bc

راوية

book_age4+
0
FOLLOW
1K
READ
dark
possessive
shifter
comedy
serious
scary
coming of age
first love
novice
seductive
like
intro-logo
Blurb

شيء حريري ينساب على بشرتها، يمر بلينٍ ونعومة، كأن يدًا ناعمة تمرر إبهامها على خدها الشاحب ذا الطلة السمراء، لربما هو إبهام أسمر يمر بسرعة كبيرة، وبخفة تفوق سرعته، كأنه يربت عليها، كان يعدو بسرعة لا تدرك، لكن هذا لن يجدي معها نفعًا، ولن يعوضها عما تفتقد إليه كل يوم؛ فهي في أشد الحاجة لشيء كهذا، كانت تشحذ الحب وتستجديه من كل المارة، وتتمنى قليله فقط، كأنها تلمم فتاته كما يلملم الشحاذ النقود المعدنية البخسة من العابرين قائلة: «حب لله يا محسنين!».

بأناة وتمهل، رفعت ستائر عينيها المشرشبة المتمثلة في جفنها المختوم بشعر رموشها الثقيل المجعد، وهي تظن أنه سيتبتسم لها؛ فهي تفتقد الحب والاهتمام كثيرًا، لكنها لم تجد هذا الشخص الذي لطالما تمنت أن تراه يفعلها، ولم تجد أي شيء أمامها

بل هو أكثر شيء تكرهه وتبغضه! ركض وركض على سريرها، ثم اختفى، مخيف للغاية! مرعب كذلك!

انتفضت هلعًا، وكذلك فعلت حبالها الصوتية، فأصدرت أنينًا حادًا يشبه الصراخ كعادتها عندما تراه، وهربت من سريرها الدافئ سريعًّا، لتجد باب شقتها الفارهة يفتح بواسطة والدتها التي تكد في كل أعمالها، لتقابلها بأكياس التسوق بعد أن عادت من عملها المجهد، وبدا الإرهاق متخللًا ملامحها السمراء الحادة.

« تتعمد إغاظتها ولا تراعي كم هي متعبة من الصباح.

«لا! حتى على الانترنت، لا أحد يهتم بي.»

احتنقن وجهها وألم بها الغضب من كل حدب وصوب، لقد احتدم النقاش بينهم حتى تبدل إلى جدالٍ واسع نِديّ بين عدوين، لا نعلم إلى أين مرسى سيرسو.

«نيروز! أنا متعبة، مضغوطة حد الانفجار، لدي مهام تؤرقني لا مهمات، دعيني وشأني الآن.»

