شُح الأَنْفس
شيء حريري ينساب على بشرتها ، يمر بلينٍ و نعومة ، كأن يدًا ناعمة تمرر إبهامها على خدها الشاحب ذا الطلة السمراء ، لربما هو إبهام أسمر يمر بسرعة كبيرة ، و بخفة تفوق سرعته ، كأنه يربت عليها ، كان يعدو بسرعة لا تدرك ، لكن هذا لن يجدي معها نفعًا ، و لن يعوضها عما تفتقد إليه كل يوم ؛ فهي في أشد الحاجة لشيء كهذا، كانت تشحذ الحب وتستجديه من كل المارة، وتتمنى قليله فقط، كأنها تلمم فتاته كما يلملم الشحاذ النقود المعدنية البخسة من ال**برين قائلة: « حب لله يا محسنين! » .
بأناة وتمهل، رفعت ستائر عينيها المشرشبة المتمثلة في جفنها المختوم ب*عر رموشها الثقيل المجعد، وهي تظن أنه سيتبتسم لها؛ فهي تفتقد الحب والاهتمام كثيرًا، لكنها لم تجد هذا الشخص الذي لطالما تمنت أن تراه يفعلها، ولم تجد أي شيء أمامها
بل هو أكثر شيء تكرهه وتبغضه! ركض وركض على سريرها، ثم اختفى، مخيف للغاية! مرعب كذلك!
انتفضت هلعًا، وكذلك فعلت حبالها الصوتية، فأص*رت أنينًا حادًا يشبه الصراخ كعادتها عندما تراه، وهربت من سريرها الدافئ سريعًّا، لتجد باب شقتها الفارهة يفتح بواسطة والدتها التي تكد في كل أعمالها، لتقا**ها بأكياس التسوق بعد أن عادت من عملها المجهد، وبدا الإرهاق متخللًا ملامحها السمراء الحادة.
«هل استيقظت للتو؟ إنها الثالثة عصرًا! لقد اتنهى اليوم، ألم أخبرك مرارًا وتكرارًا كُفي عن السهر ليلًا بلا فائدة؟ لقد أقترب موسم الدراسة وأنت لم تضبطي موعد نومك حتى.»
كانت ترتجف فزعًا، لم تعلم هل هي ترتجف من خوفها من والدتها وتوبيخها المستمر، والذي ينتهي على أغلب الأحوال بأن تأخذ منها هاتفها، أم من هذا الوحش الذي يطاردها وأيقذها من نومها الهادئ.
رمقتها خائفة بأعينها لوزية الشكل المحاطة بالعماص إثر نومها الطويل وهي تتحدث بحنق:
«صرصور! صرصور! أنا أخاف منه، مرعب!»
مطت والدتها شفتيها وهي تنظر إليها باستحقار، ثم مضت إلى المطبخ وتابعت وضع الخضراوات
في الثلاجة.
«عوض علي عوض الصابرين يا ربي! كم صار عمرك لتخافي من صرصور صغير لا يضر؟ أنت في الرابعة عشر من عمرك ولا تزالين عالقة في طفولتك الغ*ية؟ أمثالك في الأرياف لديهم أطفال يرعونهم.»
كان صوتها عميقًا ذا صدى خافت، لأنها كانت شبه داخل الثلاجة تنظم طعام الأسبوع.
«أمي! أنا أكره ذكر الزواج والأطفال، لِم علي أن أسمع ذكره طوال الوقت ليس وكأني مشرفة عليه؟ لقد سئمت من هذا الشريط المسجل الممل بخصوص أن من هم أصغر مني يستطيعون فعل ما لا أقدر عليه، وأني لا أفعل شيء سوى إمساك الهاتف، ألم تملي من هذه المقارنات السخيفة وتحبيني فقط لأني ابنتك؟! »
قابلت والدتها كلامها بنظرة مظلمة بطرف عينيها، ونفثت عن أنفاسها المكتومة بقوة، كيف تجرأ على توبيخها بهذا الشكل المشين وكأنها ربتها؟!
