- أنت لم تساعدني لأجلي، أردت إغاظة ذلك الرجل، أراهن أنك منذ البدايَّة كنت تنوي تغيير مواعيد البرنامج.
"لمّ لا تعمل معيّ؟ أنت أفضل من الصحفيين المحنكين الذين يعملون لديّ."
- هاه لم تنكر حتى، لن أدعيّ أن قلبي كُسِر على أي حال.
"غريب أنت تعرفني لكن لا تعرف إيفرت؟"
- إيفرت؟...
بدا له وقع الاسم مألوفًا وهو ينطق به، أدار ڤينسنت هاتفه ناحيته فشاهد مذيعًا يرتدي بذلة داكنة يجلس وراء منضدة طويلة، وراءه شاشة بلازما عرضت عددًا من الأخبار العاجلة، كان شعره الأسوَّد مسرح للخلف، انشغل بالحديث مع أحد نواب الكونغرس عبر الهاتف.
- آه أجل...مذيع أخبار الساعة التاسعة.
قطب:
- مهلًا...أنتما تعملان في نفس الأستوديو؟
"لحسن الحظ نعم."
'لحسن الحظ؟' رأى عينا ڤينسنت تلمعان بتسلية ففكر: آه نعم بالطبع...
- بسببك أُغلِق أستوديو قناة إن إتش كي وخسر ما يزيد عن الـ16000 موظفًا عملهم...
**ت برهة وأحنى رأسه لجانب.
- ألست نادمًا؟
"نادم؟ إنها كلمة أجنبية لم أسمع بها من قبل."
- يومًا ما ستسمع.
"لنتمنى ألا يحدث ذلك."
- الحياة ليست مشغل سانتا كلوز لتحقيق الأمنيات.
حدق به بتحديّ فتكهرب الجو، جلس بجوار ڤينسنت شابٌ يرتدي معطفًا وقال: "عذرًا على تأخريّ."
لكن عندما رأى تحديق الاثنين ببعضهما حاول النهوض ببطء إلا إن ڤينسنت جره من معطفه وأجلسه بالقوة.
"مادوكس...فلويد." عرفهما ببعضهما البعض دون الحيد بنظره عن مادو**،"إن كنتُ أنا كلبًا ففلويد هنا هو جرذ."
"هاي هاي يا رجل دعني أطلب أولًا قبل أن تسكب الإهانات على رأسي!"
"عزيزنا مادو** هو من سيدفع اليوم."
ارتشف مادو** من علبة الكولا، مسح فمه ثم قال:
- لقد وافقت على الدفع لك أنت وليس لجرذك.
"أنت! أيها الطفل! أنا أكبرك بعشرة أعوام على الأقل!"
- هو من دعاك بالجرذ، تصرف معه.
بادل الشاب ناظريه بينهما ثم انزلق في كرسيه بارتياح وقد قرر ترك الأمر يمضي وحسب، تناول القائِمة من سطح الطاولة وانهمك بالاختيار منها.
"تبدو متأنقًا اليوم." علق ڤينسنت فالتفت فلويد ناحيته:
"أتعتقد أنهم سيسمحون لي بالدخول لو لم أتأنق؟ تبًا لك لمّ تصر على اللقاء في مقهى الفتيات هذا؟ هل أنت حقيقةً فتاة تتظاهر بكونها رجل؟"
نظر مادو** إلى جسد ڤينسنت الممشوق ثم إلى فلويد، كان فلويد نحيل البنية، شعره بنيّ طويل، ارتدى قميصًا أ**دًا مخطط بالأبيض وبنطالًا رماديًا وعليهما معطفٌ داكن الزرقة، كانت عظام ترقوته بارزة فوق القميص، لكمة واحدة من ڤينسنت ولن تجد الكنيسة ما تقوم بدفنه، فكر: إنه شجاع...
"أترغب أن ترى إن كنت أض*ب كفتاة؟"
طرق فلويد بل**نه، "عنصريّ، بعض الفتيات يستطعن إبراحك ض*بًا بحيث لا يتعرف أحد على ملامح وجهك الوسيم هذا."
"عرفني على واحدة. ستكون قد جمعت بين ثنائيٍ مثالي."
- إياك.
قال مادو** فاِلْتفت فلويد ناحيته.
- تلك جريمة.
أومَأ فلويد، "لا تقلق، لست متحجر القلب."
