يجلس حازم أمام والديه محاولا ابتلاع غضبه فهو يرى أبيه صغر من شأنه أمام ذلك الحشد بتلك الصفعة بينما تعلق قلب أمه بما تفوه به ترجو صدقه ، سيكون لها حفيد يسكب وجوده الصبر على قلبها المشتعل لفراق صغيرها ، ليته يصدق !
عبر اهتزاز صوتها عن لهفتها وحيرتها وكذلك مدى شوقها لتصديق هذا الخبر
_ حازم حبيبي هو اللى قولته قدام الناس ده حصل ؟ أمانى قالت لك أنها حامل من حسام؟
لم يحاول إخفاء الحدة بنظراته على غير عادته أثناء محادثة أمه
_طبعا قالت لى هفترى عليها يعنى! هى عاوزة تنهب فلوس أخويا بس ده بعدها.
_ويمكن بتقول الحقيقة !!
تفوهت سوسن برجاء لينظر لها أحمد فيرى الأمل المتراقص بين أهدابها ، لا يمكن أن يخطئه فهو يرعى بقلبه أيضا بينما اشتعل الحقد بقلب حازم لتتراقص ألسنة غضبه بعينيه وهو يبدل نظراته بينهما رافضا هذا الأمل الكاذب
_ أنت بتقولى إيه يا ماما؟؟
انتفض واقفا مشيراً نحوهما بنفس الإنفعال
_اللى انا شايفة فى عنيكم ده حقيقى؟؟
أشار نحو ص*ره مستنكراً ومقرا بما يراه حقيقى
_ حسام قالى إنه مالمسهاش
انتفض احمد متسائلا بحدة غلبت على طبعه لشدة تمسكه بهذا الحلم
_قالك كده امته؟؟
اتجه حازم نحو الخارج وهو يصرخ وكأن أخيه يموت بين ذراعيه للتو مرة أخرى
_ قبل موته بدقايق، الحقيرة الخاينة، طبعا طالعة لابوها، انا هعرف انتقم لاخويا منها .
اندفع هابطا الدرج بغضب لتنظر سوسن لزوجها بفزع
_ إلحقه يا أحمد .
ارتمى أحمد فوق المقعد مرة أخرى ناعيا أمله قصير الأجل مهمهما
_هيلف شوية ويرجع على البيت. انت عارفة حازم بيطلع وينزل على مفيش، بس لما يرجع لينا كلام تانى. انا شايف صورة تانية للحكاية دى شوفتها بعنيا دول .
تعلقت بذراعه بلهفة تتمنى أن يأتيها بما يؤكد ما زعمه حازم
_ شوفت إيه يا أحمد؟
تن*د أحمد وكأنه هو نفسه يتمنى صدق ما رآه
_ لما يجى حازم يا سوسن انا مش قادر اعيد وازيد فى الكلام.
صمتت وقلبها يتمنى أن يكون زوجها قد رأى من ابنه الراحل أو سمع ما يؤيد دعوى أمانى فيصب الصبر على قلبها فيضا بذلك الحفيد الذى سيكون امتداد لأبيه؛ ذلك الأبن الغالى الذى فقدانه زلزل قلوبهم وشتت عقولهم.
......
خرجت هويدا مرتدية الرداء الذى أعجبها ، بحثت بعينيها عن أمانى فلم تجدها لتقترب من البائعة متعجبة
_ لو سمحتى اختى كانت معايا من شوية ماتعرفيش راحت فين؟؟
نظرت نحوها الفتاة معتذرة لسهوها عن تنبيه أمانى
_ ايوه معلش هى قالت لي اقولك أنها خرجت تكلم واحد اسمه حازم وجاية علطول.
شهقت هويدا ضاربة ص*رها بفزع عبرت عنه ملامحها لاقتحامه ص*رها
_ حااازم !! هى اتجننت تروح له برجليها؟؟
اندفعت نحو الخارج لتتمسك الفتاة بذراعها
_يا آنسة ماينفعش تمشى يا تدفعى تمن الفستان يا ترجعيه.