«وما مشكلتك معه إذًا؟ هل تلاعب بك أحد الشباب الطائشين عبر الانترنت، ثم تركك سريعًا وتسبب لك في عقدة نفسية؟»
ألقت والدتها باللحم المجمد في حوض الغسيل ليصطدم به بعنف، والتفت إلى ابنتها التي تتعمد إغاظتها ولا تراعي كم هي متعبة من الصباح.
«لا! حتى على الانترنت، لا أحد يهتم بي.»
احتنقن وجهها وألم بها الغضب من كل حدب وصوب، لقد احتدم النقاش بينهم حتى تبدل إلى جدالٍ واسع نِديّ بين عدوين، لا نعلم إلى أين مرسى سيرسو.
«نيروز! أنا متعبة، مضغوطة حد الانفجار، لدي مهام تؤرقني لا مهمات، دعيني وشأني الآن.»
نذمرت رافعة وجهها نحو سقف المطبخ الذي تسكنه ترسبات دهون الطعام ويحتاج تنظيفًا عميقًا.
امتلأت عيني الفتاة اليافعة بنظرات خائب الأمل، وقد تناثرت نظراتها في كل بقعة في المكان إلا أن تدخل في اتصال بصري مع والدتها، ثم مضت إلى المرحاض لتغسل وجهها وتبدأ يومها المعتاد المتكرر بلا فائدة.
«تريدين أن تساعديني؟ احضري مساحيق التنظيف ونظفي هذه الأوساخ عوضًا عن تصفح المواقع عديمة النفع، إنها لمضيعة للوقت والحياة.»
«احضري خادمة؛ أنت لست فقيرة!»
لم تعلق نيروز على كلامها هكذا فقط، بل ردت بإغلاق باب الحمام بضجر، وفتحت صنبور المياه وبدأت ترش بعض قطرات الماء على وجهها بعشوائية جمة.
تذمرت سارة من أفعال ابنتها المراهقة غير المسؤولة، ثم أدرفت قائلة:
«فتاة عَقوق، نحن لم نكن فتيات إن كانت هذه أفعال الفتيات!»
حل ال**ت قليلًا، ولا نسمع سوى صوت الماء المتدفق في المرحاض.
«لقد حجزت لك دروسًا في المركز التعليمي القريب من منزلنا، تجهزي ولا تنسي الموعد، إنه بعد ساعتين.»
فتحت نيروز الباب وخرجت، حاولت أن تتظاهر بأنها لم تسمع شيئًا مما قالته أمها، لكنها لم تستطع ألا تبدي اعتراضها على تسلطها وتفردها بالرأي.
«هل يجب على أن أذهب إلى الدرس الخصوصي الممل هذا؟ ألا زال وقت مبكرًا؟ الجميع يمضي وقتًا رائعًا في الأجازة؛ فالعام الدراسي يبدأ في أواخر شهر سبتمبر، ونحن في أنصاف يوليو، يعني شهر الاستماع بالمصيف والبحر!»
جعدت نيروز وجهها وعقدت ذراعيها ومضت نحو غرفتها الواسعة، عسى أن تعدل والدتها عن رأيها، لكن صوت والدتها لا زال يطاردها حتى وهي تبعد عنها.
«هل تريدين أن ترسبي في مادة الرياضيات كالعام الماضي؟ أنت لست نجيبة كي أتركك واللهو معًا في أيام الصيف، وحتى لو كنت نجيبة، النجباء يبدأون الدراسة مبكرًا، لذا الحقي بركبهم عوضًا عن مصاحبة الفاشلين، أو اعتبريه عقابًا ونتيجة للفضيحة التي أسفر عنها رسوبك، ألا تتذكرين كم كنت محرجة من معلمي مدرستك القديمة؟ أو عندما سألتني خالتك عن نتيجك؟»
وقفت الفتاة واستدارت لتكمل نقاشها ال*قيم مع أمها التي تمارس هوايتها المفضلة في التحكم بها كالدمية.
«يا أمي! لم ألبث سوى لقليل من الوقت في إجازة، هأنتذا تقرين بأني رسبت، أي أني لم أنل قسطًا من الراحة بعد.»
«هذا أمر مفروغ منه، احمدي ربك أننا نستطيع أن ننفق عليك أنت وأخيك، هناك من يتمنى ربع ما تحظين به، لا تتبطري على النعمة حتى لا تُحال نقمة في وجهك الأ**د!»
