ليلة أمس.. كانت عارمة بضجيج الرأس، وقف عقلي في نهاية الصراع على أحدى الأراء.. التي هي (أنني شخص سيء للغاية!)
لأول مرة يهزم قلبي صوت عقلي بهذه الطريقة، جاء اليوم الذي أرى به ذاتي بهذا السوء..
هذا مؤلم..
للأسف؛
لم تكن هذه أنا أبدًا،
بعد أستيقظها من هذه الليلة بفوضى داخلي.. كلما تتذكر ليلة أمس تشعر بسوء أكثر فأكثر، كيف يمكن أن يسيطر عقلها هكذا!
بدالت ملابسها على الفور وذهبت لأعمال اليوم...
طوال طريقها كانت تشعر بضجيج في رأسها.. كانت تتمنى أن تقطع الخط الواصل بين عقلها وجسدها،
في هذه الوقت بالتحديد رأت رجل كببر لا يقدر على المشي مطلقًا.. يستند على عكازه ويمشي في غاية البطئ ويمسك في يديه بعض الأوراق لأشاعات وورق مشفى.. تأثر قلبها به، وسألت ذاتها أين أهله أقاربه أولاده!
كيف يتركه كل الأهل هكذا وحيد يذهب إلى المشفى بمفرده!
كان ذاهب نحو الباب لينزل من العربة.. لا تعرف ماذا حدث ولكنها نهضت من مقعدها وذهبت خلفه مباشرةً وظلت تمشي ورائه.. كانت تعرف أنه سيذهب إلى المشفى القريبة من غلاف التحاليل، لم ترد احراجه فأرادت أن لا تكلمه؛
ظلت تمشي ورائه في **ت إلى أن دخل المشفى ودخلت خلفه على الفور.. أستند الرجل على الباب ليأخذ نفسه وهنا أحست أنها من الممكن أن تتدخل.. ذهبت إليه وأسندته قائلة...
- على مهلك يا حج.. أنت داخل جوا؟
أمسك يديها بشدة وكأنه أخيرًا وجد أحد يهمه أمره ثم قال...
- اه يا بنتي.
أبتسمت قائلة...
- أنا كمان.. شكلنا طريقنا واحد.
نظر لها بعين دامعة وقال...
- ياريت.
ظل مستند عليها إلى أن دخل أمام غرفة طبيبه فنظر لها وقال...
- هذه غرفة طبيبي.
- هتدخل دلوقتي؟
رد قائلًا...
- لا، بنزل من بيتي ديمًا قبل مواعيدي بساعة.. عشان لو رجلي خنتني أنا مخنيش.
ربطت على كتفه قائلة...
- هقعد معاك، أنا كمان فضلي ساعة ونص على معادي.
نظر لها في حزن قائلًا...
- وإيه جابك هنا أنتي عندك إيه؟!
ردت...
- صداع.. مبيفرقنيش.
- ألف سلامة عليكي.. أنا عندي السكر.
ربطت على كتفه مرة أخرى قائلة...
- ربنا يد*ك الصحة..
لم تقدر هي الأخرى على السكوت وغلبها فضولها فأكملت...
- هو أنت يا حج ملكش ولاد؟
- لا ليا يا بنتي.
نظرت له في ذهول قائلة...
- وسبوك تيجي لوحدك كده!
نظر في الارض قائلًا ..
- الحياة مشاغل يا بنتي.
- طب هما متجوزين؟
- أه.
- جنبك؟
- اه.
لم تستعب كلماته، فكيف لهم ترك والدهم هكذا.. قالت بحنان...
- متزعلش يا حج، أعتبرني بنتك.
- ياريت كلن عندي بنت جميلة زيك.
أبتسمت قائلة...
- أنا أسمى فريدة.
أبتسم قائلًا...
- وأنا حج كرم.
- أتشرفت بمعرفتك.
- الشرف ليا يا بنتي .. قاليلي مالك وشك باهت كده مع أن قلبك أبيض.
دمعت عينيها حين تذكرت أنها ليلة أمس كانت تتمنى ولو شخص واحد يسألها هذا السؤال، مسحت عينيها في سرعة قائلة ...
- الدنيا مش مدياني فرصة أشوف حاجة واحدة حلوة في حياتي.
نظر لها في حزن قائلًا...
- بيقولك أكبر منك بيوم يعرف عنك بسنة.. عندك كام سنة؟
نظرت له قائلة...
- عندي ٢٥ سنة.
- طيب وأنا عندي ٥٥ سنة يعني أكبر منك بأكتر من ٢٠ سنة.. في ركزي في كلامي،.. الحياة دي نعمة وزي ما هي نعمة هي نقمة كمان، زي ما هتشوفي فيها وحش هتشوفي فيها حلو.. اللي بيفرق أصلك، أوعي تتنزلي عن نفسك أبدًا لا عشان حد ولو كان أقرب الناس ليكي.. هتقبلي اللي هياخد بإيدك ويطلعك السما ويرميكي من فوق، وهتقبلي اللي هيسمع منك وكأنه مهتم وهو في الأصل بيتمنى تخلصي.