كادت هويدا أن تبكى
_ هيقتلها، ده حالف إنه هيقتلها .
اهتزت الفتاة لحظات ليرجف كفيها لكنها تماسكت
_ انا آسفة والله ادفعى تمن الفستان وحصليها علطول.
تلفتت حولها بحيرة ، المال بصحبة أمانى ، عادت ركضا لتنزع عنها هذا الرداء علها تتمكن من إنقاذ شقيقتها قبل فوات الأوان.
........
استقلت أمانى السيارة المتوجهة للقاهرة دون أن يتعرف عليها أحد لتخرج هاتفها وتنزع شريحته لتقطع اى اتصال وارد بينها وبين هذه البلدة ومن فيها .
بدأت السيارة تتحرك لتغمض عينيها وتعيد رأسها للخلف متذكرة شغف حسام بالبرمجة الذى نجح فى جذبها إليه لتتعلم منه بشغف حتى أصبحت تماثله شغفا فى الإطلاع على خبايا الانترنت
عودة للوراء...
يجلس حسام بمنزل فريد أمام حاسوبه المتصل بالانترنت وبجواره أمانى التى تطالع الخطوات التي يقوم بها منتبهة إلى كل التفاصيل فهى لا تصدق ما أخبرها به عن الموقع المظلم وما يحدث بين أعضاءه ورواده .
همس حسام مشيرا للشاشة
_ كده عملنا حساب فيك وهندخل الموقع علطول
تساءلت بفضول ينبع من خوف فطرى
_ ومحدش هيعرف أن الحساب ده فيك ؟؟
ضحك حسام فشغفه بهذه البراءة فاق شغفه بأعماله التى هى كل حياته
_ طبعا عارفين. بس مين هيهتم اصلا كل الحسابات هنا فيك بتتقفل اول ما يخلص الهدف اللى اتعملت علشانه.
عاد يعمل على الحاسوب وهى تتابع ما يفعل حتى همس مجددا بحماس وقد لمعت عينيه ببريق هزها داخليا للحظة قبل أن تتبعه
_ دلوقتى إحنا على الموقع المظلم، الدارك ويب.
ترك الحاسوب وبدأ يتطلع إليها وهى تتابع بعينيها ما يعرض للبيع وما يطلب للشراء ويظهر أثر ما تقرأ فورا على صفحة وجهها البرئ .أفاقت من فزعها على ضحكاته
_يا جبانة! كل الخوف ده من شوية منشورات؟
قطبت جبينها بغضب
_ أنت شايف الجنان ده شوية منشورات ؟؟
ليدخل أبيها الحجرة فينهى حسام ولوجه للموقع ويتابع مواقع التواصل المعروفة وتتظاهر هى أن شيئاً لم يكن ومع الوقت اعتادت أن ترى مع حسام كل ما هو غريب فى تلك المواقع التى كان يفتحها أثناء تواجده معها اغلب الأوقات.
ارتطمت رأسها بالنافذة لتفيق من غفوتها المحملة بذكرياته معها ، هذا الموقع هو فرصتها الوحيدة للهرب من كل حياتها وكل ما حملها إياه موت حسام .
.......
هرولت هويدا بين الطرقات وبين كفيها هاتفها تعيد الاتصال برقم أمانى بلا فائدة ، انهمرت دموعها بسخاء وعادت أدراجها تعدو نحو المنزل فهى لا تحمل ايه أموال تساعدها على سرعة الوصول .
وصلت اخيرا وقد انهارت أعصابها تماما ليتلفت الجيران نحو نحيبها الذى ارتفع بشدة ويبدأ البعض فى ملاحقتها بالفعل لاستطلاع الأمر .
ارتقت الدرج وقد وصل صوت نحيبها منبئا بعودتها ليفتح فريد الباب وقد كان متحفزا بالفعل منذ علم أثناء عودته بما أقدم عليه حازم علنا .
