وعدت نفسها بالالتزام بدراستها ونسيان ما تعاهدت عليه مع رامز مؤقتًا لحين الانتهاء من جامعتها ويكفي أنها سمحت لنفسها بمحادثته دون علم والدتها، تعلم أنها أخطأت لكنها ستصلح الخطأ بالتفوق في دراستها وتغلق على روحها وتحرم على نفسها رؤيته حتى يحين اليوم الذي سيفي بوعده لها، فهى لن ولم تنسى تعاليم ديننا الذي جعل منها جوهرة مكنونة، قارورة طاهرة لا يستحقها الإ من جعلها ملكة متوجة على عرش قلبه يحملها فيه برفق خوفًا عليها من أن تجرح أو ت**ر يحافظ عليها كأب ويحميها كأخ ويراعها كأم، هكذا وصايا رسولنا الكريم صل الله عليه وسلم لكل الرجال عندما قال
(( رفقًا بالقوارير )) صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم .
انكبت على أوراقها تراجع على بعض محاضرتها بجدية، دخلت والدتها عليها وهى تحمل بيدها كوبًا من الشاي بالحليب الساخن وضعته أمامها ومسدت على رأسها برفق .
الهام : عامله ايه دلوقت يا حبيبتي لسه مصدعة .
ابتسمت وعد بعذوبة وأمسكت بيد والدتها تقبل باطنها : الحمدلله يا ماما بقيت أحسن دلوقتي ربنا يخليكي ليا وميحرمنيش منك أبدًا .
زفرت ألهام براحة: الحمدلله يا قلبي كنت هموت من القلق بس خلي بالك لو اتكرر تاني لازم نروح للدكتور عشان بقالك كام يوم على كدا وأنا مش هستنى لما يحصلك حاجة وحشة لا قدر الله .
طمئنت وعد إلهام : متخافيش يا ماما دا من أرهاق المذاكرة وعدم أنتظامي في النوم، بس أن شاء الله هنتظم في كل حاجة وهنظم وقتي والصداع ومش هيرجعلي تاني .
ربتت الهام برفق على وجنتها : يارب يا حبيبتي يشفيكي منه، هسيبك تذاكري اشربي الشاي باللبن وأنا هطلع اتصل باختك عشان ميعاد رجوعها من الدرس عدى .
لم تكاد الهام تكمل كلامها حتى سمعت صوت نور يصدح بأرجاء المنزل بنبرة مرتفعة كعادتها المشاغبة دائمًا .
نور من صالة منزلهم : مامااااااا أنتي فين جعانة عايزة أكل وبسرعة عشان عندي مذاكرة كتير .
وضعت الهام يدها على رأسها وهزتها بيأس : نفسي مرة قبل ما أموت اشوف أختك تدخل البيت ومتكنش جعانة، حاسه أن البت دي في يوم من الأيام هتاكلني أنا وأنتي .
قهقت وعد بقوة : المشكلة يا ماما أنها بتاكل تطول اللي يشوفها يقول عاملة رجيم طول السنة ولا باين عليها أكل .
الهام : هههههههه عندك حق عارفه طنطك ماجدة زميلتي في الشغل قالتلي ايه لما شافتها
أخر مرة .
وعد : قالتلك أيه يا ترى .
الهام : خلي نور تسبها من الرجيم شوية أصلها رفيعة قوي لازم تملى حبه عشان تبان أنها أنسة اللي يشوفها يقول لسه في إعدادي .
وعد : هههههههههه مش معقوله طنط ماجدة دي، كل الطول ده وتقول في إعدادي .
الهام : منا قولت ليها داري نفسك يا ماجدة اصل نور لو جاعت ممكن تاكلك ومش هيهمها أنك صاحبتي .
تخصرت نور بيدها ووقفت تهز قدمها بضيق مصتنع على باب الغرفة : يا سلام يا ست ماما كانوا قالولك عليا من أكلي لحوم البشر ولا ايه، وبعدين يوم ما هاكل أكل طنط ماجدة الحشرية دي .
اتجهت الهام ناحيتها ثم اخذتها وخرجت إلى الصالة : مش بعيد يا قلب أمك ليه لأ وبعدين أنتِ مش اتغديتي قبل ما تنزلي لحقتي تجوعي .
نور : يا ماما أنا في ثانوي كام مرة هقولك الكلام ده يعني المفروض أكل قدكم اربع خمس مرات كدا .
اذبهلت الهام من حديث طفلتها : ليه يا حبيبتي هما آخر السنة هيمتحنوكي في الأكل بس، ارحمني بقى يرحمك ربنا .
نور : المهم دلوقتي أنا جعانة هو أنتي كنتي عامله أكل أيه النهاردة .
الهام بسخرية : مسقعة هو أنتِ لحقتي تنسيها ولا حتى تهضميها .
نور : هضم أيه يا ماما أنا الأكل عندي بينزل على القاولون على طول .
ك
ضحكت وعد من خلفهما : في دي عندك حق يا نونو بتهيألي أنتِ معندكيش معدة اصلا .
