بعد أن دخلت وعد غرفتها وأغلقت الباب وقفت خلفه تستند عليه، أغمضت عينيها وحالة من الهيام تسيطر عليها، فقد جعلها ذلك المشاغب تفقد دفاعتها وتتخلى عن جميع أولوياتها واستحوذ على جميع مشاعرها فهو سحرها وسرق لبها لتغدو هائمة على وجهها في عشق كانت تهابه لتجد نفسها تسحب ناحيته بقوة حتى تملك من روحها وكل كيانها، قضت أيام وردية تحلم باحلام يقظة تجمعها بمن خضع لسلطانه قلبها وجعلها اسيرة مقيدة بقيود من نار تلجم حركتها وتوقف تفكيرها لتبدو كالمسيرة في عشقه، يا له من أهوج ذلك الذي ينبض بداخلنا يعطينا الحياة نعم لكنه يسلب إرادتنا ويجعلنا نبدو كأغ*ياء بلهاء أن وقع في شرك أحدهم، لا نستطيع أن نوقف تمادينا في حبه برغم علمنا بخداعه ودهائه .
مرت الايام عليها وكل يوم يزيد صعوبة عن سابقه تريد أن تبتعد أن تتوقف عند حد معين في حبه لكن كلما أوقفت مشاعرها يومًا ووبخت نفسها لتحجمها تنهار داخليًا ويصيبها كئابة باكية تنزل عبراتها تفضح كتمانها لذلك الحب الثري شديد النمو بأعماق روحها وما أن تطلق العنان لمشاعرها حتى تهرول مسرعة تزيد من احساسها به وتضاعف حبها له أضعاف مضاعفة، استسلمت له واعلنت راية الاستسلام لن تحارب وتجابه يكفيها محاولات هروب تتركها محطمة أشلاء بالكاد تجمع شتات نفسها لكي تبدو كأنسانة طبيعية عاقلة في نظر الجميع فيكفي هذيانها الداخلي لن يكون ظاهريًا أيضًا وتنعت بالجنون .
خرجت من الجامعة بعد يوم طويل بداخلها، تسير منهكة القوى يداعب الإرهاق جسدها ويحسها على افتراش تلك الأريكة الحجرية بجانب النيل حتى تستريح بجانبه عله يخفف من وطئة ذلك الألم الجاثم على قلبها الذي جعلها ضعيفة هشة تجهد من أقل فعل تقوم به، جاورتها فرح جلستها تلتقط أنفاسها بصعوبة بعد أن غدت خلفها تناديها دون أجابة منها .
فرح : أيه يا وعد مالك بنادي عليكي وأنتي ولا أنتي هنا مالك سرحانة في أيه .
أنتبهت وعد عليها : هه بتقولي حاجة يا فرح .
فرح بحزن : مالك يا وعد أنتي بقيتي تايه ليه ومعظم وقتك سرحانة فوقي يا حبيبتي قبل ما تلاقي روحك في طريق مفيش فيه رجوع .
رسمت وعد ابتسامة باهته على ثغرها لكي تجبر فرح على تصديقها : أنا كويسة جدا يا فروحه انتي بس اللي بتخافي عليا زيادة وبعدين السنة قربت تخلص وكتر المذاكرة هو اللي عامل فيا كدا .
فرح بحنو وهى تمسد على وجنتها : من أمتى المذاكرة بتأثر فينا يا حبيبتي أنتي مش وعد اللي أنا اعرفها .
لمعت عين وعد بعبرات حزينة فوضعت رأسها على كتف فرح ودفنت وجهها بزاوية عنقها تخفي ضعفها وتبكي في **ت، احطتها فرح بأحدى ذراعيها تضمها لها ومسدت بيدها الأخرى على وجهها برفق تشد من أذرها وتساندها في محنتها .
فرح : عيطي خرجي ضعفك كله بس بعد ما تخلصي عياط عوزاكي ترجعي أقوى من ما كنتي فاهمة .
وعد ببكاء : مش قادرة عمري ما كنت ضعيفة كدا طول عمري بيض*بوا بيا المثل في العقل والحكمة أيه اللي جرالي يمكن اكون ضعيفة فعلا وكنت بمثل القوة ولما أتحطيت في اختبار حقيقي ظهر ضعفي ده .
فرح : بالع** بقى أنتي طول عمرك اقوى مننا كلنا أنتي ياما حاربتي عشنا، فاكره لما كنا صغيرين لما كنا نلعب بالعرايس بتاعتنا ويجي مصطفى اخويا والواد أبو عيون خضر أبن عمك اللي اسمه بيجاد الرزل يغلسوا علينا ويخ*فوا مننا العرايس محدش كان يقدر يرجعهم لينا تاني غيرك كنت أنا ونور نفضل نعيط ونصرخ إنما أنتي تسكتي لغاية ما تعرفي ازاي ترجعيهم تاني .