صرخ فريد متسائلا ليوقف نحيبها
_ فى إيه يا مقصوفة الرقبة ؟ واختك فى اى داهية ؟
تألم ص*رها فى محاولة لإلتقاط أنفاسها وإجابته فى نفس الوقت لتتحدث بهستيرية _حازم .. امانى .. اختفت .. كان ماشى ورانا اكيد .
أمسك أبيها عضديها يهزها بفزع
_عمل ايه حازم! انطقى يا بت؟
أسرعت بهية تنزع ابنتها من براثن غضب أبيها وتخفيها بص*رها خاصة مع اجتماع بعض الجيران والهمهمات التى بدأت ترسم صورة لما حدث .
اخيرا هدأت قليلا فوق ص*ر أمها
_ دخلت اقيس فستان وامانى كانت برة لما خرجت مالقتهاش، البنت اللى فى المحل قالت لى خرجت تكلم حازم وراجعة.
عادت للبكاء ليتملك منها
_ومارجعتش وتليفونها مقفول
نظرت لأمها بفزع
_ ده حالف يقتلها يا ماما
ثم نظرت نحو أبيها
_ ألحقها يا بابا بالله عليك .
انتفض فريد ملتهما الدرج بقدميه ويفسح له المتجمعون الطريق طواعية بل ويلحق به الرجال منهم بينما إلتفت النساء حول بهية وهويدا وفريدة التى خرجت لتشارك فى نوبة البكاء التى تجتاح الجميع .
........
وقف حازم أمام ذلك المجرى المائي الضيق رغم نفوره من رائحته العطنة إلا أنه مهرب جيد من نظرات الجميع .
يعلم أن ما قام به كان خاطئا ، لكنها أغضبته بشدة فلم يدرك أنه يفضحها علانية وقد لجأت إليه سرا .
زفر بضيق وكفه يتخلل شعيراته بحيرة فى محاولة لإيجاد مخرج من هذه الورطة .
يثق أن جنينها ليس لأخيه لكنه لا يقبل أيضا أن تتعرض لفضيحة يكون المتسبب فيها وهو يعلم جيداً الطريقة التى سيتصرف بها فريد حيال الأمر.
ربما إن أخبرته عن هذا المجهول لأقنعه بزواجها فهى لا عدة لها ، تن*د بضيق محدثاً نفسه ولائمها فى الوقت ذاته
_هتعمل ايه فى المصيبة دى يا حازم!! هى بس لو تصارحنى بالحقيقة!!
ركل بعض الحصوات التى تقافزت نحو ذلك المجرى مرحبة بالغرق بين مياهه الراكدة ليدور على عقبيه ويعاود السير حتى أطراف البلدة وقد خبت نيرانه الغاضبة فهو لا يتخلى عن فتاة فى ورطة كتلك.
.........
وصل فريد لمنزل أحمد ليقتحمه وخلفه جمعه المؤازر له ، طرق الباب بهمجية ليفتحه أحمد بوجه غاضب ليجد نفسه مترنحا بقبضة فريد الذى قبض على ملابسه صارخا
_ بنتى فين يا أحمد ؟ابنك مخبيها فين ؟ لو حازم مس شعرة من بنتى هقتله، لا هسلخه بالحيا واوريه جهنم على الأرض
اقبلت سوسن على الأصوات الغاضبة التى تشارك فريد غضبه وأحمد حتى الآن لم يدرك ما يحدث .
صرخت سوسن ب فريد تحاول تخليص زوجها
_ بتعمل ايه يا ابو امانى ؟
نظر لها بحدة دون مراعاة كونها امرأة
_ بدور على بنتى اللى خطفها ابنك الجبان
افاق احمد ليدفع كفى فريد عنه
_ ابنى ماهوبش ناحية بنتك يا فريد. أمانى مشيت مع اختها هويدا .
أيدت سوسن زوجها وهى ترى الجمع يؤيد فريد مما سيضر بابنها وحده
_ انا شيفاهم بعينى لحد ما وصلوا اخر الشارع .
ضرب فريد كفيه ساخرا
_ما هو سابها تمشى علشان يمشى وراها ويستدرجها بعيد عن البيت وعيون الناس.