نور ماكدة على كلام وعد : برافو عليكي يا وعودة كلامك صح، يلا بقى يا مامتي هاتيلي مسقعة وعيش مفقع بسرعة .
الهام بيأس : يارب صبرني على دي بنت اصلي ممكن أموتها وارتاح منها خالص .
اتجهت الهام إلى غرفة اعداد الطعام بينما وقفت وعد ونور يضحكان على مشاغبة الأخيرة في والدتها.
٠ في سرادق عزاء كبير وقف بوجه جامد واعين متحجرة يتلقى العزاء ممن جاءوا لمواسته في فقدان والده، بعد عدة دقائق جلس على المقعد خلفه بجانب مدخل السرادق عندما استمع إلى صوت قارئ القرآن الكريم يتلو ما تيسر من آيات الذكر الحكيم على اسماع الحاضرين مستمعين له في خشوع، ورغما عنه شرد في أخر دقائق من عمر والده وهو يوصيه بوالدته خيرًا، فرت حبيبات دمعه فاسرع يمحيها قبل رؤية أحدهم لها، عليه ال**ود والتحمل حتى يتحقق من صدق ما أخبره به والده، ربت أحدهم على كتفه رفع رأسه ليجد جمع من المعزين يقفون صفًا لمصافحته بعد أنتهاء القارئ من التلاوة وهو شاردًا لا يشعر بشيئ، انتهى من المصافحة وجلس مرة أخرى بجوار أبن عم والده الذي جاء من بلدة أبيه لمؤزارته والوقوف معه في تلك المحنة .
ربت عمه على فخذه برفق وتحدث بهدوء: شد حيلك يا رامز يا بني وخد بالك من الست والدتك، طاهر الله يرحمه كان غالي علينا كلنا لكن ده حال الدنيا عاوزك تكون قد المسؤلية اللي سبها ليك مامتك من النهاردة أمانة في رقبتك متخليهاش تحتاج لحاجة ولا تخليها تحس أن طاهر مات أنت أبنه ولازم تكون زيه في كل حاجة .
نظر رامز لعمه بشرود وأخر كلماته تتردد داخل عقله (أنت أبنه ولازم تكون زيه في كل حاجة)
امسكه فؤاد من ذراعه بلين حتى يجعله ينتبه له : أنت فاهمني يا رامز وسمعت أنا قولت ايه.
انتبه لعمه وأمئ برأسه يوافقه القول : أيوه يا عمي سمعت وفهمت أن شاء الله إنا قد المسؤلية اللي بابا سبهالي وماما في عنيا متخافش عليها .
ظفر فؤاد ظفرة ارتياح : ربنا يبارك فيك كدا أنا اطمنت عليكم قبل ما أرجع البلد تاني ولو احتاجت لحاجة كلمني في أي وقت .
رامز بهدوء: أن شاء الله يا عمي .
فؤاد: أنا مش بقولك كدا مجاملة كله من خير والدك وأرضه موجوده في الحفظ والصون لو احتاجتها تعالى خدها في أي وقت .
هز رامز رأسه بأقتضاب: أن شاء الله .
فؤاد : يلا بينا نطلع فوق عشان أعزي الست أم رامز قبل ما أرجع البلد .
رامز : حضرتك مستعجل ليه خليك بات معانا النهاردة وابقى روح بكرة الصبح .
فؤاد : معلشي يا حبيبي اعذرني مش هقدر أبيت معاك أنت عارف أني معنديش حد يراعي الارض ولا ياخد باله منها ومن يوم ما عمر أبني سافر يحضر الماجستير والدكتوراه من إنجلترا وانا بقيت وحداني .
تفهم رامز وضعه : ربنا يقويك ويعطيك الصحة يا عمي .
فؤاد: اللهم آمين يا أبني .
٠ استرخى في فراشه بعد أن أطمئن على والدته بذهابها في ثبات عميق بعدما أعطاها دوائها المهدئ، ظل طوال الليل مستيقظًا لم يطبق له جفن، كيف يستطيع ذلك وحديث والده مازال يدور بداخل عقله فحرم عليه الراحة والنوم، بدأت خيوط الصباح تتضافر وتسطع حتى صعدت الشمس في كبد السماء وهو مازال شاردًا عن الحياة، لكن ما لبث أن انتبه لمجئ الصباح فا نهض من تخته واسرع الخطى الى مرحاض غرفته لكي ينعش نفسه بحمام بارد يزيح عنه ما اثقل كاهليه، انتهى من ارتداء ملابسه وهم الخطى إلى غرفة والدته يطمئن عليها وجدها مازالت تغط في النوم فخرج مسرعا خارجّا لكي يتأكد بنفسه من صدق حديث والده، فهو لن يهدأ له بال حتى يصل إلى الحقيقة ويتأكد من ذلك بنفسه .
وقفت تلملم اشيائها وتدثها بداخل حقيبتها بضيق فاليوم هو الأخير في اختبارات أخر العام ولن تأتي للجامعة لمدة أربعة أشهر كاملة، كيف ستصبر كل تلك الفترة بدون أن تراه نعم هما لا يتحدثان كما طلبت منه واوفى هو وعده لها، لكن رؤيتها له من بعيد تروي شوق قلبها وتبث بداخلها السعادة .