ضحكت وعد بشدة من بين عبراتها : أنتي لسه فاكرة ده من زمان قوي، وبعدين الظاهر تقريبا كدا مش لوحدي اللي وقعت انتي كمان وقعتي ومن زمان في بيجاد الرزل أبو عيون خضر صح أعترفي .
فرح بلمحة حزن ظهرت عليها لكنها نجحت في وئدها سريعًا : بطلي تخيلات بقى خلينا في مشكلتك الأول .
وعد بحزن : مشكلتي ملهاش حل غير أني انسى وبس لكن أنتي وحبك الصامت ده .
فرح : اوام عملتيه حب وبعدين هو فين بيجاد أصلا دا من يوم عمك ما أغتنى وعزل من الحي بتاعنا وأحنا مشفناهوش يمكن مرتين تلاتة بالكتير .
وعد بحزن : عندك حق دا حتى عمي من يوم موت بابا مبقاش يسأل علينا ونسينا تصوري مبيجيش لا في عيد ولا في رمضان حتى يقول لينا كل سنة وانتم طيبين أكننا مش بنات أخوه .
فرح : معظم الناس بقوا كدا مش عمك بس .
وعد : عندك حق بقينا دايرين في دوامة والدنيا توهتنا ونسيتنا بعضينا .
فرح : عارفه يا وعد أن أنا مشفتش أهل ماما من يجي سنة واهل بابا من يجي خمس شهور ما هو أصل خالي الوحيد هاجر لكندا ويدوب كل كام شهر بيتصل بماما دقيقتين ويقفل على طول دا حتى مبيستناش يسلم عليا، وخالتي متجوزة في الصعيد وطول المسافة بتخليها مبتنزليش غير من كل سنة مرة، أما أهل بابا معانا هنا في القاهرة بس مبنزورش بعض غير في المناسبات لما الواحد حاسس أنه ملوش أهل زي البنات اللي بشوفها .
ابتسمت وعد بحزن : احمدي ربنا يا حبيبتي أنتي حالك احسن من حالي أحنا بقى مفيش تليفونات حتى، ماما كانت وحيدة أهلها ولما جدي وتيته الله يرحمهم ماتوا محدش من أهلها بيفكر يسأل عليها أن شالله بتليفون، ومعرفش من أهل بابا غير عمي عزيز اللي حتى مبيسألش عننا بالتليفون ولا بزيارة، هقول ايه ولا ايه أنسي انسي يا حبيبتي كتر التفكير في الحاجات دي هيتعبنا الحمدلله على كل حال، قومي بينا يلا احسن نتأخر ويقلبوا علينا الدنيا .
نهضت فرح وسارت بجانب وعد : عندك حق كتر التفكير في الحاجات دي هيتعبنا فعلا احنا نروح بدل ماما وبابا ومامتك ما يطلعوا بمكرفونات يذيعوا ويقولوا حدش شاف بنتين حلوين وطعمين ولذاذ ضايعين يا ولاد الحلال .
وعد بقهقهة : هههههههه وده بقى إذاعة على بنتين تايهين ولا اعلان لجلب عريس .
فرح : ههههههههه أهو لو مكنش ده يكون ده المهم أي حاجة نطلع منها بمنفعة .
وعد : هههههههه فعلا عندك حق .
ظلت فرح في محاولاتها لكي تلهي وعد عن التفكير في ذلك المخادع الذي استطاع سرقة قلبها واستحوذ عليه، علها تفلح في جعلها تنساه، لكن ما لا تعلمه فرح أن كل محاولاتها مع وعد مثل المسكن تهدأ الألم قليلا وما أن ينتهي مفعوله يعاود للظهور مرة أخرى وبشكل اقوى يجعل المريض يتقلب على جمر العذاب بروية.
في يوم أخر جلست بعد أنتهاء محاضرتها تدون بضع كلمات في دفترها، لم تعي في البداية لمن جلس بجوارها الإ بعد أن استمعت لصوته يجذب انتباهها له، رفعت عينيها بأضطراب تنظر له، شعرت بموجة صقيع تض*ب عمودها الفقري تركتها ترتجف من أثر مفاجأته لها، نظرت حولها تنظر بخوف من أن يراها أحد ويبدأ في إطلاق الشائعات حولها، وعندما تأكدت من خلو قاعة المحاضرات تقريبًا نظرت له بغضب.