جرَّ فلويد صحن السلطة بالدجاج الخاص بڤينسنت وشرع بالأكل منه، قال من بين قضماتِه، "هذه المرة يجب عليك مضاعفة أجريّ."
"أنت تأكل في أجرك الآن."
"شش، اسمع، أتذكر قضية "تيد بديّ"؟"
"القاتل ذاك من التسعينيات الذي يبدو كأحد مشاهير هوليود."
"أجل هو ذاته، حكم عليه بالسجن المؤبد لكن محاميه نجح في تقصير حكمه إلى 25 عامًا مع احتمالية الإفراج بحسن السلوك..."
رفع فلويد الشوكة فسقطت منها قطعة خس خضراء في الصحن، "لديّ صديق يعمل كحارس في السجن أخبرني أن تيد لم يكن سجينًا مثاليًا وحسب بل هو مدير المكتبة العامة فيها، قام بكتابة روايتين وباعهما عبر محررٍ بارع، لاقتا نحاجًا باهرًا والآن يغرق في الثروة قبل أن يتم الإفراج عنه حتى...لكن دعك من هذا ليس هذا هو المهم..."
بدا على مادو** الاندماج وهو يحدق بفلويد فحول الثاني ناظريه إليه: "أكمل تيد 22 عامًا في السجن فرفع محاميه طلبًا بأن يتم الإفراج عنه مبكرًا! سيتم النظر في الطلب خلال هذا لأسبوع وفي الغالب سيتم قبوله."
"لكنه قتل رجلًا، على ما أذكر، ورفض الاعتراف بفعلته عندما قبض عليه."
"صحيح، شاب عشريني، آنذاك كان الإدعاء يشك بتورطه في خمس جرائم قتل أخرى لكنهم لم يتمكنوا من إثبات ذلك، وتم الحكم عليه بناءً على قضية واحدة."
- لم قتلهم؟
سأل مادو**، كان قد أكمل شطيرته فنفض يديه.
انحنى فلويد في الطاولة إلى الأمام وهمس لهما: "ادعى تيد أنه كان دفاعًا عن النفس، كان الرجل سكيرًا وتبادلا اللكمات في زقاق مهجور، انتهى به الأمر بتحطيم زجاجة فوق رأسه...مات الرجل من النزيف...لكن الحقيقة مختلفة.....لو قرأت الروايتين اللتين كتبهما ستستطيع أن تستنتج أنه مختل بالفعل، إنه مهوس بفكرة الخيانة والانتقام...أنا أعتقد أنه قتل أولئك الخمسة فعلًا... بالبحث في خلفياتهم ستكتشف أن جميعهم أشخاص كانوا متورطين بعلاقاتٍ خارج إطار الزواج..."
"مثير للاهتمام."
"أليس كذلك؟ كان تيد يصنع عدالته الخاصة بيديه الاثنتين..."
أخفض صوته أكثر وقال: "هجرت والدة تيد السيد بديّ بعد أن عثرت على عشيقٍ ثريّ، تركتهما وحيدين في شقة عطنة، غرق والده بمزيد من الديون فاتجه للشراب للتخفيف عن نفسه...وأين اتجه به الشراب؟"
احتضن مادو** ساعده وقال بضيق:
- إلى إساءة معاملة تيد...
"من هنا بدأت شخصية تيد الم***فة، لكنه ذكيّ حقًا، داهية...وممثلٌ بارع، أقنع لجنة المحلفين آنذاك ببراءته، لو لم يتمكن المدعي من إحضار شاهد عيان في الوقت المناسب لتركوه طليقًا!"
"وما هو السبق الصحفي؟ من الأفضل أن يكون لهذه القصة مغزى." قال ڤينسنت بضجر وحدق بساعة مع**ه، امتعض فلويد وقال: "منذ متى أتفوه بالتراهات؟"
"طوال الوقت."
"حسنًا لا بأس سأذهب لمنتج برنامج الكلمة الأخيرة، متأكد أن تراهاتي ستروق له."
قال فلويد وهو ينهض من الكرسي لكن قبضة حديدية جذبته بعنف ليسقط عليه مجددًا.
"كما قلت، إنه ينظرون في طلب سراحه، لكن...هناك شاهدٌ جديد! شخصٌ يرغب في الشهادة ضد تيد بديّ، رآه بعينيه وهو يقتل "مولي ستيوارت" بشقة في شارع أوستند."