نظرت نيروز إلى وجهها الأسمر التي تعتبره أمر يُعيار به، هل تناست أنها لها نفس البشرة؟
«أنت تجرحينني بنعت وجهي بالأ**د! هو ليس أ**دًا، وحتى إن كان، لا تعاتبيني وكأنها و**ة عار التصقت بي، ما ذنبي أنا؟ لم أخترها.»
تن*دت سارة وهي ترفع غطاء إناء الطبخ وتسكب فيه بعض الماء لسلق اللحم، ثم تجاهلت تألم نيروز وعقبت قائلة:
«الصف الثاني الإعدادي أصعب من الثالث، وأنت تعلمين هذا جيدًا، لا نريد أن نرسب في مواد أخرى، لست مضطرة لنقلك إلى مدرسة أخرى كي أتفادى الإحراج من المعلمين ومن زملائك، لقد مملت من الإجراءات الحكومية المرهقة، اعتبريها فرصة لتتعرفي على المعلمين في مدرستك الجديدة حتى لا ينقصوا لك من درجات أعمال السنة بحجة أن لك سلوكًا عدائيًا غريب الأطوار، لذا أذكرك... حذار أن أسمع منهم كلامًا من هذا القبيل عنك!»
ألقت خطبتها الطويلة هذه رغم محاولات نيروز الفاشلة لقطعها.
«دروس دروس! لقد مللت كل شيء في هذه الحياة.»
«لا تنسي أن تصففي شعرك المجعد المقزز هذا وتتخلصي من المنظر الشنيع خاصته.»
____________
وقفت الفتاة أمام المرآة، هي لا تعرف أي شيء عن العناية بالبشرة والشعر كما تفعل أقرانها من الفتيات، حتى متابعتها للمشاهير والمؤثرين على مواقع التواصل لم تعملها أي شيء.
فكت شعرها المعقد بربطة الشعر التي لم تغيرها منذ يومين، وأخذت ترمق نفسها بنظرات الاستحقار، تتحرك يديها نحو جزعها الممتلئ نسبيًا كبقية وجهها، تبدو أكبر من سنها كثيرًا، كما أنها هي لا تعرف كيف لها أن تتخلص من هذا الوجه الدميم، ولا حتى ترضى به.
حاولت أن تبتسم؛ علَّ الابتسامة تضفي جمالًا على وجهها كما يقولون، لكنها تفاجأت بفك فمها العلوي البارز، الذي يكاد يشق شفتيها الصغيرتين، الآن فقط أيقنت لماذا ينادوها ب«أم ضَب».
هل هم محقون فعلًا وهي تحاول أن تتملص من حقيقة حتمية عنها؟ هل هي بالفعل ق**حة كما ينعتونها؟ هل همزهم ولمزهم عندما يرونها لأن لها خليقة لا توافق أذواقهم؟ هل ابتسامتهم الصفراء هي ما يقدم لأصحاب البشرة السمراء؟ هل قهقهتم بعد أن ترحل عنهم لهذا السبب الخارج عن يديها؟!
ألهذا لا يمكنها أن تحظى بالحب؟ الحب والاهتمام فقط للحسناوات؟
جال ببالها صور أصدقائها وبنات خالتها، ليسن بهذا الجمال الأخاذ، لكنهن على الأقل أجمل منها بكثير، بل لا مجال للمقارنة بينها وبينهن.
تجاهلت الأمر كعادتها، ومضت لتختار ملابسها؛ فقد ازفت ساعة الدرس.
«ألم تصففي شعرك كالعادة؟ ما هذه الملابس الب*عة؟ لد*ك ملابس أفضل من هذه بكثير، ألا تعرفين كيف ينسقون الملابس؟!»
ناولتها ثمن الحصة الأسبوعية وضمت كف يدها به، قبضت عليه نيروز، وتمنت لو أن تعطيها بعضًا من الحب عوضًا عن هذه الأموال البالية.
أمسكت نيروز الكنزة التي كانت ترتديها بأطراف أصابعها ووجتها نحو والدتها ورفعت كتفيها متسائلة بعفوية:
«ما بها؟ ملابس عادية.»