وعد : أنت أيه جابك هنا يا رامز وكمان قاعد جنبي أنت عايز مني ايه مش هترتاح غير لما الكل هنا يبدأوا يتكلموا عليا وتسوء سمعتي واترفد بسببك .
رامز : متخافيش المدرج مفيهوس حد غيرنا، أنا جيت دلوقتي عايز اتكلم معاكي شوية ممكن.
وعد بأضطراب : أنا مفيش بيني وبينك حاجة عشان نتكلم مع بعض عشانها .
رامز بهدوء : متكابريش يا وعد أكيد أنتي حاسه بالشعور اللي اتولد بينا واللي بيبان في عيونك أول ما بتشوفيني .
وعد بثبات زائف : أنا مبكابرش يا رامز أنت اللي بتبالغ وبتهيألك حاجات مش حقيقة .
رامز : بصيلي يا وعد وقوليلي أنك مش حاسه ب*عور جواكي ليا بيكبر كل يوم عن اليوم اللي قبله .
وعد بأضطراب: حتى لو فيه يا رامز مش أنا البنت اللي ممكن تحب وترتبط عادي كدا قبل ما يكون في علاقة رسمية وشرعية بالأنسان ده واللي أنت بتعمله مفيش منه فايدة عشان ده مبدئي ومش هغيره .
رامز بابتسامة: المهم أنه فيه وده يكفيني حاليًا .
وعد وهى تنظر في دفترها : أنا قولت حتى لو فيه متفسرش كلامي على مزاجك لو سمحت .
رامز بحنو : أنا بحبك يا وعد .
خفق قلبها بقوة فتعلثمت الحروف على ل**نها : و ...وووو .... وأخرة الحب ده أيه هتعمل فيا زي كل البنات اللي حبتهم وسبتهم قبل كدا صح .
رامز : لأ يا وعد أنتي غيرهم كلهم أنتي اللي قلبي دقلها حقيقي أنتي اللي طيرتي النوم من عيني وقدرتي ببساطتك تخليني مش شايف غيرك .
أنتفضت وعد من مكانها تهم بمغادرة المكان: اسطوانتك دي يا رامز شغلها لواحدة تانية أنا لأ قولتلك أنا مش بتاعة الكلام ده .
وقف رامز أمامها : واللهي ما اسطوانات ولا بضحك عليكي أنا بحبك واللهي بحبك ومستعد أجي دلوقتي أطلب إيدك من والدتك لو تحبي عشان تعرفي أني صادق في كل كلمة بقولها ليكي .
وعد بأضطراب : أنت بتقول أيه أنا لسه في أولى وماما مش هتوافق، الكلام ده مش أوانه دلوقتي .
رامز: طيب أعمل أيه عشان تصدقيني أنا بقالي شهر من يوم اللي حصل بينا وأنا مش عارف أرجع طبيعي تاني أنت شلقبتي كياني .
وعد بخجل : ارجوك بلاش الكلام ده .
رامز بابتسامة وهو يضع يديه في جيب بنطاله : حاضر مش هقوله ومش هتعرضلك تاني بس عايز منك طلب ممكن .
نظرت له وعد مستفسره تسأله عيناها ب**ت.
رامز : عايز وعد .
حركت وعد رأسها بغضب : أفندم عايزني أزاي يعني .
ضحك رامز حتى ظهرت غمزاته على فهماها قصده خطئ : أنا عايز وعد منك أنك تبقي ليا مهما حصل ومهما الوقت طال وأنا بمجرد ما اخلص كليتي هدور على شغل واشتغل ليل نهار لغاية ما أجهز وأجي أتقدملك ممكن تديني الوعد ده يا وعد .
خجلت وعد من كلماته التي لمست قلبها وتركتها تائهه في بحور عشقه الغامضة تتخبط في أمره، لكن صدق عيناه وهو يحدثها جعلها مغيبة صامته خائفة من أعطائه وعد لا تعلم كيف سيكون نهايته، طال **تها فحثها رامز على التحدث .
رامز وهو يعقد ذراعيه أمام ص*ره: أيه يا وعد شكل في حد تاني في حياتك .
نظرت له وعد بغضب وهزت رأسها بالنفي: لأ قولتلك قبل كدا أنا مش كدا ولا بتاعة الكلام ده .
رامز : طيب ليه مش عايزه توعديني .
وعد : عشان خايفة أوعدك ومتنفذش وعدك ليا .
هز رامز رأسه بالنفي : لأ يا حبيبتي متخافيش أوعدك أني عمري ما أخذلك وأكون قد وعدي ليكي وأوعدك كمان أني عمري ما هكون غير ليكي أنتي بس .