هنا صاح صوت من مؤازر ل فريد وتبعه العديد مؤيدا الغضب
_ إحنا مش هنسكت على الافتراء ده . هى حصلت الأذية كمان !
_ مش مكفيه أنه واكل حقها وورثها ؟
_لو البت مارجعتش روحه مش هتكفينا قصادها.
ضربت سوسن ص*رها بفزع فها هي على وشك فقد ابنها الأكبر بينما تحدث أحدهم
_ابنكم هددها بالقتل قدام كل الناس وكلنا هنشهد بكده .
تلفت فريد حوله
_ انا بعمل ايه هنا! ما هو طبعا مش هيرجع على بيت ابوه. انا هبلغ البوليس
نظر نحو جمعه المؤازر متسائلا
_ تشهدوا باللى حصل يا رجالة ؟؟
تعالت الصيحات المؤيدة والتى تكب وقود الاشتعال فوق نيران فريد التى قد تأكل بطريقها كل ما هو حى خاصة لأن فريد يحصل على هذه المؤازرة من جيرانه للمرة الأولى بحياته
اندفع فريد وتبعه مؤازريه بينما وقف احمد وسوسن التى تتساءل بفزع
_هنعمل ايه يا أحمد؟ هنخسر حازم كمان ؟؟
تخبط أحمد فى حيرته وخوفه ، يثق أن ابنه لن يقدم على إيذاء امانى ويثق أيضا أن البلدة أجمع لن تصدق ذلك مهما تحدث أو دافع عن ابنه .
........
دخل فريد لمركز شرطة البلدة ليتجه نحو الضابط فورا
_ ألحقنا يا باشا. خطف بنتى وهيقتلها.
تطوع أحدهم بالمتابعة
_ده هددها بالقتل يا باشا. لا ده حلف أنه هيقتلها.
_ايوه
_حصل يا باشا
_سمعته بنفسى
تقافزت التأكيدات من الجمع ليضرب الضابط المكتب بكفه بحدة
" بس انت وهو.
ثم نظر نحو فريد
_ مين اللي خطف بنتك ؟ وخطفها ليه؟
بدأ فريد بذكر موت حسام ثم طمع حازم وتهربه من دفع مستحقات ابنته ليتحدث أحدهم عن تلك المشاجرة التى حدثت فى نفس اليوم ويبدأ الجميع يؤكد سماعه تهديد حازم فورا بعد محاولة تشويه سمعة فتاة بريئة لا ذنب لها إلا أن احبها الشقيق الراحل لذاك الشاب الذى حولته روايتهم إلى الطاغية فى أحداثها.
نهض الضابط عن مكتبه بضيق ، يعلم أن عليه سرعة التدخل واحتجاز ذلك المدعو حازم وإلا لأصبحت الجريمة جريمتين فهؤلاء الناس سيقتلون هذا الرجل بلا تردد سواء صدقت مزاعمهم أو لم تفعل.
........
اخترقت السيارة الزحام بروية حتى توقف السائق معلنا نهاية الرحلة .
ترجل الجميع وأمانى من بينهم لتسلك الطريق الرئيسى أمامها ، شعرت بالخوف من الجميع والخوف من المستقبل المجهول والخوف من أن يتعرف إليها شخص ما .
ابتعدت بما يكفى لتبدأ تسأل أصحاب المتاجر بطريقها عن الوجهة التى تريد ، أبعدت الحجاب عن وجهها خوفا من تشكك الناس بها فهى تريد أن تضيع وسط الزحام دون أى شىء يلفت النظر إليها .
سارت لوقت لم تحصيه وقد بلغ منها التعب حتى لمحت من بعيد بريق المعدن الأصفر لتعلم أنها نجحت فى أولى خطواتها فى هذه المدينة وأصبح التراجع مستحيلا، ستمضى قدما فها هى على الطريق الصحيح لرسم حياة جديدة لفتاة أخرى غير التى كانتها وكرهتها طيلة حياتها.