شعرت فرح بضجرها وضيقها فارادت التخفيف عنها ولو مؤقتًا واخراجها من بئر الحرمان التي أوقعت نفسها فيه .
فرح : ايه يا كرومبو مالك مضايقة ليه .
وعد: كرومبو في عينك بطلي تقوليلي كرومبو دي .
فرح بعناد : لما تبطلي تبوزي وتتخنقي مع دبان وشك الأول .
وعد بحزن: هو يعني بكيفي ما هو غصب عني .
فرح باصرار : لأ بكيفك وبعد كدا مش عايزه اشوفك زعلانه ابدا انتِ فاهمة عشان بتنكدي على اللي خلفوني .
ابتسامة حزينة تشكلت على وجه وعد : كان نفسي افضل خاليه وقلبي خالي كان زماني مرتاحة لكن اتخ*فت في لحظة حسيت أني اتبدلت مبقتش وعد القوية الجامده اللي مفيش حاجة تهزها .
فرح بشرود : هو ده الحب بيخ*فك من نفسك ويود*كي لحياة حلوة كلها باللون البمبي .
وعد بحالمية : اه فعلا عندك حق كلها بامبي .
انتبهت فرح من شرودها : بس متنكريش التغيير اللي حصل لرامز ده بدله مليون في المية .
وعد بسعادة : عندك حق دا بقى واحد تاني خالص ربنا يهديه ويفضل كدا على طول .
فرح : أن شاء الله، بس ليه تحسي أن من يوم وفاة والده وهو فيه حاجة مش طبيعية تحسيه انطوى على نفسه وتغير وبقى حزين ديما .
وعد : أصله كان متعلق بيه قوي وكمان والدته تعبت جدًا وهو اللي بيراعيها .
فرح بشك : أنتِ عرفتي الحاجات دي منين أنتِ كلمتيه .
وعد : مرة واحدة يوم ما كنت بعزيه في والده ومن يومها بشوفه من بعيد بس .
فرح : ماشي يا ست وعد مصدقاكِ يلا بينا المدرج كله فضي متبقاش غيرنا أحنا بس .
نهضت بفتور وسارت خلف فرح تشق بخطواتها البطيئة طريق عودتها علها تلمح ظله فيطمئن قلبها عليه لكن يبدو أن القدر يعاندها فا هى لم تراه منذ اسبوع من يوم أخر أختبار له وعلى ما يبدو أنها ستنتظر طويلا حتى تراه مرة أخرى .
جلس بجانب النيل يتأمل صفحته بهدوء، يتمنى أن يفضي بسره إليه لكنه يخشى أن يبلغ النيل والدته بذلك السر لاحقًا إن شربت من مياهه يومًا، هز رأسه بيأس بعدما أصبح على وشك الجنون يخاف من كل شيئ وأي شيئ رهاب لازمه خوفًا أن تعلم والدته يوما بسر أبيه الذي جثم على ص*ره واثقل أنفاسه وبات يخشى حتى النوم فيص*ر منه قول في غفوته تعلم ما جاهد أباه إخفائه عنها طوال حياته لذلك ابتلع تنهيداته الحاره التي الهبت جوفه واوقدت بداخله نار مؤججه، وحدث نفسه للمرة التي لا يعلم عددها يوصيها بحفظ وعده لولده مهما كلفه الأمر لأن حياة والدته ستكون الثمن أن علمت بذلك .
أنتفض من سباته على صوت هاتفه فالتقطه من جواره يجيب عليه : ايوه يا ماما خير في حاجة .
وقف مسرعًا بخوف : مالك في أيه، طيب اهدي وأنا هجيب حسام واجي بسرعة ارتاحي في سريرك يا حبيبتي ومتعمليش حاجة .
أنهى المكالمة مع والدته وركض كي يأتي بحسام أبن خاله ونفس الوقت طبيب والدته، قلق انتابه فصوت والدته مجهد وضعيف ووتيرة أنفاسها عالية كأنها تصارع وحشًا فاسرع يهم خطاه قبل أن تتضاعف حالتها، بعد فترة قصيرة صعد درج بنايتهم وحسام خلفه وصل إلى الطابق المتواجد به منزلهم ودخل بيته وورائه الطبيب بعد أن فتح الباب وجد والدته تتسطح ارضا فاقده لوعيها بالردهة ركض نحوها وجلس على ركبتيه يربت على وجهها برفق كي تفيق دون جدوى فنحاه حسام جانبًا برفق وبدأ في فحص نبضها ثم رفع جفن أحدى عينيها وسلط عليه ضوء بطاريته المحمولة قليلًا اسرع يضع ما بيده جانبه ثم بدأ في عملية تنشيط للقلب بالضغط في وسط قفصها الص*ري عدة مرات متتالية وأمر رامز بالنفخ في فمها لملئ رئتيها بالهواء علها تستجيب لهما.