ابتسمت وعد بخجل وهزت رأسها موافقة ب**ت .
رامز بسعادة غامرة: لاااااا ..... لازم اسمعها منك صراحة قوليها بقى يا حبيبتي .
وعد بخجل : أوعدك .
رامز : بأيه قوليها أنا هموت واسمعها منك .
وعد : أوعدك أني أكون ليك ومكونش لحد تاني وهستناك لو مهما طال الزمن، بس عندي شرط الاول لازم توافق عليه .
رامز بأنصات : أنا موافق علي أي شروط ليكي أنتي بس تؤمريني يا قمر .
وعد بابتسامة: لازم تعرفه الأول مش يمكن متوافقش عليه .
رامز بثقة : قولتلك قيل كدا موافق على أي شرط ليكي وعلى العموم عشان اريحك قولي ايه هو .
وعد : مفيش بينا أي كلام أو مقابلات تانية خلينا نسيبها تمشي اكننا معرفناش بعض قبل كدا خلينا نمثل أنك يوم ما هتيجي تتقدملي يكون صدفة مش مترتب ليها وساعتها هيبقى من حقنا أننا نعرف بعض من أول وجديد ونعيد أكتشاف نفسنا تاني اوعدني بده زي ما وعدتك يا رامز .
رفع رامز رأسه لأعلى بيأس وظفر بقوة ثم نظر لها يوعدها بما أرادت : مع أن ده هيبقى صعب عليا لكن أوعدك يا حبيبتي اني انفذلك شرطك مبسوطة كدا .
وعد بخجل : أه وبلاش حبيبتي بعد كدا خالص عشان ربنا ميزعلش مننا .
رامز بابتسامة : حاضر يا....... يا وعد.
وعد : بعد أذنك أتأخرت ولازم أمشي .
رامز : أتفضلي يا قمر .
أبتسمت له وعد وغادرت بهدوء يماثل طبيعتها، نظر رامز في إثرها وأغمض عينيه يمني نفسه بالساعة التي سيحظى بها بتلك الملاك التي هزت كيانه وجعلته يخر صريع هواها ومن جعلته باخلاقها يتخلى عن جميع صفاته السيئة التي لازمته من صحبة السوء عندما تعرف عليهم بالجامعة ونسى كل ما رباه عليه والديه اللذان لم يتوانى عن بثه بالقيم والأخلاق الحميدة التي جعلت منه حديث عائلة والده ووالدته أيضًا في ض*ب المثل به فهو كان قدوة لابنائهم، لكنه عزم على نسيان تلك السنين التي أنحرف فيها عن المسار الصحيح وسيرجع لسابق عهده ولن يتوانى عن بذل كل جهد من أجل الحصول على حبيبته وخاطفة قلبه وعد.
برغم كبر عمرها الإ أنها نزلت درج قصرهم مهرولة بسعادة منذو أن أبلغها شقيقها في الهاتف بنجاح وليدها وهى تحلق عاليا بفرح فأخيرا أنتهى فلذة كبدها الوحيد من دراسته الجامعية وسيتفرغ للعمل مع والده بشركتهم
نادية : رصان يا رصان أنت فين يا حبيبي .
جمال : أيه يا نادية براحة يا حبيبتي وأنتي نزله السلم لتقعي .
امسكت نادية يد جمال زوجها بسعادة بالغة : زهدي أخويا بلغني دلوقتي أن رصان نجح الحمدلله أخيرا خلص كليته على خير .
جاء رصان من خلف والدته وحواطها بذراعيه محتضنا أياها : ربنا يخليكي ليا يا ست الكل وديمًا تجيبيلي الأخبار الحلوة كدا على طول .
جمال : يخليلك أمك بس ماشي يا أبن أمك أنت
ضحك رصان ونادية على قول جمال ثم طوق رصان والده بيد الاخرى وهو مازال يحتضن والدته .
رصان : وأنا وماما من غيرك نساوي أيه حضرتك الخير والبركة ربنا يخليك لينا وميحرمناش منك طول عمرنا .
شدد جمال من احتضان إبنه الوحيد الذي انار حياته بعد طول عذاب وكان الفرحة التي شقت عتمت ليله وانارت فجر حياته .
جمال : أنت اللي من غيرك حياتنا ملهاش معنى ربنا يخليك ليا أنت ووالدتك وأفرح بيك واشيل عيالك قريب .
رصان : لسه بدري يا بابا أنا عايز انزل معاك المجموعة الأول وأن شاء الله أخلي مجموعة العُمري للاستيراد والتصدير من أكبر الشركات في الشرق الأوسط أن مكنش في العالم كله.