وضع ڤينسنت خده على راحته يده، "ولمَّ لم يشهد في الماضي؟"
"لسببين." رفع فلويد إصبعين في الهواء، "الأول لأنه كان خائفًا بالطبع، والثاني بسبب تشريع التقادم المسقط."
بدا على ڤينسنت ملامح تفهم، قال مادو**:
- ما هو تشريع التقادم المسقط؟
"إنه قانون ينص على أن أي جريمة تسقط بعد عشرين عامٍ من ارتكباها."
- لم أفهم، ما علاقة هذا بالشاهد؟
ڤينسنت: "لابد أنه لص."
نظر فلويد إلى ڤينسنت بغيظ فقد سرق منه لحظته التي من المفترض أن يتآلق فيها.
"نعم الشاهد لص، كان في الشقة ساعتها، لم ينتبه تيد إليه، دخل تيد عبر الباب الأمامي للشقة كأنه مالكٌ لها، غرز السكين في بطن الفتاة وهو يكمم فمها بينما كان رالف مختبئًا في غرفة النوم، تسلل عبر سلالم الحريق فقد كانت النافذة مفتوحة...لم يكن يخطط من أجل هذه السرقة، رأى الستائر ترفرف لذا قرر المجازفة...لم يعتقد أن فعلته تلك ستسبب بأن يشهد أكثر لحظةٍ مروعةٍ بحياته."
- ولم ينتبه إليه تيد؟
سأل مادو** بفضول، فابتسم فلويد، "لا. تيد لا ي**ق شيئًا، يقتل ضحاياه ويغادر فورًا، كما أنه لا يتبع طريقة معينة كذلك، فقط ينهي المهمة ويغادر."
"وماذا يفترض أن أفعل بهذه المعلومة؟" قال ڤينسنت بحاجبٍ مرفوع.
"أنت سخيف."
نظر فلويد إلى ساعة ڤينسنت الراقية وابتسم بزاوية فمه، دور الثاني عينيه، خلعها وناولها له، أخذ فلويد علبة الكولا من أمام مادو** وتناول ما تبقى فيها، مسح فمه وقال: "أستطيع أن أتدبر لك لقاءً حصريًا قبل أن يذهب إلى محضر الشرطة."
"أخبرتك أنه جرذ."
قهقه مادو** مع تعليق ڤينسنت الضجر وتجعدت زوايا عينيه، نظر فلويد إليه وفكر: إنه يافع حقًا...
اِلْتفت إلى ڤينسنت بوجهٍ عابس: "هل هو ابنك؟ إلهيّ لد*ك ابن وانت لست متزوج حتى!"
تلقى صفعة قويَّة خلف رقبته كجواب، أما مادو** توقف عن الضحك فورًا وقال:
- لو كان والدِي لكنت انتحرت منذ وقتٍ طويل.
"لا تنتحر يا ولد. تعال، سأتبناك. أو سأبيع أعضاءك في السوق الأسوَّد. كلاهما أكثر فائدة من الانتحار."
- عم ڤينس، صديقك يرغب بتشريحي وبيعي على شكل قطع غِيار.
"إياك أن تقول عم ڤينس بهذه النبرة مجددًا وإلا سأشرحك أنا."
نهض ڤينسنت من الكرسي ثم قال: "عديم فائدة في النهايَّة أنا من دفع الحساب."
أخرج مادو** 100 دولار من محفظته وناولها للثاني، بادل فلويد ناظريه بينهما وقد اسند خده إلى راحة يده.
"لن أخذ مال طفل."
- أنت من طلب مني أن أشتري طعامك والآن عاد إليك ضميرك؟ خذها أنا لا أحب أن أكون مدينًا لأحد.
مشيا ناحية الباب فاِلْتفت ڤينسنت ناحيته بتقطيبة: "بعد شهرتي التي تعرفها جيدًا تعتقد أني أحتاج إلى مالك؟"
- لكني أحتاج إلى مبادِئي. خذ المال.
"صَّه. وإلا سترى إن كنت أض*ب كفتاة أم لا."
- بدأت أشك بهذا الأمر...بما أنك ذَكرته بنفسك.
أطلق جرس الباب رنينًا وقد انغلق وراءَهما، اتجها نحو سيارة ڤينسنت المصفوفة في الشارع المقابل، حدق فلويد بهما وقال: "وماذا عني أنا؟"