2

1614 Words
- فقط لأني سأدفع هذا لا يعنيّ أن تختار أغلى مطعمٍ في مانهاتن. قال المراهق لڤينسنت الذي كان يتقدمه الخطا، نظر إلى لافتة المقهى المعلقة (ڤاليري باتسيير، 1899)، دفع ڤينسنت الباب واِلْتفت ناحيته: "أنا زبونٌ دائمٌ هنا، لديهم أفضل سلطة سيزر وكابتشينو." عقد الفتى حاجبيه وتبعه الخطا ناحية طاولة طرفية استقر فيها ڤينسنت كمالكٍ للمكان بحق، "لا تنظر إليّ هكذا، أنا أحب الطعام الصحيّ." هاه، تناول المراهق قائِمة الطعام من الطاولة وفكر لابد أنه يقرأ الأفكار. "أنا لا أقرأ الأفكار لكن نظراتك المزدريَّة واضحة للعيان." علق ڤينسنت وقد سند خده بكف يده، مبتسمٌ بطريقة جانبية وحاجبه الآيسر مرفوع. - أريد شطائِر دجاج حارة. قال المراهق ووضع القائمة على الطاولة. "من فينا الزبون الدائم هنا؟ قررت بهذه السرعة؟" عقد يديه أمام ص*ره وحدق بالد*كور، في مقدمة المقهى كان هنالك رفوف عرض شفافة وراءها حلويات فرنسيَّة متنوعة، الحوائط مطلية بحيث تبدو كأرفف كتب داكنة وبها العديد من أسماء الروايات المشهورة كالبؤساء والخيميائي وبالأسفل رُسِم ظل رجلٍ وامرأة بفستانٍ واسع يتكِئان عليها، تدلت من السقف مصابيح غمرت المكان بضوءٍ كهرمانيّ دافئ، وعلى الحائط المقابل رأى لوحاتٍ زيتية تبادل فيها الأخضر والأحمر، ارتدى الطاقم زيًا بنيًا مع مآزر حمراء بها الحرفين الأولين للمقهى مع تاريخه. كانت فتاة صهباء تماثله عمرًا تأخذ طلبات زوجين عجوزين يختاران من طاولة العرض، تحدثت إليهما بابتسامة وطبعت على الحاسب المسطح. "يستحق مالك، أليس كذلك؟" انتزعه صوت ڤينسنت، اِلْتفت إليه وانتبه إلى خدشٍ يبدو حديثًا على صدغه الأيمن فقطب، لمس فينسنت الخدش بيده وقال: "آه هذا؟ رصاصة طائشة، ثلاث سنتمرات أخرى وكنت سأفقد عيني." نهض من مكانه مع نهايَّة جملته وذهب لمقدمة المقهى ليطلب لهما فالخدمة كانت ذاتية. - رصاصة طائشة... كرر المراهق بصوتٍ مسموع وهو يرمش ناحية ظهره المبتعد، قالها كأنها أمر مُعتَاد وغير مهم، كأنما فقدانه لعينه ليس بالأمر الجلل. منذ اللحظة التي وقعت عيناه على هذا الرجل وقد شعر بأنه به شيء خطير، علامة تحذيرية تحوم حوله، بالطبع كان يعرف السبب لأنه يعرف هويته، نظر حوله إلى المقهى واتسعت عيناه بتُذكر، انزلق ڤينسنت في المقعد المقاصد وقال: "سيأخذ الطلب عشرين دقيقة." - أنت! رمش ڤينسنت وانتظر أن يكمل كلامه. - أتعلم انسَ الأمر. قال الفتى وشعر بالصداع، لا يريد اقحام نفسه معه، سيتناول طعامه سريعًا وسيذهب بعدها ويتظاهر بأن هذا اللقاء لم يحدث. كان الثاني يرمقه بنظراتٍ متسليَّة، جسده ملويّ بزاوية وعيناه تفحصانه، للناظر من بعيد يبدو كشابٍ في أواسط ثلاثنياته، حاد الملامح قليلًا لكنه ليس مرعبًا، بالطبع مالم ينظر الشخص إلى عينيه، كان هنالك شيء بهما يدعو للحذر. كعيني قناصٍ ينتظر اللحظة المناسبة للتحرك. "أتعرف؟" - همم؟ أخرج فينسنت هاتفه من جيبه، كان يهتز منذ بعض الوقت لذا قرر تفصحه، طبع فيه بنصف انتباه وقال: "لقد بنيّ هذا المقهى في عام 1899، افتحته السيدة ڤاليري برفقة زوجها، كانت تعمل كنادلة بينما يصنع زوجها الحلويات، بشارع كومبتون القديم في مدينة لندن، حقق نجاحًا كبيرًا آنذاك لكن في عام 1941 دكته طائرات القوات النازية دكًا..." ازدادت سرعة طباعة ڤينسنت على الهاتف: "ما إن انتهت الحرب أعاد الزوجين بناءه مرة ثانية، افتتحا بعدها فروعًا أخرى، عندما توفيا تركاه لابنتهما إيثر، تابعت ابنتهما العمل فيه كصانعة حلويات وافتتحت المزيد من الفروع، حاليًا يصل عددها إلى 206 فرعًا...ولمَّ أخبرك بكل هذا؟ لأنه في الشهر السابق اكتشف المجلس أن شركة الحسابات التي يعتمدون عليها في إدارة أرباحهم –قرانت ثورتون- قد ارتكتب أخطاءً كبيرة وأهملت التأكد من عدد من الأوراق القانونية، من المفترض أن المال الذي سيتم استثماره هذا العام يصل إلى 30 مليون دولارًا." رفع رأسه من الهاتف مع ابتسامة من يُمتع في نفسِه: "لكن حقيقةً اكتشفوا أن المبلغ الذي يملكونه لا يتجاوز الـ10 ملايين، أعلن رئيس القسم أن لديهم فجوة مهولة في الميزانيَّة تصل إلى 94 مليونًا، خلال هذا الشهر تم إغلاق 70 فرعًا وخسر ما يزيد عن 900 عاملًا وظائفهم، قبل أسبوع تم القبض على خمسة أشخاص مسؤولون عن هذه الفضيحة وأقامت شركة -قرانت ثورتون- للحسابات مؤتمرًا صحفيًا تعتذر فيه عن تقصيرها، رفعت عليهم سلسلة المقاهي قضية في الغالب ستنتهي بإفلاسهم البنكيّ لهذا يسعون لحل المسألة خارج المحكمة." انحنت النادلة اليافعة ووضعت أمامه كوب كابتشينو وسلطة سيزر فابتسم ناحيتها بامتنان، وضعت طبق شطائر دجاج، علبة كولا وتارت بالفراولة أمام المراهق فأومَأ لها، انسحبت بعدها عائدةً إلى مكانها بمقدمة المقهى. بعينين متسعتين قليلًا اِلْتفت الفتى إلى ڤينسنت وقال: "اسمها إيثر!" فقد قرأه في الدبوس عندما انحنت لتضع طبقه أمامه. "ليست مصادفة،" تناول ڤينسنت رشفة من الكابتشينو، "إنها حفيدة إيثر، وأكبر مالكة للأسهم في السلسلة." - تبدو يافعة! "تبلغ سبعة عشر عامًا، تعمل هنا أيام العطل وبنهاية الأسبوع." - هاه. "هل أعجبت بها؟ تمتلك وظيفة ثابتة رغم كونها ثريَّة." دور المراهق عينيه، غزر شوكته في التارت ثم أخذ قضمة كبيرة، طحن الطعام بغيظ، كان يعلم ما يرنو إليه الآخر، تمتلك وظيفة ثابتة على ع**ك أنت ألا تخجل من نفسك؟ لكنه لا يعرف عنه شيئًا...