نضرت له بحزن قائلة...
- عارف أنا كنت بتمنى أن أبويا أو أمي يكونوا عايشين كنت أكيد عمري ما هوصل للمرحلة دي أبدًا.
ربط هو على كتفها هذه المرة ثم قال...
- الحال بيتقلب في ثانية، عارفة أنا لما كان معايا فلوس ولادي فضلوا جانبي يتمنولي الرضا أرضى.. كانوا كلهم ملمومين حواليا ولو قلت تعبان مرة يقعدوا تحت رجلي، في الأخر واول ما خلصت فلوسي بسببهم مبقتش بشوفهم غير كل فين وفين ولو قلت تعبان مرة.. يقولولي أنت واهم نفسك!
نظراتها الحزينة كانت تأكل من قلبه الوحيد ولكنه كان يحاول أن يستمتع بأقصى وقت معاها كي لا يرجع وحيدًا ولكنه كان يعلم أن الساعة قد تنتهي في أي لحظة وهي الأخرى سترحل وترى حياتها من جديد وتنسى أنها في يومًا ما قد قابلته، أما هي فكانت خائفة.. خائفة من كلماته الجادة نحو الحياة، من نظراته الباهتة ومن شيب شعره وعيونه الحزينة وقلبه المتفتت، ألهذا يخاف البعض من العمر.. لأنه يغدر بالإنسان في لحظة واحدة!
نظر لها في محاولة ليرى أبتسامتها فقال...
- وأنتي بتحبي إيه؟
تذكرت والدها وأبتسمت قائلة...
- بابا.. بابا كان جميل أوي كان الدنيا حرفيًا، كان هادي وجميل وطيب وراجل.. حولت بعد موته أدور على راجل زيه ملقتش، حولت أدور في الناس اللي حواليا عن حد يعوضني ولو بجزء صغير عنه بس برضو ملقتش، الله يرحمه كان شيلني وأنا صغيرة وأنا كبيرة وحتى لما مات فضل شايلني وكل شهر بلاقي فلوس في البنك سيبهالي كل شهر بتطلعلي مبلغ بيفضل معيشني طول الشهر وبشيل منه كمان.. ربنا يرحمه.
- ربنا يرحمه.. عارفة أغلب الناس مش بتحس بقيمة الشخص غير لما يروح ودي نصيحة تانية لازم تخدي بيها، حاولي تقربي من الناس اللي بتحبيهم على قد ما تقدري حاولي تخليهم يشبعوا منك وأنتي كمان حاولي تشبعي منهم.. العمر بيتسرق منا يا بنتي.
شردت في أحبابها وقالت بعد لحظات...
- عندك حق.
ساد ال**ت بينهم لدقائق كان كلًا منه يفكر في مصيره هي كانت تفكر ماذا أوصلها لهذه النقطة التي هي الذهاب وراء أحد لا تعرفه مطلقًا فقط لتشعر أن الله أنعم عليها بمن يستند عليها مرةٕ أخرى ويستمع لها في هدوء وبدون إعطاء الكلمات الجارحة التي تقع في نهاية إي حديث.. وهو كان يسأل حاله كم أحست بكارثة الفراق.. هل سيشعر أبنائي هكذا حين أموت؟!
في تلك اللحظة بالتحديد.. خرجت الممرضة وقالت...
- كرم عبدالله.
رد الرجل قائلًا...
- أيوة يا بنتي.
- أتفضل.. للدكتور .
نهض هو فأسندته فريدة قائلة ...
- هدخل معاك.
ربط على كتفها قائلًا...
- ماشي.
دخلت فريدة معه وساندته حتى جلس على المقعد المقابل للطبيب.. فنظر الطبيب إلى فريدة قائلًا...
- أخيرًا حد منكم جيه معاه، حرام عليكوا الراجل الطيب ده هتتحسبوا عليه، ده أنا كل مرة بيجيلي بوصله لحد برا بنفسي ولما عرفت أنه موجود دخلته الأول عشان ميستناش كتير.
نظرت له فريدة بإستنكار، فقال حج كرم...
- يا دكتور.. دي مش بنتي بس هي زي بنتي و**مت تجبني بنفسها النهاردة.
نظر الطبيب إلى الأرض إحراجًا ثم قال...
- أنا أسف.. بس بقالي مدة عايز أشوف حد من قريبه أقوله أنه محتاج رعاية.
أبتسمت فريدة له وقالت...
- ولا يهمك.. أنا زي بنته وهاخد بالي كويس منه.
أبتسم الطبيب ثم دعى الممرضة وحين دخلت قال...
