إنه... قاطعها عبد الحميد: · انتِ عارفة وفاهمة أنا اقصد إيه.. امبارح بالليل انا تقريبا ما نمتش.. كنت بفكر فيكي.. تقريبًا كده انتِ نجحتي في كل مجال دخلتيه، الرياضة، البيزنس، والعمل التطوعي.. لكن الحاجه الوحيدة اللي ما نجحتيش فيها هي الحياة الزوجة.. · نصيب. · فعلا نصيب.. انا كمان اتجوزت وما نجحتش.. و دي قصة ما بحبش افتكرها.. بس كان لازم اعرفك إني سبق ليا الجواز والحمد لله ما حصلش خلفة منها يعني معنديش ولاد، وعاوز مريم تبقي بنتي. **تت سعاد لفترة وقالت: · انا كمان معجبك بيك قوي يا عبده.. بس واحنا في وادي الحيتان فكرت في شيء تاني خالص ما كانش على بالي ولا على بالك.. إحنا لو اتجوزنا هنفقد مريم.. انا مش متأكدة من الوضع القانوني لكن اعتقد إنه بجوازنا هتسقط من عليا حضانتها.. خليني اسأل المستشار القانوني بتاع الشركة بتاعتي لما نرجع والدنيا ما طرتش يعني. · لا طارت يا سعاد واحنا زي ما قولتي حياتنا هي عبارة عن رحلة نقطة ميه في شلال، يعني انا تقريبا قربت رحلتي تخلص.. انا هعلن خطوبتنا في حفلة السمر بتاعت الليلة. · لا بلاش.. اولا لازم امهد لمريم ولبنتي مامتها.. ثانيًا لازم اشوف الوضع القانوني للجواز علشان انا مش ممكن استغنى عن مريم تحت أي ظرف.. بس أكيد كل حاجه ليها حل.. واعتبر فعليًا إنك خطبتي وقريب هنحدد موعد الجواز.. وضعت يدها على يده، احتضنها في كفه، همست له برقة بالغة: · بحبك. نظر لها وقلبه ينتفض مكانه وكأنه سيقفز من بين ضلوعه، رفع يدها لفمه ولثمها، قربت وجهها من يده الماسكة ليده و قبلتها قبلة سريعة خاطفة، لم يلحظ أحد ما يحدث سوى السائق الذي رأهما في المرآة التي أمامه، ابتسم و اطلق نفير الحافلة بطريقة مرحة. * * * أنهى سميح واجباته المدرسية وجهز جدول اليوم القادم واعد حقيبته المدرسية، اخرج ااوراق التي اعطاها له راغب كمخرج منفذ للعرض وتأملها جيدًا، مستطيل كبير يمثل خشبة المسرح مقسم إلى تسع مستطيلات صغيرة عبر خطان بالطول وأخران بالعرض، كل مستطيل يمثل جزء من المسرح ومع كله حركة قررها راغب رُسِمَ سهم أو أسهم تمثل حركة أو حركات الممثليين، لكن لماذا حركهم راغب هكذا وما الهدف من ذلكهذا ما يشغل بال وتفكير سميح ويريد معرفته وفهمه. فتح شاشاة اللاب توب وضغط ضغطة طويلة على زر التشغيل، بدأت لمبة زرقاء صغيرة في الوميض وأنارت شاشة اللاب توب، انتظر سميح للحظات متأهبًا سماع أشعار عمل الويندوز، سمعها، فرك يديها متحمسًا وانتظر للحظات أخرى حتى تأكد من ظهور علامة الواي فاي اسفل الشاشة، ولج إلى محرك البحث جوجل، بدأ رحلة بحثه عن المسرح، كتب في خانة البحث أكثر من جملة حتى أخيرًا وجد ضالته في فيديو على اليوتيوب.. صرخ المدرب في شادي مشجعًا ومحفزًا حتي يسرع أكثر، نظر في ساعة يمسكها في يده وصفق له عندما وصل لنهاية جمام السباحة حيث يقف، قال له وهو ينظر له نظرة اعجاب: · عاش يا بطل.. اقل بثانيتين عن المرة اللي فات.. بس لسه ما **رتش الرقم بتاع البطولة اللي فاتت. سند شادي يده على طرف المسبح وهو ينهج وبيده الاخرى رفع النظارة المائية عن عينيه وقال بصوت متقطع: · إن شاء الله يا كابتن المرة الجايه. سجل المدرب بعض الملاحظات في دفتر في يده وقال لشادي: · كده إحنا خلصنا تمرين النهارده بس اعمل حسابك إننا هنكثف التمرين الفترة الجاية علشان البطولة قربت.. بكرا في نفس الميعاد.. وما تنساش تنام بدري والنظام الغذائي اللي اديتهولك. اؤمى شادي بالمواققة، ابتعد المدرب وظهرت جيويرية تلوح له، لوح لها شادي مبتسمًا وقفز خارجًا من المسبح وتوجه نحوها، صافحها وطلب منها أن تنتظره في كافتيريا النادي حتى يغير ملابسه. لحق بها بعد دقائق وجلس بجوارها، أحضر النادل لها طبق كبير من الأيسكريم، عرضت على شادي أن يطلب هو الأخر مثلها رفض لأنه ملتزم بالنظام الغذائي الذي وضعه له المدرب وطلب عصير برتقال طازج دون سكر، غادر النادل ليحضر طلب شادي وتلاهت جيويرية في الأيسكريم، ظلا صامتان لفترة، نظرت له وقالت: · انا كلمت ماما وهي هتقول لبابا. فهم شادي مقصدها لكن فضل أن ي**ب بعض الوقت لأنه يعرف الخطوة القادمة وما ستقوله، قال وهو يفرك شعره ليخلصه من البلل المتبقي فيه: · كلمتي ماما في إيه مش واخد بالي؟ نظرت جيويرية له نظرة حادة وقالت وهي تضع الملعقة في الطبق لذي أمامها: · هنستعبط يا كابتن واللا تحب أقولك يا دكتور؟! · انتٍ تقولي اللي عاوزاه يا قلبي.. بس فعلا مش فاهم انتٍ كلمتي مامتك في إيه وإيه اللي هتقوله لباباكي؟ استردت الملعقة واخذت على طرفها بعض الايسكريم وقالت: · حكيت لها عنك.. وعن حبنا.. وإنك ناوي تتقدم.. واللا انت لسه ما خدتش موافقة الست الوالدة؟! كان كلامها يحمل نبرة السخرية زادت منها في المقطع الأخير من جملتها، ابتسم لها شادي في محاولة منه لتهدئتها وقال: · هقولها امتى بس؟ هي في رحلة مع المدرسة دلوقتي. · اتصل عليها وقولها.. واللا ما بتتكلموش يعني؟ تن*د شادي وقال: · لا ما بنتكلمش.. في حاجه غريبة جدا مش عارف إيه هي بس حاسسها... · حاجه غريبة.. إيه إن شاء الله؟! لم تتخلى جويرية عن سخريتها، تعرف جيدًا مدى ارتباط أمه به، حكى لها شادي كل التفاصيل من قبل، لكنها الآن تريد موقف واضح وكلام صريح منه بعد أن اخبرت أمها بعلاقتها بزميلها في الجامعة والنادي، قال شادي متجاهلًا سخريتها اللاذعة: · اتصلت عليها أكتر من مرة وما ردتش عليا، كل يوم تبعت لي فويس على واتساب تقولي إنها تمام وتقفل النت بعدها.. اتصل ما تردش وساعات بعد ما تبعت الفويس بتقفل تليفونها خالص. اقترب النادل من المنضدة الجالسين عليها، **تا حتى وضع أمام شادي مشروبه وابتعد، قالت جيويرية وقد نفذ صبرها من مراوغته المستمرة واختلاق الحجج الواهية من وجهة نظرها حتى لا يخبر أمه بأمر ارتباطه: · بص يا شادي ومن غير زعل.. أنا مش هرتبط بواحد ابن أمه.. هي على عيني وعلى رأسي لكن في يوم من الأيام انت هتبقى جوزي وأبو عيالي.. لو من دلوقتي خايف تقولها إنك بتحب ومرتبط بواحدة وعاوز تتقدم لها.. يا ترى بعدين ولما يبقا في بينا عشرة وعيال ومستقبل بنبنيه سوا وأكيد هتحصل مشاكل بيني وبينها سواء كنت أنا السبب أو هي؛ هتتصرف إزاي وتعمل إيه؟ ظهر الامتعاض على وجه شادي لمجرد تخيله الموقف الذي افترضته جيويرية، قال وهو يتن*د: · حاضر يا جيويرية.. حاضر يا حبيبتي.. بس إديني فرصة امهد لها لما ترجع وهقولها. انهت الايسكريم وانتهى هو من كوب عصير الربتقال وضع ثمنهما على المنضدة وامسك حقيبة ملابسه وطلب منها الانصراف، مشت بجواره وخرجا من النادي هي في سيارتها وهو في سيارة أمه. * * * وقفت سيارة أمام بوابة المدرسة، وقبل أن يطلق السائق اله تنبيهها أو ينادي على فتحي نظر حامد لفتحي الجالس شاردًا على درجة من درجات السلم الحديدي وقال له: · الظاهر معارفك وصلوا.. قوم وتوكل على الله. · توكلنا على اللي لا بيغفل ولا بينام. قالها فتحي وهو يقف منتصبًا، ذهب عند البوابة فتحها وخرج وقفلها بالقفل الضخم من الداخل من خلال فتحة موجودة بها، اتجه للسيارة، فتح الباب الأمامي لها وركب، نظر السائق لهيئته وقال: · شيخ الأفرنكة؟! نظر فتحي لقميصه وبناطله الذي يرتديهما وقال: · دي الموضة يا ابني. · موضة ايه يا عم الشيخ.. اللبس ده بطّل يجي من اربعين سنه، صفوان باشا قالي اسألك الأول لو تحب تروح حته قبل ما نروح عـلى الفيلا. · لا حتة ولا ديوله.. اتوكل على الله. انطلقت السيارة في طريقها لفيلا صفوان، ذهب شبح الخوف الذي طارده المرة السابقة لكن هناك شبح جديد يسيطر عليه، خوفه من مقابلة صفوان هذه المرة.. لم يطل الطريق كما كان في المرة السابقة، عندما تتملكك أحاسيس معينة كالخوف أو القلق يمر عليك الوقت طويلًا ثقيلًا ينتف من روحك خصلات ويذ*ح في نفسك كل أمل، وعندما يسيطر عليك الفرح والاطمئنان يمر سريعًا كالبرق لا تشعر به، كانت رحلة الذهاب لفيلا صفوان هذه المرة مزيج من الأحساسين، القلق أن لا تنجح خطة فتحي والفرح لتخلصه من ضاحي.
Free reading for new users
Scan code to download app
Facebookexpand_more
  • author-avatar
    Writer
  • chap_listContents
  • likeADD