أخرجت ريشة التنظيف من جيب مئزر المطبخ الذي كانت ترتديه وشرعت تبعد الغبار عن المرآة الدائرة.
«ارتدي معطفًا خفيفًا فوقه، يبدو باليًا للغاية، ماذا تريدين أن يقول علينا الناس؟ ابنة المحامي المرشح لرئاسة إحدى دوائر الأسكندرية لا يملك نقودًا ليجلب لابنته ملابس قَيمة؟!»
«بل سيقولون لماذا يرسل سيادة المحامي ابنته لتتلقى دروسًا خاصة في أماكن غير مرخصة، ولا تابعة لوزارة التربية والتعليم، أليس هذا غير قانوني؟»
«يا لك من فتاة و**ة! كيف تجرؤين على التفوه بهذه الكلمات المسيئة؟ هل تقصدين أن والدك خارج عن القانون؟!»
وجهت عصا الريشة الخشبية التي كانت بين يديها ثم هوشت بها نيروز.
«دعيني وشأني لقد تعبت من اهتمامك بتعليقات الناس أكثر مني! لقد تلفت أعصابي من النزاع الدائم معك!»
شدت الفتاة حقيبتها الصغيرة وحملتها على ظهرها، ومضت نحو وجهتها غاضبة، تكاد لا ترى من فرط ضيقها.
جاوزت الطريق السريع وحيدة، وحولها الأطفال برفقة أهليهم فرحين، راقبتهم بنظرات م**ورة وكأنها يتيمة، ولم لا تكون يتيمة؟ هل اليتيم فقط من مات أحد والديه أو كلاهما؟ ماذا عن هؤلاء الذين يعيشون مع ذويهم وهم على قيد الحياة، لكنهم موتى المشاعر والقلب؟
والدتها المنهكة دائمة التذمر من أي فعل بسيط تفعله، ووالدها دائم الغياب الذي لا يدخل المنزل إلا للأكل والنوم، وإن أطال المكوث في المنزل قلبه جحيمًا يلغي من لذاعة نقده الهدام، لم يشعراها يومًا أنها بتلك الأهمية القصوى التي ترى بها يعامل الأطفال والمراهقون في نفس عمرها، لم يمسكا يدها يومًا لتعبر الشارع، ولم يرافقاها إلى مكان تحبه إلا لإخماد نيران شكوكهم حولها.
هل هي فقط مظاهر خداعة والصورة لها ألف حكاية مخبأة؟ هل الحقيقة أن الأهل لا يهتمون بأطفالهم؟ أم ثمة من يهتم بالفعل؟
تدرجت سلم المركز التعليمي بقلق؛ فهي تهاب الأماكن المنخفضة بالإضافة إلى كونها جديدة عليها ولم تألفها من قبل، أخرجت ثمن الحصة من حقيبتها البيضاء المزركشة، ناولت الموظف النقود بتوتر، ثم نقطت اسمها بصعوبة تظهر من نبرتها المهزوزة.
هذا الفتاة الخجولة المنطوية كما تبدو لمن ينظر إليها لأول وهلة؟ هل يا ترى تفعل ما تكتبه لها الأقدار يومًا؟
طأطأت رأسها وهي تدخل إلى القاعة الكبرى، شعرت بلسعة برد خفيفة تسللت إلى ساعد يديها المكشوف فتسببت لها بقشعريرة دامت لثوانٍ قليلة، تطرفت عن العدد المتوسط المتواجد معها، وجلست في م***ة القاعة مفتقدةً صديقتها الوحيدة من المدرسة القديمة، التي كانت دائمًا ما تجلس معها في الصف الأخير، أسندت رأسها إلى الحائط المطلي بدهان زيتي ناصع البياض، ووضعت كفيها على المنضدة الطويلة التي تمتد إلى ما قبل الجانب الآخر من القاعة بقليل.
كعادة المدرسين الخصوصين يتأخرون عن موعدهم، هذا أمر بديهي، إن قال لك موعدك الخامسة فتأكد أنها السادسة إن لم تكن السابعة.
أحضرت بعض الفطائر المحببة إلى قلبها، مع بعض من رقائق البطاطس المملحة، وسدت بهم رمقها؛ فهي لم تأكل منذ البارحة.