chap-preview
Free preview
الأول
شيء حريري ينساب على بشرتها، يمر بلينٍ ونعومة، كأن يدًا ناعمة تمرر إبهامها على خدها الشاحب ذا الطلة السمراء، لربما هو إبهام أسمر يمر بسرعة كبيرة، وبخفة تفوق سرعته، كأنه يربت عليها، كان يعدو بسرعة لا تدرك، لكن هذا لن يجدي معها نفعًا، ولن يعوضها عما تفتقد إليه كل يوم؛ فهي في أشد الحاجة لشيء كهذا، كانت تشحذ الحب وتستجديه من كل المارة، وتتمنى قليله فقط، كأنها تلمم فتاته كما يلملم الشحاذ النقود المعدنية البخسة من العابرين قائلة: «حب لله يا محسنين!». بأناة وتمهل، رفعت ستائر عينيها المشرشبة المتمثلة في جفنها المختوم بشعر رموشها الثقيل المجعد، وهي تظن أنه سيتبتسم لها؛ فهي تفتقد الحب والاهتمام كثيرًا، لكنها لم تجد هذا الشخص الذي لطالما تمنت أن تراه يفعلها، ولم تجد أي شيء أمامها بل هو أكثر شيء تكرهه وتبغضه! ركض وركض على سريرها، ثم اختفى، مخيف للغاية! مرعب كذلك! انتفضت هلعًا، وكذلك فعلت حبالها الصوتية، فأصدرت أنينًا حادًا يشبه الصراخ كعادتها عندما تراه، وهربت من سريرها الدافئ سريعًّا، لتجد باب شقتها الفارهة يفتح بواسطة والدتها التي تكد في كل أعمالها، لتقابلها بأكياس التسوق بعد أن عادت من عملها المجهد، وبدا الإرهاق متخللًا ملامحها السمراء الحادة. «هل استيقظت للتو؟ إنها الثالثة عصرًا! لقد اتنهى اليوم، ألم أخبرك مرارًا وتكرارًا كُفي عن السهر ليلًا بلا فائدة؟ لقد أقترب موسم الدراسة وأنت لم تضبطي موعد نومك حتى.» كانت ترتجف فزعًا، لم تعلم هل هي ترتجف من خوفها من والدتها وتوبيخها المستمر، والذي ينتهي على أغلب الأحوال بأن تأخذ منها هاتفها، أم من هذا الوحش الذي يطاردها وأيقذها من نومها الهادئ. رمقتها خائفة بأعينها لوزية الشكل المحاطة بالعماص إثر نومها الطويل وهي تتحدث بحنق: «صرصور! صرصور! أنا أخاف منه، مرعب!» مطت والدتها شفتيها وهي تنظر إليها باستحقار، ثم مضت إلى المطبخ وتابعت وضع الخضراوات في الثلاجة. «عوض علي عوض الصابرين يا ربي! كم صار عمرك لتخافي من صرصور صغير لا يضر؟ أنت في الرابعة عشر من عمرك ولا تزالين عالقة في طفولتك الغبية؟ أمثالك في الأرياف لديهم أطفال يرعونهم.» كان صوتها عميقًا ذا صدى خافت، لأنها كانت شبه داخل الثلاجة تنظم طعام الأسبوع. «أمي! أنا أكره ذكر الزواج والأطفال، لِم علي أن أسمع ذكره طوال الوقت ليس وكأني مشرفة عليه؟ لقد سئمت من هذا الشريط المسجل الممل بخصوص أن من هم أصغر مني يستطيعون فعل ما لا أقدر عليه، وأني لا أفعل شيء سوى إمساك الهاتف، ألم تملي من هذه المقارنات السخيفة وتحبيني فقط لأني ابنتك؟! » قابلت والدتها كلامها بنظرة مظلمة بطرف عينيها، ونفثت عن أنفاسها المكتومة بقوة، كيف تجرأ على توبيخها بهذا الشكل المشين وكأنها ربتها؟! «وما مشكلتك معه إذًا؟ هل تلاعب بك أحد الشباب الطائشين عبر الانترنت، ثم تركك سريعًا وتسبب لك في عقدة نفسية؟» ألقت والدتها باللحم المجمد في حوض الغسيل ليصطدم به بعنف، والتفت إلى ابنتها التي تتعمد إغاظتها ولا تراعي كم هي متعبة من الصباح. «لا! حتى على الانترنت، لا أحد يهتم بي.» احتنقن وجهها وألم بها الغضب من كل حدب وصوب، لقد احتدم النقاش بينهم حتى تبدل إلى جدالٍ واسع نِديّ بين عدوين، لا نعلم إلى أين مرسى سيرسو. «نيروز! أنا متعبة، مضغوطة حد الانفجار، لدي مهام تؤرقني لا مهمات، دعيني وشأني الآن.» نذمرت رافعة وجهها نحو سقف المطبخ الذي تسكنه ترسبات دهون الطعام ويحتاج تنظيفًا عميقًا. امتلأت عيني الفتاة اليافعة بنظرات خائب الأمل، وقد تناثرت نظراتها في كل بقعة في المكان إلا أن تدخل في اتصال بصري مع والدتها، ثم مضت إلى المرحاض لتغسل وجهها وتبدأ يومها المعتاد المتكرر بلا فائدة. «تريدين أن تساعديني؟ احضري مساحيق التنظيف ونظفي هذه الأوساخ عوضًا عن تصفح المواقع عديمة النفع، إنها لمضيعة للوقت والحياة.» «احضري خادمة؛ أنت لست فقيرة!» لم تعلق نيروز على كلامها هكذا فقط، بل ردت بإغلاق باب الحمام بضجر، وفتحت صنبور المياه وبدأت ترش بعض قطرات الماء على وجهها بعشوائية جمة. تذمرت سارة من أفعال ابنتها المراهقة غير المسؤولة، ثم أدرفت قائلة: «فتاة عَقوق، نحن لم نكن فتيات إن كانت هذه أفعال الفتيات!» حل الصمت قليلًا، ولا نسمع سوى صوت الماء المتدفق في المرحاض. «لقد حجزت لك دروسًا في المركز التعليمي القريب من منزلنا، تجهزي ولا تنسي الموعد، إنه بعد ساعتين.» فتحت نيروز الباب وخرجت، حاولت أن تتظاهر بأنها لم تسمع شيئًا مما قالته أمها، لكنها لم تستطع ألا تبدي اعتراضها على تسلطها وتفردها بالرأي. «هل يجب على أن أذهب إلى الدرس الخصوصي الممل هذا؟ ألا زال وقت مبكرًا؟ الجميع يمضي وقتًا رائعًا في الأجازة؛ فالعام الدراسي يبدأ في أواخر شهر سبتمبر، ونحن في أنصاف يوليو، يعني شهر الاستماع بالمصيف والبحر!» جعدت نيروز وجهها وعقدت ذراعيها ومضت نحو غرفتها الواسعة، عسى أن تعدل والدتها عن رأيها، لكن صوت والدتها لا زال يطاردها حتى وهي تبعد عنها. «هل تريدين أن ترسبي في مادة الرياضيات كالعام الماضي؟ أنت لست نجيبة كي أتركك واللهو معًا في أيام الصيف، وحتى لو كنت نجيبة، النجباء يبدأون الدراسة مبكرًا، لذا الحقي بركبهم عوضًا عن مصاحبة الفاشلين، أو اعتبريه عقابًا ونتيجة للفضيحة التي أسفر عنها رسوبك، ألا تتذكرين كم كنت محرجة من معلمي مدرستك القديمة؟ أو عندما سألتني خالتك عن نتيجك؟» وقفت الفتاة واستدارت لتكمل نقاشها العقيم مع أمها التي تمارس هوايتها المفضلة في التحكم بها كالدمية. «يا أمي! لم ألبث سوى لقليل من الوقت في إجازة، هأنتذا تقرين بأني رسبت، أي أني لم أنل قسطًا من الراحة بعد.» «هذا أمر مفروغ منه، احمدي ربك أننا نستطيع أن ننفق عليك أنت وأخيك، هناك من يتمنى ربع ما تحظين به، لا تتبطري على النعمة حتى لا تُحال نقمة في وجهك الأسود!» نظرت نيروز إلى وجهها الأسمر التي تعتبره أمر يُعيار به، هل تناست أنها لها نفس البشرة؟ «أنت تجرحينني بنعت وجهي بالأسود! هو ليس أسودًا، وحتى إن كان، لا تعاتبيني وكأنها وصمة عار التصقت بي، ما ذنبي أنا؟ لم أخترها.» تنهدت سارة وهي ترفع غطاء إناء الطبخ وتسكب فيه بعض الماء لسلق اللحم، ثم تجاهلت تألم نيروز وعقبت قائلة: «الصف الثاني الإعدادي أصعب من الثالث، وأنت تعلمين هذا جيدًا، لا نريد أن نرسب في مواد أخرى، لست مضطرة لنقلك إلى مدرسة أخرى كي أتفادى الإحراج من المعلمين ومن زملائك، لقد مملت من الإجراءات الحكومية المرهقة، اعتبريها فرصة لتتعرفي على المعلمين في مدرستك الجديدة حتى لا ينقصوا لك من درجات أعمال السنة بحجة أن لك سلوكًا عدائيًا غريب الأطوار، لذا أذكرك... حذار أن أسمع منهم كلامًا من هذا القبيل عنك!» ألقت خطبتها الطويلة هذه رغم محاولات نيروز الفاشلة لقطعها. «دروس دروس! لقد مللت كل شيء في هذه الحياة.» «لا تنسي أن تصففي شعرك المجعد المقزز هذا وتتخلصي من المنظر الشنيع خاصته.» ____________ وقفت الفتاة أمام المرآة، هي لا تعرف أي شيء عن العناية بالبشرة والشعر كما تفعل أقرانها من الفتيات، حتى متابعتها للمشاهير والمؤثرين على مواقع التواصل لم تعملها أي شيء. فكت شعرها المعقد بربطة الشعر التي لم تغيرها منذ يومين، وأخذت ترمق نفسها بنظرات الاستحقار، تتحرك يديها نحو جزعها الممتلئ نسبيًا كبقية وجهها، تبدو أكبر من سنها كثيرًا، كما أنها هي لا تعرف كيف لها أن تتخلص من هذا الوجه الدميم، ولا حتى ترضى به. حاولت أن تبتسم؛ علَّ الابتسامة تضفي جمالًا على وجهها كما يقولون، لكنها تفاجأت بفك فمها العلوي البارز، الذي يكاد يشق شفتيها الصغيرتين، الآن فقط أيقنت لماذا ينادوها ب«أم ضَب». هل هم محقون فعلًا وهي تحاول أن تتملص من حقيقة حتمية عنها؟ هل هي بالفعل قبيحة كما ينعتونها؟ هل همزهم ولمزهم عندما يرونها لأن لها خليقة لا توافق أذواقهم؟ هل ابتسامتهم الصفراء هي ما يقدم لأصحاب البشرة السمراء؟ هل قهقهتم بعد أن ترحل عنهم لهذا السبب الخارج عن يديها؟! ألهذا لا يمكنها أن تحظى بالحب؟ الحب والاهتمام فقط للحسناوات؟ جال ببالها صور أصدقائها وبنات خالتها، ليسن بهذا الجمال الأخاذ، لكنهن على الأقل أجمل منها بكثير، بل لا مجال للمقارنة بينها وبينهن. تجاهلت الأمر كعادتها، ومضت لتختار ملابسها؛ فقد ازفت ساعة الدرس. «ألم تصففي شعرك كالعادة؟ ما هذه الملابس البشعة؟ لديك ملابس أفضل من هذه بكثير، ألا تعرفين كيف ينسقون الملابس؟!» ناولتها ثمن الحصة الأسبوعية وضمت كف يدها به، قبضت عليه نيروز، وتمنت لو أن تعطيها بعضًا من الحب عوضًا عن هذه الأموال البالية. أمسكت نيروز الكنزة التي كانت ترتديها بأطراف أصابعها ووجتها نحو والدتها ورفعت كتفيها متسائلة بعفوية: «ما بها؟ ملابس عادية.» أخرجت ريشة التنظيف من جيب مئزر المطبخ الذي كانت ترتديه وشرعت تبعد الغبار عن المرآة الدائرة. «ارتدي معطفًا خفيفًا فوقه، يبدو باليًا للغاية، ماذا تريدين أن يقول علينا الناس؟ ابنة المحامي المرشح لرئاسة إحدى دوائر الأسكندرية لا يملك نقودًا ليجلب لابنته ملابس قَيمة؟!» «بل سيقولون لماذا يرسل سيادة المحامي ابنته لتتلقى دروسًا خاصة في أماكن غير مرخصة، ولا تابعة لوزارة التربية والتعليم، أليس هذا غير قانوني؟» «يا لك من فتاة وقحة! كيف تجرؤين على التفوه بهذه الكلمات المسيئة؟ هل تقصدين أن والدك خارج عن القانون؟!» وجهت عصا الريشة الخشبية التي كانت بين يديها ثم هوشت بها نيروز. «دعيني وشأني لقد تعبت من اهتمامك بتعليقات الناس أكثر مني! لقد تلفت أعصابي من النزاع الدائم معك!» شدت الفتاة حقيبتها الصغيرة وحملتها على ظهرها، ومضت نحو وجهتها غاضبة، تكاد لا ترى من فرط ضيقها. شيء حريري ينساب على بشرتها، يمر بلينٍ ونعومة، كأن يدًا ناعمة تمرر إبهامها على خدها الشاحب ذا الطلة السمراء، لربما هو إبهام أسمر يمر بسرعة كبيرة، وبخفة تفوق سرعته، كأنه يربت عليها، كان يعدو بسرعة لا تدرك، لكن هذا لن يجدي معها نفعًا، ولن يعوضها عما تفتقد إليه كل يوم؛ فهي في أشد الحاجة لشيء كهذا، كانت تشحذ الحب وتستجديه من كل المارة، وتتمنى قليله فقط، كأنها تلمم فتاته كما يلملم الشحاذ النقود المعدنية البخسة من العابرين قائلة: «حب لله يا محسنين!». بأناة وتمهل، رفعت ستائر عينيها المشرشبة المتمثلة في جفنها المختوم بشعر رموشها الثقيل المجعد، وهي تظن أنه سيتبتسم لها؛ فهي تفتقد الحب والاهتمام كثيرًا، لكنها لم تجد هذا الشخص الذي لطالما تمنت أن تراه يفعلها، ولم تجد أي شيء أمامها بل هو أكثر شيء تكرهه وتبغضه! ركض وركض على سريرها، ثم اختفى، مخيف للغاية! مرعب كذلك! انتفضت هلعًا، وكذلك فعلت حبالها الصوتية، فأصدرت أنينًا حادًا يشبه الصراخ كعادتها عندما تراه، وهربت من سريرها الدافئ سريعًّا، لتجد باب شقتها الفارهة يفتح بواسطة والدتها التي تكد في كل أعمالها، لتقابلها بأكياس التسوق بعد أن عادت من عملها المجهد، وبدا الإرهاق متخللًا ملامحها السمراء الحادة. «هل استيقظت للتو؟ إنها الثالثة عصرًا! لقد اتنهى اليوم، ألم أخبرك مرارًا وتكرارًا كُفي عن السهر ليلًا بلا فائدة؟ لقد أقترب موسم الدراسة وأنت لم تضبطي موعد نومك حتى.» كانت ترتجف فزعًا، لم تعلم هل هي ترتجف من خوفها من والدتها وتوبيخها المستمر، والذي ينتهي على أغلب الأحوال بأن تأخذ منها هاتفها، أم من هذا الوحش الذي يطاردها وأيقذها من نومها الهادئ. رمقتها خائفة بأعينها لوزية الشكل المحاطة بالعماص إثر نومها الطويل وهي تتحدث بحنق: «صرصور! صرصور! أنا أخاف منه، مرعب!» مطت والدتها شفتيها وهي تنظر إليها باستحقار، ثم مضت إلى المطبخ وتابعت وضع الخضراوات في الثلاجة. «عوض علي عوض الصابرين يا ربي! كم صار عمرك لتخافي من صرصور صغير لا يضر؟ أنت في الرابعة عشر من عمرك ولا تزالين عالقة في طفولتك الغبية؟ أمثالك في الأرياف لديهم أطفال يرعونهم.» كان صوتها عميقًا ذا صدى خافت، لأنها كانت شبه داخل الثلاجة تنظم طعام الأسبوع. «أمي! أنا أكره ذكر الزواج والأطفال، لِم علي أن أسمع ذكره طوال الوقت ليس وكأني مشرفة عليه؟ لقد سئمت من هذا الشريط المسجل الممل بخصوص أن من هم أصغر مني يستطيعون فعل ما لا أقدر عليه، وأني لا أفعل شيء سوى إمساك الهاتف، ألم تملي من هذه المقارنات السخيفة وتحبيني فقط لأني ابنتك؟! » قابلت والدتها كلامها بنظرة مظلمة بطرف عينيها، ونفثت عن أنفاسها المكتومة بقوة، كيف تجرأ على توبيخها بهذا الشكل المشين وكأنها ربتها؟! «وما مشكلتك معه إذًا؟ هل تلاعب بك أحد الشباب الطائشين عبر الانترنت، ثم تركك سريعًا وتسبب لك في عقدة نفسية؟» ألقت والدتها باللحم المجمد في حوض الغسيل ليصطدم به بعنف، والتفت إلى ابنتها التي تتعمد إغاظتها ولا تراعي كم هي متعبة من الصباح. «لا! حتى على الانترنت، لا أحد يهتم بي.» احتنقن وجهها وألم بها الغضب من كل حدب وصوب، لقد احتدم النقاش بينهم حتى تبدل إلى جدالٍ واسع نِديّ بين عدوين، لا نعلم إلى أين مرسى سيرسو. «نيروز! أنا متعبة، مضغوطة حد الانفجار، لدي مهام تؤرقني لا مهمات، دعيني وشأني الآن.» نذمرت رافعة وجهها نحو سقف المطبخ الذي تسكنه ترسبات دهون الطعام ويحتاج تنظيفًا عميقًا. امتلأت عيني الفتاة اليافعة بنظرات خائب الأمل، وقد تناثرت نظراتها في كل بقعة في المكان إلا أن تدخل في اتصال بصري مع والدتها، ثم مضت إلى المرحاض لتغسل وجهها وتبدأ يومها المعتاد المتكرر بلا فائدة. «تريدين أن تساعديني؟ احضري مساحيق التنظيف ونظفي هذه الأوساخ عوضًا عن تصفح المواقع عديمة النفع، إنها لمضيعة للوقت والحياة.» «احضري خادمة؛ أنت لست فقيرة!» لم تعلق نيروز على كلامها هكذا فقط، بل ردت بإغلاق باب الحمام بضجر، وفتحت صنبور المياه وبدأت ترش بعض قطرات الماء على وجهها بعشوائية جمة. تذمرت سارة من أفعال ابنتها المراهقة غير المسؤولة، ثم أدرفت قائلة: «فتاة عَقوق، نحن لم نكن فتيات إن كانت هذه أفعال الفتيات!» حل الصمت قليلًا، ولا نسمع سوى صوت الماء المتدفق في المرحاض. «لقد حجزت لك دروسًا في المركز التعليمي القريب من منزلنا، تجهزي ولا تنسي الموعد، إنه بعد ساعتين.» فتحت نيروز الباب وخرجت، حاولت أن تتظاهر بأنها لم تسمع شيئًا مما قالته أمها، لكنها لم تستطع ألا تبدي اعتراضها على تسلطها وتفردها بالرأي. «هل يجب على أن أذهب إلى الدرس الخصوصي الممل هذا؟ ألا زال وقت مبكرًا؟ الجميع يمضي وقتًا رائعًا في الأجازة؛ فالعام الدراسي يبدأ في أواخر شهر سبتمبر، ونحن في أنصاف يوليو، يعني شهر الاستماع بالمصيف والبحر!» جعدت نيروز وجهها وعقدت ذراعيها ومضت نحو غرفتها الواسعة، عسى أن تعدل والدتها عن رأيها، لكن صوت والدتها لا زال يطاردها حتى وهي تبعد عنها. «هل تريدين أن ترسبي في مادة الرياضيات كالعام الماضي؟ أنت لست نجيبة كي أتركك واللهو معًا في أيام الصيف، وحتى لو كنت نجيبة، النجباء يبدأون الدراسة مبكرًا، لذا الحقي بركبهم عوضًا عن مصاحبة الفاشلين، أو اعتبريه عقابًا ونتيجة للفضيحة التي أسفر عنها رسوبك، ألا تتذكرين كم كنت محرجة من معلمي مدرستك القديمة؟ أو عندما سألتني خالتك عن نتيجك؟» وقفت الفتاة واستدارت لتكمل نقاشها العقيم مع أمها التي تمارس هوايتها المفضلة في التحكم بها كالدمية. «يا أمي! لم ألبث سوى لقليل من الوقت في إجازة، هأنتذا تقرين بأني رسبت، أي أني لم أنل قسطًا من الراحة بعد.» «هذا أمر مفروغ منه، احمدي ربك أننا نستطيع أن ننفق عليك أنت وأخيك، هناك من يتمنى ربع ما تحظين به، لا تتبطري على النعمة حتى لا تُحال نقمة في وجهك الأسود!» نظرت نيروز إلى وجهها الأسمر التي تعتبره أمر يُعيار به، هل تناست أنها لها نفس البشرة؟ «أنت تجرحينني بنعت وجهي بالأسود! هو ليس أسودًا، وحتى إن كان، لا تعاتبيني وكأنها وصمة عار التصقت بي، ما ذنبي أنا؟ لم أخترها.» تنهدت سارة وهي ترفع غطاء إناء الطبخ وتسكب فيه بعض الماء لسلق اللحم، ثم تجاهلت تألم نيروز وعقبت قائلة: «الصف الثاني الإعدادي أصعب من الثالث، وأنت تعلمين هذا جيدًا، لا نريد أن نرسب في مواد أخرى، لست مضطرة لنقلك إلى مدرسة أخرى كي أتفادى الإحراج من المعلمين ومن زملائك، لقد مملت من الإجراءات الحكومية المرهقة، اعتبريها فرصة لتتعرفي على المعلمين في مدرستك الجديدة حتى لا ينقصوا لك من درجات أعمال السنة بحجة أن لك سلوكًا عدائيًا غريب الأطوار، لذا أذكرك... حذار أن أسمع منهم كلامًا من هذا القبيل عنك!» ألقت خطبتها الطويلة هذه رغم محاولات نيروز الفاشلة لقطعها. «دروس دروس! لقد مللت كل شيء في هذه الحياة.» «لا تنسي أن تصففي شعرك المجعد المقزز هذا وتتخلصي من المنظر الشنيع خاصته.» ____________ وقفت الفتاة أمام المرآة، هي لا تعرف أي شيء عن العناية بالبشرة والشعر كما تفعل أقرانها من الفتيات، حتى متابعتها للمشاهير والمؤثرين على مواقع التواصل لم تعملها أي شيء. فكت شعرها المعقد بربطة الشعر التي لم تغيرها منذ يومين، وأخذت ترمق نفسها بنظرات الاستحقار، تتحرك يديها نحو جزعها الممتلئ نسبيًا كبقية وجهها، تبدو أكبر من سنها كثيرًا، كما أنها هي لا تعرف كيف لها أن تتخلص من هذا الوجه الدميم، ولا حتى ترضى به. حاولت أن تبتسم؛ علَّ الابتسامة تضفي جمالًا على وجهها كما يقولون، لكنها تفاجأت بفك فمها العلوي البارز، الذي يكاد يشق شفتيها الصغيرتين، الآن فقط أيقنت لماذا ينادوها ب«أم ضَب». هل هم محقون فعلًا وهي تحاول أن تتملص من حقيقة حتمية عنها؟ هل هي بالفعل قبيحة كما ينعتونها؟ هل همزهم ولمزهم عندما يرونها لأن لها خليقة لا توافق أذواقهم؟ هل ابتسامتهم الصفراء هي ما يقدم لأصحاب البشرة السمراء؟ هل قهقهتم بعد أن ترحل عنهم لهذا السبب الخارج عن يديها؟! ألهذا لا يمكنها أن تحظى بالحب؟ الحب والاهتمام فقط للحسناوات؟ جال ببالها صور أصدقائها وبنات خالتها، ليسن بهذا الجمال الأخاذ، لكنهن على الأقل أجمل منها بكثير، بل لا مجال للمقارنة بينها وبينهن. تجاهلت الأمر كعادتها، ومضت لتختار ملابسها؛ فقد ازفت ساعة الدرس. «ألم تصففي شعرك كالعادة؟ ما هذه الملابس البشعة؟ لديك ملابس أفضل من هذه بكثير، ألا تعرفين كيف ينسقون الملابس؟!» ناولتها ثمن الحصة الأسبوعية وضمت كف يدها به، قبضت عليه نيروز، وتمنت لو أن تعطيها بعضًا من الحب عوضًا عن هذه الأموال البالية. أمسكت نيروز الكنزة التي كانت ترتديها بأطراف أصابعها ووجتها نحو والدتها ورفعت كتفيها متسائلة بعفوية: «ما بها؟ ملابس عادية.» أخرجت ريشة التنظيف من جيب مئزر المطبخ الذي كانت ترتديه وشرعت تبعد الغبار عن المرآة الدائرة. «ارتدي معطفًا خفيفًا فوقه، يبدو باليًا للغاية، ماذا تريدين أن يقول علينا الناس؟ ابنة المحامي المرشح لرئاسة إحدى دوائر الأسكندرية لا يملك نقودًا ليجلب لابنته ملابس قَيمة؟!» «بل سيقولون لماذا يرسل سيادة المحامي ابنته لتتلقى دروسًا خاصة في أماكن غير مرخصة، ولا تابعة لوزارة التربية والتعليم، أليس هذا غير قانوني؟» «يا لك من فتاة وقحة! كيف تجرؤين على التفوه بهذه الكلمات المسيئة؟ هل تقصدين أن والدك خارج عن القانون؟!» وجهت عصا الريشة الخشبية التي كانت بين يديها ثم هوشت بها نيروز. «دعيني وشأني لقد تعبت من اهتمامك بتعليقات الناس أكثر مني! لقد تلفت أعصابي من النزاع الدائم معك!» شدت الفتاة حقيبتها الصغيرة وحملتها على ظهرها، ومضت نحو وجهتها غاضبة، تكاد لا ترى من فرط ضيقها. شيء حريري ينساب على بشرتها، يمر بلينٍ ونعومة، كأن يدًا ناعمة تمرر إبهامها على خدها الشاحب ذا الطلة السمراء، لربما هو إبهام أسمر يمر بسرعة كبيرة، وبخفة تفوق سرعته، كأنه يربت عليها، كان يعدو بسرعة لا تدرك، لكن هذا لن يجدي معها نفعًا، ولن يعوضها عما تفتقد إليه كل يوم؛ فهي في أشد الحاجة لشيء كهذا، كانت تشحذ الحب وتستجديه من كل المارة، وتتمنى قليله فقط، كأنها تلمم فتاته كما يلملم الشحاذ النقود المعدنية البخسة من العابرين قائلة: «حب لله يا محسنين!». بأناة وتمهل، رفعت ستائر عينيها المشرشبة المتمثلة في جفنها المختوم بشعر رموشها الثقيل المجعد، وهي تظن أنه سيتبتسم لها؛ فهي تفتقد الحب والاهتمام كثيرًا، لكنها لم تجد هذا الشخص الذي لطالما تمنت أن تراه يفعلها، ولم تجد أي شيء أمامها بل هو أكثر شيء تكرهه وتبغضه! ركض وركض على سريرها، ثم اختفى، مخيف للغاية! مرعب كذلك! انتفضت هلعًا، وكذلك فعلت حبالها الصوتية، فأصدرت أنينًا حادًا يشبه الصراخ كعادتها عندما تراه، وهربت من سريرها الدافئ سريعًّا، لتجد باب شقتها الفارهة يفتح بواسطة والدتها التي تكد في كل أعمالها، لتقابلها بأكياس التسوق بعد أن عادت من عملها المجهد، وبدا الإرهاق متخللًا ملامحها السمراء الحادة. «هل استيقظت للتو؟ إنها الثالثة عصرًا! لقد اتنهى اليوم، ألم أخبرك مرارًا وتكرارًا كُفي عن السهر ليلًا بلا فائدة؟ لقد أقترب موسم الدراسة وأنت لم تضبطي موعد نومك حتى.» كانت ترتجف فزعًا، لم تعلم هل هي ترتجف من خوفها من والدتها وتوبيخها المستمر، والذي ينتهي على أغلب الأحوال بأن تأخذ منها هاتفها، أم من هذا الوحش الذي يطاردها وأيقذها من نومها الهادئ. رمقتها خائفة بأعينها لوزية الشكل المحاطة بالعماص إثر نومها الطويل وهي تتحدث بحنق: «صرصور! صرصور! أنا أخاف منه، مرعب!» مطت والدتها شفتيها وهي تنظر إليها باستحقار، ثم مضت إلى المطبخ وتابعت وضع الخضراوات في الثلاجة. «عوض علي عوض الصابرين يا ربي! كم صار عمرك لتخافي من صرصور صغير لا يضر؟ أنت في الرابعة عشر من عمرك ولا تزالين عالقة في طفولتك الغبية؟ أمثالك في الأرياف لديهم أطفال يرعونهم.» كان صوتها عميقًا ذا صدى خافت، لأنها كانت شبه داخل الثلاجة تنظم طعام الأسبوع. «أمي! أنا أكره ذكر الزواج والأطفال، لِم علي أن أسمع ذكره طوال الوقت ليس وكأني مشرفة عليه؟ لقد سئمت من هذا الشريط المسجل الممل بخصوص أن من هم أصغر مني يستطيعون فعل ما لا أقدر عليه، وأني لا أفعل شيء سوى إمساك الهاتف، ألم تملي من هذه المقارنات السخيفة وتحبيني فقط لأني ابنتك؟! » قابلت والدتها كلامها بنظرة مظلمة بطرف عينيها، ونفثت عن أنفاسها المكتومة بقوة، كيف تجرأ على توبيخها بهذا الشكل المشين وكأنها ربتها؟! «وما مشكلتك معه إذًا؟ هل تلاعب بك أحد الشباب الطائشين عبر الانترنت، ثم تركك سريعًا وتسبب لك في عقدة نفسية؟» ألقت والدتها باللحم المجمد في حوض الغسيل ليصطدم به بعنف، والتفت إلى ابنتها التي تتعمد إغاظتها ولا تراعي كم هي متعبة من الصباح. «لا! حتى على الانترنت، لا أحد يهتم بي.» احتنقن وجهها وألم بها الغضب من كل حدب وصوب، لقد احتدم النقاش بينهم حتى تبدل إلى جدالٍ واسع نِديّ بين عدوين، لا نعلم إلى أين مرسى سيرسو. «نيروز! أنا متعبة، مضغوطة حد الانفجار، لدي مهام تؤرقني لا مهمات، دعيني وشأني الآن.» نذمرت رافعة وجهها نحو سقف المطبخ الذي تسكنه ترسبات دهون الطعام ويحتاج تنظيفًا عميقًا. امتلأت عيني الفتاة اليافعة بنظرات خائب الأمل، وقد تناثرت نظراتها في كل بقعة في المكان إلا أن تدخل في اتصال بصري مع والدتها، ثم مضت إلى المرحاض لتغسل وجهها وتبدأ يومها المعتاد المتكرر بلا فائدة. «تريدين أن تساعديني؟ احضري مساحيق التنظيف ونظفي هذه الأوساخ عوضًا عن تصفح المواقع عديمة النفع، إنها لمضيعة للوقت والحياة.» «احضري خادمة؛ أنت لست فقيرة!» لم تعلق نيروز على كلامها هكذا فقط، بل ردت بإغلاق باب الحمام بضجر، وفتحت صنبور المياه وبدأت ترش بعض قطرات الماء على وجهها بعشوائية جمة. تذمرت سارة من أفعال ابنتها المراهقة غير المسؤولة، ثم أدرفت قائلة: «فتاة عَقوق، نحن لم نكن فتيات إن كانت هذه أفعال الفتيات!» حل الصمت قليلًا، ولا نسمع سوى صوت الماء المتدفق في المرحاض. «لقد حجزت لك دروسًا في المركز التعليمي القريب من منزلنا، تجهزي ولا تنسي الموعد، إنه بعد ساعتين.» فتحت نيروز الباب وخرجت، حاولت أن تتظاهر بأنها لم تسمع شيئًا مما قالته أمها، لكنها لم تستطع ألا تبدي اعتراضها على تسلطها وتفردها بالرأي. «هل يجب على أن أذهب إلى الدرس الخصوصي الممل هذا؟ ألا زال وقت مبكرًا؟ الجميع يمضي وقتًا رائعًا في الأجازة؛ فالعام الدراسي يبدأ في أواخر شهر سبتمبر، ونحن في أنصاف يوليو، يعني شهر الاستماع بالمصيف والبحر!» جعدت نيروز وجهها وعقدت ذراعيها ومضت نحو غرفتها الواسعة، عسى أن تعدل والدتها عن رأيها، لكن صوت والدتها لا زال يطاردها حتى وهي تبعد عنها. «هل تريدين أن ترسبي في مادة الرياضيات كالعام الماضي؟ أنت لست نجيبة كي أتركك واللهو معًا في أيام الصيف، وحتى لو كنت نجيبة، النجباء يبدأون الدراسة مبكرًا، لذا الحقي بركبهم عوضًا عن مصاحبة الفاشلين، أو اعتبريه عقابًا ونتيجة للفضيحة التي أسفر عنها رسوبك، ألا تتذكرين كم كنت محرجة من معلمي مدرستك القديمة؟ أو عندما سألتني خالتك عن نتيجك؟» وقفت الفتاة واستدارت لتكمل نقاشها العقيم مع أمها التي تمارس هوايتها المفضلة في التحكم بها كالدمية. «يا أمي! لم ألبث سوى لقليل من الوقت في إجازة، هأنتذا تقرين بأني رسبت، أي أني لم أنل قسطًا من الراحة بعد.» «هذا أمر مفروغ منه، احمدي ربك أننا نستطيع أن ننفق عليك أنت وأخيك، هناك من يتمنى ربع ما تحظين به، لا تتبطري على النعمة حتى لا تُحال نقمة في وجهك الأسود!» نظرت نيروز إلى وجهها الأسمر التي تعتبره أمر يُعيار به، هل تناست أنها لها نفس البشرة؟ «أنت تجرحينني بنعت وجهي بالأسود! هو ليس أسودًا، وحتى إن كان، لا تعاتبيني وكأنها وصمة عار التصقت بي، ما ذنبي أنا؟ لم أخترها.» تنهدت سارة وهي ترفع غطاء إناء الطبخ وتسكب فيه بعض الماء لسلق اللحم، ثم تجاهلت تألم نيروز وعقبت قائلة: «الصف الثاني الإعدادي أصعب من الثالث، وأنت تعلمين هذا جيدًا، لا نريد أن نرسب في مواد أخرى، لست مضطرة لنقلك إلى مدرسة أخرى كي أتفادى الإحراج من المعلمين ومن زملائك، لقد مملت من الإجراءات الحكومية المرهقة، اعتبريها فرصة لتتعرفي على المعلمين في مدرستك الجديدة حتى لا ينقصوا لك من درجات أعمال السنة بحجة أن لك سلوكًا عدائيًا غريب الأطوار، لذا أذكرك... حذار أن أسمع منهم كلامًا من هذا القبيل عنك!» ألقت خطبتها الطويلة هذه رغم محاولات نيروز الفاشلة لقطعها. «دروس دروس! لقد مللت كل شيء في هذه الحياة.» «لا تنسي أن تصففي شعرك المجعد المقزز هذا وتتخلصي من المنظر الشنيع خاصته.» ____________ وقفت الفتاة أمام المرآة، هي لا تعرف أي شيء عن العناية بالبشرة والشعر كما تفعل أقرانها من الفتيات، حتى متابعتها للمشاهير والمؤثرين على مواقع التواصل لم تعملها أي شيء. فكت شعرها المعقد بربطة الشعر التي لم تغيرها منذ يومين، وأخذت ترمق نفسها بنظرات الاستحقار، تتحرك يديها نحو جزعها الممتلئ نسبيًا كبقية وجهها، تبدو أكبر من سنها كثيرًا، كما أنها هي لا تعرف كيف لها أن تتخلص من هذا الوجه الدميم، ولا حتى ترضى به. حاولت أن تبتسم؛ علَّ الابتسامة تضفي جمالًا على وجهها كما يقولون، لكنها تفاجأت بفك فمها العلوي البارز، الذي يكاد يشق شفتيها الصغيرتين، الآن فقط أيقنت لماذا ينادوها ب«أم ضَب». هل هم محقون فعلًا وهي تحاول أن تتملص من حقيقة حتمية عنها؟ هل هي بالفعل قبيحة كما ينعتونها؟ هل همزهم ولمزهم عندما يرونها لأن لها خليقة لا توافق أذواقهم؟ هل ابتسامتهم الصفراء هي ما يقدم لأصحاب البشرة السمراء؟ هل قهقهتم بعد أن ترحل عنهم لهذا السبب الخارج عن يديها؟! ألهذا لا يمكنها أن تحظى بالحب؟ الحب والاهتمام فقط للحسناوات؟ جال ببالها صور أصدقائها وبنات خالتها، ليسن بهذا الجمال الأخاذ، لكنهن على الأقل أجمل منها بكثير، بل لا مجال للمقارنة بينها وبينهن. تجاهلت الأمر كعادتها، ومضت لتختار ملابسها؛ فقد ازفت ساعة الدرس. «ألم تصففي شعرك كالعادة؟ ما هذه الملابس البشعة؟ لديك ملابس أفضل من هذه بكثير، ألا تعرفين كيف ينسقون الملابس؟!» ناولتها ثمن الحصة الأسبوعية وضمت كف يدها به، قبضت عليه نيروز، وتمنت لو أن تعطيها بعضًا من الحب عوضًا عن هذه الأموال البالية. أمسكت نيروز الكنزة التي كانت ترتديها بأطراف أصابعها ووجتها نحو والدتها ورفعت كتفيها متسائلة بعفوية: «ما بها؟ ملابس عادية.» أخرجت ريشة التنظيف من جيب مئزر المطبخ الذي كانت ترتديه وشرعت تبعد الغبار عن المرآة الدائرة. «ارتدي معطفًا خفيفًا فوقه، يبدو باليًا للغاية، ماذا تريدين أن يقول علينا الناس؟ ابنة المحامي المرشح لرئاسة إحدى دوائر الأسكندرية لا يملك نقودًا ليجلب لابنته ملابس قَيمة؟!» «بل سيقولون لماذا يرسل سيادة المحامي ابنته لتتلقى دروسًا خاصة في أماكن غير مرخصة، ولا تابعة لوزارة التربية والتعليم، أليس هذا غير قانوني؟» «يا لك من فتاة وقحة! كيف تجرؤين على التفوه بهذه الكلمات المسيئة؟ هل تقصدين أن والدك خارج عن القانون؟!» وجهت عصا الريشة الخشبية التي كانت بين يديها ثم هوشت بها نيروز. «دعيني وشأني لقد تعبت من اهتمامك بتعليقات الناس أكثر مني! لقد تلفت أعصابي من النزاع الدائم معك!» شدت الفتاة حقيبتها الصغيرة وحملتها على ظهرها، ومضت نحو وجهتها غاضبة، تكاد لا ترى من فرط ضيقها.

editor-pick
Dreame-Editor's pick

bc

Lauchlan The Betrayed (book 2 of Hell in the Realm series)

read
71.5K
bc

True Luna

read
1.3M
bc

A Warrior's Second Chance

read
348.9K
bc

The Warrior's Broken Mate

read
204.6K
bc

His Redemption (Complete His Series)

read
5.7M
bc

Holiday Fling with the Fae King

read
12.1K
bc

Alpha's Rejected Mate

read
1.3M

Scan code to download app

download_iosApp Store
google icon
Google Play
Facebook