ولا يهم أن يعرف. - متباهيّ... تمتم تحت أنفاسه فأثنى ڤينسنت رأسه إلى جانب، "آه إذًا أنت تعرف من أنا؟" - بالطبع، جلبتنا إلى هنا لتتباهى بكونِك من كشف فساد شركة قرانت ثورتون، متباهٍ طفوليّ. قهقه ڤينسنت، كان بصوته بحة، تلاشت الملامح المستمتعة من وجهه وعاد خاويًّا، اتكأ بذقنه فوق قبضتيه، "يبدو أني مشهور أكثر مما أظن." أخذ الفتى لقمة أخرى من التارت ثم أشار ناحيته بالشوكة. - أي شخصٍ يمتلك عينين وأذنين قد سمع عنك، ما لم يكن يعيش تحت صخرة، وحتى إن كان يعيش تحت صخرة من المحتمل أن الديدان ستخبره عنك. "أشعر بالاطراء." - لا تشعر. أكمل المراهق تناول التارت وجرَّ ناحيته شطائر الدجاج، فتح علبة الكولا فانطلقت غازاتها بهسيسٍ عالٍ. - كونك مشهور لا يعني أن السبب وراء ذلك جيد. رشف رشفة كبيرة من الكولا وأخذ قضمة من شطيرته، فرقع الطعم الحار للتوابل بفمه وشعر به يحترق، كم اشتاق لهذا الطعم! مضغَّ على مهل ثم أكمل كلامه: - ماد-دوغ ڤينسنت. تحتل دائمًا الصدارة في قائِمة البحث. "لكنيّ لست كلبًا مجنونًا، إنها إشاعات." وضع كوب الكابتشينو على الصحن فأص*ر رنينًا، حدق الفتى به عن كَثب وقال: -أنت لست كلبًا. **ت برهة. - بل ذئب، إن الكلاب وفيَّة، وحدها الذئاب تقوم بعض اليد التي أطعمتها. "هاه، لشخصٍ غير معجب أنت تعرف الكثير." - سواء أردت أن أعرف أو لا...سأعرف. حدَّق ڤينسنت بكوب القهوة، حركه فتموجت الرغوة أعلاه، بدا شاردًا بداخل أفكاره الخاصة حين انتزعه منها الفتى بقوله: "لديّ سؤال." رفع ڤينسنت عينيه تجاهه بما عنى أطلق. رشف المراهق من الكولا أولًا ثم قال: "هل فعلًا تركت آشلي جوهان بسبب خلافٍ بينهما أم لأنه خسر ثروته؟" رمشّ في البدأ تجاه السؤال ثم قهقه وقال:"أنا صحفيّ تحقيق وليس صحفي إشاعات! أتحسبني بنك نميمة؟" حرك الآخر كتفيه: "أنت من غطيت خبر صراعهم القضائي مع ماتشيزن. أنا معجبٌ كبير بابنه لذا أسعدني أنك دافعت عنه بتلك الطريقة." وضع ڤينس يده على راحة يده: "هاه أنت معجب بكيفن؟ همم، لا بأس به، جزء كبير من تغطيتي للخبر كان بسبب تحيزي ضد آشلي. أنا أكره أغانيها الرخيصة." ق*فص الفتى أنفه: "لطالما تمنيت أن تركب هي وجاستن بيبر طائرة نفاثة ثم يضيعان سويًا في المحيط الأطلسي." "قسوة." رشف ڤينسنت من الكابتشينو، "لكنهما يستحقانها." بعد هنيهة وضع الكوب وقال: "هل ستظل تنظر إليّ هكذا أم ستقول ما عندك؟" "أنت تعلم أن أسوأ صفة من الممكن أن تلتصق بالمرء هي الغدر." رفع ڤينسنت نظره إليه وانتظره أن يكمل، راعه صفاء العينين اليافعتين أمامه، كانتا نقيتين، بريئتين كمَّا لو أن الحياة لم تدنسهما بقسوتها بعد...أشعره ذلك بالاشمئزاز. "تغاير لون القزحيتين." بدا أن الفتى تذكر لتوه فقال: - أجل، إحداهما زرقاء والأخرى خضرَّاء، لكن لونهما يتغير مع الضوء، أحيانًا يصيران بنفس اللون. "مثل بيندكت كامبرباتش." - أجل أجل مثل بيندكت كامبرباتش. هشه الفتى كمَّا لو أنه سمع هذا الكلام ألف مرة، أعاد تركيزه عليه بنظراتٍ جادة فقال ڤينسنت: "هل تهمك إجابتي؟ إن كنت تعرف عني هذا القدر هذا يعني أنك تعرف أيضًا أني و*د من الطراز الرفيع." - بالطبع أعرف أنك شخص حقير. **ت قليلًا. - لكن تصرفاتك لها نمط معين...