وأخيرًا قد وصل! نحى الحقيبة السوداء الخاصة بالحاسوب النقال التي كان معلقة على كتفه الرياضي، واعتذر عن تأخره إلى الساعة السابعة إلا الثلث.
أخرج هذا الشاب الثلاثيني أقلام السبورة البيضاء وبدأ يكتب رموزًا غير مفهومة، راقبتها نيروز بدقة علها تفهم أي شيء يكتبه قبيل الشرح، وتحظى ببعض الحفاوة والتقدير.
انتهى المعلم من كتابة الرموز، والتفت إلى الطلاب وبدأ يؤشر بالليزر الأحمر على تلك الرموز.
«مرحبًا يا شباب، كيف حالكم؟! سنستهل لقاءنا اليوم بمراجعة بعض الأساسيات؛ تعلمون... مادة الرياضيات مادة تراكمية، إن كان الأساس ساقطًا لا يمكننا أن نستمر قبل أن نصلح هذا الخلل.»
تلقت نيروز صدمة حادة! هل هذا يعني أن ما كتبه منهج قديم؟ المنهج التي تلقت فيه اختبارًا منذ أقل من شهر؟!
شعلة حماس البدايات التي كانت لديها انطفأت من قبل أن تنشر ضوءها في أعماق نيروز المظلم.
حاولت أن تقاوم خيبة الأمل التي قابلتها منذ أول خطوة، فأخرجت ورقة صغيرة، وبدأت تدون ما كتبه المعلم على السبورة، وهي تنصت بتركيز إلى ما يقول، وتكتب كل ما ينوه عنه أنه لا يوجد داخل الكتاب الوزاري، لكنه مهم.
رغم صوت الهمسات الخفيفة حولها قررت أن تعير الدرس اهتمامها، وها هو المعلم ينهي شرح آخر مسألة ويكتب صفحات الواجب الذي سيفتش عليه الحصة القادمة من قبل مساعدوه المنتشرون في كل مكان، إذًا عليها أن تنهيه الليلة!
كتب لهم المعلم على الحائط اسم المجموعة التي سيتواصلون عليها عبر موقع التواصل الشهير (فيسبوك)، لكنها كانت أخجل من أن تستفسر عن مصير من لا يملكون حسابًا على الموقع؛ فمن هذا الذي لا يملك حسابًا عليه؟
تسآلت كثيرًا عن مدى خطورة مواقع التواصل؟ ما الخطير في صفحة وهمية تنبثق من شاشة زجاجية مضيئة؟ إلى أي مدى قد تؤثر على حياة الإنسان كي يحجبها والدها عنها؟ هل الفيسبوك وحده هو المؤثر؟ ماذا عن ال(يوتيوب) الذي تتصفحه ليل نهار، هل على درجة أقل من الخطورة؟
بنفس الطريقة التي ذهبت فيها قررت أن تعود أدراجها بعد أن كرب الليل على الانتصاف، يقولون... إن من يعش في بيئة ما سيصبح متأقلمًا معها ولن يخافها بمرور الوقت، ماذا عنها؟ هي تخاف العتمة رغم أنها تعيش فيها.
كل ما تحرك في ذهنها هو تحضيرها للحجج التي ستدافع بها عن نفسها، رغم أنها لم تفعل أي شيء خطأ، هي بالفعل كانت في الدرس، لم تذهب يمينًا ولا يسارًا، وإن لم تفكر في هذا ستفكر في كيفية إقناع والديها بضرورة تواجدها على منصة فيسبوك لدواعٍ دراسية، تبدو حجة قوية، صحيح؟
فتحت باب منزلها المحوط بأسوار الحماية داخل التجمعات السكنية الباهظة، هي لا تنكر أنها تحب المنزل ودفءه، لكن دون أن يعكر صفوه مزاج والديها الحاد.
أحيانًا تشعر أن الخروج للدروس هو المتنفس الوحيد للابتعاد عن هذا الضجيج، لكن كما يبدو لا يوجد مفر أبدي منه.
وضعت حقيبتها بعد أن ألقت السلام بصوت ضعيف، ثم تريثت إلى أن يجلس والداها معًا، ريثما تبدل ملابسها بأخرى مريحة.