- سارة، خدي الحج كرم أعمليلوا الفحص اللي قولتلك عليه.
- حاضر.
أخذت الممرضة الحج كرم لتخرج من الغرفة فنهضت فريدة لتذهب معه.. فأوقفها الطبيب قائلًا...
- أستني أنا عايزك.
نظر لها الحج كرم قائلًا...
- خليكي يا بنتي، أنا مش هتأخر.
جلست فريدة ناظرة الطبيب وقالت...
- عايزني في إيه خير.. حج كرم كويس؟
رد الطبيب في هدوء...
- كويس بس محتاج رعاية، يعني لو تعرفي حد من ولاده وصليلهم أنه لازم يكون معاه حد ياخد باله منه، لأن حقيقي الوضع ممكن في لحظة يكون مش مستقر.
نظرت إلي الأرض وقالت...
- بس أنا معرفش حد منهم، أنا حتى معرفهوش.
نظر لها وسأل متعجبًا...
- يعني إيه متعرفهوش؟
- انا شوفته محتاج مساعدة فحبيت أساعده.
نظر لها الطبيب بإعجاب قائلًا ...
- هو أنتي بتشتغلي؟
- اه.
- طب وسبتي شغلك عشان واحد متعرفهوش!
أبتسمت قائلة...
- أنا حقيقي معرفهوش، بس هو فكرني ببابا ونصايحه وطيبته وهو بيطبطب عليا حسيت أن بابا بعتهولي عشان يطبطب عليا.
أبتسم الطبيب وهو يسمع كلامها الطيب وبعد ثواني من ال**ت قال...
- انا أسمي محمد.
أبتسمت في خجل قائلة...
- أنا فريدة.. مهندسة د*كور.
أبتسم قائلًا...
- أتشرفت بيكي.. مهسة د*كور بجد؟
- اه
أبتسم في خجل قائلًا...
- ده أنا كده هحتاجك في شغل.
- شغل إيه؟
- بوصي يا ستي.. والدتي كانت عايزة مهندس د*كور عشان يشوف المطعم بتاعها ويظبطهلها.. تعرف تعملي ده؟
ضحكت قائلة...
- أكيد!
- بس .. يبقى أديني رقمك.
أبتسمت وقالت الرقم.. نظر هو لها بعين من الهدوء المحلى بنظرات البدايات وقال...
- تمام.. أنا برن عليكي سجلي رقمي بقى.
- تمام.
دخلت الممرضة ومعها الحج كرم وقالت...
- عملنا الفحصات يا دكتور والنتيجة بكره.
قال الحج كرم...
- خلاص يا دكتور أجيلك بكره.
- تمام يا حج.. عمتًا أنا شفت التحليل وأنت بقيت أحسن دلوقتي كتير.
قالت فريدة موجهة كلامها للطبيب...
- هو ينفع أجي بكره بدل الحج كرم عشان حرام يجي بكره تاني ويتعب نفسه؟
رد محمد قائلًا...
- أكيد ينفع.
نظر لها الحج كرم بحنان وأمسك يديها وقبلها قائلًا...
- شكرًا يا بنتي بجد شكرًا.
نظرت له بحنان قائلة...
- على أيه بس أنت مش قلت بتعتبرني زي بنتك وكده كده أنت ساكن جنبي فأنا مش هتعب في حاجة.
نظر لها محمد في حنان ثم قال...
- هكلمك النهاردة عشان اعرفك والدتي عايزة إيه.
ابتسمت قائلة...
- تمام.
أخذت الحج كرم وخرجت من الغرفة لتذهب به إلى الطريق فقال الحج كرم..
- يا بنتي نسيتي معاد الدكتور بتاعك.
ربطت على يديه وقالت...
- المعاد أتلغى يا أبويا.
نظر لها بعين من الفرحة وقال...
- ربنا يسعدك.
- أمين يارب.. ومن النهاردة هد*ك رقمي واتصل بيا في أي حاجة واحنا جيران يعني.. يعني كل يوم هكون معاك واعتبرني بنتك اللي مخلفتهاش وانا اعتبرتك زي والدي الله يرحمه.
نظر لها باكيًا وقال ...
- مجتش من ولادي.
ربطت على كتفه قائلة...
- وأنا روحت فين.. صحيح انا لسه عرفاك بس ربنا يعلم خد مكان في قلبي قد إيه.
أبتسم لها فأبتسمت ومشيا سويًا.
أحيانًا صدفة قادرة على تغير قوانين حياتك النيوتنية، لا تنظر خلفك بمقدار الذي يجب أن تنظر به أمامك.. الحياة ليست لعبة من الممكن الرجوع إليها.. أنما الحياة حياة، قادرة على التحكم في خلايا عقلك لتذهب في الطريق المقابل للموت.. فلا تستسلم.