وفعلتك تلك كانت مختلفة...كانت شخصيَّة...في العادة أنت تكشف عن فساد الشركات ومؤامراتهم علنًا، بطريقة مبهرة ومتباهية، تضمن بها أن يقوم الجمهور بسحقهم تمامًا، تحب البهرجة والأضواء، أن تقف على خشبة المسرح وتصرخ 'انظروا إليّ، أحبوني، أكرهونيّ، انظروا إليّ'... رفع ڤينسنت حاجبًا فأكمل الفتى بجديَّة لا تناسب عمره: - إلا تلك المرة...اكتفيت بكونك مخبرٍ من الداخل. لمّ؟ "أنت بارع،" علق ڤينسنت، أكمل كوب الكابتشينو برشفة واحدة ثم تناول شوكته، "فكر بامتهان الصحافة، ستليق بك." - لا تغير الموضوع. "لست من نوع الأشخاص الذين يتفادون المواجهة، فعلتها لأن لورين انتحرت." - الموظفة التي قفزت من مبنى الأستوديو؟ "أجل، قيل أنها تعانيّ من مشاكل نفسية معقدة، دافَّع الأستوديو عن نفسه برشوة طبيبتها النفسية والسماح لهم بالاطلاع على تاريخ جلساتها." - لكنها لم تقفز لهذا السبب. "لا، لقد قفزت من فرط العمل، الأستوديو يفرض على المذيعين الحديثين في السن 100 ساعة إضافية في الشهر بلا أي مقابل، في العام الواحد هنالك حواليّ 2000 حالة موت بسبب فرط العمل، سواء من السكتات القلبية، الأمراض أو الانتحار، كان من الممكن أن أثير انتباه العامة بالطريقة المعتادة، لكني كنت أعمل في إن إتش كاي ذاتها، لذا إن قمت بكشف شركتي سيشككون في صحة أقواليّ، تعلم..." ابتسم بزاوية فمه، "أنا من هواة الانتقام وقد يعتقدون أني أفعل ذلك لغرضٍ مختلف." - لهذا عملت كمخبر وسلمت التقرير لأسوأ أعدائهم، استوديو إتش بي سي، نلت انتقامك ووظيفة دائِمة هناك. "لورين كانت متدربة لديّ." طرق المراهق إصبعه على علبة الكولا وحدق بها بشرود، عقله يعمل على استيعاب ما سمعه للتو. "ما اسمك؟" - مادو** رِيد. "كانت أخت صديقي المتوفى." رفع مادو** نظره إليه فرأى في عينيه صدقًا، كانت نظراته صلبة كالمعتاد لكن بهما شقٌ صغير، كبرعمة تنمو من بين تصدعات القرميد. - كنت متطوعًا سابقًا في الجيش؟ جفل ڤينسنت وعاد بظهره في الكرسي إلى الخلف، عقد ساعديه وقال بابتسامة: "كيف خمنت ذلك؟!" - أعرف رائدًا متقاعدًا، تتصرفان بنفس الطريقة، ليس شيئًا أستطيع شرحه. "أحببت الفترة التي قضيتها في الجيش." - جملة غريبة عندما تص*ر من شخصٍ مثلك. "لمَّ؟" لأن ماد-دوغ ڤينسنت هو الفوضى بعينها، انضباط؟ كلمة لم يسمع بها في حياته قط، كان التناقض صارخًا بين حركات جسده المصقولة كجنديٍ سابقٍ في الجيش وتلك الشرارة المشتعلة بعينيه. - غريب حقًا، لم أتخيل أن لكَ أصدقاء. "ولا أنا. لم أستوعب أنه كان صديقي إلا بعد أن توفيّ." تجمدت يد مادو** فوق العلبة ورمش، كان الثانيّ جادًا تمامًا لذا هز رأسه كفاقدٍ للأمل فيه.
Free reading for new users
Scan code to download app
Facebookexpand_more
  • author-avatar
    Writer
  • chap_listContents
  • likeADD