وبالفعل، تقدمت نحوهم على استحياء، تردد في نفسها أماني متعلقة بعدم توبيخها على تأخرها الخارج عن إرادتها.
«ما كل هذا التأخير يا نيروز؟»
ابتدأ والدها الحوار وهو مستلقٍ على الأريكة الكبيرة التي كانت تمتد لشغل مكان قوامه الفارع، يقلب قنوات التلفاز بسأم بواسطة جهاز التحكم.
«لقد تأخر المعلم إلى السابعة إلا الثلث، وبدأنا الدرس متأخرًا.»
حكت يدها في فروة شعرها كناية عن التوتر التي كانت تشعر به.
«ما الذي يجعلنا نصدقك؟»
لفت نيروز رقبتها إلى مص*ر الصوت في الجهة المقابلة، فرفعت والدتها حاجبها الأيسر مستجوبة إياها.
«لأني ببساطة لا أكذب.»
مدت كفي يديها ومطت شفتيها بتعجب.
«سأتصل بهم غدًا في المركز، كيف يتأخر المعلم كل هذا الوقت.»
قالت كلامها هذا وكأنها ستخيف الفتاة التي تدعي كذبًا.
حل ال**ت لبرهة قصيرة، قضتها نيروز في صراع مع شخصيتها الجبانة التي تود تأجيل الموضوع لاحقًا، لكنها قررت أن تصدم شخصها الرعديد هذا ومن ثم تقولها دون سابق إنذار.
«أبي أريد حسابًا على موقع فيسبوك، كل أترابي لديهم وأنا لا.»
لم يعرها والدها اهتمامًا وفيرًا، بل قال متبرمًا:
«ما المناسبة إذًا؟ تفتحيه لتحادثي الشباب ويظلوا يتغزلون بك، وتمزحين معهم؟!»
صُعقت الفتاة من عجابة رده، هي لم تكن تنوي أيًا مما ذكر، هي فقط أرادت أن ترَ العالم، وتفهم هذه ال(ميمز) التي يتداولها شباب جيلها.
«لا، أريده للدراسة فحسب.»
«افتحيه من حسابي أو حساب والدتك، لا داعي لأن يكون لد*ك واحد خاص بك؛ لا زلت قاصرًا.»
تأففت الفتاة بضيق، ومحاولتها بآت بالفشل، ليتها استمعت إلى هذا الصوت داخلها ولم تنطق بكلمة.
انكبت على السرير متعبة؛ فهي تتأثر من أقل مجهود، رغم أنها نالت قسطًا من الراحة بالأمس إلا أن مشوارًا صغيرًا قد نال من صحتها الخفيفة.
وها قد بزغ نور صباح جديد، أمل جديد لكل حالم، كمدينة الأسكندرية الساحلية التي تنفض عنها غبار الليل الدامس، وتتبدد رائحة النوم د، ثم تحل محلها رائحة القهوة الشرقية التي يرتشفها أهلها كل طلعة شمس.
لم يكن الوضع مشابهًا بالنسبة لنيروز، التي استيقظت ابكر مما اعتادت عليه بعد أن غطت في نوم عميق مريح.
كانت تخطط لعمل مهم للغاية بالنسبة، تدرس خوارزميات المواقع، وتتعرف أكثر وأكثر، قررت أن تغوص في إرشادات الخصوصية، وكيفية إنشاء حساب، وكل هذا بمساعدة محرك البحث (جوجل)، فهو رفيقها الأمين الذي يخبرها عن كل شيء تكتبه في خانة بحثه، ويطلعها على العالم بضغطة زر خفيفة، زر؟ زر ماذا؟ نحن في عام ألفين وتسعة عشر، لا وجود للهواتف ذات الازرار، كلها تتم بواسطة لمسات الأصبع.
عزمت على الأمر وشدت رحالها إلى مرادها
وقد تناست وعودها لنفسها بالاجتهاد في بداية العام الدراسي الجديد، لقد كان حماس البدايات، وها هو يولي مع بقية الحماسات الأخرى.
هي حسيبة المنزل؛ فلا يوجد من يخرج معها للتنزه، ولا يمكنها الخروج وحدها، لذا استغلت وقت فراغها هذا في التأهب لرحلة جديدة.
رغم تحذير والديها آلاف المرات منه، رغم سحبهم للهاتف عندما شعروا برغبتها في الاطلاع على ما حظروه عليها، إلا أنها أصرت على فعلتها؛ فأحيانًا يصبح الم***ع مرغوبًا، المرفوض يراد أن يكون مفروضًا!
قررت هذه المرة أن تتجاهل كل ما قيل لها، وأنا تحوض التجربة بنفسها، وأن تتحمل العواقب التي لم تحسبها أصلًا، وعزمت أن تدخل إلى هذا الموقع الأزرق وتجرب حظها، من سيعلم؟ ومن سيرى؟ هل قد يشي بها سجل البحث؟ أو البريد الالكتروني؟ أو حتى التطبيق نفسه؟ هي ليست مغفلة، لقد أخذت حذرها جيدًا، وتعرفت على كل ما قد يعرضها للخطر وقررت أن تتفاده بإجراءاتها الخاصة.
_______________
على الجانب الآخر المهمل دائمًا في كل الحكايات، والروايات، والدتها المضحية.
هذه السيدة التي قامت من مضجعها مع أول ضوء للشمس، تعد طعام الفطور لأطفالها المتكاسلين، وتنظف منزلها وترتبه بدقة، ثم تتناول بعض اللقيمات الصغيرة التي لا تسد جوعًا، ومن ثم تهرع إلى عملها سريعًا قبل أن تزدحم الشوارع، فتتأخر عن عملها في مدرسة ابتدائية خاصة.
صحيح أنهم في العطلة الصيفية والعمل قليل، لكنه يبقى عملًا مجهدًا بجانب كل مهماتها، بل هي بالفعل مهام تجلب لها الهم.
بالها مشغول طوال الوقت بابنتها وابنها، هي لم تنجب سواهما، ولأجلهما تعيش، صحيح أنها تقسو عليهم لكنها تهيم فيهم عشقًا، هم روحها المتحركة على الأرض، ومن هذا الذي يرى روحه أمامه ولا يحبها؟
هي تفكر في كيفية تأمين مستقبل أبنائها، هي قاربت على إتمام عقدها الأربعين، تحاول أن تجمع الأموال لتبني لأولادها بيتًا يعيشون فيه من بعدها، تخطط لتجهيز نيروز، وجلب بعض الذهب لعمر أو كليهما.
هي تكدح من أجلهم، من أجل سعادتهم، قد لا تحب أن تظهر هذا كي لا يطمعوا فيها أو يستخفوا بها؛ فمن الحب ما قتل، ورغم ذلك هي تتمنى لو تفديهم بروحها فقط كي لا يشقوا كما شقت وتعبت.
تذكر جيدًا كم كان ماضيها سيئًا، كم تعبت لأجل أن تتوظف، بل قبلها سنين شقاء أثناء دراستها، ووقتما قررت أن تنفق على نفسها لأن مصاريفها الجامعية أصبحت تثقل كاهل والديها اللذان لم يعودا قادرين على تلبية احتياجاتها هي واخوتها الثلاثة.
لا يزايل خيالها لحظات رسوبها في العام الثاني في كلية التربية، هذه الذكرى مخفورة في دماغها، وقد يكون لها أثر على كثير من أفعالها العدائية بسبب تألم عقلها الباطن، لم تنسَ كم بكت ليلتها بحرقة على مستقبلها، بسبب تعنت أستاذها الجامعي، بسبب قضائها لأغلب الوقت في العمل في الصيدليات كي توفر مصروفًا بسيطًا لها.
وكذلك سعادة المحامي محمد، كان من الشباب المكافح الذي أنفق على نفسه منذ أن دخل الثانوية العامة، فعمل في الورش الفنية، لا زال يستفيد مما تعلمه في تصليح سيارته إن أصابها عطل خفيف، لربما هذا السبب الذي جعله يدخل كلية الحقوق عوضًا عن التجارة أو هندسة المعلومات، لكن يكفيه فخرًا أنه لم يمد يده إلا أحد، وبنى نفسه من عرق جبينه.
والحياة انهكت كلاهما بما فيه الكفاية...